جديد الموقع

 
 
 
 
 
 
 
 

لاحق

<<

31

<<<

05

04

03

02

01

>>

سابق

 
 
 
 
 
 
 

عطيات الأبنودى

رائدة الرؤيا الذاتية فى السينما التسجيلية

بقلم: د. وليد سيف

 
 
 
 
 
 
 
 

تدين السينما المصرية بالكثير إلى سيداتها الأوائل، فمع بزوغ فجر الفيلم الروائى الطويل فى مصر فى العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضى كان حضور المرأة بقوة، كرائدة فى مختلف مجالات العمل السينمائى، فكانت عزيزة أمير إلى جانب التمثيل والإنتاج شريكة فى إخراج فيلم ليلى، وهو أول فيلم عربى خرج لدور العرض، وكان ذلك سنة 1927، وعلى النفس الدرب سارت فاطمة رشدى وأمينة محمد وبهيجة حافظ وغيرهن.

ولكن فى مجال الفيلم التسجيلى الذى بدأ مع بدايات القرن العشرين كانت الريادة قاصرة على الرجال، وربما كان من الصعب على المرأة أن تقتحم هذا المجال الذى يفرض على صناعه التصوير الخارجى كثيرا وليس فى بلاتوه مغلق، وكذلك الاحتكاك المباشر بمختلف أطياف البشر، فى زمن كان مجرد خروج المرأة فيه بل وسفورها أمرا نادرا، فاستمرت صناعة الأفلام التسجيلية لعدة عقود حكرا على الرجال، خاصة فى مجالى الإخراج والتصوير.

 كما ظلت الأفلام التسجيلية تعتمد على الطابع التوثيقى المحايد طبقا للمفهوم التقليدى القديم، فتعمل على تسجيل وشرح وقائع وأحداث الحياة العامة واليومية، وذلك بنقل حقائقها وتفاصيلها في أسلوب يخلو عادة من رؤية أو وجهة نظر، وفى مرحلة لاحقة طغت الأفلام ذات الحس الدعائى، من خلال توثيق مصانع ومشروعات الدولة الكبرى.

 وتلتها أعمال موجهة لرفع الروح المعنوية للشعب بعد هزيمة يونيه 1967، فأصبح الطابع الغالب على الفيلم التسجيلى هو ما يشبه نشرة الأخبار المصورة أو البرامج الحماسية، وربما لم يكن قد تبلور بعد مفهوم الرؤيا الذاتية فى الفيلم التسجيلى الذى رصده مصطفى عبد الوهاب فى كتابه السينما التسجيلية فى مصر "إنه لا يعتمد على قصة مؤلفة من الواقع أو من خيال المؤلف، وإنما تتبلور الرؤية فيه من خلال تأثير الصورة والتقاط المفارقة وإظهار التناقض فى المواقف بين ما يجب أن يكون، وما نعيشه ونمارسه بالفعل فى الواقع."

ومع أول أفلام عطيات الأبنودى (حصان الطين) من إنتاج 1971 تغيرت النظرة واختلفت أساليب الفيلم التسجيلى، وأدركت أجيال من صناع هذا النوع أن الفيلم التسجيلى بإمكانه أن يطرح وجهة نظر صانعه تجاه الموضوع الذى يتناوله، بل وأن حرية اختيار الموضوع ذاته ترتبط بتلك الرؤية التى يمتلك صانعها القدرة على صياغتها، من رصده واختياره لمفردات من الواقع الحقيقى دون اللجوء إلى مشاهد مؤلفة، ولا بالاعتماد على ممثلين، وإنما من خلال القدرة على ترتيب المشاهد بأسلوب خلاق واختيار الزوايا والتركيز على بؤرة الاهتمام فى اللقطة، وبالاعتماد على شخصيات حقيقية من واقع المكان أو البيئة، وهو ما حققته عطيات الأبنودى بامتياز من خلال فيلم حصان الطين كرائدة سينمائية إلى جوار رائدتها الأوائل.

ولكن عطيات تميزت عنهن جميعا لأنها صنعت تيارا وواصلت مسيرتها لسنوات طوال، لتؤكد عليه بإصرار، وحافظت على أسلوبها فى غالبية أعمالها، لتصبح بحق رائدة وصاحبة رؤيا وأسلوب مميز وغزيرة الإنتاج، لتحقق فى مسيرة فنية طويلة امتدت من عام 1971 وحتى 2006 وقدمت خلالها أكثر من 25 فيلم تسجيلى.

فى حصان الطين استطاعت أن تبرز فكرتها الإنسانية من خلال حصان يضعوا على عينيه غمامة، ليظل فى مكانه يشارك العمال فى خلط الطين بقدميه القويتين لصناعة الطوب، وتنطلق كاميرا مصورها محمود عبد السميع لتنقل معاناة العمال وجهدهم الشاق فى أحد قمائن الطوب، وفى لقطة مؤثرة تهتز الكاميرا عن عمد وهى تصور عامل قصير وضعيف يحمل على أكتافه حمولة ثقيلة من الطوب، لتكاد تشعر من الصورة أنه سيسقط بحمولته، ويتابع الفيلم يوم عمل كامل طويل بداية من بواكير النهار الأولى حيث الضباب والندى، وحتى آخر ساعات الليل مع نهاية العمل ورفع الغمامة عن الحصان الذى ينطلق هاربا من فرط الإجهاد، لتفرض عليك اللقطة أن تتساءل وماذا عن هؤلاء البشر المعذبين منذ الفجر ولا يملكون القدرة على مجرد التعبير عن الإجهاد.

 إنها لقطة لا يمكن صناعتها ولكن المخرجة اقتنصتها لتبرز المعنى والهدف، فمخرج الفيلم التسجيلى هو أقرب للقناص الذى قد يجد فى الواقع ما يثرى رؤيته ويضيف إليها، ومهارته الأساسية تكمن فى توظيف المادة الحية التى قد تفرض عليه أن يعيد تشكيل تصوره المبدئى للفيلم ليصل إلى ما هو أفضل.

فى فيلم (سوق الكانتو) تجيد عطيات اختيار الحالات الإنسانية وسط زحام البشر، وترصد الحركات والانفعالات والحوارات المعبرة لجمهور سوق الملابس المستعملة، إنها تحيل عمليات البيع والشراء إلى محاولات مضنية للحصول على كساء بسيط يستر ويحمى الجسد، وهى لا تلجأ أبدا إلى عقد مقارنات مباشرة بين حياة الفقراء وحياة الأغنياء، ولكن الصور والمواقف والحوارات التى تلتقطها تكفى لإبراز هذا المعنى.

وعلى النقيض من أجواء السوق بمساحاته ومفرداته وشخوصه المتنوعة تصنع عطيات فيلما بسيطا ورقيقا بعنوان (ساندويتش) سنة 1975، لتطرح من خلاله علاقة شديدة الخصوصية بين طفل ومعزته، فالطفل يعجز عن أن يأكل خبز الرغيف الجاف فيقوم بفطرية بحلب ضرع المعزة، ليبلل الرغيف بلبنها، كما تقوم المعزة بمشاركة الطفل رغيفه فتلتهم نصفه، لقطات آسرة وبليغة ومقتنصة وشديدة الحساسية، ومعبرة عن واقع فقير، وحالة من التكامل والتكاتف بين الطفل الفقير والمعزة، التى لا تقل عنه فقرا، ويظل هذا الفيلم بلقطاته الحساسة والمؤثرة جزءا من ذاكرة من شاهده، ويبقى وثيقة حية على حالة من الإنسانية الراقية، والتأكيد على اتجاه صاحبته للواقعية النقدية للتعبير عن رؤيتها الذاتية، التى تحققها بمنتهى الرهافة وبعيدا عن الأساليب التقليدية والخطابية.

ترصد عطيات فى فيلمها (التقدم إلى العمق) عيون الأطفال الفقراء الحزينة التى تتوسط وجوههم الجميلة، وهى تروى كفاح  أهاليهم لتدبير لقمة العيش من خلال أعمالهم الإبداعية التى تكفل لهم الستر بالكاد، وتكشف بلمسات مؤثرة عن حالة التآخى بين الفقراء مسلمين ومسيحيين.

لا يوجد أى انفصال بين معتقدات عطيات الأبنودى وبين أفلامها التى تحمل طابعها وبصماتها فى انتمائها المخلص لعالم الفقراء والمكافحين والمهمشين، وهى تمتلك الأسلوب الفنى للتعبير عن موضوعاتها دون مباشرة، ودون اللجوء إلى صوت المعلق الذى كان قبلها الوسيلة السهلة والتقليدية للتعبير فى أفلامنا التسجيلية، وهى لا تعتمد على كلام وتصريحات المسئولين بأسلوبهم الروتينى وكليشاتهم الجاهزة وحضورهم الثقيل، بل اعتمدت على كلام الناس العاديين الذى يصدر بعفوية وصدق، فتختار منه ما يتوافق مع رؤيتها وموضوع فيلمها.

وهى توظف الصورة بأسلوب فنى لتنتقى من موقع الأحداث لقطات معبرة ومضيئة، وبحساسية بالغة فى توظيف المونتاج، لتحقق من خلاله تواصلا محكما بين اللقطات وايقاعا منضبطا يفسح المجال لكل ماهو فى قلب الموضوع ويضيق مساحات كل ما هو على هامشه، ولم تعد الصورة مجرد رصد تقليدى للمكان بدون إحساس أو تفاصيل موحية ومعبرة وبلا مغزى سوى التعريف بالمكان وتفاصيله، بل أصبحت وجوه البشر وحركاتهم وانفعالاتهم جزءا أساسيا من تفاصيل الصورة، ففى أفلام عطيات كان الإنسان البسيط هو الهدف وليس الحجر أو المكن.

على الرغم من تقديمها عدة أعمال تتناول كفاح شخصيات نسائية إلا أنها ترفض أن تعتبر ذلك تحيزا للمرأة وهى تقول فى حوار صحفى لها "إنني لا أصنف نفسي إطلاقا كمخرجة تصنع أفلاماً للنساء فحسب، لكنني أسعى للتأثير في وجهة النظر الذكورية وتغيير الأفكار البالية والقيم والعادات الموروثة، التي تنال من حقوق المرأة وحريتها،".

 فهى ترصد فى أفلامها تجارب نسائية شديدة الخصوصية فى مواجهة مصاعب الحياة دون عون من الرجال وهو إثبات لقدرة المرأة المصرية وشجاعتها، وذلك قبل أن تنتشر توصيفات مثل المرأة المعيلة وغيرها، وقبل إجراء الإحصائيات التى أثبتت النسبة الكبيرة من النساء اللاتى تتولى الإنفاق على أسرهن.

فى فيلمها نساء مسئولات تكشف عن قدرات ثلاث سيدات فى التغلب على الظروف الصعبة من خلال ثلاث نماذج ناجحة، إحداهن استطاعت أن تواصل حياتها وتحقق ذاتها بعد فشل تجربتى زواج، والأخرى ليست مسئولة عن نفسها فقط بل أيضا عن أب مريض مسن وشقيقة مطلقة وعاطلة عن العمل، أما الثالثة فقد أصبحت مسئولة وحدها عن أطفالها الكثر بعد هجران الزوج، من خلال هذه الشخصيات لا تسعى عطيات للانحياز للمرأة بقدر ما تقدم للمرأة النموذج والمثال فى الاعتماد على الذات، والذى من خلاله تصبح  عنصرا فعالا وشريكا حقيقيا فى المجتمع، وهو ما نراه قد تحقق إلى حد كبير اليوم وبصورة واسعة.

أما فى فيلمها أغنية توحة الحزينة تتأمل عطيات حياة مجموعة من راقصات فرقة استعراض شعبية، على خلفية صوتية لقصيدة لعبد الرحمن الأبنودى، ولا تملك طوال الفيلم سوى أن تندهش من هذه القدرة على التقاط روح الشخصيات والتغلغل إلى مشاعرهن، وهذا الانضباط الشديد والتواصل بين الكلمات والحركة الراقصة والمواقف الحياتية، وربما يبدو هذا التعاطف من قبل المخرجة التى كان ضمن أحلامها واهتماماتها فى البدايات بأن تكون راقصة، ولهذا لا يرصد الفيلم فقط لقطات من حياتهن ورقصهن، بل يجبرك بالأساس على أن تشاركهن أحزانهن التى تبدو الرقصات وكأنها محاولة للتنفيس عن الألم واليأس والمرارة من الفقر والظروف الصعبة.

لا تنفصل رؤى وشخصيات أفلام عطيات الأبنودى عن شخصيتها الحقيقة، والصدق الفنى الذى ينبع من أعمالها يرتبط باتساقه مع شخصيتها، ومواقفها وتجربتها الذاتية الحقيقية، فهى فنانة مقاتلة استطاعت أن تتحقق وتثبت مكانتها فى مجال صعب وبعيد عن الأضواء، وأن تقتنص عددا من الجوائز الدولية بلا حصر، وعلى الرغم من هذا واجهت الكثير من الانتقادات والاتهامات بأنها تبرز وجها سلبيا لمصر من أصحاب الأفكار الرجعية والسطحية.

واجهت أيضا مشاكل ومصاعب كبيرة لتمويل أفلامها وهى معاناة يعيشها كل فنان تسجيلى عموما، وخصوصا لو كان يسعى لتحقيق رؤيته الذاتية ويصنع أفلامه بعيدا عن التوجهات الرسمية، وعن الترويج للمشروعات العامة أو الخاصة، ولكنها اجتازت كل هذه العقبات بفضل صبرها وإصرارها.

 كما استطاعت على المستوى الشخصى أن تتجاوز محنة انفصال زوجها الشاعر عبد الرحمن الأبنودى عنها، وهو الرجل الذى ارتبطت به لسنوات طوال، بل وظل اسمه جزءا من اسم شهرتها حتى آخر يوم فى حياتها، ولكنها مثل بطلاتها كانت قادرة على أن تقف على قدميها وحدها وتواصل مسيرتها الإبداعية بمنتهى القوة والحماس والإصرار.

فى أفلام عطيات الأبنودى نشاهد أماكن وشخصيات حقيقية ونستمع للحوارات  الدائرة بين الناس، ونتعرف منها على ملامحهم النفسية وأشغالهم المهنية ومستوياتهم التعليمية والثقافية، ومن أرائهم نستشعر مدى تفاعلهم مع الواقع وظروفه التى ينغمسون فيها، ونقترب من حياتهم بكل ما فيها من سعادة وألم وطموحات وشقاء، وهوما يختزله جريرسون الأب الروحى للسينما التسجيلية فى العالم بقوله "الفيلم التسجيلى هو معالجة الأحداث الواقعية الجارية بأسلوب الإبداع الفنى".

إن عطيات تستمد مادة أفلامها من الواقع و لكنها تحذف من مادتها المصورة وتضيف إليها وتبرز رؤيتها من منظورها الخاص موظفة كل أدواتها الفنية: زوايا التصوير – مساحات النور والظل – الإيقاع - المؤثرات الصوتية - موسيقى الفيلم، إنها لا تقدم لنا الواقع بصورة سطحية وإنما تقدم رؤيتها الذاتية لهذا الواقع، وهى رؤية تحتوى على قيمها وولاءتها وانتماءاتها و انفعالاتها بما يطرحه عليها الواقع من صور وحكايات وبطولات ومواقف إنسانية.

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004