سينماتك

 

ثلاثة أفلام قصيرة ترصد لحظات الحلم والانكسار

بقلم : ناجح حسن

 

 

 

 

ما كتبته

جديد حداد

خاص بـ"سينماتك"

 

صفحات خاصة

أمين صالح

عبدالقادر عقيل

يوخنا دانيال

 

حول الموقع

خارطة الموقع

جديد الموقع

سينما الدنيا

اشتعال الحوار

 

أرشيف

إبحث في سينماتك

 

سجل الزوار

إحصائيات استخدام الموقع

 

 

 

سينماتك

 

يوميات بيروت: الحقيقة أكاذيب الفيديو لمى المصري، أغنية ياسمين لنجوى نجار، وأتمنى لشيرين دعيبس.. ثلاثة أفلام قصيرة متنوعة الأساليب تندرج بين الروائي القصير والتسجيلي، جرى عرضها في الآونة الأخيرة باهتمام لافت في أكثر من مهرجان عربي ودولي، بل إنها جميعا حظيت بجوائز رفيعة ونال أحدثها جائزة مهرجان دبي الأولى للفيلم القصير.

يحكي فيلم أغنية ياسمين لمخرجته نجوى نجار الذي قطف أكثر من جائزة مهمة في مهرجانات في اسطنبول وباريس، والجائزة الأولى في مهرجان بالبرتغال، واختير في مسابقة الأفلام الروائية المتوسطة والقصيرة في بينالي السينما العربية بباريس ومهرجان تطوان لأفلام بلدان البحر الأبيض المتوسط.. عن حالات من المشهد اليومي من العلاقات والمفاهيم الموروثة بفعل التقاليد الدارجة داخل البيئة الفلسطينية، ويصورها بعيدا عن مشاهد الدمار والقتل اليومي الذي تمارسه قوات الاحتلال.

وتطرح مخرجة الفيلم وكاتبته، التي تقوم حالياً على إنجاز مشروع فيلمها الروائي الطويل الأول، وهي التي عملت منذ سنوات في صحيفة جوردان تايمز، قبل أن تذهب إلى الولايات المتحدة لتتابع دراساتها العليا في صناعة الأفلام، أكثر من قضية اجتماعية وإنسانية على خلفية الأحداث التي يعيشها الإنسان الفلسطيني هذه الأيام.

ويتناول موضوع الفيلم الذي لا تزيد مدته على 25 دقيقة قصة شاب يعيش علاقة حب مع زميلة له ينوي الزواج بها، لكن ظروفهما الصعبة وظروف الاحتلال وما يشكله الجدار الفصل العنصري بين لقاءاتهما حال دون إتمام العلاقة كما ينبغي لها أن تكون... مما يؤدي بالتالي إلى انكسار حلمهما المشترك.

ويحاول الفيلم عبر زمنه القصير تكثيف جملة من الأحداث والصور في الكثير من الإشارات والدلالات، التي تختصر المعاناة اليومية للناس سواء ما يتعلق منها بقضية المرأة ودورها في المجتمع، أو ما يتعلق بتلك العادات والتقاليد السائدة، ففي أكثر من زاوية وموضع توزعت بين ثنايا العمل المفعم بألوان من التكوينات المشهدية والجمالية لمناطق من أجواء الطبيعة وتضاريسها، إلى جوار حركة شخوص الفيلم المقتصدة في إيقاع هادئ ورصين، نعثر على تناقضات الواقع اليومي الذي تتجاذبه ممارسات الاحتلال البشعة من جهة، وصدمة الموروث الاجتماعي السائد من جهة أخرى.

تعالج نجوى نجار التي قدمت سابقا أكثر من فيلم تسجيلي (نعيم ووديعة.. جوهرة السلوان.. وحكاية ولد اسمه محمد) موضوع فيلمها بأسلوبية جديدة ومبتكرة على الرغم من موضوعه الذي يبدو للوهلة الأولى مقترباً من تلك الموضوعات التي درجت عليها السينما العربية.

صورت نجار فيلمها في ظروف صعبة كان جدار الفصل العنصري الذي أقامه الاحتلال يلتهم أراضي الناس وبيوتاتهم هناك شيئا فشيئا، وهو ما جسدته كاميرا المخرجة على نحو جلي وواضح بين أحداث العمل الدرامية.

يبتعد الفيلم عن الخطاب السياسي أو التنظيري الزاعق بقدر ما تقترب المخرجة من توظيف مفرداتها الفكرية والبصرية وتضعها أمام المشاهد بإيحاء وسلاسة متينَي الصنعة تتوصل فيه إلى مفهوم الإبهار المشهدي البسيط الذي لا يتكئ على التقنيات الكمبيوترية المعهودة.

لطالما عاينت كاميرا نجوى نجار موضوع المأساة الإنسانية التي يكابدها المجتمع الفلسطيني في أتون الاحتلال، وما تفرزه من مشاهد الهجرة والركام وآثار الدمار ومخلفات الهدم في مزيج من لحظات البؤس والألم والحيرة والقلق، لكنها تبقى أعمال محاطة بالأمل والرؤية الثاقبة لأفق بعيد.. ونافذة تطل على الحرية والحياة الأفضل.

في فيلمها الجديد يوميات بيروت: الحقيقة أكاذيب الفيديو تواصل المخرجة مي المصري أسلوبيتها البصرية المبتكرة في التعاطي مع الأحداث الساخنة وتسجيل الواقع الذي تميزت فيه بأعمالها السابقة وخصوصا في ثلاثيتها الأخيرة: أطفال جبل النار، أطفال شاتيلا، وأحلام المنفى وجميعها أفلام تتجاوز السينما التسجيلية ومواضيعها، وهي أكثر مراوغة وذكاء من أن تكتفي برصد واقع معين. من هنا تجيء محاولتها الجريئة في تسجيل مجريات الواقع السياسي الذي فرضته الأحداث التي عاشتها العاصمة اللبنانية بيروت عقب اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري وتلك الاندفاعة للشارع اللبناني أمام هذا الحدث. إذ تقتنص كاميرا مي شخصية فتاة شاهدة على التحولات وما يفيض عنها من أحاسيس ومشاعر شخصية مجبولة بحراك الشارع دون أن تغفل الحدث اليومي أو هيمنة الشخصية الأساسية على الرؤية الفكرية والجمالية بالفيلم.

مثل هذا المنحى اللاتسجيلي الذي يقترب من الروائي ولا يلبث أن يحيد عنه، يجعلها مأخوذة بأمانة الفيلم التسجيلي ومنهجيته، بل وتستفيض فيه انغماسا وتجريباً بغية إقناع المتلقي بلغة بصرية حشدتها تنويعات الشكل والأسلوب والجمع بين الأسلوبية الروائية والتسجيلية بلغة جديدة مصحوبة بمادة فيلمية وثائقية تتكئ على صنف إبداعي محمل بالغناء والشعر والموسيقى والرسم، تُعرض في خطابها ملامسةً التجارب والتفاصيل الإنسانية العميقة المضامين والرؤى داخل النسيج السمعي البصري المتين الذي يستوحي نبض الواقع المرير.

وقد اختارت المخرجة المصري بيروت مكانا للإقامة والإبداع، حيث صورت معظم أعمالها السينمائية وطرحت فيها جانبا من حضورها السياسي والاجتماعي والإنساني بلا زيف أو خداع. ورغم مظاهر ذلك الغموض والتناقض، إلا إنها ظلت قابضة على مفرداتها الإبداعية الحبيسة الذاكرة والهوية وسؤال المكان.

في يوميات بيروت: الحقيقة وأكاذيب الفيديو يقف المشاهد أمام تساؤلات المخرجة في تداعيات الاغتيال دون أن تشير إلى أية حلول أو انخراطات في المعضلة السياسية التي فرضت حضورها على المشهد السياسي اليومي في بلد مثل لبنان، المحكوم لقواعد وخيوط يتجاذبها الموروث السياسي والاجتماعي الفريد من نوعه، والذي يتسم بحساسية النسيج الاجتماعي المعقد.

ومن جملة ما يطرحه الفيلم، الكثير من التساؤلات التي تعكس ما يدور في عقل الشباب وما يسري في دواخلهم ومحيطهم ومستقبلهم. ومن هذه الشريحة تنطلق المصري مبرزةً السائد المعاش لأكثر من شريحة وشخصية، ومن بينها ذلك الطفل أحمد الذي يستعصي عليه الذهاب إلى المدرسة؛ كشخصية متشردة غلبت عليها شقوة الحياة، وتجاوز طفولته الضائعة، ليتحمل رجولةً مبكرة. أما العجوز الذي يعاضل عكازين، فتقابله شخصية الرجل القادم من لندن إلى بيروت ليعبّر عن موقفه غير المقنع، والمقحَم على الحدث.

وجريا على عادة أفلام المصري، اكتسى الفيلم رونقا خالصا، وهو ما جعل منه فيلما موفقاً في رصده الواعي في الكشف عن كنه المجتمع اللبناني بسائر فئاته والممتلك خصوصيته الإبداعية بتلك اللغة السمعية-البصرية المشدودة على جماليات وتكوينات مستمدة من تصاعد وانكماش الأحداث.

ما يحسب للمخرجة تلك المعالجة الفطنة التي جاءت في المشاهد الأخيرة من الفيلم، وهو ما عجزت عن التقاطه جملة من الأفلام الروائية اللبنانية.. المشاهد التي تمثلت بالعائلات الثكلى تجاه المفقودين من أبنائها في الحرب وما تزال تبحث عنهم، إذ تتوجه إحدى السيدات للكاميرا وهي تقارن بين حقيقتين: حقيقة اغتيال الحريري، والحقيقة الأخرى المنسية التي تتحدث عن آلاف المفقودين اللبنانيين في أثناء الحرب الأهلية.

الفيلم الواقع في 80 دقيقة لم ينحَزْ إلى هذا الموقف أو ذاك بقدر ما يعري تلك الدعاوى التي طالما كانت تنهل من الأحداث اللبنانية خطابا لها في استمالة شرائح عدة من الناس، إذ حاولت المخرجة البقاء على الحياد وترك عدسة الكاميرا تروي آلام الشباب وآمالهم في لبنان.

ولعل أكثر المشاهد درامية وأهمية، المشهد الأخير الذي يصور تمثالا في ساحة الشهداء في لبنان وقد تضرر جراء اختراقه رصاص الفئات المتحاربة. وكأن المخرجة تحاول الإشارة إلى إن هذا التمثال هو بمنزلة الشاهد على كل ما يجري من تحولات في المجتمع اللبناني في أكثر من حقبة عصيبة.

الفيلم الثالث وأحدثها، فيلم أتمنى وهو الحائز على جائزة المهر الذهبي في مسابقة الأفلام القصيرة بمهرجان دبي السينمائي الدولي الأخير من إنتاج وإخراج وسيناريو ومونتاج شيرين دعيبس، وهي مخرجة تقيم حالياً في الولايات المتحدة وحاصلة على الماجستير في الفنون السينمائية من جامعة كولومبيا بنيويورك. والفيلم من النوع الرقيق الذي يحكي في سلاسة وحساسية إصرار طفلة على الاحتفال بعيد ميلادها بالرغم من الظروف القاسية التي تعاني منها الأسرة بعد غياب عائلها.

ويوحي الفيلم بحياة صعبة لأسرة تعيش في رام الله تحت الاحتلال الإسرائيلي، إذ يثير التعاطف مشوار بطلة الفيلم البالغة من العمر 11 سنة والى جوارها شقيقتها الصغيرة والدور المميز لكل منهما من دون تكلف أو مبالغة أثناء تجوالهما معا في السوق الرئيسي للبحث عن مصدر مالي إضافي ليتمكنا من شراء كعكة عيد الميلاد.

تقول المخرجة دعيبس التي تتطلع إلى تحقيق فيلم طويل حول الهجرة إلى أميركا إن فوزها بجائزة المهر الذهبي المخصصة لمسابقة الأفلام الروائية القصيرة في مهرجان دبي السينمائي يعد انطلاقة لها في عالم السينما ويزيد من طموحها بضرورة الإسراع بإنجاز فيلمها الروائي الطويل الأول الذي عملت عليه فترة من الوقت.

وتضيف أنها صورت فيلمها القصير بإنتاج وتمويل ذاتي في مدينة رام الله في ظروف صعبة عبر حكاية بسيطة لفتاة ترغب في شراء كعكة لعيد ميلاد من احد المخابز التي تقوم بصنع هذا النوع من الحلوى، لكنها تواجه مشكلات عدة في سبيل الحصول على الكعكة.. هي المشكلات نفسها التي يعاني منها الناس هناك نتيجة ممارسات الاحتلال.

وبمناسبة حصول فيلمها على مثل هذه الجائزة الرفيعة وخصوصا أنها ما تزال في بداية طريقها في مجال صناعة الأفلام تشير دعيبس إلى الكيفية التي جرى فيها اختيار فيلمها من بين عشرات الأفلام داخل مسابقة المهرجان قائلةً إنها تقدمت إلى المهرجان مثل أي مخرج يمتلكه طموح المشاركة في مهرجان عربي شهير مثل دبي، ويبدو أن لجنة الاختيار قررت أن تضعه في قسم المسابقة، وكان أن ظفر بالجائزة الأولى رغم سخونة المنافسة بين الأعمال المشاركة الآتية من أرجاء العالم.

وعن أسلوبيتها في صناعة الفيلم تقول إنها اختارت تقديم النوع الروائي لأنه يتلاءم مع الميزانية القليلة التي وضعتها للعمل والتي تتناسب مع إمكانياتها، وترى أن تصوير الأحداث بعد أن أنهت كتابة موضوع الفيلم جاء من وحي تفاصيل الحياة اليومية في أجواء صعبة تعيشها مدينة رام الله.

وترى دعيبس في كاميرا الفيديو الرقمية وسيلةً للتعبير قبل أن تنجح في تحويل شريط فيلمها إلى شريط سينمائي وتتقدم فيه إلى أكثر من مهرجان سينمائي داخل الولايات المتحدة مرورا إلى أيام بيروت السينمائية ووصولا إلى دبي، وهي في طريقها الآن إلى مهرجانات أخرى مثل ساندانس بأميركا وكليرمون فيران بفرنسا وبرلين في ألمانيا. كما تأمل أن تنجح في إقامة عرض لفيلمها في عمّان تناقشه مع الأصدقاء والمهتمين خاصة.

وعن خطوتها القادمة بعد فوزها بالمهر الذهبي وحصولها على قيمة الجائزة البالغة 30 ألف دولار اميركي تشير دعيبس إلى أنها بدأت فعلا في التحضير لإطلاق عمليات تصوير فيلمها الروائي الطويل المعنون أميركا الذي سيصوَّر بين فلسطين والأردن والولايات المتحدة، وأنها حظيت بدعم ومساندة وتشجيع من الهيئة الملكية الأردنية للأفلام لدى زيارتها للهيئة مما سيوفر عليها الكثير من الجهد والوقت.

وتكشف جانبا عن موضوع الفيلم الذي يتناول قصة امرأة غادرت بلدتها في الضفة الغربية بفلسطين نتيجة لظروف الاحتلال الإسرائيلي باتجاه الولايات المتحدة الاميركية، لكنها لا تلبث أن تواجه ظروفا أصعب وتحديدا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 مما يجعلها في مأزق حقيقي لتنتابها حالات من القلق والحيرة والصراع الداخلي.

* ناقد سينمائي وصحفي أردني

الرأي الأردنية في 26 يناير 2007

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سينماتك