كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 
 
 

فاتن حمامه: بعض عائلتك..

طلال سلمان

عن رحيل سيدة الشاشة العربية

   
 
 
 
 

خسر البيت فجأة بعض ملامحه.

سقط الخبر الذي لم يكن خارج دائرة التوقع على الركن الهادئ الذي كان واحدنا يرتاح فيه لاجئاً إلى اطمئنانه إلى أن في حياته إشراقات منعشة.

ليس يأساً من المستقبل أن تخاف على حاضرك ومنه، وأن تلجأ إلى بعض المشرق من وجوه حياتك، ولو في الماضي الذي كنت تحس فيه بشيء من الأمان لأن محيطك غني بالمشاعر الإنسانية ووجوه الإبداع والتي يقدمها إليك «نجومه» بغير طلب، فتقبل على حياتك بشوق.

فاتن حمامه كانت بعضاً من كل واحد منا، نحن الذين عاشت معنا، وقد نبالغ فنقول إنها أنعشت بالإبداع إحساسنا بالقدرة على إعادة صياغة حياتنا بما يحقق إنسانيتنا ويؤكد جدارتنا بها.

فاتن حمامه هي في العائلة ومنها. هي دفق من الحنان، فيها بعض من أمك، بعض من أختك، وكثير من حبيبتك، وغالباً ما افترضت أنها تعطيك من ذاتها ما ينعش شوقك لأن تعيش حياتك لأنها تستحق.

فاتن حمامه كانت بعضاً منك. هي دفق من الحنان.. ولذا كانت تدخلك فتسكن وجدانك بلا تكلف، بلا ادِّعاء، وتسقط جدار الغربة بلفتة، بابتسامة، بصرخة غضب تحسها انطلقت من صدرك.

بعد أول لقاء صارت صديقة. صرت تنتظر مواعيدها كانتظار العاشق الملهوف لقاء من يحب.

بوجهها الهادئ، بعينيها اللامعتين ذكاء، بصوتها الدافئ الذي يدخلك فيدخل إلى نفسك الهدوء، أو يحرك أشجانك فيأخذك إلى حافة البكاء.

ولقد اقتحمتك، أول مرة، وهي طفلة دون العاشرة من عمرها. وكان لديها قدر عظيم من الثقة بالنفس جعلها تبدو «حقيقية» أكثر من الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب وسائر النجوم في ذلك الفيلم الأول لها.

ولقد دأبت على أن تذهب إليها في دار السينما، وفي طريق العودة تشعر بها إلى جانبك، تؤانسك، تطمئنك إلى أنك ربحت «نموذجاً» لمجتمع يقتحم الحياة بكفاءته واستحقاقه.

بابتسامة تشع من عينيها تحس أنها قد أخذت عنك همومك وأراحتك. بنبرة الغضب رفضاً لعتوّ الرجل ومعها دموع القهر تستثير نخوتك فتقرر أن تحمي رجولتك بالحب وليس بقهر رفيقة عمرك، أو صديقتك التي ستغدو حبيبتك.

صارت «هنادي» في بيوت كل من شاهد شريط «دعاء الكروان». أوصلت إليهم طه حسين وغيره العديد من الأدباء. شعر كثيرون أن «هنادي» قد تكون ابنتهم، ووصل التعاطف أنهم أسكنوها معهم، وخصوصاً في الركن الحميم من غرفة السر.

أما اسم «فاتن» فقد غلب أسماء القديسات والمتحدرات من النسب العريق.. لم يقف أحد أمام معنى الاسم أو ذكوريته. أعطاه لابنته حتى تكون فاتن في بيته. هي بعض العائلة.

تزاحم الزوج مع الزوجة على حبها، وتباهت البنت حاملة الاسم الذي كان قبلها «نكرة» فصيّرته اسم علم. كان صفة فصيّرته رمزاً للجمال الهادئ، ورمزاً لحق المرأة في أن تكون الشريك ورفيق العمر والأم المسؤولة، والحبيبة التي تظل على إخلاصها حتى وهي مظلومة، والعاشقة المستعدة للتضحية بسعادتها من أجل حفظ الكرامة الإنسانية لأسرة مهددة بالتفكك.

هي العاشقة بلا ابتذال. الحبيبة التي قد تضحي بحبها حتى لا تدمر حياة أسرة. وهي الأم التي تعيد صياغة حياة أسرتها. هي الزوجة المستعدة لتقبل شيء من الظلم لكي تنقذ بيتها من الهلاك.

هي فاتن حمامه التي أكدت جدارتها بأن تكون الشريك في إعادة صياغة حياة العائلة. ليست واحدة من الحريم بل هي إنسان بنبله كاملاً.

هي الأم، الأخت، العاشقة، الحبيبة، الزوجة، الصديقة. هي الحب مع كثير من الرفعة، وهي الوفاء لشرف الأسرة ولنقاء السريرة. تصبر وتتحمّل شيئاً من الظلم، وربما الكثير منه من أجل الأسرة.

هي الأم الصابرة، راعية بيتها وأطفالها، المحافظة على نصاعة الخلق ونظافة المسلك بغض النظر عن مباذل الرجال.

لم تبتذل وهي عاشقة. ولم تتجبّر وهي معشوقة. أكدت أن المرأة جديرة بالشراكة وهي الأعظم إحساساً بالمسؤولية مهما ثقلت.

ثم إنها قد اصطنعت نجوماً، ممثلين وممثلات، لأنها كبرت على الغيرة، وتعامت عن الحسد، وآمنت بقدراتها فلم تنزل إلى العراك على بطولة فيلم ولم تزاحم لتأخذ مكان غيرها.

ليس في فاتن حمامه ما يبهر، كامرأة. هي تبهر بطبيعتها. قد تجد مثيلاً لها في جارتك، في شريكة لك في عملك، على الطريق، في المطعم أو المقهى، لكنها مختلفة: في رقتها، في نبرة صوتها، في نظرتها الحانية، في شهقة اللهفة، في زغرودة الفرح. لقد اجتهد جيل بل جيلان من النساء في أن يتشبّهن بها. وبحث كثير من الرجال عن شبيهات لفاتن حمامه في من سيعشقون بل ويتزوجون.

كان كل واحد يريد أن يصحبها إلى بيته رفيقة عمر، لا شريكة ليلة سكر.

كانت امرأة اتخذتها جمهرة من النساء في المشرق والمغرب مثالاً، في حين تمنى كل روائي كما كل مخرج أن تعتمد نصه وأسلوبه، أما الممثلون الشباب فكانت غاية المنى عند أي منهم أن يقف أمامها ولو في لقطة واحدة.

فاتن حمامه هي عنوان السينما العربية قبل أن يضربها الابتذال فتذهب بعيداً عنها.

بل لقد أعطت صورة مشرقة عن المجتمع العربي وتحرره من كوابيس التقاليد المتحدرة من زمن مضى وانقضى، مبشّرة بمستقبل أفضل للإنسان العربي بكفاءته.

لقد فرضت بمستوى أدائها قدراً من التقدم على السينما العربية، وأوصلت بإحساسها العميق بالكلمة وبالقدرة المميّزة على تجسيد المعنى إلى جمهور ظل يتوسع ويتوسع مقتحماً جدران العصبيات الطائفية والمذهبية والعرقية، مقدماً نموذجاً محترماً للمرأة العربية بقدراتها على إيصال الثقافة إلى جماهير بسطاء الناس ممن حرموا من نعمة التعليم.

ولقد غفر لها «الجمهور» أن تتزوج غير مرة معتبراً أن ذلك يتصل بحياتها الشخصية، خصوصاً وأنه لم يؤثر على عطائها الفني، ولا هو حفل بمناخات الفضيحة.

سنفتقد فاتن حمامه التي أنعشت أمسياتنا عمراً، وإن كنا نعرف أنها ستبقى معلماً من معالم حياتنا الثقافية وحافزاً من حوافز التقدم الاجتماعي الذي يحقق النهوض في مختلف مجالات الحياة.

لقد ارتفعت فاتن حمامه فصارت نجمة في أفق إبداعنا الفني الذي جسّد بعض قدراتنا على اصطناع حياة تليق بالإنسان الذي قهرته الظروف فجعلته عاجزاً عن إنجاز ما يستطيع إنجازه فعلاً.

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

«السيّدة»

عباس بيضون

كان اسمها «سيدة الشاشة العربية» والاسم نفسه يضع الشاشة موضع البيت والعائلة فتكون سيدة الشاشة أمَّاًً للعائلة السينمائية وأمينة على بيتها. والحال أن هذا الاسم ليس سينمائياً فنحن لا نعرف مثيلاً له في أي سينما في العالم، لكن ما فيه من دلالة عائلية يشير، من طرف بعيد، إلى ما يحيط بموقع فاتن حمامة في السينما العربية، «سيدة الشاشة العربية» اسم لا يدل إلى صفة جسمانية كما كان ينسب إلى مارلين ديتريش ولا إلى طريقة في الأداء كما كان ينسب إلى بريجــيت باردو أو ســعاد حسني أو هند رستم فهؤلاء لسن فقط سيدات، ان لهن مع ذلك صفات أخرى.

كان لفاتن حمامة من الاحترام والتوقير ما يكاد يطغى على صفاتها الجسدية أو الفنية، كأنما كان ذلك يحجبها، لا نكاد ننظر إلى ما فيها من إغراء وإلى ما في صوتها من غُنة جنسية فذلك يكشفها ونريد لها أن تبقى مستورة، ونريد لها أن تبقى متوَّجة ولها كل ما للتاج من جلال واحتجاب.

«سيدة الشاشة العربية» وهي مع ذلك تكاد تكون بلا صفات على حد عنوان رواية موزيل، وليس ذلك إلا من فرط السمو، فمثلها مثل السيدة التي فتنتها بما يشوبها من وقار ومن مهابة، وربما كان شرط ذلك أن لا تكون لها ميزة أو خصوصية، إلا ان تتربع على عرشها وتظهر في جلالها.

الخلاصة أن «السيدة» بما يدرجها في عموم السيدات، أي أن امتيازها الوحيد هو مطابقتها لمثال ليس سوى العادية مجسدة، هكذا كانت فاتن حمامة، امرأة جميلة ليس إلى حد أن يكون جمالها جارحاً. ابنة خفيفة الظل لكن ليس إلى حد أن تشطح وتخرج على البيت وقواعده. تحب لكن بشرف. إنها المثال الذي تكونه ابنة البيت وابنة العائلة والفتاة الجميلة الحيوية. إنها في ذلك الفتاة العادية في بيتها وفي علاقاتها وفي أسرتها وفي عواطفها وأهوائها، ليست منزوية ولا معزولة ولا زاهدة لكنها في الوسط من كل شيء وفي اعتدال كل شيء. انها عادية بل هي العادية وقد استحالت مثالاً. ذلك لا يكون إلا في نوع من الفن الشعبي الذي يحتفي في شتى نماذجه بالشعب، بالنموذجي المتشابه العادي المشترك العديم الخصوصيات والعديم الصفات والميزات، فلا يبقى من الشخص عندئذ ما يذكر بشيء إلا هذا العموم الشامل.

كان لسعاد حسني بالتأكيد ما يميزها، تلك الخفة التي تقارب الطيش، وكان لهند رستم ما يميزها، ذلك الإغراء الذي طالما ذكَّر بمارلين مونرو، وكان لأخريات ما يميزهن: الفجور الشعبي أحياناً كما عند ناديا الجندي، كل هؤلاء بما فيهن فاتن حمامة كن يؤدين في الغالب نموذجاً واحداً يكاد يصبح علماً عليهن، كما كان الأمر مثلاً مع فريد شوقي وتوفيق الدقن والمليجي الذين نمذجوا الفتوة والاحتيال والدهاء الشعبي. هنا يبدو مصطلح الشعبي قابلاً لتفاسير عدة مما يجعلنا نحار في نسبة فاتن حمامة إلى هذا «الشعبي»، إلا أن للمصطلح أوجهاً عدة وطبقات عدة، فالشعبي في حال فاتن حمامة، ولعل هذا سر تربعها على عرش السينما العربية، الشعبي هنا منسوب، ليس إلى القاع الشعبي وليس إلى مجتمع الفتوات والشطار والفاجرين والفاجرات. الشعبي هنا يُنسب إلى فئة لها نفس الحق في أن تدَّعي انها الشعب أو تنتحل اسمه. إنها الطبقة الوسطى التي نجد بينها الجمهور الأكبر للسينما، ونجد بينها من يرفعون نجوماً، ويخفضون نجوماً ونجد بينها من يبحثون في شخصيات الأفلام عمّن يحاكونهم ويتلبسونهم. والأرجح أن فاتن حمامة كانت نموذج هذه الطبقة. لم تكن عديمة الخصوصيات إلا لتماهيها، لتكون مثالها. ليست عاديتها إلا من هذا الباب، إنها كما تريدها هذه الطبقة، أنيقة بدون تبرج، حرة لكن بمراعاة للقواعد، عاشقة لكن بلا فجور، مهذبة لكن بدون استخذاء. هذا هو النموذج الذي تؤثره الطبقة الوسطى صانعة النجوم، ربما لهذا حازت فاتن حمامة لقب «سيدة الشاشة العربية» وربما لهذا حرص هذا الجمهور على أن يحيط نجمته بالاحترام الذي يبذله عادة لنماذجه. ربما لهذا صُرف النظر عن أدوار أدت فيها الزوجة الخائنة والمرأة الدساسة الكاذبة. صُرف النظر عن هذه الأدوار وبقيت فاتن حمامة، في نظر جمهورها ونقادها، الاتزان والاعتدال مجسدين. لم تكن فاتن حمامة ببراءة الأطفال ولم تكن ساذجة ولا ذاهلة، كانت مثال الفتاة المتعقّلة الرصينة التي تحسن تقدير الظروف وحساب المفاجآت، وليس هذا هو النموذج المستحب في الفن، لكن الجمهور، الذي كان يحتفي بالروايات الرومانسية لعبد الحليم عبدالله وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، كان هو الجمهور الذي طلب نفس النماذج في السينما. لقد كان جمهوراً من طبقة صاعدة يبحث عن نفسه وعن قيمه وعن مطامحه. كانت فاتن حمامة سيدة هذا الجمهور الذي اختار السينما والروايات مسرحاً لمثالاته وأغراضه.

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

الهديل

سامر محمد إسماعيل (دمشق)

رحلت «الحمامة فاتن» حين صار شعار «السينما في بيتك» عنواناً لمرحلة تراجعت فيها الشاشة الكبيرة إلى الخلف، فقد تغيرت حساسية الجمهور الجديد الذي تداعى لمشاهدة أفلامه في المنزل وفق شروط العروض التلفزيونية؛ ورغم أن «الحمامة» قدمت عبر ما يسمى «الشاشة الفضية» عملين كبيرين في هذا السياق؛ إلا أن «أبلة حكمت» و «وجه القمر» ظلا بمثابة جائزة ترضية لآنا كارنينيا عربية أحبت السينما وخاضت في «نهر الحب» فلم تخضع لهذا الزواج العجيب بين جمهور المنزل والصورة، فالشاشة الصغيرة التي قدمتها عام 2000 بعد غياب طويل ظلت قاصرة عن كتابة حلمها الأول الذي طاردته مذ كانت طفلة في «يوم سعيد - 1940»، وقتذاك كان على ابنة «حي عابدين» أن تعبّر عن تلك المرأة العربية الخارجة من زمن الحرملك، امرأة لا تستطيع الكاميرا أن تتفادها أو أن تمر بها عفو الخاطر؛ صوت ووجه ترعرع بين أبواب القاهرة مترنّماً بشفافية اللقطة السينمائية؛ خجلٌ ممزوج بأنوثة ورِقة صادمة؛ عفوية استثنائية لفتاة فتفتت قلب جمهورها العريض دون أن تخضع للمجاني والتجاري؛ فتباعاً حققت «سيدة الشاشة» هذه الملامح الجديدة لامرأة عربية «تريد حلاً» مع قانون الأحوال الشخصية في بلادٍ وضعت المرأة على قائمة الضلع القاصر، فهي الحبيبة والأم، وهي الأخت الكبيرة في «أفواه وأرانب» عبر أداء يخلع القلب، موهبة فطرية في تقمص الشخصية وصياغتها؛ بل وتطويعها لمصلحة العالم الداخلي الكثيف الذي تميزت به هذه الممثلة، ونهلت منه مرات ومرات دون أن تتكئ على بطولات «هز الوسط»، كما هي الحال مع أترابها من نجمات الأفلام المصرية، حيث لم يكن صعود «حمامة» بالهيّن أمام التقلبات السياسية والفنية التي شهدتها مصر منذ ثورة الضباط الأحرار عام 1952، وصولاً إلى كامب ديفيد 1974 وغيابها عن «أم الدنيا» لسنوات طويلة، لكنها عادت بعد رحيل عبد الناصر لتكون من أقوى الوجوه في سينما بلادها، فتلك الرعشة التي اختزنها صوت «حمامة» لسنوات طويلة ظل من الصعب تقليده أو محاكاته، كونه نابعا من أداء صميمي بالأصل.

أداء يقترب من التمثيل الشخصي، ولا يجنح نحو تصنيع «الكاركتر» بل يواظب على تدفق نبرته بعيداً عن كليشيهات التمثيل والاصطناع واستجداء العاطفة، ليكون منصبّاً بكامل حرارته على رسم هذا الهمس في الكادر السينمائي، أو ما يمكن تسميته بهديل الجسد والوجه والصوت، هديل تتصاعد لهجته من شخصية إلى شخصية، ومن فيلم إلى آخر، فعلى مدى أكثر من أربعةٍ وتسعين شريطاً تمكنت هذه الممثلة من تطبيع علاقة جديدة مع الجمهور، علاقة تراجع عبرها أنموذج ممثلة الاستعراض واللقطات الحميمة، ليتقدم نموذج الفنانة الملتزمة والنجمة التي ابتعدت ابتعادا شبه كلي عن مفهوم شباك التذاكر؛ وتقلبات منتجي أفلامه ورغبتهم في تقديم ممثلات الإغواء و «العوالم»، لتكون الأشرطة التي لعبت «حمامة» بطولتها المطلقة تكريساً لممثلة الأدوار الصعبة والمركّبة، الأدوار التي نهبتها قلقاً وتفكيراً عميقاً قبل أن توافق على المضي في أي تجربة سينمائية جديدة.

إن السينما العربية تكاد تضن بمثل هذه «الحمامة» التي تدفقت عبرها حساسية عاطف الطيب ويوسف شاهين وعبد الرحمن ذو الفقار ومحمد كريم وخيري بشارة وهنري بركات وآخرين، فهذا «الكروان» في «دعائه» مع طه حسين وروايات إحسان عبد القدوس ويوسف إدريس تمرّن أكثر فأكثر على مواجهة دائمة وقاسية مع كل التنميط السائد والأفكار المسبّقة عن أداء الممثلة العربية في السينما، بل يمكن القول إن بطلة فيلم «الحرام - 1965» تجاوزت التوقعات ليكون لها حضورها المتواتر في مهرجان كان الدولي، ومهرجان موسكو والعديد من المحافل السينمائية الدولية، والتي حازت عبرها العديد من الجوائز؛ محققةً حضوراً مغايراً للمرأة العربية في هذا النوع من التظاهرات؛ فهي ليست نجمة سينمائية وحسب، بل أصبحت عبر عشرات الأشرطة السينمائية صورةً ومثالاً وحذواً لبنات جنسها في الشرق العربي، حيث يمكن تتبع أنماط وجوه سيدات عربيات تأثرن بوعيٍ أو من دونه بأيقونتهن التي ظهرت في أفلامها كمثال عن امرأة تطالب بحقوقها في العمل والحياة والتعبير دون أن تفقد شيئاً من أنوثتها، أو تبدو واحدة من هؤلاء النسوة المسترجلات؛ على العكس كانت «حمامة» تبدو في أدوارها تلك المرأة الجميلة القوية والرفيعة في تصدير رقتها وهشاشتها المغلّفة بذكاء وقدرة على مواجهة الخطوب. هذه الصورة ساهمت في تكوين وعي جديد لدى الكثيرات مكن بنات جيلها؛ فلأول مرة لم تعد «ربة المنزل» هي تلك السيدة الغارقة في واجباتها الزوجية، وحسب، بل يمكنها أن تجد وقتاً للقراءة والحب والتفكير؛ ربة منزل قادرة على تدجين النمط وإحالته إلى صورة إنسانية غير قابلة للابتذال وتسجيل اللقطات الساخنة استجابة لخديعة «الجمهور عايز كدة». إطلاقاً هذا كان غير وارد في حسابات «حمامة» لكنه لم يعنِ ولا بحال من الأحوال تقديمها لنفسها كامرأة طهرانية، بل كانت المشاهد القليلة والنادرة التي صوّرت فيها سيدة الشاشة العربية أحضاناً وقبلات في غاية الشفافية، فها هي تفاجئ يوسف شاهين بتقبيل عمر الشريف في فيلم «صراع في الوادي - 1954» مسجلةً لأرشيف السينما العربية أعذب لقطات الحب والرغبة والانسجام مع الشريك. صحيح أن هذه القبلات كانت عتبةً لزواجها الثاني مع الشريف، لكنها كانت قبلات نادرة من جهة قناعتها الشخصية بعدم مجانيتها، فامرأة من هذا الطراز كانت تبدو منوّمة بما يكفي عندما تدخل غيبوبتها كممثلة أمام كاميرا السينما، تلك الغيبوبة التي لا تفقد معها أدواتها، بل تستسلم فيها لحدسها وقناعاتها. امرأة من هذا المقام لن يناسبها أن تكون سيدة شاشةٍ صغيرة كالتلفزيون، بل هي سيدة تلك الشاشة الكبيرة التي تكاد تكون مساحة حرة وغير نهائية للعبها وضحكاتها الخجولة المليئة بالأسى؛ مساحة لسيدة تسير نائمة في أفلامها، تتمشى في خاطر الأبيض والأسود بكامل ألوانها، عاكسةً صورةً لن تُنسى عن الزمن الجليل، وعن عشاق ذابوا قبالتها، متسمرين أمام ابتساماتها الساحرة، وإيماءات يديها وحركة جسدها الطفولي قبالة عدسة الكاميرا. لا، إنها لا تمثّل، وهذه كما يعرف دارسو فن التمثيل؛ فأسوأ كلمة تقال لممثل إنه يمثّل، بل هي فنانة كانت تعيش شخصياتها بكل جوارحها، حتى تذوب تلك المسافة بين أنا الممثلة، وأنا الشخصية، لتبدو وكأن السينما ممغنطةٌ بها.
يبقى الخوف أن تنبري مسلسلات السير الذاتية لتحقيق قصة حياة «الحمامة» تلفزيونياً، ففي زمن غربان المواسم الرمضانية وأفلام «الروتانا كلاسيك» التي حذفت قبلات محمود ياسين لها في «أفواه وأرانب».. كان طبيعيا أن ترحل أمبراطورة «ميم» بعد اندلاع مسلسلات الخيانات الزوجية وممثلات السيليكون.

«فاتن حمامة» وجهكِ وصوتكِ وشفافيتكِ الأخاذة لا تحتمل كل هذا البغاء.. أجل لقد رحلت احتجاجاً على زمن عمى الألوان وقهر الإنسان وسحقه وتحويله إلى علب مرتديلا يضحي بها تجار هذا العالم من أجل أن تزدهر صناعة الرقيق والدم والموت.. «الفاتن حمامة» هذا العصر لا يليقُ بكِ.. ارحلي فوراً.. ولا تلقي بالاً لهذا الرثاء..

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

ولادة نجمة

ناصر كامل

كما في كل نقطة تحول مفصلية في حياتها، كإنسانة وكفنانة، تحثنا فاتن حمامة في رحيلها على تأمل حياتنا وواقعنا، وإعادة قراءة تاريخنا.

إنها استثناء دال وكاشف، فتجربة حياتها الفنية لها فرادة وخصوصية، مع أنها تعبير كثيف عن تحولات المصريين والعرب في الثلاثة أرباع القرن التي عاشتها تحت الأضواء الساطعة.

لحظات رحيلها حملت إشارات قاطعة على عمق الأزمة الاجتماعية في مصر والتراجع المريع في مستوى الأداء الفردي والجماعي في مختلف نواحي الحياة. أخبرنا الأداء الإعلامي مدى افتقاد الجميع لأبسط القواعد المهنية، فالفضائيات والمواقع الخبرية كانت وكأنها أصيبت للتو بلعنة بَلبَلة: ماتت سيدة الشاشة العربية، لم تمت، نقلت للمستشفى، بصحة جيدة. وحين تبين صحة الفاجعة انتقلت البلبلة إلى سيرتها: ولدت في المنصورة، بل القاهرة،...، وفى اليوم التالي كانت الجنازة موضوع البلبلة: غير لائقة، فوضى، جنازة شعبية، أين الحكومة، الشرطة، وقع النعش، لم يقع. في المساء كان قرار وزارة الثقافة الحداد، ووقف النشاط الفني. بعدها بيومين وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال كلمته في احتفالات وزارة الداخلية بعيد الشرطة، رسالة إلى الفنان أحمد السقا، والفنانة يسرا، اللذين حضرا الاحتفال، قائلا: «والله هتتحاسبوا». وأضاف: «محتاجين تبقى تجربتنا ثرية، بقول تاني لينا كلنا حتى للإعلام والتلفزيون والأفلام والمسلسلات مين هيتصدى لده، مين هيعمل الوعي.. يا أستاذ أحمد أنت واستاذة يسرا والله هتتحاسبوا على ده..أيوه هيتحاسبوا، قدموا للناس الأمل، إدوا للناس أمل في بكره ونحسن في قيمنا وأخلاقنا وده لن يأتي إلا بكم، كل قطاع من قطاعات الدولة له دور، وهنشوف في رمضان الجاي يعني».

دعوة السيسى للفنانين أشبه بدعوته للأزهر للقيام بثورة دينية، وجداوله كثيفة للغاية: بضعة أشهر وسيكون الحساب، بضعة أشهر لتقديم الأمل، وتحسين القيم والأخلاق، وتجديد الخطاب الديني، والكل سوف يحاسب من الله.

هذا هو الواقع الذي غادرتنا فيه فاتن حمامة.

عرفنا أنها تركت منذ فترة مسكنها المطل على النيل في الزمالك، الحي الراقي والارستقراطي الأشهر إلى ضاحية في الشمال الشرقي للعاصمة «التجمع الخامس»، وأن جثمانها نقل إلى مدينة 6 أكتوبر، في الجنوب الغربي للعاصمة، كبار السن تذكروا جنازات لفنانين؛ مثل أم كلثوم وعبدالحليم حافظ؛ سارت في وسط المدينة، وشيعت من مسجد عمر مكرم بميدان التحرير، في مواكب شعبية هائلة، وحضور رسمي لائق، لكنها كانت أيضاً تتسم بالدقة والنظام.

انتقال فاتن من الزمالك، كما انتقال غالبية الأثرياء؛ القدامى والجدد؛ أشبه بنزوح جماعي؛ جرى تباعاً خلال العقدين الأخيرين؛ من أحياء الارستقراطية التقليدية إلى الضواحي والمدن الجديدة، حيث التجمعات المسورة والمأمنة جيداً، لأن قلب القاهرة لم يعد مناسباً، وأضحى يحتاج لجراحات شديدة القسوة والتكلفة، هذا «الانقلاب» في ديموغرافية مدينة القاهرة يخفي معضلة كبرى؛ فقلب المدينة، الذي يحوي تراثاً ثرياً معمارياً وثقافياً وتاريخياً، أصبح منذ أعوام طارداً لما يجوز أن يُطلق عليه الصفوة والنخبة الاجتماعية والفنية التي باتت تشعر بغربة مع انحدار مستوى الخدمات والزحام والضوضاء والتلوث، وأضحى «القلب» بعد 25 كانون الثاني 2011 معضلة أمنية شديدة التعقيد، جانبها الاجتماعي أعمق بكثير من جانبها السياسي، وهو أحد المعاني التي كشفت وفاة فاتن وجنازتها عنه.

محطات

استعادة بضع محطات مفصلية في بداية حياة فاتن الفنية لا تقدم لنا فقط دلائل فرادتها، لكنها تمنحنا تأريخاً دالاً على تحولات الصعود والهبوط في مسارات الحياة المصرية والعربية.

المحطة الأولى في عام 1938، في أحد دور العرض السينمائي بمدينة المنصورة، أشهر مدن الدلتا وأكثرها تحضراً وجمالاً، والمناسبة العرض الترويجي الأول لفيلم «بنت الباشا المدير»، وجمهور السينما يصفق لنجوم الفيلم: آسيا، وماري كوين، وأحمد جلال، والصغيرة «تونة» تقول لوالدها «الناس بتصقف ليَّ أنا»، وترن ضحكات الوالد الأستاذ أحمد حمامة، وهناك وفي تلك اللحظة يولد حلم الأب والإبنة معاً، ثم ينمو الحلم، ويتحول لواقع خطوة خطوة: مسابقة في مجلة «المصور» تحت عنوان أجمل طفلة كملاك الرحمة «ممرضة» ضمن حملة ترويج لدخول الفتاة إلى تلك المهنة الرحيمة، نشر الصورة وفوز «تونة»- اسم التدليل المحبب لها منذ الطفولة -، ثم عرض التمثيل في «يوم سعيد» للمطرب الأشهر محمد عبدالوهاب.

في الخطوات الثلاث هناك تصميم من الأب على الدخول إلى ذلك العالم الخيالي الساحر، ربما راود مئات آلاف من الآباء والأطفال مثل ذلك الحلم، قليلون مضوا إلى تنفيذه، ونادرون هم من واصلوا، وفرادى هم من وصلوا للقمة، سيرد إلى الذهن مباشرة، هنا: زكي مراد، ومحمد حسني البابا، لكنهما كانا فنانين، أحمد حمامة كان موظفاً في وزراة المعارف العمومية.

محطتا عبدالوهاب ومحمد كريم؛ أي فيلما: يوم سعيد ورصاصة في القلب؛ دليل على واقعية الحلم، فالطفلة الصغيرة موهوبة بالفطرة، وتصميم الأب أكيد، لكننا نعرف جيداً الآن أن تاريخ السينما عرف أطفالاً كثراً لمعوا وأصبحوا نجوماً ولم يمضوا في الطريق إلى تجاوز المراهقة، سيكون مثال فيروز الصغيرة أبرز الدلائل على ذلك، نادرون للغاية من واصلوا الحلم إلى أداء أدوار الجدات بنجومية راسخة لم تهتز.

فى محطات البداية التالية، في أدوار الطفولة وبداية المراهقة، ستعاود آسيا وماري كوين؛ نجمتا حلم سينما المنصورة؛ تأكيد موهبة تونة عبر عدد من الأفلام التي تمثل فيها «تونة» معهما ومن إنتاجهما، وستطالعنا أسماء: النجمة الجديدة صباح، وحليم الرومي، في فيلم «أول الشهر»-1945-. مع هذه الأسماء، وعشرات غيرها، قبل ذلك العام وبعده، نعرف، أولاً: أن الرافد العربي، الشامي على الأخص بتعبيرات ذلك الزمان، أثرى السينما المصرية؛ كما مختلف الفنون الأخرى؛ وثانياً: أن التنوع كان هائلا من جهة الديانة والجنسية، وثالثاً: أن ذلك الفضاء المفتوح كان طبيعياً وغير مفتعل، رابعاً: أن المقارنة بين واقع مصر في ذلك الزمن وواقعها الحالي مجحفة للغاية وتدعو للرثاء حقاً، وأن أدنى دواعي الإنصاف يقتضي أن نتساءل: كيف وصلت مصر إلى هذا المنحدر الذي تهبط إليه منذ عقود؟، صحيح أنها ما زالت مقصداً لفنانين من أقطار عربية مختلفة، لكن الزخم الهائل في تلك الفترة لا يقارن أبداً بالدفع الذاتي الذي يسير به الفن والثقافة منذ فترة طويلة.

استعادتنا لبوابة «يوم سعيد» الذهبية قد تشير هي بحد ذاتها إلى صحة الاستنتاج الأخير، فالفيلم الغنائي، والاستعراضي، نوع راسخ في التاريخ السينمائي المصري - العربي، بينما الواقع يخبرنا بجدب فاضح حالياً، كان عبدالوهاب ومحمد كريم يقدمان الفيلم في ظروف إنتاجية صعبة، فهناك صعوبة في استيراد خام الفيلم من أوروبا نتيجة الحرب العالمية الثانية، وصعوبة، أيضاً، في تصدير الفيلم إلى أسواقه الخارجية في البلاد العربية، ومع ذلك كان هناك عزم على تحدي تلك الظروف.

مع يوسف وهبي دلفت المراهقة «تونة» إلى عالم الميلودراما، وكان في المسرح والسينما نجمها المتوج، ومع حسن الإمام أصبحت تخطو بثبات في أدوارها المتعددة تحت ذات الاسم «نعمت» نحو نجومية لافتة.

الميلودراما

الميلودراما بدت وكأنها «مزاج» مصري في ذلك الوقت، سنوات الخروج من الحرب وآثارها على الاقتصاد والمجتمع، ولم تحاول فاتن كثيراً التملص من عوالم «أنا بنت ناس، اليتيمتين، أشكي لمين» فقد برعت في تسريب جرعة الميلودراما بخفة مع الاستحواذ على عطف وتماهي جمهورها مع تقلبات القدر والمصادفات التي تضعها على شفا الضياع وصولا للنهاية السعيدة التي تأتي بمصادفات أخرى لتجزي الأخيار على صبرهم والأشرار على فجورهم. وهنا بدت الميلودراما أشبه بمسكن سحري نفذت به «تونة» إلى قلوب جمهور السينما من مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية، وبحيازتها على ذلك الرصيد انطلقت تجرب وتخطو خارج الفضاء الميلودرامي، فانتازيا ساخرة مع يوسف شاهين» بابا أمين»، خليط من الواقعية والطبيعية مع صلاح أبوسيف «لك يوم يا ظالم»، تشويقاً مع كمال الشيخ «المنزل رقم 13»، كوميديا خفيفة مع فطين عبدالوهاب «الأستاذة فاطمة»، رومانسية صريحة مع عزالدين ذو الفقار «موعد مع الحياة».

خلال عقد واحد انتقلت الطفلة في يوم سعيد - 1940- لمراهقة، فزوجة، وأضحت نجمة يطمح المخرجون والكتاب والمنتجون والممثلون والممثلات للعمل معها، ويعتبرونها ضماناً أكيداً للنجاح، يغبطها الكثيرون على ذلك، ويحسدها الكثيرون أيضاً، فقد حققت بقوة غايات إنسانية قصوى في بضع سنوات، فمن طفلة نجمة في محيطها الاجتماعي: البيت، الأهل، الحي، المدرسة، إلى مراهقة زاد بريق نجوميتها في ذلك المحيط، فألفت مبكراً كلمات الإعجاب وربما الغزل، وربما درَّبها ذلك مبكراً على اكتشاف جوانب غامضة في المشاعر والكلمات وتعابير الوجه، وكان الأستاذ أحمد حمامة يرقب كل ذلك ويزداد خوفاً من أن تشرد الشابة بعيداً عن التوجيه والرعاية، لكنها بالفعل أقدمت على كسر طوق الرعاية الأبوية وتزوجت المخرج عز الدين ذوالفقار ضد رغبة والدها، ولم تتجاوز بعد السبعة عشر عاماً.

وأضحت «سيدة» وهي بعد على أعتاب الشباب، فجمعت إلى جانب نجوميتها، استقراراً عائلياً، وسنداً ومعلماً خاصاً، ثم إنها لم تركن إلى كل ذلك بل سعت وواصلت تعلم التمثيل في معهد التمثيل العربي الذي أنشأه زكي طليمات فأكملت بذلك فرادتها التي ظلت تكافح كي تحافظ عليها وتعمقها وتنميها حتى رحيلها.

(كاتب ومخرج مصري)

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

الحمامة .. فاتن

لينا هويان الحسن

من منهن تشبه فاتن حمامة؟! النجمات القديمات، والجديدات، والمنفوخات، السيليكونيات..؟! فالجديدات متشابهات إلى حد الفوتوكوبي، كأنهن خرجن من عيادة تجميل واحدة؟! إذاً فلنتذكر القديمات، نجمات الزمن الجميل اللواتي يشبهن زمانهن. جميلات، فاتنات، أنيقات.. لكن ثمة واحدة بينهن تميزت بجمال خاص، إنها فاتن حمامة.

فضاءات أخرى عبّرت عنها فاتن حمامة وهي ترسّخ حضورها البهيّ، والسينمائي من خلال صوت رخيم، وقسمات وجه مؤهل لشرح تلك الأنوثة الأكثر جوانية والأكثر سرية التي حملتها دائما فاتن حمامة في نظراتها، في عينيها، في مشيتها.

وحدها فاتن حمامة عبّرت عن ذلك الجانب المكتوم والخاص الذي يستطيع الوجه التعبير عنه، والذي يستحيل على الجمال أن ينفصل عنه.

ثمة حقيقة مؤكدة بشأن الذائقة الجمالية الحالية والتي تسوقها الفضائيات العربية بكل ما أوتيت من قدرة وإصرار على تسطيح المعايير الجمالية والأخلاقية وحتى القدرات الفنية التي يفترض أن تكون متوفرة لدى «الممثلة، النجمة»، فمظاهر الجمال الفجة، صارت متمثلة بالسيليكون الذي راح يحدد معايير الجمال التحريضي، الرغبوي، الرخيص، على حساب الجمال الذي يقيم وزناً للتمييزات الأخلاقية التي يفترض أن تمتلكها المرأة من خلال ملامح وجهها. فالإطلالات موحدة، غالب الممثلات الموجودات حاليا على الساحة الفنية يمتلكن إطلالات الغواني، بعيدا جدا عن الإطلالات الراقية والنبيلة.

مع رحيل فاتن حمامة افتقدنا ملامح وجه يمتلك قوة مكثفة من التعابير الانفعالية الخاصة بالأنثى الحقيقية بحيث يكتسب وجه فاتن حمامة عمقاً يؤهله لتسريب ذلك الغموض الحميمي عند امرأة نبيلة، راقية.

في عينيها تتداخل الرقة والجدية والذكاء تداخلا لطيفا، فيشكل ملمحا خاصا بها، ملمحا نفتقده في الوجوده الفنية الموجودة حاليا.

العيون تثري تدرجات الجمال التي يفترضها التمثيل بحيث نرى ذلك الإشعاع اللغزي والغامض عند المرأة، وهذه المرأة فاتن حمامة.

ظهرت كلمة مكياج لأول مرة في القاموس الفرنسي عام 1859 والآن طغى التجميل على الوجوه بحيث تبعثرت الملامح لتتشابه. الفن السابع يتطلب اختلافات هائلة بين الوجوه، والسينما العربية، حالياً، تفتقد هذه الملامح، بينما تزاحمت الوجوه المعبرة والجميلة لتغني السينما المصرية في الزمن الجميل، واليوم نكتب رثاءً لملامح فاتن حمامة الرائقة، والارستقراطية والتي في الوقت نفسه تترك حيّزاً للرغبة.

رحلت الفاتنة فاتن حمامة، لتظل مشيتها المتأنية، وحركاتها البالغة التهذيب، تذكرنا بتلك المرأة التي تُشعرك بأنها راضية ومنشرحة الصدر وبأنها منسجمة مع أنوثتها، كحمامة بيضاء تحترف الهديل في التوقيت الصحيح وعلى الغصن المناسب.

(روائية سورية)

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

السحر الأبيض

عصام العبد الله

أظن أن علاقتي بفاتن حمامة، هكذا بدون ألقاب، كانت غريبة نوعاً ما. كأنها علاقة فيها الكثير من السحر الأبيض الذي يباغتنا أحياناً ونحن له على استعداد.

عندما كنت يافعاً، أحمل محفظتي المدرسية وأغادر البيت. كان يطالعني في آخر الزاروب عندما يلتقي بالشارع العام، ملصق سينمائي للدعاية ما إن أنظر في الملصق حتى أصاب بالحب. أقف أمام وجهها وأتأمله وأتصور أنها تكلمني. عندما شاهدت أحد أفلامها سمعت صوتها وراقبت حركاتها وأحسست أنها بنت الجيران تقفز من روايات نجيب محفوظ.

المهم، أقف أمام الملصق ثم أرفع يدي فتنزل فاتن حمامة من الملصق وتضحك لي وتسير بجانبي ونذهب معاً إلى المدرسة. نتكلم كلاماً قليلاً أتذكر أنها كانت تحرضني لأكون قوياً وضعيفاً وناجحاً. وأذكر مرة أنها ضحكت وغمزت لي: «شوية ويبدو البنات يحبوك». بالمصرية الجميلة.

عندما أخرج من المدرسة يطالعني الملصق إياه. ملصق ضخم على الحائط المقابل. كما في الصباح تنزل من الملصق ونعود معاً إلى البيت، هي ترجع للملصق الأول وأنا أدخل إلى المنزل.

وعندما كانوا يغيِّرون الملصق بعد ان ينتهي عرض الفيلم، مع أنني كنت أعرف مسبقاً ذلك، ولكن عندما أخرج في الصباح ولا أراها أشعر بالخسران وأواجهه بقوة، لأنني أنتظر الفيلم المقبل وأعرف أن فاتن حمامة ستعود إلي.

كرج الوقت وكبرنا وتغيّرنا وكبرت فاتن حمامة أيضاً. نحن تغيرنا إلا انها لم تتغير. كانت تمسك بالزمان وتشده إلى الوراء ولا تسمح له أبداً بتغييرها.

ظلت فاضلة منذ الطفولة وحتى الموت. كنا نعرف انها تزوجت باكراً من عز الدين ذو الفقار، ولكن من ناحيتي لم أقم لهذا الأمر اهتماماً. نسيت. ظلت بتولاً في الفيلم وفي الملصق ولا أعرف شيئاً عنها سوى ذلك.

ظلت العلاقة لطيفة وممتعة حتى بدأت الإشاعات. فاتن حمامة تحب شاباً لبنانياً من آل شلهوب. وستترك زوجها وتتزوجه لأنهما يعيشان قصة حب شهيرة. حامت الإشاعات ولم أعرها اهتماماً. لأن ليس لها علاقة بالملصق. ولكن عندما شاهدت فيلم «صراع في الوادي» ورأيت قصة الحب تلك تقفز من الشاشة نحوي عندما حدثت القبلة بين فاتن حمامة الممثلة وعمر الشريف الممثل كانت المؤامرة واضحة. إنهما لا يمثلان. يضحكان علينا. غرت منه قليلاً وصبرت لأنه لبناني تبين فيما بعد انه ليس كذلك.

فاتن حمامة ليست سيدة الشاشة السينمائية فحسب بل هي سيدة الشاشة الزمنية حيث ستظل صورتها وصوتها ماثلين إلى ما يعلم الله.

فاتني صوتها. لم أقل عنه ولا كلمة حتى الآن. لا أعرف كيف أصفه لكم. هو مزيج وتظل عناصره متفرقة. كيف يكون صوتاً واحداً إذا كنت عندما تسمعه يدب فيك الغرام وأيضاً تدب فيك الصلاة. صوتها أيقونة معلقة بين بابين واحد إلى الكنيسة والآخر إلى الحانة.

يروي عنها الذين يعرفونها واشتغلوا معها أنها تشبه صوتها في سلوكها وعلاقتها بالآخرين. تقدس العمل وتحب الناس وتساعدهم. ويقولون إنها كانت صيادة مواهب رائعة. من بعيد كانت تعرف الغزالة والمهر والأقحوان.

هل ما زلت أحبها؟ طبعاً وأحزن لأن ليس لديّ مطالب منها. أحسست بأنها ابتعدت عني ليس لأنها توفيت بل لأنها كادت ان تكون كاملة وأظن انها كانت كذلك. عندما يبلغ حبيبك قامة الكمال يصير فكرة تبتعد ككل الأفكار. فاتن حمامة ليست امرأة ولا سيدة إنها فكرة جميلة.

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

فاتن أمام الكتّاب والفنانين

شعبان يوسف

تكاد تكون الفنانة الوحيدة التي أدركتها الشهرة الفنية منذ طفولتها، وجرت الأقلام لتكتب عنها بغزارة، أقلام مرموقة لكتاب كبار، وأقلام محررين نوعيين، بل هي نفسها مارست الكتابة الصحافية والنوعية بشكل ملحوظ، وكتبت عدداً من القصص في مجلات «النداء» و»قصص للجميع»، ذلك وهي في العشرين من عمرها، أي في عامي 1950و 1951، وكانت قصصها تتسم بالنزعة النسوية الاجتماعية إذا صح التعبير، ولم يكن مستغرباً في ذلك الوقت أن نقرأ مقالات وقصصاً كتب عليها «بقلم فاتن حمامة»، أو «بقلم «كوكب الشرق أم كلثوم»، أو يوسف وهبي ومحمد عبدالوهاب وغيرهم من الفنانين الذين كانوا يعتبرون الثقافة رافعة ذهبية للفن والأداء الفني بشكل عام.

هذا الأمر ينطبق على الفنانين المحترمين، والذين ـ كانوا ـ لا يبحثون عن مجرد ظهورهم على الشاشة البيضاء ـ الأبيض والأسود ـ آنذاك، بل كان الواحد من هؤلاء، وخاصة فاتن حمامة، يقرأ السيناريو مرة وأخرى حتى يقتنع ويقنع نفسه بأن هذا السيناريو يناسبه، وقصص رفض أو تعنت فاتن حمامة لسيناريوهات كثيرة، معروفة، حيث أنها منذ وقت مبكر استطاعت أن تكون واحدة من قرّاء القصص والسيناريوهات، وتستطيع أن تحدّد المستوى الفني والأدبي الجيد، من عدمه، وسنلاحظ أنها من أكثر الفنانات التي رشحت لتمثيل أفلام جاءت من نصوص روائية لأدباء مرموقين في تلك المرحلة، وأشهر هذه الروايات «دعاء الكروان» للعميد طه حسين، و «الباب المفتوح» للطيفة الزيات، و «أنا حرة» لإحسان عبد القدوس.

ولذلك فهي كانت أمل السينما المصرية في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وبقدر ما كانت تحظى بتعاطف نقدي كبير، كان كثيرون من الكبار يُسْدون لها النصح، ويوجهونها نحو الأدوار الأكثر بروزاً وألقاً، ومن الذين كتبوا عنها في وقت مبكر، السيدة فاطمة اليوسف، ففي 11 يناير 1954 وفى مجلة «روز اليوسف» كتبت مقالا عنوانه: «فاتن حمامة في أدوار فيفيان لي»، و«جوان فونتين»، وأبدت اليوسف إعجابها الشديد بالأداء الرائع الذى كانت تظهر به في السينما، ولكن الكاتبة الصحافية فاطمة اليوسف، حققت ـ قديماً ـ أمجاداً مرموقة وخالدة في مجال التمثيل قبل أن تتجه للصحافة، وأسّست مجلة «روز اليوسف» عام 1925 مع الكاتب الصحافي محمد التابعي، لاحظت أن فاتن حمامة تسجن نفسها في دور الفتاة الصغيرة والمحبوبة، والتي تعيش أدواراً عاطفية ملتهبة، ثم تنتهي كل هذه القصص العاطفية والغرامية بالزواج، وأبدت الكاتبة والمجربة فاطمة اليوسف ملاحظة أن هذه الأدوار لا تكتب الخلود للقائمين بها، خاصة عندما تكون قدراتهم تناسب أدواراً أهم وأبقى، لذلك فهي قدمت النصح لفاتن بتجاوز هذه الأدوار، ولا تنظر لنفسها بأنها شابة صغيرة السن، وقليلة الحجم، ومن الممكن أن تقوم بدور امرأة في الثلاثين من عمرها، وتساءلت اليوسف، إذا كان كل ممثل أو ممثلة سيمثل الدور الذى يناسب عمره، فما فائدة الماكياج وكل عناصر السينما الحديثة وحيلها ـ آنذاك ـ ، والتي تعطي قدرات متفاقمة للممثل، خاصة: «وقد أصبحت الآن ـ يا فاتن ـ منتجة أيضاً، ففي إمكانك الآن أن تبحثي عن دور من هذه الأدوار التي تخلّد ممثلتها.. وأن تجربي قدرتك على الأداء فيها.. وإني في الانتظار»، وضربت اليوسف أمثلة عديدة عن ممثلين في السينما العالمية، لم يتقيدوا بأدوار معينة، وهنا يكمن سر الفن.

لم تستثمر طاقتها

وكانت مثل هذه المقالات التي تعّول على فاتن المثقفة والممثلة والمنتجة، تضع فاتن على محكات حقيقية في مشوارها الفني، وكانت تنجح دوماً في تقديم الأفضل والأجود في السينما المصرية، وبرغم ذلك كان كثيرون يرون أنها لم تستثمر طاقتها بالقدر الملحوظ، برغم النجاح والتفوق على الشاشة بالمقارنة بكثيرات من قريناتها اللائي بدأن معها وقبلها، وعندما جاء أحد الإعلاميين اللبنانيين إلى القاهرة عام 1962، كان طامحاً لاستثمار هذه الموهبة العظيمة بأقصى طاقاتها، وتساءل في العدد الصادر من مجلة الكواكب 12 نوفمبر 1962: «لماذا لا نغزو العالم بفننا.. وخصوصاً أفلامنا السينمائية؟.. إنني فكرت في هذا فعلا، وأحد الأسباب في حضوري إلى القاهرة...وفاتن حمامة رحبت بالفكرة، عندما فاتحتها فيها، ولي رأي أن فاتن لم تستغل في الأفلام كما ينبغي، فإن الأفلام التي شاركت فيها حتى الآن تظهرها ممثلة للجانب الحزين في حياتنا، ولم تظهر الجانب الباسم لنا حتى الآن، مع أن فاتن في شكلها ومظهرها، ولطفها، وجمالها تمثّل هذا الجانب الباسم خير تمثيل».

إذ إن فاتن حمامة شغلت مساحة مرموقة عند المنتجين والمخرجين والمثقفين عموماً، وكان كل واحد بدوره يدلي برأيه في كيفية استثمار طاقاتها المتعددة والمخبوءة، لذلك كانت فاتن وجهاً محبوباً ودافئاً وهادئاً بالنسبة للمشاهد أولا، ثم للمخرجين والمنتجين والمثقفين عموماً، وسنلحظ أن فاتن نفسها تعاملت مع نصيحة فاطمة اليوسف فيما بعد، إذ إنها بعد أن تجاوزت الثلاثين من عمرها في مطلع عقد الستينيات، أدت دور «ليلى» في فيلم «الباب المفتوح»، والمأخوذ عن رواية شهيرة للدكتورة لطيفة الزيات بذات الإسم، وليلى كانت تمثل الطالبة الجامعية، الثائرة والمتحررة والمثقفة كذلك، والتي لم تكن تدافع عن حقوقها فحسب، بل كانت تدافع عن حقوق جيلها بأكمله، ولا تقف في مواجهة أسرتها فقط للحصول على حريتها، وكسر العادات والتقاليد السائدة والرجعية، بل إنها كانت تواجه الانكليز والقصر الملكي في عقد الأربعينيات، وكانت تقود تظاهرات حاشدة.

ونجحت فاتن في تقديم أدوار عديدة تتجاوز عمرها وربما شكلها، ولكن هذه الأدوار كانت تناسب قدراتها المتطورة دوما، والتي كانت ترشحها للتمثيل في أفلام عالمية مشتركة، وبالفعل ترشحت لتقديم أدوار في أفلام عالمية أمام ممثلين عالميين، وذكرت مجلة الكواكب 1963 أن «فاتن» سوف تعمل في فيلم أميركي يقاسمها بطولته «ويليام هولدن»، إذ كانت دوماً محط أنظار واهتمام الجميع، ولذلك كانت في مقدمة الذين تختارهم المهرجانات للتمثيل المصري والعربي، ويعود كل ذلك إلى موهبة فاتن المتجاوزة والمتطورة، كذلك صدقها الواضح دائماً في كل ما تقوم به، فتاريخها الفني لا يعرف مثل هذه الألاعيب التي يرتكبها الفنانون والفنانات في سبيل الحصول على مجد زائف، أو على مكاسب مؤقتة، ولأن حمامة تقدمت الصفوف منذ طفولتها على الشاشة، فلم تكن تحتاج إلى كل ذلك.

استثناء

وقد قامت بدور الأم في «امبراطورية م» أمام الفنان أحمد مظهر، والذي يشاهدها ويتابع الأداء العبقري الذي كانت تقوم به، من الممكن أن يتماهى مع الدور، حيث أن المسافة التي كانت بين الأداء الطبيعي المتوتر لشخصية المسؤولة، لم يكن بعيداً إطلاقاً عما يحدث في الواقع، ونستطيع أن نقول بجدارة إنها نجمة من نجوم السينما الواقعية بشكل محض، وكانت كل مؤهلاتها الصوتية والشكلية والطبيعية تؤهلها لذلك، ومن الطبيعي أن تمثل حالة فاتن حمامة استثناءات خاصة في السينما المصرية والعربية عموما، وهذا ليس لكثرة أفلامها الناجحة، ولكن لأنها كانت تختار وتحترم الأدوار التي تقوم بها بدقة، وهذا ربما ما لا يجيده كثيرون.

ولم تكن البداية التي جاءت مع يوسف وهبي في فيلم «ملاك الرحمة» عام 1946، وكانت في الخامسة عشرة من عمرها، إلا الفاتحة التي أخرجتها من باب الصبا والطفولة، إلى باب الشباب والحب والظهور الواسع وجذب الانتباه إليها بقوة، وبدأ النقاد يتجاوبون مع هذه الموهبة الجديدة، وفى عام 1949 مثلت مع وهبي مرة أخرى فيلم «كرسي الاعتراف»، وفي كل عام كان يمرّ على فاتن حمامة، كان يأتي باكتشاف جديد لموهبتها، إذ اكتشفها مرة أخرى المخرج صلاح أبوسيف للمرة العاشرة، فاختارها لبطولة فيلم «لك يوم يا ظالم»، عام 1952، هذا الفيلم الذى صنفه النقاد بأنه البداية الحقيقية للسينما الواقعية في مصر.

ومن الأكيد أن فيلم «صراع في الوادي» عام 1954 للمخرج يوسف شاهين، كان بداية جديدة بالنسبة لها، ومرحلة أخرى مع عمر الشريف، وكانت قد قامت بالتمثيل في اول فيلم مع يوسف شاهين وهو فيلم «بابا أمين» عام 1950، ولكنه لم يحقق النجاح الذي حققه فيلم «صراع في الوادي»، إذ إن هذا الأخير كان منافساً رئيسياً في مهرجان «كان» السينمائي في ذلك الوقت.

ولم تكن فاتن حمامة نجمة سينما فقط، بل إنها في العام 1991 قامت بدور من أجمل أدوار المسلسلات التلفزيونية وهو مسلسل «ضمير أبلة حكمت»، ومثلما كانت جاذبة لجمهورها ومحبيها في السينما، كانت كذلك في هذا المسلسل الذي كانت مصر تشاهده وتشاهده بحب وشغف شديدين.

فاتن حمامة لا تكفي هذه السطور لتلخيصها، وكل ما كتب وسيكتب عن فاتن حمامة، ما هو إلا وجوه عديدة لليلى وهنادي وأبلة حكمت التي أصبحت المرجعية الرقيقة والمثقفة للضمير المصري وربما العربي كذلك.

(شاعر مصري)

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

الرَّهافة الأبديّة

عبد الرحيم الخصار (الرباط)

كان صوت فاتن حمامة فريداً، ويمكن معرفته وسط حشد هائل من الأصوات. من بين كل الممثلات اللواتي ملأن شاشة القرن الماضي كانت تصل إلى أذن المشاهد وقلبه تلك الرهافة التي تغلّف صوتها وتبطّنه، الصوت الذي ينساب كما لو أنه سرد طويل لتفاصيل قصة حب مجروحة، أو كما لو أنه تعاقب أنغام بدايتها ونهايتها الشجن.

كانت فاتن حمامة تملك تلك القدرة الرهيبة التي تجعلنا نصدق فعلا ما يحدث لها على الشاشة الكبيرة، كما لو أنه يحدث في الواقع، فنتعاطف معها ونتأثر لكل ما يجرح رهافتها، ونغار من البطل الذي يحيط جيدها بذراعه، أو يدنو من شفتيها. لم تكن تعيش الدور المسند إليها فحسب، بل إننا كنا نحس بأنها خلقت لتكون نجمة سينما، ولتؤدي تلك الأدوار الكبيرة في تاريخ السينما العربية بذلك الانسياب وبتلك المرونة، حتى أن من يشاهدها وهي تجسد شخصية ما كان يحس أنها تقوم بذلك من دون عناء، من دون تصنع وتكلف، من دون أن تتعب نفسها أو تتعب أحداً معها.

برغم تعاقب السنوات ظل في صوتها الكثيرُ من صوت تلك الطفلة التي وصلت إلى أرض السينما منذ عامها التاسع، وحظيت برعاية محمد عبد الوهاب الذي وقفت أمام الكاميرا إلى جانبه في فيلم «يوم سعيد» مطلع الأربعينيات، وحظيت بعدها بحنان يوسف وهبي الذي أمسك بيدها وسحبها معه إلى الاستوديو لتجسد دور ابنته في «ملاك الرحمة»، ولتتوالى بعدها أعمالها الفنية التي جاوزت مئة فيلم سينمائي جمعت ما بين الرومانسي الحالم والواقعي الاجتماعي، وتعاملت عبرها مع الجميع تقريبا من أهل السينما في مصر.

لم يكن الصوت وحده ما يحمل رهافة فاتن حمامة وينقلها إلينا، بل كان أيضاً حجمها وطولها اللذان يتناسبان مع حجم عصفورة ترتعش في البرد، أما شعرها القصير فقد كان دليلا آخر إلى العفوية والبساطة.

عدا ذلك فعيناها كانتا حزينتين على الدوام، حتى وهما تلمعان من حين لآخر في إشراقة عابرة، ذلك الحزن الذي كان كافياً للتأثير على المُشاهد، ولمسّ النقط الدفينة فيه، وتحريك مياهه الراكدة. كانت تمارس نوعاً من الأسر الذي لم يكن متاحاً للكثيرات من مجايلاتها.

في كل حركة وفي كل مشهد تسبقها رهافتها: حين تنزل الدرج مسرعة سعيدة بوصول حبيبها، أو حين تخاطبه بذلك الصوت المتقطع الخجلان، أو حين تبسط يدها المرتعشة لتحضنها يدان عاشقتان أخريان، أو حين يصلها عبر الهاتف نبأ لا يسر عن رجل تحبه، أو حين تجلس وحيدة تحت شجرة أو على شاطئ أو في شرفة تفكر في الحب وفي الخذلان.

كانت فاتن حمامة حمامةً بالفعل، وكان عشها هو السينما، فقد كانت تسكن هناك إذا جاز تشبيه حالتها بالسكن، ويكفي أن نستعيد على سبيل المثال أنها ما بين 1950 و1954 شاركت في 33 فيلماً، وهو رقم يؤكد أنها كانت تقف أمام الكاميرا أكثر من وقوفها في أي مكان آخر، بل كانت تقيم في الاستوديو ربما أكثر من إقامتها في بيتها.

استطاعت فاتن حمامة التي حازت لقب «أجمل طفلة في مصر» سنة 1940، أن تبقى أجمل وأفضل ممثلة على مدار كل السنوات التي مرت، صحيح أن أول أجر تقاضته عن أول دور لها كان عشر جنيهات فقط، لكنها ظلت لاحقاً هي الممثلة الأغلى أجراً وسط زميلاتها ونجمات جيلها، وقد حصدت الكثير من الجوائز والتقديرات والأوسمة، واستطاعت بالتالي أن تدخل إلى قلوب محبيها وتسكن فيها للأبد، وتمارس عليها سطوتها المرهفة، بدون غنج ودلال، بدون إثارة وإغراء. كانت بدل هذه الكلمات التي تتكئ عليها معظم ممثلاث عصرها تملك كلمة أخرى هي «الرّقة». وبسبب هذه «الرقة» لم يكن أحد يجرؤ على أن يجرح فاتن حمامة، أو يومئ إليها بما يكدر صفو صورتها، تلك الصورة التي ظلت كما هي منذ الزمن الأول إلى عصرنا الراهن، وستظل إلى العصور التي تليه، الصورة التي تليق بامرأة حملت لقب «سيدة الشاشة».

السفير اللبنانية في

23.01.2015

 
 

«السيدة» و«السندريلا»

مجدي الطيب

لم يخطر على بالي أن رحيل فاتن حمامة سيكون سبباً في تفجير خلاف كبير بين أنصارها ومُريدي سعاد حسني؛فمن قبل أن يجف دمها،ويُوارى جثمانها التراب،احتدمت مقارنة عنيفة بين «سيدة الشاشة العربية» و«السندريلا»،وراح كل فصيل يُحاجي الآخر بأن الله منح محبوبته الموهبة،وفطر القلوب على محبتها،ومن ثم فهي الأحق بالتربع فوق القمة !

في سياق المعركة قيل إن «فاتن» موظفة بدرجة "ممثلة" و"ديكتاتورة" تنتقي فريق العمل بنفسها،ولم يحدث أن خرجت من عباءة الدور الواحد للفتاة المغلوبة على أمرها،وإنها استمدت شهرتها،ومكانتها،من رؤيتها "الأخلاقية" لدور الفن في حياة الشعوب،بينما «سعاد» متمردة،صاحبة تركيبة تميل إلى الجموح،وتجنح إلى الشطط،لم تتوقف عن السباحة ضد التيار،ولم تسجن نفسها يوماً في إطار لون بعينه أو دور تدور في فلكه،وأبت أن تقع في براثن شخصية مهما كانت جاذبيتها !

تأملت ما يحدث على الساحة خلال الأيام القليلة الماضية،وتمنيت أن يخرج علينا من يعود بنا إلى سنوات التكوين في حياة كل منهما،وما لها من تأثير كبير على شخصيتهما؛فلا يمكن ـ مثلاً ـ تجاهل تأثير البيئة الهادئة،والأسرة السعيدة،على الطفلة فاتن أحمد حمامة،التي ولدت في العام 1931،لأب يعمل موظفاً في التربية والتعليم؛فقد كانت شقيقة لولدين وفتاة،وكانت ترتاد دور العرض السينمائية،مع إحدى سيدات الأسرة،وهي في السادسة من عمرها،بينما عاشت سعاد محمد حسني البابا،التي ولدت في العام 1943 لأب عمل كخطاط،طفولة بائسة في عائلة تتكون من ستة عشر أخًا وأختًا كان ترتيبها العاشر بينهم،وفي الخامسة من عمرها فوجئت بانفصال الأب عن الأم،التي اقترنت بمفتش في التربية والتعليم، وعانت «سعاد» حياة الحرمان،وعدم الاستقرار،كما عاشت لحظات عصيبة عقب حكم المحكمة الشرعية بحق الأب في حضانة البنات،وقيام رجال الشرطة بتسليمهن إلي والدهن،قبل أن تنجح الأم الحزينة في استعادتهن وضمهن إلى حضنها ! 

عادت «سعاد» إلى حضن أمها لكنها فوجئت بزوج الأم يحرمها وشقيقاتها من الذهاب إلي المدرسة في حين اهتم والد «فاتن» بأن يُشارك بصورة ابنته،وهى ترتدي زي الهلال الأحمر،في المسابقة التي نظمتها مجلة «الاثنين» لاختيار أجمل طفلة، وحصدت اللقب بالفعل،وبعدها اختارها المخرج محمد كريم للمشاركة في فيلم «يوم سعيد»،وعندما أصبحت فتاة يافعة التحقت بالمعهد العالي للتمثيل فيما استسلمت «سعاد» لقدرها،وكادت تسقط ضحية الجهل لولا أن وضعت الظروف في طريقها الأديب والشاعر عبد الرحمن الخميسي،الذي فوجئ بأنها تجهل القراءة والكتابة،وشملها برعايته،وضمها إلى الفرقة المسرحية التي كان يؤسسها مع المخرجين المسرحيين جلال الشرقاوي وأحمد زكي، والمخرج الإذاعي أنور عبد العزيز والمخرج المسرحي والإذاعي فاروق الدمرداش،وعهد إلى إبراهيم سعفان،الذي كان زميلهم في الفرقة،مسئولية تعليمها القراءة والكتابة، فيما تولت أنعام سالوسة مهمة تدريبها علي الإلقاء والتمثيل .ورغم تعثر المسرحية،بسبب ظروف التمويل،إلا أن «الخميسي» ظل متحمساً لها،ورشحها لبطولة فيلم «حسن ونعيمة»،الذي كان يستعد «بركات» لإخراجه عن قصة عبد الرحمن الخميسي، الذي تبناها،كما تبنى يوسف إدريس،وإليه يعود الفضل في توريثهما «جينات التمرد» !

لم تكن «فاتن» قد بلغت التاسعة من عمرها عندما شاركت في فيلم «يوم سعيد» كما كانت «سعاد» قاصراً عندما اختيرت لبطولة فيلم «حسن ونعيمة» ما دفع أمها لتوقيع عقد الاتفاق بالإنابة عنها،نظير أجر بلغ مائة جنيه ارتفع قبل انتهاء التصوير إلي مائتي جنيه بسبب التزامها .

بالنظر إلى سنوات التكوين،وانعكاس مؤثراتها على حياة النجمتين،كان طبيعياً أن تعيش «السيدة» فاتن حمامة متحفظة،شديدة الحرص على صورتها الذهنية لدى جمهورها، تخطط،بدقة وصرامة،لمسيرتها،ولا تتجاوز الخطوط الحمراء في حياتها،وكأنها تؤمن بالبيت الشهير في ديوان «الحماسة» لأبي تمام :«قدر لرجلك قبل الخطو موضعها» بينما آلت «السندريلا» سعاد حسني على نفسها أن تعيش الحياة حتى الثمالة،ولا تترك فرصة من دون أن تستغلها لتنطلق وتتحرر؛فهي التي تدعو إلى الثورة والسخرية،وتنتقي من أشعار صلاح جاهين المقطع الذي يقول : «أنا بضحك من قلبي يا جماعة ..مع إني راح مني ولاعة !» . 

استمرت الحياة بفاتن حمامة رغم انفصالها عن عمر الشريف بينما انكسرت سعاد حسني لأنها لم تستطع أن تعيش من دون صلاح جاهين،ومزقتها الصدمة ثم الغربة إلى أن سقطت من شرفة بناية «ستيوارت تاور» في لندن بينما سقطت فاتن حمامة في بيتها بمنتجع القطامية نتيجة هبوط في الدورة الدموية !

الجريدة الكويتية في

23.01.2015

 
 

حبر وملح

فاتن حمامة: وردٌ على ماء

زاهي وهبي

أكثر ما يحضرني الصوت، صوتها. نبرة خاصة مميزة مشوبة بشجن كثير، حاملة إيحاءات مكثفة، مكتنزة أبعاداً درامية قادرة على تجسيد حالات نفسية وشعورية متعددة. نادراً ما حفظنا صوتَ ممثلة كما حفظنا صوتها عن ظهر قلب، في العادة تُحفَظُ أصوات المغنيات والمغنين، لكن صوتها المرتدي غلالةَ رقَّة تتهادى كان سمة مضافة من سمات مَيزتها وجعلتها سيدة الشاشة العربية ونجمة القرن.

إلى الصوت، ثمة مُحيا مُشعٌّ مُعْد، كأن نوراً ينبعث منه موقعاً في أشراكه الناظرين، ملامح بالغة الرقَّة كنصل يلمع خلسةً تحت ضوء قمر، نعومةٌ طافية كأنها وردٌ على صفحة ماء، أنوثة مبتلة برحيق زهر عابقة كتراب بعد مطر شتوة أولى. ثمة أيضاً ما نسميه القبول، شيء لا نكتسبه ولا نتعلمه، هبة سماوية تجعل الآخرين يقبلوننا أو يقعون تحت سطوة الحضور الآسر. العبقُ الداخلي أيضاً، عَصيٌّ على الوصف والتشبيه، ما ينبعث من أعماق نفس سحيقة مانحاً صاحبته مقدرة استثنائية على اختزال روح الجماعة في كلمة أو نظرة أو التفاتة، وفاتن حمامة كانت تمثل بالصمت، مثلما تمثل بالكلام. في مشاهد كثيرة لها، كانت عيناها تتكلمان فتقولان ما لا تستطيعه لغة ولسان.

الأنوثةُ الصارمة، أَيصحُ هذا التعبير في وصفها؟ مَن يكتفي بقراءة المحيا الوضّاء والملامح الرقيقة العذبة والشجن الساكن ثنايا الصوت ستصيبه دهشة عارمة من طاقة نفّاثة كامنة خلف هذا كلّه، ثمة ظاهر يشي بباطنه أو يقود اليه، هكذا هي سيدة الشاشة، ظاهرٌ بالغ الرقَّة وأحياناً بالغ الهشاشة يُغلّف باطناً صلباً متماسكاً حازماً مدركاً ما يريده، لعل هذا العزم المتين هو ما جعلها قادرة على كسر إطار نمطي وُضعت ضمنه بدايةَ حياتها الفنية، الفتاة الرومانسية الحالمة الحزينة، لتقدّم المرأة في مختلف حالاتها وأحوالها، مدهشةً مشاهديها في براعة تماهيها مع كل شخصية جسدتها على الشاشة.

بالملامح ذاتها، بوجه يرشح عطراً، بجسد ناحل ضئيل كحزمة ضوء، والأهم بأداء داخلي مذهل استطاعت فاتن حمامة القبض على خلاصة الروح المصرية، وهي روح ثورية ثرية عامرة، وتجسيد المرأة العربية المصرية في طبائع متعددة ونماذج مختلفة ومتناقضة جعلتنا نصدقها كلها. صدقناها لأن صاحبتها أدتها بكل ما أوتيت من صدق، وهذه نقطة أخرى تُميزها وتمنحها بعض ملامح فرادتها. كلما كان الممثل صادقاً في أدائه للشخصية التي يقدمها، نقل هذا الصدق إلى مشاهديه. فالشاشة مُعدية تبث فينا رغبة التماهي فيها، خصوصاً السينمائية، تأخذنا الى عوالم فاتنة مُهلكة، وتجعلنا، ولو لبعض وقت، نعيش عالماً آخر يزداد إقناعاً وإغواء كلما ازداد صدق ممثليها وتماهيهم مع ما يقدمون.

التلفزيون لعبة أخرى مختلفة تماماً، ربما لهذا السبب ظلت فاتن حمامة متقشفة في علاقتها به، لم تقدّم سوى عملين يتيمين، أحدهما حفر عميقاً في ذاكرة مشاهديه: ضمير آبلة حكمت. ولا غلو في قولنا، إن فاتن حمامة، من خلال شخصيات أدتها، ومؤلفين ومخرجين تعاونت معهم، وهم من أجيال وأساليب ومدارس بالغة التنوع، مثّلت ضمير مرحلة حافلة من الفن والثقافة في مصر، بما تمثله مصر في الوجدان الجمعي العربي، في حالاتها المختلفة، صعوداً وانفتاحاً على قضايا العرب والعروبة، أو تراجعاً وانهماكاً بأزماتها الداخلية.

يُجمع عارفو سيدة الشاشة العربية على مدى التزامها ومسؤوليتها وتفانيها في عملها، وتلك سمات كل مبدع حقيقي. تصلُ موقعَ التصوير قبل الجميع، تراجع دورها كتلميذة على أهبة امتحان، تعيش القلق والخوف على مشارف كل عمل جديد، ومن تجربة شخصية معها لدى محاورتي إياها في برنامج «خليك بالبيت»، أُضيف: حرصها الشديد على صورتها في أذهان الناس، وسعيها إلى حماية تلك الصورة بكل ما استطاعت إليه سبيلاً، ولعلها من قلة نادرة حظيت بتلك الهالة الهائلة من النجومية ونجحت في إبقاء حياتها الخاصة بعيدة قدر الإمكان عن الأضواء وأعين الفضوليين وألسنتهم.

كلما ودّعنا مضيئاً مبدعاً ودّعنا معه ردحاً من طفولاتنا، مراهقاتَنا، شبابنا، أعمارنا، وإن كنا نعلم (والكلام هنا في مقام فاتن حمامة) أن مصر الولاّدة لن تبخل علينا بقامات شاهقة مشعّة مهما بدت الأيام ضنينة حالكة.

الحياة اللندنية في

23.01.2015

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)