بين <<زوزو>> جوزيف فارس و<<يوم آخر>> لحاجي توما وجريج هل ينام اللبناني حقاً وهل أحلامه مثل الآخرين؟! زياد الخزاعي |
بدا للوهلة الاولى ان ما يجمع بين <<زوزو>> جوزيف فارس و<<يوم آخر>> للثنائي جوان حاجي توما وخليل جريج (الترجمة الانكليزية المعتمدة جاءت من طينة اخرى في المعنى والمنحى <<يوم مثالي>>!). هي الحرب الاهلية، او ما خلفته على الذات اللبنانية. غير ان هذا الانطباع المخاتل سيخفي تحت اردانه ثيمة اكثر اهمية درامية، مغمضة، متوارية، مخبوءة في فعل حياتي، يومي، سيرتهن له زوزو الفتى ومالك الشاب من دون ان يضعاه في الواجهة، وذلك انه مفتاح ازمتيهما الداخليتين (كل حسب ظروف تشكلهما) والوسيلة التي ستبرر (كما ستشرح) لهما (ولنا كمتفرجين)، ما ينقصهما. وهو فعل سيصاغ في تنويعات سياسية واخرى كترميزات دينية وايديولوجية، سيكون على المشاهد النية اصطيادها بحذر وفطنة. وضع المخرجون (وهم جميعا كتّاب النصوص) تلك الثيمة في ثنايا حكايتين متضاربتي النوعية والخلاصة. الاول انتخب الكوميديا وسيلة، فيما غامر الاخران في <<عزل>> ميلودراما عائلية محكمة السرد، استكملا فيها ما اشتغلا عليه في عملهما المميز <<رماد>> قبل عامين. زوزو لن يجرؤ على اطلاق تساؤله: <<ليش تركتوني؟>> الا وهو ضمن ذلك الفعل، ومثله مالك الذي ان عصيت عليه ازمته واشتدت لا يجد نفسه آمنا الا وهو غارق فيه. هما صنوان دراميان لحلة فريدة، واحدة، متأزمة. الفتى في بحثه عن جواب شاف لوحدته ومأساته، والآخر في سعيه لتصحيح علاقة غرام تجبره على الوحدة والتوحد. لن يفكا بعضا من عقدها بالانتقام او التصفية او العودة الى الثكنة او الانتحار، بل... في النوم! وهما بذلك كما بطل <<مستبد>> رشيد الضعيف الذي ظل يحكي لنا في كل مرة ثقلت عليه ظنونه في معرفة هوية الطالبة الحسناء التي جلست في حضنه خلال القصف، انه يركض الى نومه، الذي يسميه تارة بالنعمة واخرى بالخطأ، وبينهما يعترف: <<لم يبق الا النوم، لكن هذا بالتمام ما أنا اهرب منه، ليس كرهاً له، فأنا اعشق النوم، بل خوفا منه>>، ولئن اعتبرت هذه الشخصية نومها: <<كأنما الزمان>>، فإن زوزو سيجد شجاعته اثناء رقدته كي يسائل النور الملائكي عن سبب غياب والديه وشقيقته ومقتلهم السريع والخاطف بانفجار قذيفة غادرة، في الدقائق الاخيرة لاستعداداتهم التوجه الى مطار بيروت كي يحققوا هجرتهم الجماعية الى السويد، يصرخ زوزو وهو معلق في سماء مليئة بالنجوم (كما الفردوس) في الضياء الباهر: <<هل انت الله؟، اعد لي أمي؟ ليش ما بترد؟>> يهرب الضوء نحو ظلمة الكون، فيتحول سؤال زوزو الى زمان آخر في مسيرته ومغامرته التي ستقوده وحيدا الى سويد الغربة حيث جده المتشاطر الذي سيعلمه فنون <<الفهلوة>> اللبنانية بطبيعتهما التقليدية القديمة وليس على طريقة زعران الزواريب الجدد؟. مالك ليس بعاشق للنوم ولا يخافه، بل ضحية له، انه مريض به، يرغمه جسده على المنام الطويل، اينما كان، وتحت اي ظرف وهو بمعنى آخر نوم عزيمته ورقدة همته. فحينما توقظه والدته (بعد مونولوغها الطويل الافتتاحي، على طريقة <<انتغونا>> الاغريقية، والذي تكرر فيه لوعتها بزوجها الذي تركها، وتناشد مالك في تورية مقابلة ان لا يتركها ايضا) كي يتما <<الاثم الجديد>> في توقيع الاوراق الرسمية التي ستلغي صفته كمختف (او مخطوف) منذ 15 عاما خلال الحرب المشؤومة، سيتردد البطل الشاب في المضي باتمام الصفقة (تسليم الصحف التي اعلنت عنها العائلة آنذاك باختفاء الوالد) على رغم توقيعهما الاوراق. وتزامنا مع هذا سيكتشف الثنائي توما جريج ان بطلهما يعاني من احباط ثان، يوازي وجع الذاكرة الابوية، انه صدود الحبيبة زينة (الكسندرا قهوجي) ومخاطباتهما الخلوية العقيمة التي تكشف عن الهوة العاطفية بينهما على رغم المسافة القصيرة الفاصلة بين سيارتيهما في شوارع بيروت. في كل احباط (وهو كثير يحيط ويشدد من وثاقه حول مالك، سيهرب الى مناماته، من دون ان يبيّن المخرجان ان كان مثل قرينه زوزو يحلم او يكلم احداً او يبحث عن خلاص رباني لعلته ووحدته. الضحية والمجرم زوزو سيعبر مخاطر الحرب بشجاعة محارب، وهي صفة كاريكاتيرية وسقطة درامية من فارس، فقد ترك الباب مواربا لشكوك حول السرعة التي تمكن فيها البطل الصغير من عبور حواجز طائفية وينجح في الوصول بسهولة نادرة الى صالة المغادرة في مطار مهدد!! انها ارادة السيناريو وحبكته، لكن قبل هذا يلعب (اي السيناريو) على التمهيد بتعميد زوزو كقديس، اصابه دم الحرب من دون ان يقتله، وحينما يفلح مع شقيقه الهروب من تعقب الميليشيا الشيعية (في مشهد المطاردة، المسلحون يرتدون ملابس سوداء من دون اشارات لافتة، لكن صور الإمام الصدر المنثورة على الحيطان تشير الى اجواء الطائفة المقصودة، فيما جاءت صور بشير الجميل في جميع المشاهد الافتتاحية وهي معلقة على جدران البيوت المسيحية، حيث يعيش زوزو) سيتركه هذا الاخ لمصيره، وفي وحدته سيجد ملاذه الوحيد في غفوة تمويهية (وهو داخل مكب زبالة!!)، وفيها سيحادث اليافع والدته (كارمن لبس التي يبدو انها تخصصت في مثل هذا الدور!) ويسائلها العودة إليه واحتضانه قبل ان يجول مرتعبا بين الجثث اثر القذيفة. هذا الحلم هو تطهير زوزو من أثم هروبه الذي لم يختاره، اذ ان عليه استكفاء المهمة الجديدة: ابقاء نسل العائلة الطائفية مستمراً. وهو ما سنصادفه، بفجاجة، في شخصية الجد (الياس جرجي) واصراره على تعليم الحفيد مفاهيم الشقاوة والغلبة والمبادأة بالهجوم والقضاء على الخصوم ويصرخ في وجهه: <<بدياك تصير متلي>> ويسرد عليه حكايات بطولاته الغابرة، مثلما انه لن يترك اي فرصة لاظهار زعرنته (كما في المشهد السيء الذي يعمد فيه الهجوم على مدير المدرسة السويدية). زوزو حسب فارس سيّبز جده بالحيلة اللبنانية وليس بالمشاكسة، فعندما يواجه صدور اقرانه في قاعات الدراسة، اضافة الى منابزة الكبار منهم باعتباره اجنبيا يصرخ احدهم في وجهه: <<عليك قراءة الرياضيات وتعلم السويدية>>، سيتفتق ذهنه عن اسلوب لشراء اهتمام زملائه، فيبدأ بتوزيع الهدايا من القرطاسية، وهو فعل سيقوده الى السرقة ومن ثم الى العقاب. واذا افترضنا ان المخرج فارس أراد اشاعة الفكاهة واستمراء الشخصية فهو في هذا المضمار قد جانبه الصواب، فبطله تحوّل من ضحية حرب (صور آريل ويرتبلاد مشاهدها على طريقة المشاهد الافتتاحية في شريط ستيفن سبيلبيرغ <<انقاذ الجندي رايان>>) الى مجرم صغير، وهي سبّة تضاف الى لبناني ما بعد الحرب!. مالك الذي تنوس روحه المكسورة سماء بيروت، سيقابل في جيلانه المستمر على مدى الثمانية والثمانين دقيقة، شخصيات وحيوات اكثر انكساراً، سيدة تصر على اطعام قطط ضالة، مخبرون مكلفون بحراسة شخصية غامضة لا يفتئون بطلب سجائر من البطل، لا فعل لديهم سوى الانتظار. العجوزان المتلازمان والمتأففان من حالة عطالتهما، وقبلهم جميعا والدته التي ستحتصرها الوحدة وذنب التخلي عن ذكرى الزوج (ستترك احدى قطع ملابسه على فراش مالك في اشارة على تداخل الزوج مع الابن في وعيها الباطن!). هاجس بطل <<يوم آخر>> هو عبور تردده مع الحبيبة، وهذا لن يحل الا في الموعد الذي تضربه معه في احدى مقاصف <<المونو>>، بيد انها ليست مستعدة بالكامل لاحتضانه امام الجميع. ومع عزلته سيغفو مالك (اداء ممتاز من زياد سعد) وسط هرج المقصف، عندئذ سيّرق القلب العصي، ويقومان بجولة داخل سيارة البطل، يؤديان فيها أفعالا غرامية تمهيدية نحو اللقاء الجنسي الحاسم، الذي سيفترض انه يحلّ أزمتهما المشتركة وعودة ارتباطهما العاطفي الى مجراه!). وكما كسرت الحرب بيروت، ستفصم زينة ما كان سائرا بطبيعته، تصرخ فجأة: <<وقف هون، ما في شي ضابط، كل شي مثل ما هو، ما راح نوصل لنتيجة>> وليس هناك اكثر من هذه التورية وضوحا حول عُموض الحالة العامة ومنها محيطها الاجتماعي، ومثلها الاشارة الى تشظي المفهوم الاخلاقي لدى جيل قلق يعاني انكسارا في قيم لم يتوارثها، بل قُسرت عليه كمتغير اجتماعي وسياسي. فانفتاحهما العاطفي السريع ليس تحصيلا منطقيا لحاجتهما الانسانية، بل بدا وكأنه <<تفريغ>> احساس ناقص وشهوة مقطوعة الجذر يعيدنا هذا الى مناجاة الأم لمالك في مفتتح الشريط، حيث ان الهفو الجنسي المبطن في كلامهما والموجه الى <<الأب المغيّب>> في جسد ابنها، سيقطع فجأة بالصحوة الثنائية: الأم حينما تعي احساسها الناقص الذي سيعلنها ارملة الى الابد، والابن بعودته الى صورته الحقة: الفتي الآني الذي سيواجه لاحقا رتابة يومه!) مالك سيتماثل بزينة من حيث قيامها ب<<نزع>> عدساتها اللاصقة وقرارها بتحويل <<بصرها>> و<<بصيرتها>> الى الوان ضبابية براقة وخيالات واشباح ملونة، وكأنها ترفض الصورة الحقيقية لمدينتها، معالمها، اناسها، تأريخها، وهي (اي زينة) ساعية بطريق ملتو ان تخلق بيروتها الخاصة، الشخصية، الهلامية. وما ان تترك الحبيب المصعوق. سنراها وهي مسرعة كي تدخل، تندمج في سوداوية صوت بيروت الليلية. مالك في أحباطه الجديد <<وتيهه>> الذاتي ميليس العدستين اللاصقتين، ويجبر، كذلك بصره وبصيرته ان تعيشيّا، وينغمر في لعبة المخاطرة برفض بيروت الحقيقية، بيد انه يفشل كونه انموذجا حياتيا عليه ان يستكفي مهمة العائلة واستمرار تأريخها (او على الاقل تصحيحه)، فهو شخصية لها مهمتها (مثلما زوزو) الأسرية الطائفية تحديدا، لذا فان محاولته الغاء حدوده الذاتية بواسطة العزلة الاصطناعية (المتمثلة بالاداتين الرقيقتين) ستبؤا الى الفشل والخسران. ماذا على مالك ان يفعل؟ هل يعود الى الشقة المعلقة بين الجفاء والأم الملتاعة في انتظار الابن (او الاب!) واوبته الليلية؟ كيف عليه التخلص من ازدواجية ليلته الخاسرة؟ الجواب: النوم! وأين: عند كورنيش بيروت (رمز العشرة العائلية البيروتية ونموذج الجماعية المدينية اللبنانية). سيتسكع مالك، شأنه كالآخرين، ملتقيا بهائمين مثله، وكائنات كاريكاتيرية (على شاكلة الشاب الذي سيطلب مساعدته في تغيير رنّة هاتفه الخلوي! وهو تهكم خفيف من المخرجين لنماذج كورنيش بيروت. سيضطجع البطل امام البحر بين الجموع المندهشة والمتسائلة عن صنيع هذا <<الاهبل الأنيق>>، ويغرق في رحلة منام <<عوليسية>> فردية، لا احلام فيها ولا خيالات، بل استزادة قوة وصفاء نفس، وربما المزيد من الشجاعة لمواجهة يوم آخر. هنا سيقوم مالك بأكثر افعاله حيوية طوال الشريط: التريض! على طريقة التقليعة الحديثة لعدائي الكورنيش الكثر (لن ننسى النشاط ذاته لأحد ابطال <<أرض مجهولة>> لغسان سلهب!) سيعدو امام الكاميرا لشحذ همته واحماء طاقته، اذ يبدو انه توصل الى خلاصة ما كجيلانه البيروتي (الذي قد يكون توصل اليه اثناء رقدته!): انه من الخسارة انتظار شيء جديد من مدينة كبيروت، يومها هو استكمال لما سبقه، وان <<آخره>> ليس سوى ذلك <<الآن>> المتكرر!. أمام الماء (بطل حاجي توما جريج سيختار منتهاه الدرامي أمام بحر بيروت (من ينسى انه كان بوابة الهروب امام اشتداد جحيم الحرب آنذاك)، كونه الأكثر اتساعا لهمه واصراره، على اقصاء نفسه وروحه، من شوارع المدينة الفاتنة والمتناقضة، فيما سيستعيد بطل فارس حيوته وجزءا من طفولته وهو يقف أمام ماء آخر: بحيرة في سويد اقامته وموطنه الجديد وهو برفقة صديقه الأوحد. سنراهما وقد القيا سنارتيهما، آخذين بمناكفة بعضيهما بعدّ اسماكها!، أما الجد والجدة فعادا على طريقتهما المتوارثة الى بيروتهما، اذ شكلا ما يشبه المضرب العائلي عند <<كورنيش افتراضي>> مع عدة الاكل والشراب و<<شدّة>> الورق وكؤوس القهوة!. زوزو سيبعث ثانية باعتباره جزءا من مد الاغتراب اللبناني الدائم وهو ما ينعطف على تجربة المخرج فارس (ولد عام 1977، وفي العاشرة استقر مع والديه في مدينة اوربيو السويدية، اخرج افلاما منذ سن الخامسة عشرة واول اعماله انجزه عام 1995 تحت عنوان <<مجانين>>!) الذي كتب قائلا <<لا اجد جوابا كوني انجزت <<زوزو>>، اذ كان موجودا دائا في رأسي هو عمل شخصي اكثر من أي أعمالي الأخرى لأنه مستوحى من حياتي (...) كان عليّ ان ابحث في العمق، وهو امر شاق، عن شيء لم اعرف كنهه، شاق بسبب علاقته، ربما، بالغربة>>، فهذه الاخيرة حتمت على صاحب <<يلايلا>> ان يستعيد وطنيته المسروقة عبر نموذج شرع بمغامرته خياليا بمحادثة صيصيا وحمامة (وكأنهما فور رحيل وسفر مقبلين)، وفحولة جنسية مبكرة، وفاجعة موت سريع ومفبرك. زوزو لا يختفي مثل والد مالك بل سيرتسم مسارات الدياسبورا اللبنانية، وليجد تألفه كما اراده جوزيف فارس مع صحبة سويدية بعد معاناة. مالك سيُبعث هو ايضا، لكن وسط محيطه، وما عليه سوى اعادة تشكيل وعيه وترميم عزمه داخله المنكسر. ان حكايته ايضا ذات بعد شخصي مقارب لتجربة الثنائي حاجي تومار جريج من حيث ان الاخير فقد احد اقربائه (اختفاءه بالاحرى!)، ولأنها <<حكاية جيل>>، كما كتبا في تقديم فيلمهما، <<نحن، الذين ينتمي الينا البطل مالك، جيل شاب يعيش حياة يومية رتيبة، وقع بين شرك: اثم الماضي الاسود الذي من الصعب اعتباره امرا مفروغا منه، وكرّب المستقبل السياسي المضطرب والغامض للمنطقة. الاحوال (في لبنان) في حالة كمون. الحاضر يصعب العيش فيه، وان كان فهم يعيشون حالة هستيرية في ليالي بيروت، حيث يترفق الناس الى الخارج لينسوا انفسهم، او ليضيعوها، يذهبون الى المقاصف والنوادي بحثا عن الجماعية، لايجاد ايقاعهم، مروضين اجسادهم واجساد الآخرين>>. وهذا الكلام سيشرح لماذا على مالك ان يلملم بعضه المتشظي، ولماذا على بيروت ان تجد يوما آخر اكثر اشفاقا على ابنائها، ان تكون هويتهم، لا جلبه اصطراعاتهم السياسية كانت ام العاطفية. ولعل مالك، الذي لا يملك سوى هاتفه المحمول كملاذ لرسائله المختزلة والمضخمة بالترجي، هو يسوع آخر، جديد يحارب اختفاءه بالمنامات، وابعاد احتمالات حرب لا يتحمل احد اوزارها من ثانية، وسؤال مالك مثلما هو لدى زوزو: هل ينام اللبناني حقا؟ أحلامه مثل الآخرين، أم مازالت كوابيس الموت والاقصاء والهوية ونزعة الاستثناء اللبناني القاتلة مازالت تخيم على ملاذه الاخير؟. السؤال الاكبر: متى يستيقظ اللبناني، متى يفيق؟! (لندن) السفير اللبنانية في 11 نوفمبر 2005 |
بعد انتشار الألفاظ الخارجة والاقتباس وسرقة الأفيشات في أفلامنا نبحث سر اختفاء السينمـا الجميلة من حياتنا تحقيق ــ أحمد السماحي شهد موسم الصيف منافسة ساخنة بين13 فيلما تم عرضها في15 أسبوعا هي إجمالي موسم الصيف وكل هذه الأفلام باستثناء فيلم السفارة في العمارة لم تقدم جديدا, ولم تطرح قضية وجنحت إلي الاستسهال والابتذال والاقتباس حتي الأفيشات تم كشف سرقة أفكارها عن أفلام أجنبية شهيرة, وهذه الأيام يتم عرض4 أفلام جديدة ومثل سابقاتها لم تقدم جديدا, الحسنة الوحيدة في كل هذه الأفلام هي التنوع في نوعية الأفلام المعروضة حيث شاهدنا الفيلم الكوميدي والاجتماعي والسياسي والبوليسي والأكشن لأول مرة منذ سنوات, وما يحدث في السينما الآن عكس ما كان يحدث في الماضي حيث كانت السينما المصرية موضوعية في طرحها لقضايا المجتمع بكل أخطائه وخطاياه, وكان المشاهد يخرج منها يحمل الأمل والرغبة في تغيير ذاته ومجتمعه من منطلق حبه لهذا المجتمع. كانت السينما لا تكذب وقد تتجمل أحيانا والآن أصبحت تكذب ولا تتجمل بالمرة, وإنما تتعمد تقديم البذاءة والألفاظ النابية والإفيهات الجنسية, وإظهار الجانب السيئ في كل شيء, وقفز أنصاف الموهوبين سواء ممثلين أم مخرجين أم مؤلفين يعيثون فيها فسادا, فكيف وصلت السينما إلي هذا المستوي؟! ولماذا اختفت السينما الجميلة من حياتنا؟! هذا ما نناقشه في سطور التحقيق التالي. في البداية تقول الناقدة والسيناريست ماجدة خيرالله السينما الجميلة ليست بالضرورة هي التي تعرض قضية أو تناقش مشكلة ولكن هي التي تتضمن قيما جميلة وأحاسيس حلوة مرهفة, ففي الماضي شاهدنا أفلاما مثل شارع الحب ـ الرجل الثاني ـ يوم من عمري ـ غزل البنات وغيرها وكل هذه الأفلام لا تعالج قضية, لكنها تنتمي إلي السينما الجميلة المليئة بالعناصر الفنية الجيدة من حيث القصة والسيناريو والإضاءة والإخراج والتمثيل, وفي نفس الوقت نقدم قيما إنسانية جميلة مثل الوفاء والإخلاص والاهتمام بالعمل فمثلا في فيلم الوسادة الخالية عندما تخلت البطلة عن حبيبها أو لبني عبدالعزيز عن عبدالحليم حافظ لم يضربها ولم يهددها برقبة زجاجة أو غيرها من أمور البلطجة التي نشاهدها في الأفلام الحالية لكنه أصر علي النجاح حتي تندم حبيبته علي تركه, وهكذا كان دائما الحبيب عندما يصدم في المجتمع أو في الحبيبة يصمم علي النجاح بطرق شرعية حتي يكون ذا قيمة ويتجاوز الفشل لهذا مازالت هذه الأفلام محفورة في ذاكرتنا جميعا, أما الأفلام الحالية فمشكلتها إنها رديئة ومليئة بالقبح والحوار فيها متدني إلي أقصي درجة ولا تقدم صورة واقعية لما يحدث حاليا علي مستوي العالم العربي ولا يوجد فيها عنصر من عناصر الجمال الذي يجب أن يتوافر في الفن عامة فما الجمال في أفلام مثل بوحة ويا أنا يا خالتي وعوكل وخالتي فرنسا ؟! وفي النهاية تؤكد خيرالله أن اختفاء السينما الجميلة يعود إلي ضحالة فكر المسيطرين عليها حاليا سواء ممثلين أم مؤلفين أم مخرجين أم منتجين. الحالة الاقتصادية ويرجع السيناريست والناقد السينمائي رفيق الصبان اختفاء السينما الجميلة إلي الحالة الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي يمر بها العالم العربي حاليا والتي انعكست علي السينما لدرجة أنها تحولت من دار للأحلام إلي دار للكوابيس, ويقول في الماضي كنا نذهب إلي السينما لنري عالما جميلا مليئا بالأحلام والطموحات والمشاعر النبيلة, الآن أصبحنا نذهب لنري عالما نرفض تصرفاته لأنه مليء بالوقاحة وقلة الأدب وبعيد تماما عن عاداتنا وأخلاقنا التي نشأنا عليها. انحطاط
أما المخرج محمد كامل القليوبي فيقول بسخرية لاذعة أنا مؤمن بالمثل القائل
هذا الشبل من ذاك الأسد وأنا أقول هذه السينما الرديئة المنحطة التي
نشاهدها حاليا من تلك اللبوءة! واللبوءة هنا أقصد بها الانحطاط العام
الموجود في المجتمع, وهذا الانحطاط ليس قاصرا فقط علي السينما لكنه موجود
في كل وسائل الإعلام فلغة التخاطب أصبحت بذيئة وأبسط مثال علي ذلك تلك
الجرائد التي تظهر كل يوم والمليئة بالعناوين العامية الركيكة جدا التي
تخجل من قراءتها أمام أولادك حتي لا يتأثروا بها.. ويضيف القليوبي لست ضد
البذاءة لأنها موجودة في المجتمع لكن لابد أن يكون بجوار هذه الأفلام
البذيئة أفلام محترمة تمثلنا في المهرجانات العربية والدولية أليست مصيبة
إنه لا يوجد فيلم واحد يمثلنا في المهرجانات والمحافل الدولية. المنتج الفنان وتؤكد الناقدة إيريس نظمي أن اختفاء المنتج الفنان كان السبب وراء الانهيار الأخلاقي والفني الذي يحدث في السينما الآن وبالتالي اختفاء السينما الجميلة ففي الماضي كان معظم الفنانين يمتلكون مكاتب إنتاجية يقدمون من خلالها إنتاجهم فكنا نري أفلاما رغم بساطتها إلا أنها متميزة ومبهرة من إنتاج آسيا ـ ماري كويني ـ رمسيس نجيب ـ محمد عبدالوهاب ـ فريد الأطرش ـ عبدالحليم حافظ ـ شادية ـ ماجدة ـ فاتن حمامة وغيرهم, اليوم أصبح المسيطر علي الساحة الفنية نوعية أخري من المنتجين بعضهم جزارون والبعض الآخر مستثمرون وكلهم همهم الرئيسي التجارة والربح فقط بعيدا عن الفن, لكن ذاكرتنا السينمائية والأيام القادمة ستنتصر لأفلام جيدة مثل بحب السيما ـ سهر الليالي ـ أحلي الأوقات ـ باب الشمس وستتواري أفلام بوحة وعوكل وخالتي فرنسا وغيرها من هذه النوعية من الأفلام الهزيلة فكريا وفنيا. المجتمع ويري الناقد السينمائي ورئيس الرقابة السابق مصطفي درويش أن السينما مرآة للمجتمع, والمجتمع المصري اليوم ليس جميلا وبالتالي لابد أن تختفي السينما الجميلة كما اختفت أشياء كثيرة جميلة من حياتنا, ويقول بالإضافة إلي أن السينمائيين لدينا لا توجد لديهم القدرة علي المقاومة فالفنان منهم ـ خاصة المخرجين ـ يبدأ مشواره الفني بفيلم قوي جميل وعندما يجد زملاؤه من حوله يقدمون أفلاما تافهة وتحقق إيرادات عالية يترك المباديء والمثل التي كان ينادي ويؤمن بها في بداياته وسرعان ما يقفز ويركب الموجة ويسبح فيها لدرجة الغرق المهم عنده أن يلم قرشين لكن ليس بالمال وحده يحيا الفنان. وعن كيفية عودة السينما الجميلة مرة أخري لحياتنا يضيف عندما تصبح الشوارع نظيفة وفترينات المحلات شيك ويقبل الولد يد والده ويهتم الناس بعملهم ويتفانون فيه, ويتخلص الفنانون الحاليون من عقدهم.. ستعود السينما الجميلة كما كانت وكما نتمني أن تكون* الأهرام العربي في 12 نوفمبر 2005 |