سمك لبن تمر هندي

إنتاج عام 1988

 
 
 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 25 أكتوبر 1995

 
 
 
 

بطاقة الفيلم

 

محمود عبد العزيز + معالي زايد + يوسف داود + عدوي غيث

تأليف: رأفت الميهي ـ تصوير: محسن نصر ـ مناظر: صلاح مرعي, رشدي حامد ـ موسيقى: محمد هلال ـ مونتاج: سعيد الشيخ ـ إنتاج: استديو 13 رأفت الميهي

 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
 

في فيلم (سمك لبن تمر هندي ـ 1988)، نحن أمام عمل سينمائي فانتازي رائد. بل يمكن وصفه بأنه مغامرة فنية قام بها رأفت الميهي في إطار بحثه الدائم عن الجديد وغير المألوف. وهي بالطبع مغامرة شجاعة الهدف منها هو تحطيم كل القواعد المتعارف عليها لمخاطبة المتفرج. هذا المتفرج الذي مل من هذا الكم الهائل الذي تقدمه دوائر الإنتاج السينمائي المصري. ويبقى الرهان على هذا المتفرج، ومدى إستعداده لتقبل هذا الجديد.

في فيلمه هذا، يبدأ الميهي بالتعريف بأبطال فيلمه الرئيسيين، بشكل واقعي تقليدي مدروس وذكي. فنحن أمام الشاب أحمد سبانخ (محمود عبد العزيز)، يعمل طبيباً بيطرياً، يتعامل بشكل إنساني مع نماذج مختلفة من الفلاحين الذين يعتمدون في رزقهم على الحيوانات، ونراه يرفض الإستغلال والجشع الذي يعاملهم به الممرض الذي يعمل معه. أما على الجانب الإجتماعي، فهو يحب فتاة ومتفق على الزواج منها منذ عشر سنوات، حيث حال من إتمام هذا الزواج العثور على شقة مناسبة أو غير مناسبة وتأثيثها. هذا بالرغم من أن حبيبته ـ وإسمها إدارة (معالي زايد) ـ تحاول أن تساعده بالبحث عن عمل، إلا أنها تعيش في صراع دائم للإلتحاق بوظيفة على الآلة الكاتبة، وتحاول أن تصل للرقم المطلوب، وهو ثمانين كلمة في الدقيقة، إلا أنها نفشل دائماً. وبالإضافة الى هذه الظروف الصعبة التي يعيشها أحمد وحبيبته إدارة، يصله خبر وفاة والده في الغربة، حيث سافر للعمل لتوفير حياة أفضل لأبنائه، ويكون وقع الخبر أليماً على أحمد. 

هذه البداية ذات النزعة الواقعية، ليس إلا حيلة فنية ذكية من الميهي، حتى يملك زمام المتفرج في صالة العرض، حيث يقدم صورة عامة لمجتمع يعاني فيه الشباب صعوبة تحقيق الحياة السوية المشرعة، علماً بأنه يقدم بطليه الرئيسيين من الناس العاديين تماماً. ومن ثم ينطلق ليقدم للمتفرج لوحات كاريكاتورية سريعة ولاهثة، شديدة السخرية الى حد المرارة من هذا الواقع. حيث يدخلنا الفيلم في تفاصيل أحداثه الكوميدية الساخرة، وذلك بزواج أحمد وإدارة في حجرة متواضعة في المكان الذي يمارس فيه أحمد عمله كطبيب وملاصقة لحضيرة الحيوانات المريضة. ومن ثم وقوعهما تحت تهديد أحد ضباط الإنتربول الدولي وإسمه ملاك (يوسف داود)، والذي يعتقد بأن والد أحمد كان إرهابياً دولياً، وإن أحمد على إتصال بمنظمة إرهابية دولية وما زال يتلقى التعليمات منها. وبالتالي يجبرهما ملاك على دخول إحدى المستشفيات المتخصصة لعلاج مشاغبي العالم الثالث للحصول على إعترافات مفصلة منهما، بعد أن يتم غسل كل أعضاء الإنسان حتى يتوافق مع المجتمع.

في هذا المستشفى نرى الأطباء قتلة يأكلون لحوم المرضى ويطهون أكبادهم ويشربون دمائهم، في لوحات فانتازية كاريكاتورية شديدة السخرية. ولأن ملاك لا يستطيع الحصول على إعترافات مفصلة من أحمد وإدارة، فهو يطاردهما الى أن يعبرا من المشرحة الى الحياة الأخرى، الى الجنة والنار، ليقدم الميهي مشاهد عبثية جميلة. وعلى الرغم من إحتياطات الأمن المشددة، ينجح أحمد في الهرب من المستشفى ويتخفى في ملابس تجعله أقرب الى الرهبان، يمتطي حماراً وينزل القرى مبشراً بالحب والعدل ويدعو الناس الى الإنظمام إليه لتحقيق الحلم بتغيير العالم، علماً بأنه حلم رومانسي عاجز، أشبه بدعوة المسيح المثالية. وهكذا تستمر مطاردة ملاك لأحمد وإدارة الى أن ينتهي مصيرهما الى الموت، وينتهي الفيلم بإحتفال تأبيني كبير لهما.

وبالرغم من أن رأفت الميهي نجح في تقديم إسكتشات كاريكاتورية ساخرة متتالية، متنقلاً من الخيال الى اللامعقول الى الجنون، إلا أنه يخضع مشاهده تلك لمنطق داخلي خاص، ويعتمد على موازنة عقلية ذكية ومدروسة بين الفن المتمرد والواقع الإجتماعي. حيث أن الأحداث والمواقف الفانتازية والكاريكاتورية، يغلفها خيال لا حدود له، يستمد مادته العبثية من واقع صار أشد عبثية من كل عبث فني.

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004