شعار الموقع (Our Logo)

كتبوا في السينما

 

مختارات

جديد الأفلام الروائية القصيرة، والتسجيلية في السينما العربية

السينما المصرية الشابة ووعد التغيير

بعض الحقائق عن السينما العربية تكشفها الدورة الرابعة لمهرجان الفيلم العربيّ في روتردام 

إحتفاءٌ بالعلاقة بين مدير التصوير طارق التلمساني والمخرج خيري بشارة

مباشرة العمل في مشروع " صمت وذاكرة "

"الرجل العنكبوت"

الفيلم والكوميكس

بقلم: يوخنا دانيال

(بغداد)

 

خاص بـ "سينماتك"

 

 

 

 

 

 

 

 

-1-

وأخيراً، بعد انتظار لسنوات طويلة من الصراعات القضائية حول حقوق استغلال شخصية (الرجل - العنكبوت) الشهيرة جداً في عالم القصص المصورة المسلسلة Comics، وبعد اكثر من سنتين من العمل المضني منذ مطلع عام 2000 بعد فوز شركة أفلام كولومبيا تابعة للعملاق سوني بملكية هذه الشخصية بالمشاركة مع شركة أفلام Marvel، استطاع المخرج المعروف (سام ريمي) تحويل هذه الشخصية من صفحات المجلات المصورة الى الشاشة الكبيرة. والحقيقة التي يجب ان تُقال، ان الانتظار كان في محله الى ابعد الحدود. وقد جاء الفلم مليئاً بالإنجازات البصرية الرائعة والمغامرات المثيرة، ومع هذا فقد حافظ على روحية العمل الأصلي وبساطته وانتمائه الى نوعية اكثر واقعية من أعمال الكوميكس. وبالطبع، فان الفضل الأول والأخير يرجع الى (ريمي) الذي فاجأ الجميع بفهمه الأصيل لهذه الشخصية. وإن كان ريمي قد عُرف أساساً بسلسلة أفلام الرعب الشهيرة (الموتى الأشرار Evil Dead) القليلة التكاليف، إلا ان أفلامه اللاحقة مثل Darkman و The Gift و  A Simple Plan تشير الى مخرج وصانع أفلام من طراز خاص، ولن ننسى انه كان المنتج المنفذ لمسلسلي التلفزيون الحافلين بالمغامرات والإثارة والرائجين عالمياً؛ (هرقـل) و (زينـا). وقد جاهد ريمي من اجل فهم خاص او صورة خاصة عن البطل الجبّار؛ صورة اكثر واقعية، إنسانية بكل معاني الضعف والقلق والخوف والسطحية أحياناً، شخصية في حيرة من الأمور تجاه مشاكلها الخاصة وتجاه العالم الذي يحيط بها. ولتحقيق هذه الرؤية ألحَّ على وجود الممثل الشاب (توبي ماغواير) في دور البطولة الرئيسي، مع انه اقرب الى صورة المراهق الضعيف المتردد، الغريب الأطوار. ومن جانبه، فان ماغواير الذي عُرف باحترامه الكبير لعمله في السينما وفي افلام متميزة جداً مع مخرجين كبار من امثال لاس هالستر ويم (قواعد بيت عصير التفاح)، وأنغ لي (العاصفة الثلجية والركوب مع الشيطان)، وتيري غليام (الخوف والاشمئزاز في لاس فيغاس)، وودي ألن (تفكيك هاري) كان متردداً في البداية من أداء هذا الدور، لكن وجود ريمي أقنعه بإمكانية تقديم الرجل العنكبوت ليس كبطل جبّار فقط، ولكن كإنسان او بالأحرى كمراهق حقيقي يتخبّط في خطواته الأولى بحثاً عن مكان في هذا العالم الكبير المعقّد. ومن شاهد فلم سوبرمان يحسُّ بالفارق الكبير في تناول ثيمة البطل الجبار او البطولة الخارقة. إذ ان وصول سوبرمان الطفل الى كوكب الأرض يحمل إشارات مسيحانية من نوع خاص؛ فقواه الخارقة موروثة بفضل انتمائه الى عالم آخر اكثر كمالاً، وتربيته الأخلاقية (الصحيحة) على أيدي عائلة تقيّة من كوكب الأرض تشير الى منقذ او مخلِّص عصري. كما ان الرجل الوطواط (الثري جداً) يتابع هذه المسيرة الخلاصية بمحاربة الجريمة المنظمة بإمكانياته المادية والعلمية بالإضافة الى قواه البدنية. وبالطبع فان البطلَين الأخيرَين ينتميان الى واحدة من اشهر شركات مجلات الكوميكس في أمريكا والعالم، وهي شركة DC Comics؛ وهي الأقدم والأعرق في هذا المجال من منافستها المشهورة جداً Marvel Comics صاحبة شخصيات مثل X-Men و Spider-Man، و Hulk وغيرهم. وكل من شاهد فلم X-Men أحسَّ بالحيرة والغربة والصعوبات التي تحيط بمجموعة الأبطال/الملعونين؛ الذين يحملون قوى خاصة تجعل وجودهم بين الناس خطراً عليهم وعلى العالم. انّ (البطولة الخارقة) برأي شركة Marvel ليست هرقلية او حتى بروميثيوسية، بل سيزيفية او حتى اوديبية انها لعنة Curse، إن لم نستطع التعامل معها وتدجينها في عالم معقد جداً؛ تتهاوى فيه التقسيمات التقليدية الى شر وخير بسرعة عجيبة، ليسقط البطل في الحيرة والقلق المضني.

-2-

في أغسطس 1962 فكّر (ستان لي) كبير محرري شركة الكوميكس الشهيرة Marvel Comics ورئيسها لاحقاً لسنوات طويلة، بشخصية خارقة لمراهق بسيط من بيئة اجتماعية فقيرة. يكتسب قدرات جبّارة أثر لدغة من عنكبوت تعرّض للإشعاعات او عنكبوت مُحوّر جينياً في الفلم -. وبمساعدة الرسّام (ستيف ديتكو)، رأى (الرجل  العنكبوت) النور ببدلته الزرقاء والحمراء المميزة على صفحات مجلات القصص المصورة المسلسلة. وخلال أربعين عاماً اكتسب هذا البطل شعبية هائلة بين القرّاء، ليس بسبب قواه الجبارة الغريبة فحسب، ولكن بسبب تعبيره عن الصراعات العاطفية والاجتماعية التي يعيشها المراهق او الشاب العادي جداً. فهو لم يكن غنياً او وسيماً او من أصول غير أرضية كما انتابت مسيرته وحياته صعوبات ومشاكل واقعية عديدة (الفقر، التجاهل، موت اقرب الناس اليه). ومنذ منتصف السبعينات جرت محاولات لنقل هذه الشخصية الى مسلسلات التلفزيون وعالم الرسوم المتحركة، لكن هذه المحاولات لم تعرف أي نجاح يُذكر على عكس عالم الكوميكس؛ حيث يُعد الرجل العنكبوت واحداً من انجح واشهر الشخصيات. إذ تبلغ مبيعات السلاسل الأربع التي تصدرها Marvel حالياً عن هذه الشخصية حوالي نصف مليون نسخة شهرياً. لكنّ الحال لم يكن هكذا دائماً، إذ عصفت الكثير من المشاكل الإدارية والمالية بشركة Marvel في مطلع الثمانينات، ونتيجةً لذلك فقد استحوذت شركة كانون (اليهودية) البخيلة على الحقوق السينمائية لهذه الشخصية مقابل ربع مليون دولار فقط في أواسط الثمانينات. وقد ترك تدّخل (كانون) في ملكية الشخصية مشاكل لاحقة طويلة الأمد في حقوق الملكية النهائية. إذ بفضل تعاملات كانون المُريبة، أصبح العنكبوت مملوكاً من قبل MGM، Sony،  Via Com وآخرين، حتى تم حسم الامر نهائياً في نهاية التسعينات بعد معارك قضائية تجاوزت الخمس سنوات. فأصبحت لـ Sony حصة الأسد في شراكة مع Marvel مقابل عشرة ملايين دولار او اكثر قليلاً، دفعتها الاولى مقدماً للأخيرة. وبفضل هذه الأموال انتعش الرجل العنكبوت واجتذب العديد من المبدعين لأجل تحويله الى السينما، وأولهم المخرج الكبير جيمس كامرون والكاتب ديفد كويب (الحديقة الجوراسية). وبعد أن وضع كامرون الكثير من الأفكار والخطط ترك المشروع، وقدم آخرون من بينهم كريس كولمبس (وحيداً في البيت)، تيم برتون (الوطواط)، ديفيد فينشر (نادي العراك) وأخيراً سام ريمي الذي فاز بالعمل. كما استقطب مشروع الفلم او جذب اهتمام شبّان هوليود من أمثال ليوناردو دي كابريو، ايوان ماكغريغر، ويس بنتلي، كريس اودونيل لكن بفضل ريمي ذهب الدور الى ممثل غير مُتوقّع بالمرّة ونقصد توبي ماغواير؛ صاحب الأدوار المتميزة في العديد من الأفلام تحت إدارة كبار المخرجين في هوليود. ومشكلة ماغواير الرئيسية هي مواصفاته البدنية وصورته السينمائية البعيدة تماماً عن أدوار البطولة والحركة. وبعد أن أجتاز ريمي معركة إقناع مسئولي كولومبيا بإمكانياته في صنع فلم ضخم بعيداً عن أفلامه السابقة القليلة الكلفة بدأت معركة إقناع الشركة بإمكانيات ماغواير في القيام بلعب دور الرجل-العنكبوت بنجاح. وقد تطلّب الأمر قيام الممثل باختبار Audition أمام الكاميرا من اجل إقناع مسؤولي الشركة، وهذا امر غير لائق بالنسبة لممثلٍ معروف مثل ماغواير. إلا إنّ النتيجة كانت اكثر من مُرضية، وخصوصاً بعد ارتدائه بدلة الرجل العنكبوت التي تغطيه بشكل كامل. ولاحقاً تمكن من تجسيد الدور ببراعة فائقة بمساعدة البدلاء البهلوانيين والكمبيوتر غرافيكس والمؤثرات الخاصة التي خلقها المُبدع جون ديكسترا (حرب النجوم). كما تفوّق ماغواير في تجسيد شخصية المراهق (بيتر باركر) العالق في مشاكل اجتماعية وعاطفية واقعية الى ابعد الحدود. وبالفعل انه البطل الذي لا يثير الانتباه في حياته العادية، ويعاني من مشاكل في البصر، كما ان شخصيته غير جذابة إنْ لم نقل غريبة نوعاً ما او انعزالية. لكنه يمر بتغييرات حقيقية وعميقة يستطيع إقناعنا بها أمام (المرآة) خصوصاً، وكذلك في مشاهد الفلم اللاحقة. وحسب رأي بعض النقاد الجريئين، فإن ثيمة المراهقة التي تطغى على قصة حياة باركر تمتد لتُلقي بظلال جنسية حتى على العنكبوت وقدراته الخارقة، وخصوصاً في حركة اليد التي تنبثق منها الخيوط اللّزجة التي تشكِّل شبكة العنكبوت، في إشارة الى مشاكل واكتشافات وعادات المراهقة والبلوغ التي يعيشها معظم الفتيان. بالطبع، لا أتصوّر ان هذا قد جال ابداً في خاطر ستان لي وستيف ديتكو خالقي الشخصية، إلاّ ان للسينما لغتها الخاصة ومجموعة إشاراتها ورموزها التي تختلف في التفسير عن النص الأصلي او تنقطع عنه كلّيةً. وهكذا فانّ شخصية (باركر) ليست قناعاً للتخفّي او لإِبعاد الأنظار Secret Identity بل هي الأصل والمنبع، وقد جسدها ماغواير بذكاء وتلقائية عالية كما لو اننا في فلم عن المراهقين وليس عن الأبطال الجبابرة على عكس ما يحدث في أفلام سوبرمان والوطواط حيث ان شخصيتَيهما الواقعيتَين او السريتَين لا يُتاح لهما المجال للبروز والنمو، بل تبقيان مُلحقتَين او تابعتَين لشخصيتي البطلَين المركزيتين.

-3-

وهكذا فإننا أمام بطل في نهاية سنوات المراهقة، ينتمي الى الطبقات الشعبية الفقيرة؛ أقصى أحلامه أن يلفت انتباه ابنة الجيران الجميلة (الممثلة كريستين دنست) المنجذبة بقوة الى الشبّان الأثرياء عريضي الأكتاف. إنه بطل واقعي جداً، يفكر بالحصول على سيارة قديمة الطراز ليتباهى بها أمام حبيبته، ومن اجل ذلك يدخل نزالاً عنيفاً في المصارعة الحرة الرخيصة. بطل لا يجد غضاضة في ترك لص مسلح يهرب من الشرطة ثأراً ممن سلبه جائزته. إنه يحتاج لمأساة شخصية قوية ليُدرك الى أي جانب يجب ان يقف. ولا يكتفي ريمي بخلق بطل ساذج ومراهق فحسب، فهناك بطل من نوع آخر هو (العفريت الأخضر)؛ رجل الأعمال الكبير نورمان اوزبورن (الممثل ويلِم دافو) الذي يعمل في مجال الأبحاث العسكرية المتقدِّمة ونتيجة إحدى التجارب يكتسب قوى خارقة وعقلاً منحرفاً الى ابعد الحدود. إنه اكثر وعياً وتصميماً وتلاؤماً مع طبيعة بشرية مخيفة وغامضة. إنه يثبت ان العلاقة بين القوة والمسؤولية عكسية تماماً. وهذا هو واقع البشر في كوكبنا؛ إذ قلما تتمتع القوى الكبرى والصُغرى أيضاً بأي مسؤوليات تتناسب مع هذه القوى. إن الشاب الصغير (بيتر باركر) او الرجل العنكبوت يكتشف الحاجة الى التزام من نوع خاص بعيداً عن إغراءات القوة الغاشمة التي منحها القدر له في نفس اليوم الذي منحها أيضاً الى (نورمان اوزبون) او العفريت الأخضر. إن أبسط ثغرة في حياتنا وسلوكياتنا قد تؤدي الى موت اقرب الناس لنا وربما العشرات من الناس الآخرين؛ وهذا هو الفرق الأساسي بين العنكبوت والعفريت إذ لا يقيم الأخير وزناً لأي حياة ولأي كائن حتى لو كان ابنه. ولا ينسى ريمي ان يناقش موضوع البطولة والمجتمع في حوار ذكي بين العدوَّين الجبّارَين إذ يتحدّث العفريت الأخضر عن المدينة التي تصفِّق للبطل في البداية وترفعه على الأكتاف، وهي تترقب هفواته وأخطاءه وبالتالي سقوطه المدوّي. وهي إشارة الى لذّة المشاهدة او (التراجيديا العصرية) في المجتمعات التي تسيطر عليها وسائل الأعلام ووسائط الميديا والاتصال المختلفة. وربما يمكن القول: إن ريمي، بالرغم من كل الأموال والإمكانيات التي أُتيحت له، بقى أمينا لأسلوبه الإخراجي البسيط الذي شاهدناه في فلمه الرائع (الموتى الأشرار) الذي أُعتبر ثورة في عالم أفلام الرعب آنذاك، بسبب ميزانيته البسيطة واعتماده على التمثيل الرائع لشخصياته المُمزّقة بين الحب والواجب؛ كما في المشهد الذي يتحتم فيه على البطل (الممثل بروس كامبل) ان يقطِّع أوصال حبيبته بعد ان تحولت الى مخلوق مخيف وشرير. ونفس هذا التمزّق يعيشه أبطال فلمه الجديد بطريقة او اخرى. والحقيقة، انّ ماغواير يقدِّم بطولة أخرى، مختلفة، مقارنةً بالممثلين الكبيرين كرستوفر ريف (سوبرمان) ومايكل كيتون (الوطواط) ليس على الصعيد الجسماني فحسب، ولكن أيضاً على صعيد الصراعات الداخلية والقلق والتردد والاهم الخوف وعدم الثقة بالنفس. إلاّ ان دافو، رغم قناعه المخيف، لا يمنحنا سوى صورة شريرة قليلة العمق والثقل ولا تتمتع بأي جاذبية مقارنةً بجاك نيكلسون (الجوكر في باتمان) او جين هاكمان (ليكس لوثر في سوبرمان). والحقيقة انّ (اوزبورن) اندمج كلياً في القوة التي حصل عليها، وضاعت عنه كل ملامحه الإنسانية. وبالطبع، ليُصبح العمل مُتقناً ومُقنعاً كان لابد من الإنجازات البصرية العالية والمؤثرات المدهشة، خصوصاً في مشاهد تسلّق الجدران والقفز بين ناطحات السحاب العالية. إنّ هذه المشاهد البطولية (الخارقة) المتقنة التنفيذ غازلت أحلام الصبا وخيالات المراهقة الأولى بين الجماهير في كل مكان. حتى اصبح الرجل العنكبوت قريباً من المشاهدين، او ممكناً الى ابعد الحدود. ومع هذا فقد ظلّ هذا العنكبوت إنساناً حقيقياً، لا يستطيع الحصول على كل ما يريد، مثلما لا يستطيع ان يغيِّر هذا العالم وهؤلاء الناس. لكنه  على الأقل- يبدو مدركاً تماماً لما لا تدركه القوى العظمى في هذا العالم؛ إن القوة هي نعمة ولعنة Gift and Curse في ذات الوقت. وإنّ مع القوى العظيمة يجب ان تأتي مسؤوليات عظيمة وهذا هو القول الفصل.

-4-

وفي مقال سابق عن الكوميكس وصناعة السينما، كنّا تحدثنا عن بعض المشاكل التي تعاني منها الأفلام المأخوذة من القصص المصورة المسلسلة؛ وأهمها كانت مشكلة الملابس المميّزة لأبطال هذه الأفلام. فهؤلاء الأبطال ليسوا أصلاً من لحم ودم وذكريات بل من خطوط والوان. وفي عالم الكوميكس فانّ المظاهر هي الأهم، إذ من يكون سوبرمان بدون بدلته المميّزة! وكذلك الوطواط والعنكبوت والآخرين. لذا أهتم صنّاع الفلم بالملابس او بالأحرى ملابس العنكبوت والعفريت الأخضر. ولم يقبل المخرج ابداً التضحية بالبدلة الزرقاء والحمراء وغطاء الرأس والشبكة البارزة التي تزيّن الجزء العلوي من الجسم. وقد قام مصمِّم الأزياء السينمائية (جيمس ايكسون) بتصميم وتنفيذ بدلة اقرب ما تكون الى البدلة المرسومة في المجلات المصوّرة، بمساعدة اكثر من عشرين من المساعدين عملوا لما يقارب الخمسة اشهر. وتمكن فريق العمل في النهاية من إنجاز أكثر من عشرين بدلة كلَّفت اكثر من مليوني دولار!. ويُقال ان أربع منها قد سُرِقت او اختفت من الأستوديو. وقد استغل ايكسون صورة الرجل-العنكبوت المشهور برشاقته وخفّته اكثر من عضلاته على عكس الوطواط وسوبرمان، فصنع بدلة ملائمة لجسم ماغواير وبدلائه لحد كبير، وذلك بتبطينها الى الحد الذي لا يسمح ببروز التشوّهات او الترهلاّت الجسمية العادية للبطل او البُدلاء من خلال البدلة. كما لُصِقت الشبكة البارزة المميزة على الجزء العلوي من البدلة يدوياً، وهي مصنوعة من مواد بوليمرية خاصة foam latex. إنّ هذا الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لشخصية العنكبوت انسحب ايضاً الى المؤثرات الخاصة والتصوير والكمبيوتر غرافيكس لخلق مشاهد الطيران والتعليق بين ناطحات السحاب بإتقان لم يسبق له مثيل، كما لو انّ طرزان قد غادر الغابة الأفريقية الى نيويورك الكونكريتية. إنّ حركة الكاميرا والزوايا الصعبة التي اختارتها لمتابعة حركة البطل على الجدران العالية ومشاهد ملاحقة السيارات في الشوارع تقلب الامور رأساً على عقب وتدمج المشاهد فيما يراه على الشاشة؛ فيُصبح عنكبوتاً بشرياً يقفز ويطير بسرعة فائقة في الشوارع المكتظّة بالسيارات والبشر. وإن كنتُ شخصياً، من أتباع سوبرمان والوطواط والأبطال الذين نقلهم الينا الى العربية -، الشاعر الكبير انسي الحاج في شبابه، ايام شركة المطبوعات المصوّرة في الستينات، والذين كانوا من نتاجات شركة DC Comics إلا اني بعد الفلم اشهد اني أصبحت من أنصار العنكبوت والآخرين من أبطال  Marvel Comics. وبالفعل، فان الفلم قد استطاع ان يملأ الفجوة تماماً بين الكوميكس والسينما، وخصوصاً في مشاهد الطيران والقتال والأعمال الخارقة. ونستطيع القول ان المائة مليون دولار التي تكلّفها الفلم قد صُرِفت في محلِّها تماماً، ونجح الفلم في إعادتنا الى أجواء أفلام سوبرمان والوطواط مع نكهة اكثر طزاجة واكثر عصرية. وعلى صعيد شباك التذاكر، فانّ رهانات صُنّاع الفلم نجحت بشكل مذهل، إذ تصاعدت عوائده أسبوعياً بشكل غير مسبوق حتى بلغت ما يقارب $ 400 مليون في شباك التذاكر الأمريكي؛ أي في المرتبة الخامسة بعد أفلام (التيتانيك، حرب النجوم،  E.T، حرب النجوم: تهديد الشبح). كما سحق اقرب أفلام الصيف الكبيرة، ونقصد (حرب النجوم: هجوم المستنسخين) الذي لم تتجاوز عوائده في شباك التذاكر الأمريكي حاجز الـ $ 300 مليون. وعلى طريقة هاري بوتر وسيد الخواتم، فقد تعاقد الجميع على صنع حلقَتَين لاحقَتَين من الرجل-العنكبوت ابتداءً من العام المقبل. ويبدو ان المخرج ريمي قد حالفه التوفيق في عرض قصة (نشوء العنكبوت) وحياته الواقعية والتركيز عليها كلياً، إذ كان المراهق (بيتر باركر) هو مركز الأحداث ومحور العلاقات المختلفة في الفلم، وحتى الشرير الجبّار هو والد اقرب أصدقائه. كما ان الممثل (ويلم دافو) الذي مثل الدور لم يستطع ابداً ان يسلب الكاميرا من ماغواير حتى في شروره الخارقة. وهذا ينطبق ايضاً على البطلة كريستين دنست التي قامت بدور (ميري جين واتسون)، إذ لا تبرز شخصيتها بشكل واضح مستقل، بل تظل (موضوعاً) عاطفياً يشغل البطل كثيراً، لكنه لا يمنعه من اتخاذ القرارات الحاسمة؛ وأهمها قبول النعمة/اللعنة التي حلّت عليه بتحوّله الى رجل عنكبوت - جبار، والقبول بالمسؤوليات الجديدة التي تجلبها اليه قواه الجبّارة. وفي النهاية نقول، هذا فلم سيطبع السينما الهروبية الممتعة بطابعه على مدى سنوات، ويملأ الفجوة بين أقلام الرسم والكاميرا السينمائية وبالتالي يفتح الأبواب لأبطال الكوميكس لدخول عالم السينما بكثافة في السنوات القادمة.

يوخنـا دانيـال

بغداد - يوليو

25 سبتمبر 2004