أمين صالح

 
جديد أمينكتب في السينماجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 
 
 

ملفات خاصة ( 4 )

 
 
 

لاحق

<<

05

04

03

02

01

>>

سابق

 
 

مجلة الفيصل السعودية

 
 
ملف عن أمين صالح في مجلة الفيصل السعودية
بتاريخ 01 يوليو 2021
 
 
 
 

أمين صالح: ثورة ناعمة في ميادين الكتابة

 

أمين صالح: عن الدرس الأول والسَّلمندر وتخدير الحواجز وأشياء أخرى

 

شعرية الكتابة في أعمال أمين صالح الإبداعية: الإنفتاح النصي والرؤية البصرية

 

 

استراتيجية في الكتابة تجعله يقيم على تخوم الإبداع

 

في مواجهة ماضٍ لم يمت بما يكفي

 

مخيلةٌ تمرح.. حلم يتنزّه

 

أمين وهو يرانا الآن

 

ناقد سينمائي وفيلسوف متفرد

 

شجرة بأوراق كثيرة

 

المختلف إبداعاً وسرداً

 

 

استراتيجية في الكتابة

تجعله يقيم على تخوم الإبداع

 

فخري صالح ـ ناقد أردني

 

يسعى الكاتب البحريني أمين صالح، منذ صدور مجموعته الأولى، إلى الاقتراب، في خصائص كتابته القصصية، من تخوم الكتابة الشعرية، ليصل إلى ما يسميه الكاتب والروائي المصري إدوار الخراط «كتابة عبر نوعية». ويمكن أن نلاحظ، منذ البدايات، أن الاهتمام بتوليد فضاء شعري هو العنصر المهيمن في كتابته القصصية، وهو ما يضفي سحرًا وغموضًا على شخصياته وعوالمه الشديدة الالتصاق بفئات العمال والصيادين والمطاردين السياسيين والمثقفين الهامشيين، والأشخاص المهمشين، والحالمين بالتغيير. وتدلّ عناوين كتبه («هنا الورد.. هنا نرقص»، «الفراشات»، «الصيد الملكي»، «الطرائد»، «ندماء الريح ندماء المرفأ»، «العناصر»، «ترنيمة للحجرة الكونية»، إلخ) على الفضاء الشعري الذي يهيمن على قصصه، وعوالمه، وبؤرة اهتماماته.

في «الفراشات» (1977م) تبني معظم القصص أحلام اليقظة، أو عوالم خيالية تتخلل المشهد الذي يؤطر هذه العوالم، أو أنها تستحضر شخصيات تاريخية لتضيء، من خلالها، التجربة المعاصرة. لكن الخَصِيصة الأساسية التي تتمتع بها قصص هذه المجموعة تتمثل في غلبة لغة الاستعارة، أو الفضاء الشعري، على بنائها السردي. وهذه الإستراتيجية في الكتابة هي التي تحكم عالم أمين صالح القصصي، حيث تتوالى سلسلة من التداعيات والمشاهد التي تولدها ذاكرة شعرية في الأساس، ذاكرة مولعة بتوليد علاقات شعرية بين أشياء هذا العالم. ثمَّة خَصِيصة أخرى، في قصص صالح، تتصل بالاستفادة من الأنواع الفنية التصويرية الأخرى؛ من السينما والمسرح، والفن التشكيلي، كذلك. وهو ما سيطوره الكاتب في مجموعاته اللاحقة.

في المجموعة التالية «الصيد الملكي» (1982م) نلاحظ أن العناصر السردية بدأت تغلب على النصوص، مفسحةً حيزًا ضيقًا للتأملات الشعرية وتقنيات الكتابة الشعرية، ومبقيةً فقط على الصور والاستعارات التي ترد في وصف الراوي للأمكنة والشخصيات. إن إستراتيجية الكتابة الشعرية تتوارى لتحل محلها إستراتيجية السرد وعناصره من بناء الشخصية، ووصف الأمكنة، وتوليد الأحداث، وتوسيع فضاء السرد. والقصة الأولى في هذه المجموعة هي حاصل جمع عدد من الحكايات تؤطرها مقدمة، يوقِّعها القاص، ويصف فيها مشهدًا فِرْدَوْسِيًّا للمخلوقات الصاعدة في أرض الأبدية والسلام والطمأنينة، حيث تتآلف الحيوانات والنباتات مع البشر، وتمارس الخليقة ما تصبو إليه، من دون رقيب أو حسيب، وتعيش كرنفالًا بهيجًا من المتعة والتخفف من أثقال الظلم الأرضي. ويعرض الكاتب في هذه المجموعة، المركزية في عمله، عالمين متقابلين: عالمًا أرضيًّا عامرًا بالتسلط والقهر والعنف والاستغلال والقتل، وعالمًا فِرْدَوْسِيًّا بديلًا يتآخى فيه الإنسان والحيوان.

لعبة التصيد الخيالي

ولعل لعبة التصعيد الخيالي التي تمارسها الشخصيات المقموعة في القصص هي البديل الوحيد المتاح لها في إطار هذه البنية القصصية، التي يؤدي فيها الوصف الشعري للأحداث والشخصيات دورًا تصعيديًّا يرفع المقموعين من العالم الأرضي، المغمَّس بالقهر والقمع، إلى عالم الخيال الذي تذوب فيه المتناقضات وتَمّحي الفوارق، وتقترب المسافات، ويعاد فيه خلق الأشياء وتنظيم العلاقات. في هذا السياق، يبدو الشعر كوةً مفتوحة على الخلاص من عذابات الواقع وأحزانه، وهو ما يدل على أن لجوء القاص إلى شَعْرَنة اللغة السردية يتصل اتصالًا وثيقًا بالمعنى الذي يسعى إلى توليده، والرسالة التي يقصد إيصالها إلى القارئ. لكن أمين صالح، على الرغم من انضواء عمله في إطار تيار من الكتابة القصصية العربية يميل إلى شعرنة اللغة السردية، فإنه يميل في مجموعاته القصصية إلى كتابة صور مكثفة مختزلة تغيب عنها الحبكة، ويمثل وصف اللحظة المحورية، في حياة الشخصية أو الشخصيات، بؤرتها.

في «الطرائد» (1983م) يكرس القاص العمل كله لهذا النوع من الكتابة القصصية المكثفة، التي تدور في مجملها حول المطاردين والملاحقين سياسيًّا، والمهمشين والمنبوذين في المجتمع، أولئك الذين يتخلصون من الملاحقة، أو الوقوع تحت وطأة كابوسها، عبر اللجوء إلى الانتحار والتخلص من الحياة، أو الموت رعبًا، أو كمدًا، أو جوعًا. ويأخذ شكل الكتابة في هذه المجموعة طابعًا تصويريًّا برقيًّا شديد الكثافة؛ لأن القاص يريد أن يحدث انطباعًا شبيهًا بالانطباع الذي تحدثه اللقطة السينمائية السريعة، أو الانطباع الذي تثيره لوحة تشكيلية. وقد صادفنا في عمل القاص، من قبل، ميلًا للاستفادة من لغة السينما، وكذلك اقترابًا من لغة الرسم. وضرباتُ الفرشاة في «الطرائد» لا تخطئها العين.

«ندماء المرفأ، ندماء الريح» (1987م) أكثر قربًا من روح النص المفتوح على الأنواع، أو أنها، بتعبير إدوار الخراط، «كتابة عبر نوعية». ثمة عناصر شعرية في القصص، وخرقٌ للقوانين الطبيعية، وواقعية سحرية، وابتهالات وأدعية، وصوفية أرضية، وارتفاع بالجسد، والتواصل الجسدي، إلى مرتبة المقدس. هنا، الشخصيات غائمة الملامح، والحبكة غائبة، والكلمات تنسج شبكة من العلاقات اللغوية التي تولد فضاء شعريًّا بالأساس، وتنتهك بنية النوع القصصي، وتحذف منه عناصره الأساسية المتواضع عليها.

إنها كتابة على حافة الشعر، لا يقصيها عن مملكة النوع الشعري سوى حضور الشخصيات، وإن كانت غائمة الملامح. ليس ثمة قصص، بل تصويرٌ شعري لشخصيات وأحداث غريبة تتجاوز الطبيعي والممكن والمألوف في قدرتها وحضورها. وما يجعلنا نقرأ هذه النصوص بوصفها «نصوصًا قصصية» هو سلسلة النصوص التي أنتجها الكاتب من قبل، ووضع على أغلفتها لافتات تشير إلى كونها قصصًا. إن قصد المؤلف وإعلانه عن نفسه موجِّهٌ أساسي للقارئ. ولو أننا انتزعنا اسم أمين صالح عن غلاف «ندماء المرفأ، ندماء الريح»، فلربما كنا قرأنا هذه النصوص بوصفها نصوصًا شعرية. لكنّ للتصنيف النوعي المتداول الخاص بالكتاب قوةً قهرية تغلِّب نوعًا أدبيًّا على آخر في إنتاج كاتب بعينه.

المنظور وعلاقته بالشخصية

في «العناصر» (1989م) سنجد أن تحولًا قد طرأ على عمل صالح القصصي، وهو تحول يطول زاوية النظر وبؤرة العمل. صحيحٌ أن شاعرية اللغة، التي يحرص القاص على بروزها في المجموعات السابقة، تستمر في حضورها الواضح في هذه المجموعة، لكن العنصر الأكثر أهمية هنا هو المنظور وعلاقته بالشخصية. إن الكاتب يعدُّ هذه النصوص عملًا متصلًا، وذلك من خلال فهرس المحتويات الذي يصنع من عناوين القصص جملًا متصلة تنتج نصًّا فيه من الشاعرية ما يكشف عن المعنى الكامن لهذه المتوالية القصصية. «ذاكرة الظهيرة.. خفافًا تمشي وتضيء.. قنديل العرافات/ في المدى سرير يشتعل وشجرة تنتحل هجرة الينابيع/ إنها الوليمة.. تقول الحدآت. هناك، هناك اخضرار المذبحة، وهنا إثم، وفزاعات تنتحر». (ص: 4)

تقوم هذه الجملة المتصلة التي تبدو غامضة شاعرية، في حالِ لم نربطها بالنصوص التي تضمها المجموعة، بلحم النصوص وتحويلها من متوالية قصصية إلى نص روائي قصير، تتغير فيه الشخوص، ويقوم فيه المكان والأشياء بدور البطولة. إن بؤرة العمل مقيمة في هذا العالم الخيالي الذي يحول المرأة إلى شجرة تراقب وتتعاطف مع شخصيات العالم الأرضي التي تسعى في المكان. ويُولِّد القاص الشخصيات من جسد المرأة – الشجرة، مطلقًا هذه الشخصيات في فضاء التجربة الحياتية المُرَّة. فبائع البالونات يندلق من السرة ويهرول إلى ساحة عامة تزدحم بالتلاميذ، ويموت برصاصات حارس بنك، عندما يتسلق سور البلدية، ليخلص بالونًا عالقًا، ليعطيه لطفلة صغيرة. وهناك فتاة صغيرة تنحدر من الخاصرة، وتتعرض للاغتصاب في عالم لا يفهم براءتها. أما اليمامة فتنسلُّ من الثدي، ليباغتها الصياد، ثم يتركها بعد أن قررت الوقوع في شباكه. هناك أيضًا حاوٍ يتدحرج من الجبين ويغير قوانين الطبيعة، فتخاطب الأشجار البشر، وتفتح العصافير أقفاصها وتطير، وشجرة هائلة تطفر من المقلة، وتراقب ما يحدث في بيتين متقابلين، وتخلع نفسها من الجذور، بعد حدوث جريمة قتل، إلخ. إن القاص يولِّد الشخصيات من الرحم الأولى، من جسد المرأة – الشجرة، ويبقى الأصلُ، جذرُ الولادة، شاهدًا على ما يحدث للمخلوقات التي انسلَّت من أعضاء المرأة – الشجرة.

والقارئ يتحصَّل على معرفته بما يحدث من خلال عين مراقبة تنقل له ما تشاهده من أحداث الولادة والموت. المهم في هذا النص هو قدرة القاص على جعل القارئ يتتبع عناصر الحكاية من خلال عين الشجرة التي ترصد الشخصيات وفضاء المكان بالقدر الذي تتيحه لها عين الكاميرا. وهذا ما يجعل النص عملًا بارعًا حقًّا، حيث تروي المتوالية القصصية الحكاية الرمزية لرحلة الكائن الإنساني. وعلى الرغم من تعدد المنظورات، أو زوايا النظر، في القصص، فإن ما يهم القاص هو تقديم صورة مواربة لتجربة الكائن، صورة كابوسية، جهنمية، مزلزلة وعاصفة، لينتهي به أخيرًا إلى أرض الموت.

في مقابل المجموعات السابقة، فإن كتاب أمين صالح «ترنيمة للحجرة الكونية» (1994م) ليس كتابًا قصصيًّا بالمعنى النوعي. إن فيه بعض عناصر القص، ولكن التأمل الشعري، وخطاب البوح والدعاء، ومحاولة تلمّس معنى لتجربة البشر على هذه الأرض، هي العناصر الأساسية التي تشكل لحمة هذه النصوص. وإذا كان عدد من هذه النصوص يشتمل على بعض العناصر السردية، كوجود صوت يروي، وإيراد نُتفٍ من الحكايات، وملامح غائمة للشخصيات، فإن لغة البوح والتساؤل والتذكر الأسيان تقترب بها من عالم الكتابة الشعرية. لكن هيمنة عناصر التعبير الشعري لا تنفي وجود علاقة بين هذه النصوص وقصص الكاتب السابقة، خصوصًا أنه يعتمد في عمله إستراتيجية في الكتابة تجعل نصه يقيم على تخوم الأنواع، على الجسر الواصل بين القصة والشعر.

ولعل «ترنيمة للحجرة الكونية» يكتسب شرعية وجوده بين نصوص الكاتب القصصية من تجانس عوالمه، واشتمال نصوصه كلها على المزج بين العناصر البنيوية لكل من السرد والشعر. وهو الأمر الذي يقترب بكتابته من سلسلة غير متجانسة من النصوص القصصية والشعرية التي أنجزها كتاب عرب، بدءًا من زكريا تامر، ويحيى الطاهر عبدالله، وإدوار الخراط، وصولًا إلى سليم بركات، وقاسم حداد.

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004