أمين صالح

 
جديد أمينكتب في السينماجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 
 
 

ملفات خاصة ( 4 )

 
 
 

لاحق

<<

05

04

03

02

01

>>

سابق

 
 

مجلة الفيصل السعودية

 
 
ملف عن أمين صالح في مجلة الفيصل السعودية
بتاريخ 01 يوليو 2021
 
 
 
 

أمين صالح: ثورة ناعمة في ميادين الكتابة

 

أمين صالح: عن الدرس الأول والسَّلمندر وتخدير الحواجز وأشياء أخرى

 

شعرية الكتابة في أعمال أمين صالح الإبداعية: الإنفتاح النصي والرؤية البصرية

 

 

استراتيجية في الكتابة تجعله يقيم على تخوم الإبداع

 

في مواجهة ماضٍ لم يمت بما يكفي

 

مخيلةٌ تمرح.. حلم يتنزّه

 

أمين وهو يرانا الآن

 

ناقد سينمائي وفيلسوف متفرد

 

شجرة بأوراق كثيرة

 

المختلف إبداعاً وسرداً

 

 

شعرية الكتابة في أعمال أمين صالح الإبداعية

الإنفتاح النصي والرؤية البصرية

 

نورالدين محقق ـ ناقد مغربي

 

تتعدد أنواع الكتابة الأدبية وهي تتجلى في صور شتى، تارة حسب المعاني التي تُعبر عنها، وتارة أخرى حسب الأسلوب المتحكم فيها، والأسلوب هو ما يَسِمُها أساسًا بميسمه ويجعلها متفردة بذاتها، بما أن المعاني تظل وتبقى دائمًا، حسب قول الكاتب العربي أبي عثمان الجاحظ، مطروحة في الطريق، ويعرفها بالتالي الجميع، ومن ثمة، ففي إمكانهم الإتيان بها وتناولها في كتاباتهم. وإنما الأساسي في الكتابة، ولا سيما الشعرية منها، هي الصياغة وعملية التصوير، والكتابة كما يقول الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت عنها «باعتبارها حرية»، فإنها «تنحدر من إشارة دلالية للكاتب، فإنها تلامس التاريخ أكثر من أي عنصر آخر مكون للأدب». هكذا نرى أن الكُتاب يختلفون في نوعية الكتابة التي يمارسونها، وفي الشعرية المتحكمة في بنيتها، سواء على مستوى الشرق أو الغرب، ومن بين الكتاب العرب المجيدين الذين تفردوا بنوعية كتابتهم الإبداعية التي تنحو منحى الكتابة المنفتحة على تواشج بين مختلف الأجناس الأدبية داخلها، والرؤية البصرية المستمدة من الفنون البصرية، وفي مقدمتها الفن السينمائي خاصة، نجد الكاتب البحريني الألمعي أمين صالح.

شعرية الكتابة في مرآة الصور

تتحقق الكتابة الشعرية لدى الكاتب البحريني أمين صالح عبر القبض على الصور المرئية انطلاقًا من الكلمات، وهي عملية صعبة لا تنقاد إلا لشاعر خبير بالصورة على مختلف تجلياتها الرمزية وبعدها المرئي البعيد. هكذا نرى في هذه الكتابة الشعرية كثافة ثقافية متنوعة وشديدة العمق حيث «يصير الكلام في هذه الحال، هو الزمن المكثف لمخاض أكثر روحانية يُهيأ خلاله الفكر ليأخذ موضعه تدريجيًّا بوساطة مصادفة الألفاظ»، ففي ديوانه الشعري «موت طفيف»، طبع المؤسسات العربية للدراسات والنشر سنة 2001م، نرى منذ البداية أن «الزوارق تمر، الرياح تمر، اللقالق تمرّ…»، وهي صورة مرئية بامتياز، تعتمد في عملية بنائها على كلمة المرور في إطارها الفعلي الدال على الحركة المستمرة، وعلى عملية تكرارها بشكل يجعل من هذه الحركة تأخذ صورة الديمومة، مما يجعل من البناء الكلي لهذا المشهد الشعري يسير وفق إيقاع متحرك تتوالى فيه الصور وتأخذ أبعادًا مختلفة. ثم تأتي مباشرة صورة الثبات، لتُحقق انزياحًا دلاليًّا بتعبير جان كوهن في كتابه «بنية اللغة الشعرية» يخلق فجوة التوتر لدى المتلقي، ويجعله يعي بأن ما يقرؤه ليس كلامًا عاديًّا، وإنما هو شعر مُنفلت عن التصنيف الجاهز العادي. إن الدلالة الشعرية تأخذ هنا منحى مُغايرًا تمامًا، فبدل أن يكون الرجل وحيدًا في الضفة وهو يشاهد المياه، تصبح الصورة المقدمة هنا في إطار تركيب شعري فاتن مختلفة عن المعتاد. يقول الكاتب أمين صالح وهو يرتدي هنا قبعة الشاعر مُصورًا لنا هذا المشهد كما يأتي: «والآن،/ الضفة وحيدة مع رجل وحيد/ لا يعرف أن يكلّم المياه».

هكذا نلاحظ أن الكتابة الشعرية هنا، وهي تُكتب اعتمادًا على الصور الاستعارية المبثوثة فيها، وعلى لعبة التشويش الدلالي العميق الذي يضاعف من جمالية هذه الصور المعتمدة على الكلمات ويحولها إلى صور تكاد تُرى بالعين؛ لأنها صور وكأنها كُتبت بالضوء، على حد تعبير الكاتب أمين صالح نفسه وهو يتحدث عن الفن السينمائي في كتابه «الكتابة بالضوء: في السينما، اتجاهات وقضايا»، الذي أصدره سنة 2008م.

إن الكاتب/ الشاعر أمين صالح هنا في هذا المقطع الشعري الأخاذ، يجعل من «الضفة» كائنًا حيًّا، إنه يؤنسنها، بحيث يضفي عليها صفة «الوحدة»، فهي تعيش على الأقل في هذه اللحظة «وحيدة» ومن يؤنسها هو الآخر «وحيد»، من يرافقها في هذه الوحدة هو «رجل وحيد». صورة شعرية غاية في الغرابة، وما يجعل من الشعر شعرًا هو هذه الغرابة الدلالية التي تحوله بالفعل وتغير مساره الضمني من كلام عادي إلى شعر متميز ومُختلف. إن هذه الكتابة الشعرية تتميز بالجدة، إنها تخرج بتعبير الكاتب الفرنسي رولان بارت، «ثمارًا ناضجة للدلالة»، وهذه الثمار الدلالية الناضجة أساسها هُنا هو الاستعمال المجازي للغة، واعتماد التصوير الشعري في مقابل الاستعمال العادي للكتابة.

في مشهد شعري آخر من هذا الديوان، يصف الكاتب أمين صالح بشعرية فاتنة تعتمد على الرؤية البصرية السينمائية رجلًا وهو يراقب امرأة وهي تطل من النافذة، إنه ينقل للمتلقي هذا المشهد الشعري بهذه الطريقة التصويرية السينمائية. يقول: «من بعيد يُراقب المرأة الواقفة خلف النافذة/ مأسورًا بوجهها الملائكي الذي لا يشوّه الحزن نقاوته/ مأخوذًا بدموعها المهرولة بخفة في الفضاء، مثل رذاذ كوني./ من بعيد يراقب الحضور اللامرئي/ لامرأةٍ تبكي خلف النافذة».

الشاعر هُنا يُراقب هذه المرأة التي توجد خلف النافذة، وهي صُورة تبدو معكوسة إذ افترضنا أن في الأصل كان على المرأة أن تُراقب هي الأخرى الرجل، بما أن النافذة هي مشرعة على الخارج، وهي بذلك تسمح بالرؤية الخارجية والإطلالة على الأشياء ومعرفة العالم في امتداده، لكن الشاعر وهو يفعل ذلك، كان في عملية التخييل الشعري، وكأنه يراقب حضورًا غير مرئي، يتجاوز الرؤية البصرية المنفتحة على العالم الخارجي ليربطها بشكل لا شعوري بالرؤية البصرية الداخلية، حيث يتحول اللامرئي إلى مرئي، كما أن المرئي قد يتحول بنفس هذا المنطق التخييلي المضاعف إلى لا مرئي في عملية كيميائية لغوية مذهلة. الشعر، في هذه التجربة الإبداعية المتميزة للكاتب، الشاعر أمين صالح، يتحول إلى «محاولة الشاعر أن يدرك ما يتعذر إدراكه وانهماكه الأساس، إذن ليس في أن يصور الواقع أو ينقله، وإنما هو في أن يبقي اللغة متوفزة، مُرتبطة بحيوية الحدس كأنها التموج الذي لا يهدأ».

إن الكاتب البحريني الألمعي أمين صالح، وهو يحلق في هذه الكتابة الشعرية المميزة بخصوبة التصوير الشعري فيها، يمتلك عينًا سينمائية مدهشة تُركز على الحقل المرئي داخليًّا وخارجيًّا، فيبدو المشهد الشعري وكأنه قطعة سينمائية مأخوذة من فِلْم سينمائي سوريالي عميق. طبعًا على اعتبار أن السوريالية الشعرية هنا، هي «ظاهرة ديناميكية لا سكونية ولا مُستقرة. وهي وسيلة تحرر شامل للفكر، للعقل، من خلال سبر اللاوعي، واللامرئي، تسعى السوريالية إلى تحرير القوى اللاشعورية المكبوتة أو المجهولة في الإنسان، وتعمل على توسيع حدود الوعي والمعرفة».

شعرية الكتابة والمحكي الشعري

أبعد من هذا التصوير الشعري وبموازاة معه، نجد أن الكاتب/ الشاعر أمين صالح يقوم بالمزج في كتابته الشعرية بين الأجناس الأدبية داخله، بحيث يحضر الشعر الشذري بجانب الحكي الشعري، ويشكلان معًا تنوعًا شعريًّا عميقًا داخل هذا الديوان الجميل. ففي مقطع شعري آخر، نجد هذا الحضور للمحكي الشعري بشكل قوي. يقول فيه ما يلي، أو بالأحرى يحكي فيها ما يأتي: «الأرض تمتد أمام عينيها، ساعة الغسق، مثل بساط رمادي يشطر المدى جهتين. نهار في جهة، وليل في جهة. يلتقيان في حدقة صافية كالنبع. وعلى ضفاف الحقول، هناك، تركض الأرواح الضالة باحثة عن مأوى. صيفًا بعد صيف، في مثل هذا الوقت، تمكث العجوز أمام بابها المفتوح، ترقب الطريق، وتُرضع الأفق كي يبشرها بقدوم الأبناء ما إن يشم شذى خطواتهم صيفًا بعد صيف، تزركش شعرها الأبيض بالورد لئلا يمر الأبناء ولا يطرقوا باب نومها الطويل».

في هذا المقطع الشعري المذهل الذي يُشكل قصيدة نثر بامتياز، يحضر المحكي الشعري بطريقة جميلة، حيث القصة موجودة، وحيث الشخصيات حاضرة، وحيث التعبير الشعري يعتمد على لعبة الانزياحات التركيبية والدلالية، وحيث المعاني تتفوق على ذواتها بشكل مسترسل. هنا نجد وصفًا للمكان، ونجد وصفًا للزمان، وتحديدًا دقيقًا لشخصية المرأة العجوز، وكأننا أمام مشهد سينمائي شعري عميق. الأمر نفسه نجده في مقطع شعري آخر من نفس هذا الديوان الشعري العميق. يقول الشاعر فيه ما يأتي:

«أشخاص كثيرون جاؤوا وذهبوا/ أحلام كثيرة جاءت وذهبت/ والبيت القديم لا يزال يستضيف الغبار،/ وفي غرفه الواسعة يتنزّه اللبلاب./ ها هنا، فوق الرخام، شظايا كلام على العتبات بقايا روائح القهوة والبخور/ وفي وسط الفناء شجرة تفاح واقفة منذ الأزل،/ تحرس احتضارها الطويل».

هنا يحضر الوصف الشعري الدقيق، وتمتد الصور الشعرية التي تكاد من قوة التصوير الشعري لها ترى بالعين. كما أن هذا الحضور القوي لهذا التتابع التركيبي الذي يقدم عناصر هذا النص الشعري ويربط بينها رغم نوعية اختلافها بين الأحياء وبين التمثلات الفكرية، بشكل وظيفي قوي، يجعل من هذا النص الشعري يؤثر في المتلقي ويدفع به إلى منطقة التخييل المرئي الجميل الذي يجمع بين المرئي واللامرئي في بوتقة شعرية متكاملة. بوتقة شعرية تتجاوز الواقعي لتعبر عن السوريالي المبثوث في عمق الأشياء وفي الصور الضمنية المحيطة بها. وفي مشهد شعري آخر، تحضرُ الصورة الشعرية في كثافة دلالية قوية، تُحولها إلى صورة فاتنة، ناقلة إلى المتلقي لذة/ متعة نصية، ومُدخلة إياه إلى بابل متخيلة سعيدة وعميقة، بتعبير الكاتب الفرنسي رولان بارت في كتابه الشهير «لذة النص». يقول الكاتب/ الشاعر أمين صالح ما يأتي:

«العاشقة الجالسة عند النبع/ تمشط شعرها/ وحين تغادر/ يبقى وجهها رهين الماء».

إن بقاء الأثر هنا، أي «الوجه» وهو «رهين الماء» هو ما يشكل شعرية هذا النص الشعري القصير الفاتن. العشق الذي يدل عليه هذا البقاء، هو عشق بين «الوجه» بصفته سمة إنسانية وبين «الماء» بصفته سمة للحياة. مشهد سوريالي يحيل في خفاء إلى أسطورة نرسيس في لمحة شعرية موغلة في الغرابة. العشق هنا بين المرأة/ الوجه وبين المرآة/ الماء هو إعلان واضح؛ ذلك أن «العشق، في الجوهر، جُعل ليكون مرئيًّا: ينبغي أن يُرى المخبوء. اعلموا أنني بصدد إخفاء شيء ما عنكم، وهذه هي المفارقة الفعالة التي عليَّ أن أجد لها حلًّا: على هذا أن يخفى ولا يخفى في آن معًا». من هنا، تُشكل عملية الخفاء والتجلي، عملية شعرية بامتياز. إنها هي سر الشعر وجوهره المشعّ والمليء بالاستعارات المتعددة، تلك الاستعارات التي نحيا بها ونحن نقرأ الشعر ونغوص في ثنايا الكتابات الشعرية العميقة.

على سبيل الختام

هكذا نجد أن هذا الانفتاح النصي الذي يؤسسه الكاتب والشاعر البحريني الألمعي أمين صالح في نصوصه الشعرية سواء في هذا الديوان الشعري، أو في غيره من الدواوين الشعرية الأخرى، إضافة إلى الاعتماد على الرؤية البصرية في تصوير المشاهد الشعرية، يجعل من كتابته الشعرية تُشكل انزياحًا حداثيًّا عميقًا في تربة الأدب العربي بصفة عامة، وفي مجال الشعر العربي الحداثي بصفة خاصة، وهو ما أهّله ويؤهّله باستمرار في أن يكون أحد صناع الكتابة العربية الجديدة والمتجددة على الدوام، وذلك بالتعبير البارتي للكلمة، وفي عملية الحضور الرمزي والامتداد الفاعل لمختلف كتاباته في المجال الثقافي العربي، التي ما هي في الأصل سوى منارات ثقافية كبرى مشعّة بالوهج الشعري القوي وبالألق الفكري الغني.

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004