حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الثالث

MEIFF

2009

 

خاص

بـ"سينماتك"

كتبوا في السينما

أخبار ومحطات

سينماتك

ملتيميديا

إبحث

في سينماتك

إحصائيات

استخدام الموقع

المسافر” رؤية ملتبسة تقاعس صناعه عن توضيحها

أبوظبي حسين الجمو

لدى الانتهاء من مشاهدة أي فيلم سينمائي، يطرح المشاهد أثناء خروجه من قاعة العرض مع جمهور غفير كما في فيلم افتتاح المهرجان “المسافر” الذي عرض ليلة الافتتاح أول أمس السؤال البديهي: ما الذي أراد المخرج احمد ماهر أن يقوله في هذا الفيلم عبر نجوم حقق بعضهم شهرة عالمية مثل عمر الشريف إضافة إلى خالد النبوي وسيرين عبد النور؟ التصريح هنا بالانطباع العام الذي حمله الجمهور عن الفيلم قد لا يكون في مكانه، لكن من خرج بانطباع جيد عن الفيلم وقع في مأزق توضيح ما الذي يرمي إليه .

“المسافر” عرض كذلك في مهرجان فينيسيا، وبعض من أراد ان يعطيه معنى واضحا غير ملتبس أسقطه على تاريخ مصر والمنطقة العربية، خاصة مع وجود دلالات واشارات من خلال التواريخ التي تم تقسيم الفيلم من خلالها إلى ثلاثة أيام على مدى 53 عاما أي من 1948 مرورا ب 1973 واخيرًا عام 2001 .

يبدأ المشهد الأول في الفيلم برصد حركة الشارع من خلال نافذة القطار، ويظهر لوهلة العلم البريطاني في إشارة إلى الوضع السياسي في مصر بتلك الحقبة، ثم يتسع كادر الصورة حتى تظهر نافذة القطار فيما حسن (خالد النبوي) مترنح أسفل نافذتها . ربما تكون العقدة السينمائية الأولى في الفيلم الأكثر نجاحاً، ولو كان فيلما قصيراً ينتهي بمشهد تسليم حسن الذي يريد إيصال رسالة من شخص يدعى فؤاد (عمرو واكد) إلى فتاة أرمنية اسمها نورا (سيرين عبد النور) لكان من اكثر الأفلام القصيرة إحداثا للدهشة، فالقبطان على ظهر المركب الذي تتواجد عليه نورا يعتقد للوهلة الأولى أن من يحمل الرسالة هو فؤاد، فيأخذه إلى نورا ليقدم نفسه على أنه فؤاد وسط دهشته من جمالها . وللتوضيح أكثر لا بد ان نذكر أن نورا لم تر فؤاد منذ فترة طويلة ولم تعد تعرف ما هي ملامحه الآن، وبالتالي سلمت بأن الشاب الواقف أمامها فؤاد وليس حسن عامل التلغراف . هناك فكرة يمكن أن نلتقطها في هذه المشاهد عندما تؤكد نورا ان إحساسها تجاهه لم يتغير منذ سافرت قبل أعوام طويلة، وهو أن الاحساس يكذب والاعتماد عليه يكون كارثيا خاصة ان حسن يغتصب نورا في حفلة على منصة في المركب بالقرب من حفلة صاخبة تجري ومشهد الاغتصاب طويل ولا يبرر طوله سوى توظيفه لدعم الفيلم لدى بعض القطاعات الاجتماعية، وهذه صورة تقليدية وشعبوية جدا من خلال ربط الاغتصاب بمن يتعاطى المشروبات وهي مشاهد متكررة في السينما المصرية عموما، لكن عندما يكون هناك غربيون في مثل هذه المشاهد فإنهم يظهرون كشخصيات متزنة لا تفقد توازنها، وهي مفارقة يمكن أن نطرحها على الذين يقولون انهم يريدون تحسين صورة العربي في الغرب . قبل مشهد الاغتصاب تسأله نورا باندهاش: “هل أنت حيوان؟ تكون إجابته: لست حيواناً، لكني أستطيع ان أكون حيوانا” . في نهاية القسم الأول يظهر فؤاد الحقيقي ليتزوج من نورا فيما يحرق حسن المركب الكبير احتجاجا . الأخطر في كل ذلك ان الفيلم يوجه المشاهد للتعاطف مع المغتصب، سواء من خلال تجريده فؤاد من بذلته لكون حسن استأجرها مسبقا، او من خلال إقدام حسن على القفز في البحر ثم إحراق المركب . وهنا لا بد من الاشارة إلى أن صوت حسن الكهل (عمر الشريف ) يروي بعض الأحداث ويعلق عليها .

في القسم الثاني الذي يبدأ في خريف ،1973 يلتقي حسن مع فتاة تدعى ناديا (سيرين عبد النور) يعتقد للوهلة الأولى أنها نورا، ويذهب معها إلى المشرحة لاستلام جثة أخيها علي الذي رمى نفسه في بئر ماء . في هذا القسم تبدو شخصية حسن هادئة لدرجة يؤثر فيها على ايقاع الفيلم الذي يصبح رتيبا، بل إن اوراق المخرج احترقت فيه منذ ان يتبين أن نورا هي ام ناديا وتبدأ هي بشرح صفات شقيقها الميت الجسدية والنفسية ليكون صورة طبق الأصل من حسن . وبالتالي يكون هو والدهما باعتبار انهما توأمان، تكون بقية القصة بالنسبة للمشاهد تحصيل حاصل بما ان الأشكال تنسخ نفسها من خلال سيرين عبد النور وخالد النبوي الذي كان هو ذاته علي الذي توفي . لا يخلو هذا القسم من الاشكالات النفسية للشخصية الرئيسية في الفيلم، فحسن الذي يتصرف على انه والد ناديا الحقيقي يوافق على تزويجها من جابر الذي يتصف ببعض البلاهة والجلافة من دون تبرير، حتى انه لم يسأل ابنته ما إذا كانت موافقة ام لا . المخرج رغم ركاكة الحبكة هنا يترك سؤالا لدى المشاهد عندما يقيم عزاء الشاب المتوفى علي وزفاف أخته ناديا في خيمة واحدة، حيث هناك قارئ للعزاء ومأذون للزواج، وفي النهاية يرقص كلاهما في حفلة ماجنة، ولا ندري من اين جاءت الراقصات المحترفات في منطقة غارقة في الفقر .

 

في 2001 بالقاهرة يتلقى حسن (عمر الشريف) رسالة من علي جابر الذي هو ابن ناديا التي توفيت، هذه المرة علي هو الذي جاء ليبحث عن جده ويحاول إثبات أنه يشبه خاله الميت علي، فيبدأ حسن الكهل بإعادة إحياء نفسه من خلال حفيده علي، لكنه يفشل سواء في الرهان على لعبة الديكة التي كان يهواها صغيرا أو إصابته في شجار وهروبه، ثم يبدأ الشك به من خلال أنفه الغريب الذي لا يشبه انفه بل يشبه أنف فؤاد الذي تزوج من نورا في القسم الأول، وهو ما اكدته طبيبة مبتدئة كان المفروض ألا يكون لها مكان في الفيلم ولم يكن ينقصه طموحها في إجراء عملية لأنف حفيده لتنال شهادة طبية رفيعة بينما ينال حسن الكهل أنفا شبيها بأنفه لحفيده .لسبب ما يقرر فجأة سحب حفيده من غرفة العمليات قبل إجرائها له، ويأخذه إلى المنزل ليخرج علي بعدها ويتركه وحيدا يواجه هواجس الماضي فيقرر الوقوف على سكة القطار على جسر في القاهرة ليقفز من الأسفل قبيل وصول القطار إليه .

تتكرر هنا المشاهد التي تظهر الحمام سواء داخل عشه أو في سماء القاهرة، وطيلة الفيلم تتكرر أيضا مشاهد لأناس يصلون إضافة إلى صوت الأذان، في توظيف لا يعرف ما إذا كان يقصد شيئا إيجابيا ام سلبيا، لكن بكل الأحوال فإن التعبير عن ازدياد الموجة الدينية او انحسارها لا يكون عبر تكرار رفع الأذان فيها او إظهار المصلين في الشوارع . بإمكان السينما أن تبتكر مشاهد موظفة بطريقة لا نقول على طريقة السينما الإيرانية، بل على الأقل ما عرفناه حتى الآن من نماذج ناجحة من السينما المصرية ذاتها.

فنياً، حركة الكاميرا بطيئة وغير خاطفة، تترك مهلة للتأمل لكنها تقع في التكرار بغض النظر عن حبكة السيناريو، والموسيقا مختارة بعناية لتلائم الحقب التي تناولتها، حيث سمعنا اغاني وموسيقا قديمة في القسم الأول، واغاني لعبد الحليم في القسم الثاني، بينما كانت الموسيقا سريعة في الجزء الأخير، وبالتالي كانت واقعية مع انه من الصعوبة الحكم على النواحي الفنية بمعزل عن فكرة الفيلم، فحتى لو كان بيتهوفن يعزف في فيلم حبكته وفكرته غير واضحتين فإن هذا لا يرفع من قيمة الفيلم .

في النهاية يمكن الاشارة إلى نقطتين، الأولى هو أنه لو كانت رؤية المخرج واضحة لما احتجنا إلى مساحة كبيرة لسرد الفيلم لتعريف القارئ بها، بل كان الأجدى مناقشة الفكرة ذاتها وليس الانهماك في البحث عنها وعدم إيجادها . والفيلم لا ينتمي لتقاليد السينما المصرية، لذا لا يجب إغلاق الباب عليه تماما، فمحاولات أخرى يمكن أن تنتج نموذجا جديدا واكثر جدية للسينما المصرية التي تحتاج إلى التخلص من أعباء الكوميديا والسينما الشبابية . النقطة الثانية أن الروائي الفائز بجائزة نوبل غابرييل غارسيا ماركيز طرح في روايته الشهيرة “مائة عام من العزلة” مسألة تكرارية التاريخ، وحاول تقديم رؤيته في الجدل القديم بالسؤال: هل التاريخ يسير بشكل دائري يكرر نفسه أم يسير بشكل مستقيم ينتج نفسه؟ ربما أراد المخرج معالجة فكرة من هذا الوزن ولم يوفق تماما في تجسيدها سينمائيا، ومادام الأمر كذلك فإن من الأخطاء التي ارتكبها فريق العمل الذي حضر يوم امس الأول (المخرج وسيرين عبد النور بسمة شريف رمزي فيما غاب خالد النبوي وعمر الشريف) أنهم لم يطلبوا عقد مؤتمر صحافي عقب الفيلم او حتى أمس لمناقشة استفسارات وأسئلة الاعلاميين والنقاد .

الخليج الإماراتية في

10/10/2009

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)