في السينما المصرية

الغيبيات.. وأفلام الجن والأرواح

 
 
 

نشرت هذه الدراسة في جريدة أخبار الخليج على حلقتين

في 14 و 21 أبريل 1986

 
 
 
 
 
 
 
 
 

هذه المرة سيكون حديثنا عن الأفلام التي تتناول عوالم الغيبيات والخوارق، وهي ظاهرة بدأت تبرز مؤخراً في السينما المصرية. وسنتناول فيلمين فقط من هذه الموجة نعتقد بأنهما الأفضل في كل ما أنتج حتى الآن. ولكن قبل أن نفعل ذلك، لابد لنا من الحديث عن هذه الظاهرة، ورصد أسباب تأخر ظهورها نسبة للسينما العالمية.

فقد إستطاعت السينما العالمية أن تتطرق الى أنماط مختلفة من الموضوعات، عبر أساليب وإتجاهات فنية متنوعة.. فوجدنا، الى جانب الميلودراما والكوميديا، النوع البوليسي والإستعراضي والتاريخي والحربي والفنتازي وأفلام الرعب والخيال العلمي، وغيرها الكثير من إبتكارات السينما العالمية. فقد ساهمت التطورات في مجال العلم والتكنولوجيا في إعطاء السينما الحرية الفنية الواسعة لمعالجة موضوعات مفرطة في الخيال والفنتازيا، وذلك على نحو مقنع ومؤثر.

أما السينما المصرية والعربية بشكل عام، فقد ظلت محصورة ضمن نطاق ضيق من الأطر، بل ظل الإتجاهين الميلودرامي والكوميدي هما الغالبين، الى جانب نوعيات أخرى كأفلام المغامرات التاريخية والبوليسية، وحتى هذه الأعمال كانت قليلة وطرحت أيضاً في أسلوب واقعي.

وعندما كانت السينما المصرية تلجأ أحياناً الى الطابع الفنتازي أو الغرائبي، فإن ذلك يتم في صيغة تهدف الى الإضحاك وإبهار المتفرج. ففي تاريخ هذه السينما لم نصادف سوى تجربة واحدة في مجال الخيال العلمي، وكانت ـ أيضاً ـ في إطار فكاهي، وهي فيلم (رحلة الى القمر ـ 1959) للمخرج حمادة عبد الوهاب، من بطولة إسماعيل ياسين.

ويرجع غياب مثل هذا النوع من الأفلام ـ بالطبع ـ الى عدة أسباب، أهمها ضعف الإمكانيات الفنية وعجز السينما المصرية عن الإستفادة من التطورات التقنية والتكنولوجية في هذا المجال، ثم إنعدام روح المغامرة والتجريب لدى المنتجين العرب، والذين يرغبون ـ عادة ـ في إستثمار أموالهم في أعمال محددة ومألوفة ورخيصة التكاليف، بدلاً من خوض تجارب غير مضمونة الربح. الى جانب تردد السينمائيين أنفسهم في طرح معالجات مغايرة جريئة، خشية أن تواجه مثل هذه الأفلام عدم إستحسان الجمهور لها. ويبدو بأن التردد والتخوف في طرح موضوعات كهذه، جاء بسبب كون هذه الأفلام تقتضي في تنفيذها تقنية عالية في مجال المؤثرات البصرية والسمعية وفي مجالات فنية أخرى. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كون هذه الأفلام معرضة لأن تعالج موضوعات تمس الدين والتقاليد، وفي هذه الحالة لابد من مراعات الحذر لتجنب مثل هذه المحاذير.

لقد تناولت السينما المصرية عبر تاريخها الطويل موضوعات الأشباح في عدد محدود من الأفلام، إلا أنها منذ بداية الثمانينات بدأت بالتوجه الى صناعة الأفلام الغرائبية والتطرق الى عوالم الخوارق والغيبيات في بعض الأفلام. وهي أفلام، أو بالأحرى تجارب سينمائية، تظهر من حين الى آخر، وتهتم بتناول موضوعات تتصل بعوالم الأرواح والجن، من خلال أساليب متباينة وعبر منطلقات مختلفة الى حد ما.

 

الإنس والجن

فيلم (الإنس والجن ـ 1984)، هو واحد من هذه الأفلام التي تناولت مثل هذه الموضوعات، كما هو واضح من عنوانه. الفيلم أخرجه محمد راضي ، وقام ببطولته عادل إمام، يسرا، عزت العلايلي.

ففاطمة (يسرا) الحاصلة على الدكتوراة في العلوم تعود من بعثة دراسية بأمريكا لتلتقي بشخص غريب وغامض يدعى جلال (عادل إمام) الذييفرض نفسه عليها ويصارحها بأنه يحبها ويريد الزواج منها، لكن فاطمة ترفض ذلك لأنها تحب زميلها أسامة (عزت العلايلي) الدكتور الذي يعمل معها في مركز الأبحاث، خصوصاً بعد أن تكتشف ـ ونكتشف نحن أيضاً ـ بأن جلال ليس بشراً ، بل ينتمي الى عالم الجن.

وأمام إصرار جلال على ملاحقة فاطمة ومحاولته إقناعها بالزواج منه لدرجة لجوئه الى التهديد، فإنها تنهار نفسياً، ولا تجد مانعاً من التردد على طبيب نفساني، والذي بدوره يفشل في علاجها، نتيجة تمسكه بالمنطق العلمي وعدم إعترافه بالجن والغيبيات. لذا تقترح عليها والدتها أن تذهب الى إدريس، وهو أحد المشعوذين الذين لديهم إتصال بالأرواح والجن، فترفض في البداية، ولكنها تضطر للذهاب إليه ليوصلها الى درجة خطيرة من الإنهيار العصبي، تنقل على أثرها الى المستشفى. وفي النهاية ينجح الدكتور أسامة من طرد الجني جلال الى الأبد، وذلك بتلاوة الآيات القرآنية.

الفيلم بشكل عام لا يخاطب العقل، بل يتناول عنصر الخرافة وبأكثر المفاهيم بدائية في عصر العلم والتكنولوجيا. وهو، أي الفيلم، يريد أن يثبت لنا بأن العلم عاجز ليس عن تفسير الظواهر الخارقة فقط بل حتى تصديقها، ورغم أنها موجودة وغير قابلة للشك. ويبدو أن الفيلم نفسه غير قادر على إقناعنا بظاهرة الجن، وهذا ما يتضح فعلاً في تلك النهاية الساذجة، حتى يتم طرد الجني بشكل مفتعل، مع أنه كان الممكن إنصرافه بعد دقيقة واحدة من ظهوره في حياة فاطمة، إذا كان الحل هو تلاوة آيات قرآنية. لكن يبدو بأن المخرج كان حريصاً على جعلنا نمكث في عالم الجن أطول فترة ممكنة.

يقول المخرج: (...لم تتم الإستعانة بأي متخصصين أثناء تنفيذ الفيلم، لأن فنانينا على مستوى جيد ولديهم حس مرهف، والمخرج الواعي ذو الرؤية الصادقة يستطيع أن يستخرج من الفنان أفضل ما عنده من طاقات إبداعية. وبالرغم من كل ذلك، كانت تواجهنا مشاكل الإمكانيات الضعيفة للسينما المصرية بشكل عام، وتطلب ذلك مجهوداً زائداً للوصول بالعمل الى شكل يقارب الشكل الذي نتخيله...).

لكن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع فناً، فالإفتقار الى الإمكانيات أنتج بالضرورة عملاً فقيراً على المستوى التقني، حيث أن هذا الفيلم يقتضي تلك الإمكانيات التقنية والفنية، والتي تضفي على فيلم كهذا مصداقية ذات تأثير مقنع. ثم أن المستوى الفني الجيد للفنانين والحس المرهف والوعي والرؤيا الصادقة والطاقات الإبداعية التي تحدث عنها المخرج، لم تستطع أن تخلق عملاً متميزاً، أو على الأقل عملاً مقنعاً. فقد لاحظنا بأن الخدع السينمائية التي كانت تصاحب ظهور الجن وإختفائه، لم تكن مقنعة حتماً، بل كانت توحي بالسذاجة، وتذكرنا بالفيلم العربي القديم (طاقية الإخفاء) للمخرج نيازي مصطفى. ولولا التصريح ـ عن طريق الحوار ـ بحضور الجن، لما إستطاع المتفرج أن يميز بين طبيعة جلال إن كان جني أو إنسان.

كذلك فإن الموسيقى التصويرية التي وضعها شعبان أبو المجد، لم تستطع أن تسهم في إحداث التأثير المطلوب. فالموسيقى بالذات ـ وكما هو معروف ـ في مثل هذا النوع من الأفلام، لها تأثير كبير، ويمكن أن تلعب دوراً أساسياً في خلق حالة من التوتر والإثارة.

هذا هو ما قدمه لنا فيلم (الإنس والجن)، الذي لم نلحظ فيه سوى ذلك الجهد المبذول في مجال الإضاءة والديكور، والذي كان ملفتاً بحق، بالقياس الى التجارب السابقة في السينما المصرية.

 

إستغاثة من العالم الآخر

في حلقتنا الأولى، تحدثنا عن فيلم (الأنس والجن)، بإعتباره واحداً من الأفلام التي تناولت موضوع الغيبيات في السينما المصرية. واليوم نتابع موضوعنا، ونتناول فيلماً آخر من نفس هذه النوعية، بل إنه يعد أفضل ما أنتج في مصر في هذا المجال. فيلمنا هو (إستعاثة من العالم الآخر ـ 1984)، وهو من إخراج محمد حسيب، وبطولة بوسي، فاروق الفيشاوي، معالي زايد.

يحكي الفيلم عن تهاني (بوسي) التي تملك قدراً كبيراً من الشفافية، وقدرة خارقة على الإتصال بالموتى، حيث تنتابها أثناء النوم كوابيس يظهر فيها طبيبها السابق (بدر نوفل) وتطاردها روحه دائماً، طالباً منها إغاثته بعد أن قتل ألقيت جثته في النيل، مع العلم بأنها لم تراه منذ أربع سنوات.

تستعين تهاني بالشرطة في الكشف عن جثة الطبيب، وفعلاً يتم العثور عليها في قاع النيل. إلا أن الشرطة تتهمها بقتله، فيقوم خطيبها المحامي صفوت (فاروق الفيشاوي) بالدفاع عنها بمساعدة إثنين من علماء النفس، ممن درسوا وبحثو في الظواهر النفسية الخارقة، الى أن تثبت براءة تهاني ويفرج عنها.

عندها تتجه الشكوك الى زوجة القتيل الشابة سوسن (معالي زايد) التي كانت تعمل عند القتيل كممرضة، والتي تبين أنها كانت تطمح في الإستيلاء على ثروته. فيقوم المحامي بمساعدة أصدقائه وسكرتيرة القتيل (هالة صدقي) بالبحث عن أدلة تساعد في كشف المجرم الجقيقي. وفي النهاية يتم القبض على الزوجة القاتلة ومساعدها.

الفيلم يطرح موضوعاً جديداً ومثيراً للجدل، ألا وهو ظاهرة التخاطر أو (إستقبال رسائل من الموتى)، بل أن الفيلم يؤيد هذه الظاهرة بجرأة وبدون أي تحرج. إن الفيلم يدخل في مناقشات طويلة ـ على لسان علماء النفس بالطبع ـ لإثبات مصداقية هذه الظاهرة، خصوصاً في المناظرة العلمية التي دارت في قاعة المحكمة.

كتب سيناريو وحوار الفيلم الكاتب أحمد عبد الرحمن، والذي يتحدث عن الفيلم، فيقول: (...إن اليفلم يتناول موضوعاً نفسياً بحتاً، حاولنا من خلاله أن نقول بأن علم نفس الخوارق سيحل في يوم من الأيام محل علم نفس البشرية.. أي أن الروحانيات ستسيطر في المستقبل، بحيث أنها ستجر وراءها كل الباحثين في هذا المجال. نحن نحاول طرح هذا السؤال.. هل هناك قدرة للأرواح التي غادرت العالم المادي على العودة والإتصال بالأرواح التي مازالت موجودة في عالمنا؟! وجدنا أن هذا ممكن، بناء على ما أدلى به بعض الباحثين في هذا المجال من وقائع، وما أثبتوه في مراجعتهم من تجارب أو أمثلة أو حالات مروا بها.

فيلم (إستغاثة ...) ومن قبله فيلم (الكف ـ 1984)، هما لنفس فريق العمل الفني تقريباً، والإثنان يتناولان عالم الأرواح والعيبيات. فالمؤلف والمخرج ومدير التصوير وواضع الموسيقى التصويرية عملوا في الفيلمين معاً. إن كاتب السيناريو، يخوض مجال كتابة السيناريو للمرة الأولى، وينجح في تقديم مواضيع جديدة وجريئة. أما المخرج فهو الذي عمل لفترة طويلة في التليفزيون كمخرج للرسوم المتحركة والإعلانات والبرامج المنوعة. ثم إنتقل الى السينما بفيلم (إن ربك لبلورصاد)، الذي لم يكن في مستوى فيلميه التاليين (الكف) و(إستغاثة ...).

وللمخرج محمد حسيب وجهة نظر في الموضوعات التي تناولها، حيث يقول: (...منذ فترة طويلة وأنا أشعر بميل شخصي للحديث عن الأرواح والأشباح والعفاريت والجن، لأنه موضوع مثير وقرأت فيه الكثير، وحماسي له أكثر من حماسي لأي موضوع آخر. لذا كان هناك إهتمام شخصي بهذه الغيبيات والميتافيزيقيات. وتساءلت لماذا لا تقدم السينما عندنا أفلاماً من هذا النوع، لاسيما وإن المتفرج المصري قد سئم الموضوعات العادية التقليدية. وهناك نقطة أخرى مهمة وهي أنني في هذه الموضوعات أنقل للمتفرج من خلال التحليل العلمي الصرف ، وعبر لغة سينمائية متقنة معلومة مفيدة وأجعله يتعرف على مجالات جديدة لم تطرقها السينما المصرية من قبل...).

إن البطل الحقيقي للفيلم هو مدير التصوير سعيد شيمي، فقد كان لكاميرته الحساسة الفضل في خلق صور جميلة معبرة، كان لها شأن كبير في تحمل الأعباء الفنية للفيلم، وإعطاءه ذلك المستوى الفني المتميز. في (إستغاثة ...) كان أمام سعيد شيمي إبراز اللون والإضاءة بشكل يوازي الحدث الدرامي في الكادر، ونجح ـ الى حد كبير ـ في تحقيق ذلك. كما نجح أيضاً في تصوير مشاهد الكوابيس التي أظهرت براعته في إستخدام العدسات الخاصة والزوايا والحركات الصعبة للكاميرا، خصوصاً المحمولة منها. كما جاءت لقطات الصوير تحت الماء جميلة وواضحة وتعطي إنطباعاً جيداً للمقدرة التي يتمتع بها سعيد شيمي. أما الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية، فقد وضعهما محمد هلال، الذي إستطاع حقاً توظيف الموسيقى الإلكترونية لخدمة الحدث الدرامي، وبالذات في مشاهد الكوابيس ، وكان تأثيرها واضحاً وقوي التعبير.

إن من أبرز سلبيات الفيلم هو أن السيناريو قد إختزل دور الظاهرة الخارقة، وحولها الى مجرد إثارة درامية وظفها في الفيلم كعنصر بوليسي لتتبع خيوط الجريمة. صحيح بأن الفيلم قد نجح في المحافظة على عنصر التشويق بأسلوب جديد وشيق، وقدم موضوعاً جديداً على السينما المصرية، إلا أنه لم يطرح شكلاً فنياً جديداً من حيث التكنيك السينمائي.

 
 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004