كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين السينمائي (8)

«مترادفات» ينتقد إسرائيل وينال «الذهبية» باسمها

برلين: محمد رُضـا

مهرجان برلين السينمائي الدولي

الدورة التاسعة والستون

   
 
 
 
 
 
 

المهرجان يصل لمحطته الأخيرة ويوزع جوائزه

فاز الفيلم الفرنسي - الإسرائيلي (مع مساهمة ألمانية) «مترادفات» بجائزة «الدب الذهبي» في ختام دورة مهرجان برلين أول من أمس. الفيلم من إخراج ناداف لابيد وإنتاج (التونسي الفرنسي) سعيد بن سعيد. اعتبرته لجنة التحكيم برئاسة جولييت بينوش، أفضل ما تمت مشاهدته في دورة لا يختلف كثيرون في أنها كانت أضعف الدورات بين غالبية السنوات الثمانية عشر التي تولاها دييتر كوزليك برئاسته.

ومع أن المساهمة التمويلية الإسرائيلية للفيلم محدودة، والتمويل الرئيسي ورد من شركتين فرنسيتين هما «Arte France Cinéma» و«SBS» (الأحرف الرامزة لسعيد بن سعيد)، إلا أن المهرجان رفع، إعلامياً، راية الفيلم كإنتاج إسرائيلي منفرد منذ أن قبل مشاركة الفيلم في المسابقة وحتى إعلان فوزه.

المواقع الإسرائيلية والغربية عموماً نقلت عن المهرجان وصف الفيلم بالإسرائيلي باستثناء قلة، من بينها موقع «Times of Israel» الذي منحه صفته المزدوجة كفيلم فرنسي - إسرائيلي.

في كل الأحوال سيسجل فوز «مترادفات» كأول «دب ذهبي» يناله فيلم إسرائيلي أو إسرائيلي - مشترك في تاريخ المهرجان. وهو الفيلم الإسرائيلي الثاني الذي ينال جائزة رئيسية في مهرجان برلين، إذ كان المخرج جوزف سيدار نال سنة 2007 «الدب الفضي» كأفضل مخرج عن فيلمه «بيوفورت» الذي تناول وضعاً حربياً على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية اعتبر فيه أن الدولة الإسرائيلية لا تفعل ما هو مطلوب فعلاً لإنجاز انتصار عسكري.

تنميط

هذه المرة، وعلى المنصة، ذكر المخرج ناداف لابيد أنه يأمل ألا يواجه الفيلم بهجوم من دولته لأنه «ليس بالفيلم السياسي الراديكالي». لكن ناداف لم يكن ليقول ذلك لولا إدراكه أن «مترادفات» يحمل على إسرائيل ما لا يمكن اعتباره أقل من عداء شامل. في أحد المشاهد المهمة يقول، متحدثاً لصديق فرنسي يقف وإياه ليلاً على جسر فوق نهر السين، «هربت من إسرائيل لأنها دولة قاسية، منحطة، عدائية، ذات قلب لئيم، فضائحية، ذات روح شريرة»، ويتبع كل هذه النعوت بكثيرة أخرى قبل أن يقول له الشاب الذي يستمع له مستغرباً: «من المستحيل أن تكون كل تلك الصفات مجتمعة في بلد واحد».

لكن بطل لابيد، واسمه يوواف (يقوم به توم مرسييه الذي اكتشفه المخرج على بعض مسارح تل أبيب) واثق من موقفه. هارب من ماضيه. وهو يندفع في مهاجمة الدولة التي جاء منها إلى باريس رافضاً التحدث بالعبرية بعد اليوم. لكن حتى باريس لا تفلت من تعليقه إذ يصف جمالها بأنه زينة يفرضها نهر السين، ولو أنه اختار فرنسا لأنها بلد الفنانين والأدباء الكبار.

حقيقة أن الفيلم يعادي إسرائيل تتماشى وتلك التي يرسم فيها أنماطاً أخرى بالدرجة ذاتها من السخرية والنقد. الصديق الفرنسي الذي يستمع إلى كلامه قُصد به ألا يكون ذا شخصية واضحة. إنه مغيب عن المعرفة في أفضل الأحوال. وعندما يجد يوواف عملاً في السفارة الإسرائيلية في باريس، فإن أحد أعضاء السفارة يؤمن بأن أوروبا بأسرها مليئة بالمعادين للسامية.

يتساءل الناقد، حين يشاهد فيلماً مبنياً على كلمات مختارة وأسلوب عرض ساخر، عن موقع الفن فيه. الواقع أن الفيلم يعتمد التنميط والكليشيهات بصرف النظر عن مصدرها. لجنة التحكيم وجدته فيلماً يعالج وضعاً حرجاً بجرأة وتميز. وهذا هو وصف مقبول، لكن المباشرة الطاغية على سياق الفيلم تمنع الواحد لأكثر من موقف مؤيد أو معارض من زاوية موقعه الشخصي من هذا النقد الموجه.

الفيلم ينجح في جميعه وليس من مشهد لآخر بالضرورة. هناك مشاهد تترك استحساناً فورياً وأخرى لا تترك ما يوازي هذه القيمة، لكنها جميعاً تمر من دون تأثير مستديم. هو نوع مما يمكن اعتباره رسالة في زجاجة وصلت إلى الشاشة، لأن المحتوى، وبعض الزجاجة، مختلف.

يوواف ربما هرب من اليمين الإسرائيلي والدولة التي يعتقد أنها، كما يقول، «ستموت قبله»، لكن ثورته لا تهدأ بعد وصوله إلى فرنسا ما يجعل المشاهد غير واثق من منحاه. والتساؤل حول مدى صواب الشخصية لا بد أن يعترض تفكير المشاهد، فتصرفاته تنحو للعنف والانفعال، ولو أن في ذلك نقداً للشخصية ذاتها.

برود في الأوصال

اللجنة التي ترأستها جولييت بينوش منحت كذلك جائزة لجنة التحكيم الخاصة (الدب الفضي) إلى فيلم «بفضل الله» لفرنسوا أوزون، لكونه، كما جاء في التبرير، يؤدي دوراً كاشفاً لما وقع من أفعال جنسية وتأثيرها على ثلاث شخصيات رئيسية انبرت لتقدم وجهة نظرها.

وكان فيلم فرنسوا أوزون قدم حكاية ثلاثة رجال كان راعي الكنيسة الكاثوليكية اعتدى عليهم جنسياً حين كانوا صغاراً. الفيلم يضع ثلاثة ممثلين في تلك الأدوار، ويمزج بين الواقع والدراما من دون أن يعتمد على أي من الجانبين.

الصغار في سعيهم لإيقاف الأذى عنهم هو أيضاً موضوع الفيلم الفائز بجائزة فضية ثانية وهو «محطم النظام» لنورا فينغشتيد. في الوقت الذي ذهبت فيه جائزة أفضل إخراج للمخرجة أنجيلا شانيليك عن دورها في «كنت في البيت ولكن».

الاشتراك الصيني «وداعاً، يا ابني» فاز بجائزتين الأولى لأفضل ممثلة (يونغ ماي) والثانية لأفضل ممثل (وانغ جينغشون).

كل هذه الجوائز وسواها وردت في شيء من البرود. كان هناك موقف عاطفي أو اثنان في البداية. الأول حين الإعلان عن وفاة الممثل السويسري برونو غانز (مشهور بأدواره في الفترة الذهبية للمخرج الألماني فيم فندرز) والثانية حين كان لا بد من تقديم التقدير لرئيس المهرجان في وقفته الأخيرة. بعد ذلك كان كل شيء «بزنس آز يوجوال»، على الرغم من أن رئيسة لجنة التحكيم سمحت لنفسها بكلمات قليلة حول قرار الصين تغييب فيلم زانغ ييمو واعتراضه بعدما كان اختير ليشارك في المسابقة.

أكملت ثقة المدينة والدولة بمهرجانهما، وأكدت موقع المهرجان كأحد أهم ثلاثة مهرجانات سينمائية في العالم. هذا على الرغم من أن الرئيس مال، في أكثر من مناسبة، لمنح السينما الألمانية حضوراً على حساب سواها. يقول الناقد هلموت شولزك في هذا الصدد: «في عام 2009 تألفت المسابقة من 20 فيلماً بينها 16 إما ألمانياً أو ألمانياً مشتركاً».

لكن الماضي بنجاحاته وبعض إخفاقاته لم يصبغ على هذه الدورة - بالمقارنة - إلا القليل من الأثر. وبعض السبب يكمن خارج مجموعة الأفلام التي اختيرت للمسابقة، ومن بينها إخفاق «سوق الفيلم الأوروبي» في تنشيط وضع بليد خارج قدرتها على تغييره.

الجميع، بالتالي، يتوقع لا بداية مرحلة جديدة تماماً على يدي الرئيسين الجديدين مارييت ريزنبيك (وهي كانت رئيسة تنفيذية لمكتب الفيلم الألماني) وكارلو شاتريان، الرئيس السابق لمهرجان «لوكارنو».

 

####

 

من «كان» إلى «برلين»

طارق الشناوي

قبل عامين شاهدتُ في مهرجان «برلين» الفيلم الروائي السعودي «بركة يقابل بركة» للمخرج الموهوب محمود الصباغ، تميّز الفيلم بقدر كبير من العمق الفكري الممزوج بالسخرية القادرة على أن تُثير الكثير من القضايا الاجتماعية المسكوت عنها بإبداع، وكان السؤال، في المنصات الفضائية والمواقع الإخبارية العربية والأجنبية، عن السينما السعودية وكيف تتنفس بينما لا توجد دور عرض في المملكة، ووقتها اعتبروا أن هذا الفيلم مثل الأفلام القليلة الأخرى التي سبقته، على سبيل المثال «وجدة» لهيفاء المنصور، الحاصل قبل 6 أعوام على جائزة «المُهر» الذهبي من مهرجان «دبي»، الذي رشح لأول مرة لتمثيل السينما السعودية في مسابقة «أوسكار» أفضل فيلم أجنبي، هذه الأفلام مهما حققت من نجاح خارج الحدود ستواجه المناخ غير المهيّأ لاستقبالها في الداخل، كان المتوقع أنها ستظل حالات فردية، الربيع لا يصنعه تغريد عصفور واحد.

قبل نحو عام بدأ الحراك الفني في المملكة العربية السعودية، بمختلف أطيافه، وواكب ذلك بناء دور عرض سينمائية في العديد من المدن، وعرضت أفلاماً من مختلف دول العالم وأكثر من فرقة مسرحية، والعديد من الحفلات الغنائية، وتابعنا مهرجان «شتاء طنطورة»، وهذا الإقبال الضخم والنجاح الاستثنائي الذي يؤكد أن الفن والثقافة لن يتوقفا عن بث الدفء في كل جنبات الحياة.

في شهر مايو (أيار) الماضي، شاهدنا في مهرجان «كان» لأول مرة، وبعد أكثر من 70 عاماً على انطلاق المهرجان، الجناح السينمائي السعودي على شاطئ الريفيرا، وعرض في سوق المهرجان نحو 14 فيلماً تسجيلياً وقصيراً لشباب المخرجين، وتكرر الأمر في الدورة الأخيرة من مهرجان «برلين» حيث عرضت أيضاً أفلاماً سعودية داخل إطار السوق.

قد يبدو الأمر لمن لا يعرف آليات صناعة السينما أنه فقط شأن داخلي سعودي، في الحقيقة أن السينما في المملكة لها بُعدها الخليجي، وتتسع الدائرة لتصبح عربية بالضرورة، لتتسع أكثر لتشمل العالم كله، لأنها تعتبر إحدى الأسواق القوية الوليدة عالمياً.

لا أنكر طبعاً دور المخرج السينمائي المخضرم عبد الله المحيسن ومنذ السبعينات في القرن الماضي، إذ إن له بصماته، في الجهاد لتقديم السينما في المملكة، التي بدأها مع فيلمه التسجيلي «اغتيال مدينة»، وقبل نحو 13 عاماً عرض فيلمه الروائي الطويل «ظلال الصمت»، في سوق مهرجان «كان»، الذي اعتبر حدثاً استثنائياً، فهو بحق أحد المغامرين الكبار في عالم السينما.

السوق السينمائية في المملكة أعادت الأمل بقوة، وأنعشت صناعة مهمة عربياً، وبدأ بالفعل عدد من شركات الإنتاج العربية، التي كانت قد توقفت، في التمهيد للعودة للميدان مجدداً، لأن هناك موزعاً في المملكة سوف يتعاقد على تسويق الفيلم، السينما فن وصناعة وتجارة، وفي عالمنا العربي الفن وبنسبة كبيرة متوفر، والصناعة السينمائية لا بأس بها أيضاً، ويبقى الشق التجاري، الذي أرى أن دور العرض في المملكة ستلعب دوراً محورياً في إنعاشه.

الفنّ ليس مجرد أداة للترفيه رغم أهميته في حياة الناس، فهو يدفعهم للإجادة، ولكن يجب أن نضع أيضاً تلك الرسائل غير المباشرة التي تتسلل في نسيج العمل الفني. السينما المقبلة بقوة في السعودية قادرة على أن تحمل قضايانا وأحلامنا للعالم كله.

ناقد سينمائي مصري

الشرق الأوسط في

18.02.2019

 
 
 
 
 

«الرب موجود» للمقدونية لتيونا متفيسكا…

امرأة تقف في وجه المجتمع والكنيسة والسلطة

نسرين سيد أحمد

برلين ـ «القدس العربي»: امرأة شابة تجابه تقاليد المجتمع الذكوري، وتتحدى ممارسات الكنيسة وتَجَبُّر الشرطة. هذا ما تقدمه المخرجة المقدونية تيونا شتروغر متفيسكا في فيلمها «الرب موجود.. اسمها بترونيا»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين في دورته التاسعة والستين. ولكن على الرغم من بداية قوية وزخم كبير وأداء متميز من شخصيته الرئيسية، تأتي خاتمة الفيلم متعجلة تفتقر إلى القوة الحاسمة التي كنا نرجوها، ولعلّ ما يجعلنا نقبل هذه الخاتمة على مضض هو أن الحياة في كثير من الأحيان لا تقيم ميزان العدل هكذا سريعا، وأن خطوة صغيرة قد تكون بداية الطريق.

لا يقدم الفيلم قصة فردية فقط، بل تعليقاً على مقدونيا المعاصرة، التي لا تزال تقبع تحت سيطرة عادات وممارسات مستمرة منذ قرون، وما زال النساء فيها يتعرضن لشتى صور الضغط والقمع من مجتمع ذكوري ضاغط.

لا يقدم الفيلم قصة فردية فقط، بل تعليقاً على مقدونيا المعاصرة، التي لا تزال تقبع تحت سيطرة عادات وممارسات مستمرة منذ قرون، وما زال النساء فيها يتعرضن لشتى صور الضغط والقمع من مجتمع ذكوري ضاغط. كما أن قصة بترونيا هي قصة جميع النساء اللاتي يتصدين للجور ويسعين للحصول على حقوقهن. بترونيا (زوريكا نوشيفا) امرأة في الثانية والثلاثين، جميلة ولكنها بدينة وغير متزوجة، ولا تفوت أمها الفرصة لتعيرها بسنها ووزنها وعدم زواجها. تقيم في منزل أبويها، ولا تجد عملا يتطلب شهادتها الجامعية في مجال التاريخ، فتضطر للعمل نادلة. تعيش بترونيا حياة خانقة في مدينة ستيب المقدونية، ويبدأ الفيلم وهي في فراشها لا ترغب في الاستيقاظ لمواجهة يوم جديد من الإحباط والسأم والضغوط من أمها. تحت وطأة إلحاح أمها، تذهب لمقابلة للعمل في مصنع ثياب، يتفحصها مديره، كما لو كانت سلعة لا يرغب فيها أحد، ولا تجد منه سوى التحرش والتهكم.

وهي في الطريق إلى المنزل بعد هذه المقابلة المهينة تمر في طريق مسيرة دينية سنوية، يؤدي فيها قس طقسا يتجمهر الرجال لمشاهدته والمشاركة فيه، حيث يلقي صليبا خشبيا في خضم ماء النهر، ويسبح الرجال خلفه ومن يجده ويمسكه، يكون الفائز، ويعتقد وفقا لما يشاع في البلدة أنه سيكون الأوفر حظا طوال العام. تقرر بترونيا، هكذا في حماس اللحظة، أن تقفز في الماء بثوبها، وتكون أول من يصل إلى الصليب وتلتقطه، وتغادر رغم صيحات الاستهجان من الرجال، أنها امرأة ولا يحق لها المشاركة في الاحتفال الكنسي أو الاحتفاظ بالصليب.

ينتشر تسجيل بالفيديو للحدث على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى يوتيوب، وتلتقطه تقارير التلفزيون عن تلك المرأة غير معروفة الهوية التي «سطت» على الصليب، وتتعرض بترونيا لشتى أنواع التشهير والسباب والضغوط لإعادة الصليب، وتتعرض للصفع والتنكيل من قبل أمها لأنها تحدت التقاليد الراسخة، وتجرأت على الكنيسة.

فجأة تجد بترونيا نفسها وقد تحولت من شخص يكاد يكون منسيا تماما إلى محط اللعنات والتشهير. لكن الضغوط والاضطهاد والترهيب لا تزيدها إلا من عزما على الاحتفاظ بالصليب والدفاع عن حقها في أن يبقى في حوزتها، وتتزايد قوتها وثقتها بالذات وتشحذ كل قدرتها على رد الحجة بالحجة وعلى التحدي، رغم تجمهر جموع من الرجال الغاضبين الذين ينعتونها بالـ»عاهرة» لأنها تجرأت على تحدي تقليد كنسي.
تجد الصحافية سلافينا يانيفا (لابينا متفيسكا) فرصة سانحة لجلب الأضواء لذاتها ولبرنامجها في قضية يهتم بها الرأي العام، وتشهد استقطابا في الآراء. وبعد أن تُقتاد بترونيا إلى مقر الشرطة لترد الصليب، الذي أصبحت تتهم بسرقته، على الرغم من فوزها به، لا تجد العون إلا من شرطي برتبة صغيرة، ربما لأنه شاب مثلها ولأنه ليس على قناعة بتقاليد المجتمع.

تبقى بترونيا على تحديها وثبات حجتها، ولكن ما لا نفهمه حقا، موقف الجموع الغاضبة من الرجال خارج مركز الشرطة واختفاءهم وتبددهم المفاجئ.

تبقى بترونيا على تحديها وثبات حجتها، ولكن ما لا نفهمه حقا، موقف الجموع الغاضبة من الرجال خارج مركز الشرطة واختفاءهم وتبددهم المفاجئ. تبين متفيسكا غضب الرجال الحانقين جيدا، الذين يتعالى صياحهم بكل ما هو مهين للمرأة، ولكن هؤلاء الرجال الغاضبين يختفون هكذا بدون تفسير منطقي، ولكن رغم عدم قدرة المخرجة على إقناعنا بتبدد غضب الرجال بدون مبرر، تبقى بترونيا قوية شجاعة صامدة أمام القس كوستا، الذي جاء ليحاول إقناعها برد الصليب. في خاتمة الأمر ترد بترونيا الصليب، الذي هو حقها المشروع، لا لضعف منها ولا لانهزام، ولكن لأنها تجد أنها ليست في حاجة إلى الصليب، ولا إلى البركة المستمدة منه، وليست في حاجة إلى المؤسسة الدينية بأكملها. تركها للصليب لم يكن لرضوخها لضغط المؤسسات والعادات والتقاليد، ولكن لأنها وجدت في نفسها القوة لتسمو وتترفع عن كل ذلك.

الكثير من ثقل الفيلم تحمله زوريكا نوشيفا في أداء محكم ومتميز لشخصية بترونيا وقوة عزمها وتحديها وغضبها ومحاججتها الرأي بالرأي والكلمة بالكلمة. وهي أيضا خير تجسيد لبترونيا في لحظات ضعفها، حين تبكي، وحين تقبع تحت أغطية فراشها لشدة إحباطها. بترونيا، كما تجسدها نوشيفا، هي كل النساء اللاتي يواجهن ضغوطا من تقاليدالمجتمع، والدين والسلطة، فيقفن ويتحدين، رغم هشاشتهن أحيانا.

القدس العربي اللندنية في

18.02.2019

 
 
 
 
 

"لقاء لم يذاع".. ما غاب عن الفيلم المصري الوحيد في برلين 69

أندرو محسن

حتى يكون لدينا عمل سينمائي ما، لا بد من سيناريو يقدم معالجة لفكرة، يتابع شخصية أو قضية، لكن بماذا سيشعر المشاهد إذا شاهد فيلمًا يقدم قصة حياة تقليدية تمامًا لا تحتوي على أي صراع أو تحمل أي قضية؟

في إطار برنامج المنتدى الممتد (Forum Expanded) في مهرجان برلين 69 عرض الفيلم المصري الجديد الوحيد المشارك في المهرجان هذا العام، وهو الفيلم التسجيلي القصير ”لقاء لم يذاع“ (الصحيح لم يُذع، ولكنها مكتوبة بهذا الشكل على بوستر الفيلم) الفيلم من إخراج محمد صلاح في أول تجاربه الإخراجية.

إبراهيم المنوفي

يتابع الفيلم بشكل رئيسي إبراهيم الفيومي، الذي يعمل في مقهى بلدي، ونشاهد أبنائه وملامح من حياته. وفي خط آخر نشاهد تصوير حلقة تليفزيونية مع إبراهيم في برنامج يدعى ”كفاح ونجاح“، ومن هنا جاء عنوان الفيلم إذ أن هذا اللقاء لم يُذع.

طوال الفيلم نحاول أن نتعرف على السر وراء اختيار هذه الشخصية تحديدًا لتكون موضوع الفيلم، لكننا لم نجد إجابة شافية. يتحدث إبراهيم بشكل متقطع أثناء الفيلم عن حياته الشخصية، والموضوع الأبرز في حديثه هو عن علاقاته النسائية المتعددة، وكراهيته للنساء التي أدت لانتقامه منهن على حد قوله.

ربما تكون شخصية متعددة العلاقات النسائية مثيرة إذا كان لديها ما تحكيه بالفعل، لكن ما يحكيه إبراهيم لا يتعدى كونه مواقف قصيرة لا يوجد فيها ما يثير على الإطلاق.

رغم وجود تعليق على قدرته على الحكي داخل الفيلم لكننا لا نجد هذه القدرة ظاهرة على الشاشة بأي شكل، يفتقر بطل الفيلم إلى الجاذبية المطلوبة ليكون هو الموضوع الرئيسي للفيلم. ولا يعد هذا هو التعليق الوحيد الذي لا يوجد دلالة عليه.

في أحد مشاهد حوار برنامج ”كفاح ونجاح“ يقول إبراهيم إنه حقق ملايين من عمله، وهو موضوع جدير بالمتابعة بالنسبة للشخصية التي نراها، فكيف جمع هذه الملايين ولماذا لا يظهر عليه أي مظهر من مظاهر الثراء بأي شكل؟ لكننا لا نجد إجابة على هذه الأسئلة على الإطلاق.

حتى في ما يخص موضوع النساء، يذكر أنه في كل زيجاته المتعددة لم يرد الإنجاب، لكنه الآن متزوج من امرأة مطلقة ولديها طفلين وأنجب هو منها طفلين، مرة أخرى استقراره في الزواج مع هذه المرأة تحديدًا بظروفها تلك أمر غريب يمكن أن نستمع إلى المزيد عنه لكن هذا لم يحدث.

هكذا نجد أن الفيلم في أغلب المشاهد يقفز على الأحداث المهمة ولا يمنحنا الصورة كاملة أبدًا بل صورة مبتورة، وليس بالشكل الذي يمكن للمشاهد أن يكمله في خياله.

تقنية بسيطة

الفيلم هو الأول لمخرجه الذي درس في ورشة سيني دلتا، ربما يغفر له هذا بعض الشيء تراجع الفيلم على المستوى التقني، مثل ضعف جودة الصورة، وزوايا التصوير غير المريحة للرؤية في بعض المشاهد، وإن كانت هناك أخطاء لا تغتفر.

في مشاهد المقهى تحديدًا نجد أن صوت رواد المقهى يرتفع أعلى من صوت الحوار بشكل يؤدي لصعوبة سماع الحوار بالفعل. وفي بعض مشاهد حوار برنامج كفاح ونجاح نتسمع إلى ”طقطقة“ غير مفهومة في الصوت، ربما بسبب خبطات على المايكروفون.

اعتمد المخرج على ظهور شاشة فاصلة كالتي كانت تظهر عند انقطاع الإرسال، واستخدمها للفصل بين عدة مشاهد، في الأغلب بين المشاهد التسجيلية ومشاهد البرنامج، وإن كان الانتقال يحدث في بعض المشاهد دون استخدام هذا الفاصل مما جعل وجوده غير مفهوم.

كفاح ونجاح

مشاهد برنامج ”كفاح ونجاح“ كانت هي الأفضل داخل الفيلم بلا منازع، إذ أن المذيع محمد الإسكندراني لديه شخصية طريفة بالفعل، ويدير الحوار بشكل يدعو للضحك، رغم أنه يتعامل بمنتهى الجدية، لكن هذه الجدية بينه وبين إبراهيم تولد أفضل مشاهد الفيلم في كل مرة، ومحاولات إبراهيم لتصنع الشخصية التي لديها جانب عميق، نظرًا لوجوده أمام الكاميرا في برنامج، تولد الضحك تلقائيًا.

في أحد المشاهد يقول المذيع لإبراهيم إنه يبدو عليه حبه لعمله، فيخوض إبراهيم في تعليق طويل بكلام مثل الذي يكتبه الطلبة في مواضيع الإنشاء، ويقول ”أهم حاجه تحب الموضوع“، فيعلق محمد ”تحب الشغل“ ليرد إبراهيم ”لا تحب الموضوع“، وهو حوار عبثي تمامًا، يحاول كل منهما خلاله أن يدير دفة الحوار لصالحه، في حين أن الموضوع لا يحتمل من الأساس أية محاولات للإضافة.

ربما كان الفيلم سيصبح في مكان آخر إذا كانت هذه المشاهد هي الأساس، لكننا رأينا مشاهد كثير لم تكن مؤثرة، مثل مشهد حفل ميلاد ابن إبراهيم، والذي أخذ وقتًا طويلًا في نهاية الفيلم دون داعٍ.

في الفيلم التسجيلي القصير All on a Mardi Gras Day الأمريكي للمخرج ميشيل بيترزيك، والذي يشارك في مسابقة الأفلام القصيرة للمهرجان هذا العام نجد النقيض لما ظهر في الفيلم المصري.

يركز الفيلم على الفنان ديموند ميلانكون الذي يصمم ملابس مطرزة بالخرز، ويرسم به أشكالًا وشخصيات تراثية، ولذلك لارتدائها في كرنفال ماردي جرا في أمريكا. يختار المخرج شخصية جذابة بالفعل، ميلانكون لديه حضور واضح أمام الكاميرا، ولكنته التي يصعب فهم بعض الكلمات منها لها وقع يميز الشخصية. لكن المخرج لا يتكفي بعرض هذه الشخصية، بل يختار موضوعًا آخر ليضع الشخصية في إطاره، فيتابع التحضيرات الأخيرة للملابس التي يصممها ميلانكون قبل أيام من انطلاق الكرنفال، وتكون مشاهد الكرنفال نفسه هي المشاهد الختامية في الفيلم.

هكذا صار لدينا شخصية ولدينا موضوع وبالتالي صار للفيلم شكل واضح، وهو ما غاب بالتأكيد عن ”لقاء لم يذاع“.

موقع "في الفن" في

19.02.2019

 
 
 
 
 

"مرادفات" الفائز بـ"دبّ" برلين:

صناعة إنسان "جديد" من حطام إنسان "قديم"

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

أول ما يلفت في "مرادفات" للمخرج الإسرائيلي ناداف لابيد الذي أُسند إليه "الدبّ الذهب" في ختام مهرجان برلين السينمائي (٧ - ١٧ الجاري)، هو انه صاحب كاراكتير (طباع) غاية في القوة، لا يخجل ممّا هو عليه، وكأنه يلتزم مقولة جان كوكتو: "طوِّرْ ما تُلام عليه، فهذا أنت". الطباع القوية هيالعنصر الأقل حضوراً في السينما. هناك أفلام جيدة، مثيرة، مسلية، مفيدة، ولكن فقط قلّة منها تمتاز بصلابة كاراكتيرها. بهذه الثقة بالذات التي تحملها إلى اللامتوقع. ثم هناك الموهبة، موهبة المخرج، ويبدو ان لابيد يملك يمّاً وفيراً منها. فيلمه أشبه برقصة، مُقطَّع إيقاعياً لينتقل من النقطة أ إلى نقطة ب من دون خطوة ناقصة.

ولد لابيد لأب روائي وأم مونتيرة. علاقته بالسينما بدأت منذ الصغر. في سن الرابعة، كان يرسم سلالم بوتمكين الشهيرة التي ظهرت في فيلم أيزنشتاين. ولكن ذات يوم، بعدما أنهى خدمته العسكرية، قرر ان يستقل سيارة أجرة إلى المطار، ومنه طار إلى باريس. كان دائم الشعور بأنه لا ينتمي إلى هذا المكان ولا يمكن ان يربط مستقبله بمستقبل إسرائيل، وقد ولد في الشرق الأوسط من طريق الخطأ. فجأة شعر بأوروبيته (أجداده من ليتوانيا)، بعدما أشعرته إسرائيل بإحساس العزلة عن بقية العالم.

هذه أول "دبّ" تذهب إلى مخرج من إسرائيل، ولن أقول إلى "فيلم إسرائيلي"، لأنه جاء نتيجة إنتاج مشترك بين فرنسا وألمانيا وإسرائيل. حتى ان منتجه هو التونسي الأصل سعيد بن سعيد (أنتج لبراين دو بالما وبول فرهوفن وغيرهما). هذا بالاضافة إلى ان فرنسا (باريس) هي مسرح الأحداث والفيلم ناطق بلغتها. لابيد البالغ من العمر ٤٣ عاماً، لفت مع فيلمه "الشرطي" في لوكارنو عام ٢٠١١. جديده ذروة سينمائية، أقلّه في طموحه وخطابه الصريح وتطلعاته وطزاجته، لم يبلغها أيٌّمن أفلام المسابقة الـ١٦. تقدّم بأشواط مجموعة من الأعمال غلبت عليها البلادة وغاب عنها الابتكار.

استلهم لابيد حياته الشخصية: من خدمته العسكرية في جيش العدو التي تعود في سلسلة لقطات على شكل فلاشباك، إلى بعض الأوساط في باريس التي وصل إلى مطارها شارل ديغول قبل عشرين عاماً، وهو لا يملك أي شيء ولا يعرف أحداً. أراد التنصّل من إسرائيل، ومن كلّ ما بات حملاً ثقيلاً، من هويّة وطنية وقومية والتزامات "اخلاقية" تجاهها. أدار ظهره إلى ماضيه، شطب جزءاً من تاريخه، في محاولة للانطلاق "من الصفر". رفض التحدّث بالعبرية مجدداً، محاولاً إيجاد مرادفات بالفرنسية لكلماته العبرية.

نحن ازاء فيلم الانتقال الكبير من شخص إلى آخر. صناعة إنسان "جديد" من حطام إنسان "قديم". ولكن في الحين نفسه،نحن إزاء فيلم لا يخفي علاقة الحبّ - الكراهية التي تبلورت لدى جيل من الإسرائيليين تجاه هوية مركّبة تورطوا فيها، ذلك انها بدت كفخّ استُدرجوا إليه. طبعاً، كثر سيتناولون الفيلم في الأيام المقبلة، وبعضهم سيقول انه فيلم "مناهض لإسرائيل"، وهذا كلام يفتقر إلى الدقّة. فلابيد لا يعادي إسرائيل، انه يحاسبها فحسب، لا بل يقاصصها لأنه وُلد فيها، من خلال صيغة سينمائية شديدة الذكاء والوعي، كونها تنطلق من الذات وتعود إليها كلعبة بومرانغ، على نحو نرجسي، وكأنه مركز الكون، أو كأن كلّ شيء يدور من حوله. السينما هي المكان المناسب لمناقشة مسائل جدية انطلاقاً من الـ"أنا"، بعيداً من ديماغوجية وسائل الاعلام و"تهريجها"، ذلك انها تمد الأشياء بالزمن الذي تحتاجه، والمعنى الذي تبحث عنه. لابيد الذي يخترع نوعاً من "أناه الأخرى" مسميّاً اياها يواف (توم مرسييه)، يضع ذاتيته في نطاق روائي، ومعالجة بصرية عصرية جداً تستخدم خامات تصوير عدة لالتقاط نبض باريس بعيني اليهودي الشارد. توم مرسييه يضطلع بدور يواف ببراعة مكثّفة، حد انه يخطف الفيلم بأكمله. لا مثيل له في إحداث هذا التوازن بين القوة والضعف اللذين تترجح بينهما الشخصية.

هناك فصل كامل عن الوطنية، لعلّه الأشد جرأةً وجمالاً وإثارة للجدل (وزيرة الثقافة الإسرائيلية هنأت المخرج بتحفظ، وقالت انها لم تشاهد الفيلم لكنها أعربت عن قلقها من ان يكون فيلماً "معادياً لإسرائيل"). أثناء تسلّمه الجائزة، قال لابيد إن الفيلم قد يحدث فضيحة في إسرائيل وفرنسا، فهو يعلم جيداً انه يصفّي حسابات قديمة مع الوطنية. في الفيلم، نرى يواف وقد وجد ضالته في قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية. هذه القيم التي يتم تعليمها لطلاب أجانب في إحدى المدارس. مشهد ملتبس، لا أعلم ماذا يراد منه؟ هل تصح قراءته بأنه استبدال عقيدة بعقيدة أخرى؟

بعيداً من السياسة بمعناها المباشر، هذا فيلم يستخدم البدائية لاستفزاز المُشاهد (عري، جنس، جوع، وطن)، بلا أي شعور بالذنب، لاجئاً إلى أساليب تأثير تخرج عن المألوف. مذ مشهد الافتتاحية الذي يركض فيه يواف داخل شقّة بورجوازية فارغة دخلها للتو (استعارة لسينما معينة تعيد ترتيب المكان؟) بحثاً عن ولادة جديدة، وحتى المشهد الختامي الهائل والمفاجئ في طبيعته وقسوته، نحن داخل سينما تقترح نبرة جديدة، تخاطب المُشاهد بلغة تتطلب جهداً معيناً وتضامناً غير مشروط وانغماساً في الحالات التي عاشها لابيد عند وصوله إلى باريس.

أشياء كثيرة تنال الاعجاب في الفيلم: أولاً، العلاقة بين يواف وأميل (كونتان دولمير)، الشاب الذي يدخل حياته من حيث لا يتوقّعه، وهو أشبه بملاكه الحارس. علاقتهما تقوم على مبدأ التبادل والتقدير والحاجة. انها علاقة غاية في العنف الصامت. كلّ واحد منهما يجد في الآخر ما لا يملكه، و"يغار" ممّا لا يستطيع سبيلاً اليه، فيحاول انتزاعه من دون علم الآخر. ثانياً، الـ"بورلسكية" التي ينتجها باستمرار يواف. شيء طفولي عند الأخير، شابليني، ولكن على مزيد من الوجودية. حسّي جداً، بدني جداً (مشهد تصوير البورنو مثالاً). لا يغيّب لابيد الجسد، جسد يواف، سواء عندما يكون عارياً أو مرتدياً معطفه البرتقالي. فالرجولة الإسرائيلية التي اكتسبها عبر انخراطه في الجيش، كما كان يقول في احدى المقابلات غداة عرض "الشرطي"، تمر عبر خوض المعركة (الحرب، الشعور الوطني، القتل والموت من أجل الوطن). يمشي يواف في الشارع كالذاهب إلى معركة، ولكن مسرحها الآن باريس بجادّاتها وعالمها السفلي وحتى محطات المترو. انه عالم يلتقي فيه السياسي والديني والجنسي، ولكن من دون أي انصهار. ينطلق يواف بالاندفاعة نفسها للعسكري. هو يتوق إلى الحرية، ولكن لا يملك أدواتها التي يجدها عند أميل. في المقابل، أميل يملك الحرية ولكن لا يملك اندفاعه.

 

####

 

برلين ٦٩ - "وردة" لغسان سلهب: شيء آخر ممكن (فيديو)

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

روزا لوكسمبورغ ألهم غسان سلهب بفيلم جديد، “وردة”، عُرض في الدورة الأخيرة من #مهرجان_برلين_السينمائي (٧ - ١٧ الجاري)، قسم “فوروم”. “وردة” عمل تجريبي، مقالٌ مصوَّر، كما يحلو للمخرج اللبناني تحقيقه بين فترة وفترة، بين فيلم روائي وآخر، وكان “حبر صيني” مثالاً على هذا.

في ذكرى مرور مئة عام على اغتيال لوكسمبورغ في برلين عن ٤٧ عاماً، نبش الفيلم في رسائل الفيلسوفة والمناضلة الشيوعية المناهضة للحرب العالمية الأولى. هي أشهر شيوعية في التاريخ، صاحبة إرث كبير في النضال والتنظير الماركسي. يتمحور الفيلم على الرسائل التي كتبتها عندما كانت في السجن عام ١٩١٧. رسائل تطالعها فتاتان لبنانيتان باللغتين العربية والألمانية. أما ما نراه من مَشاهد معاصرة لبرلين، حيناً من القطار وحيناً من جسر فوق نهر تتساقط عليه الثلوج، فهذه حكاية أخرى من شأنها إحداث مونولوغ بين الماضي والحاضر، بين المخرج وموضوعه، للركون إلى عمل متعدّد الطبقة، ينطلق من ذاتية سلهب، اللبناني السنغالي، الفرنكوفوني العربي.

طبيعة النصوص المقروءة، أتاحت لسلهب حرّية التصرّف والتأويل وإطلاق العنان للمخيّلة. فهناك مَشاهد أرشيف من الحرب العالمية الأولى وفدائيون فلسطينيون (تأثير غوداري واضح). من الصعب تناول “وردة” كتجربة تقليدية، في غياب المرجعية التي يمكن مقارنته بها، والحكم عليه انطلاقاً من معايير النقد الكلاسيكية قد لا يصح تماماً. لوكسمبورغ من الشخصيات التي جعلت سلهب، على غرار غودار وماركر، يعي أنّ “شيئاً آخر ممكن”. ندين له بأفلمته سيرة غير مرغوبة لسيدة قالت ذات يوم من خلف القضبان: “وفي الظلمات، ابتسمتُ للحياة!". 

https://www.youtube.com/watch?v=SDGu-BKLJZE

النهار الللبنانية في

19.02.2019

 
 
 
 
 

تقييمي لجوائز مهرجان برلين التاسع والستين

د. أمل الجمل

بداية، لم تكنِ الدورة التاسعة والستون من مهرجان برلين سيئة، كما وصفها البعض، ولم تكن أقل الدورات مستوًى على مدار العقدين الماضيين، كما زعم البعض أيضاً؛ فقد حضرْت دورة عام ٢٠١٥، وكانت أضعف بكثير، وأتذكر حينها أن الناقد السينمائي سمير فريد، عندما أخبرته بأني فضلت مهرجان كليرمونت فيراند على برلين؛ إذ لم تعجبني أفلام الأخير، أجابني بأنها أضعف الدورات، على مدار السنوات التي حضرها.

أما تحفظي الأول؛ فهو أنه كان هناك فيلم واحد على الأقل- هو «سافوفي»- مهم جدا إلى درجة يستحق معها أن يكون ضمن الأفلام المتنافسة بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي التاسع والستين. لكن لا ندري على أي أساس تم إلحاقه ضمن قسم «البانوراما»، وما المقاييس المعمول بها في ذلك.

على صعيد آخر، شاركت أفلام ضعيفة المستوى بالمسابقة، مثل فيلم «مستر جونز» من الإنتاج المشترك بين بولندا وإنجلترا وأوكرانيا، ومثله الفيلم الكندي «أنطولوجيا مدينة الأشباح»، كما في عنوانه الإنجليزي «Ghost town Anthology»، وكذلك فيلم «إليزا ومارسيل» وهو فيلم إسباني شاركت في إنتاجه نتفليكس، مثلما تتولى توزيعه، وهنا تأتي مشاركة نتفليكس الضعيفة مثيرة للتساؤل، فبينما كانت مشاركاتها- التي تتجاوز ستة- في الدورة السابقة من مهرجان فينيسيا عالية المستوى حتى إن إحداها «روما» حصدت أهم الجوائز الدولية! لكن هنا في البرليناله يقتصر الأمر على فيلم متوسط القيمة رغم أهمية موضوعه؛ إذ يتناول قضية المثلية عند النساء في ظل مواجهة ورفض المجتمع البطريركي لها، وتعرض أصحابها للمحاكمة والعنف المجتمعي، لكن السيناريو أفرط في المشاهد الغرامية من دون أن يعمق مضمونه بشكل لافت.

إما السباحة أو الغرق

والأفلام الثلاثة السابقة بينها اثنان من إخراج النساء- من إجمالي سبع مشاركات نسوية- مما يعني أنه ليس بالضرورة قبول أفلام من توقيع المرأة لمجرد أن مَنْ صنعها نساء، فهذا لا يخدم المرأة، ولا يدعم قضيتها، مثلما لن يدفعها للأمام.

المنافسة الشرشة أحياناً تكون الحافز الحقيقي. وفي ذلك الإطار- شخصياً- أُفضل ما فعلته إدارة مهرجان فينيسيا في الدورة السابقة؛ إذ خلت مسابقتها من أفلام نسوية الإخراج، ولم تشغل بالها بأن تقول إنها مع النساء، فهذا الشعار يكون دعائيا ومُضرا أحياناً، ولذلك وصف البعض ما فعلته فينيسيا بأنها تقول للنساء المبدعات: «إما السباحة أو الغرق».

تعويض آخر حصل عليه الفيلم الصربي «سافوفي» Savovi، كما في لغته الأصلية- أو «Stitches» كما في عنوانه الإنجليزي- عندما فاز بالجائزة الثانية للجمهور في قسم الأفلام الروائية بالنوراما.

الفيلم إنتاج مشترك بين خمس دول هي الصرب، وسلوفانيا، وكرواتيا، والبوسنة، والهرسك. من إخراج ميروسلاف تيرتسيك، عن قصة حقيقية، وقد كتبت له السيناريو إلما تاتاراجيك.

تدور أحداث فيلم «سافوفي»، الذي كان بشهادة كثيرين يستحق أن يكون بأفلام المسابقة الرسمية، حول أم ما زالت بعد ١٨ عاماً تؤمن بأن طفلها لا يزال على قيد الحياة.

كان الأطباء وطاقم التمريض أخبروها في المستشفى عقب ولادته بأنه مات، لكنها لم تصدق، وتظل تنتظره، وتبحث عنه طوال تلك الأعوام، إلى أن تقودها خيوط البحث إلى حقيقة وضع ابنها.

أهمية الفيلم المقتبس عن أحداث حقيقية عانت منها آلاف الأمهات في الصرب، أولا، أنه يكشف عن منظومة الفساد التي يتواطأ فيها فريق العمل بالمستشفى، في ظل حماية رجال البوليس؛ إذ يتم سرقة الأطفال حديثي الولادة وبيعهم لأسر لا تنجب.

وثانيا، المعالجة الفنية والسرد التلقائي البسيط المعبر المنسوج بإيقاع مثير للتوتر والتشويق الدرامي، والمقتصد في حواره وفي لغته، مع ذلك يُحرك مشاعرنا، ويجعلنا نتفاعل مع الأم ونتذوق ألمها ومعاناتها، ونصدق التحول في شخصية الابنة التي تعامل أمها بجفاء، ويكاد يكون التواصل بينهما شديدَ الارتباك؛ فالابنة ترى الأم قد أهملتها، ولم تمنحها الرعاية بسبب انتظار شيء وهمي لن يتحقق.. هو عودة الابن الغائب.

لكن في لحظة ما، بدت شديدة التلقائية، والعفوية، عندما تقع في يد الابنة معلومة عن الأخ يتحول موقفها، وتبدأ هي في رحلة البحث عنه بنفسها. على جانب آخر تم تجسيد العنف السلطوي المتنكر خلف الابتسامات والنصائح بطريقة مفزعة وبالغة المهارة الفنية.

حظ السينما الألمانية

شاركت ألمانيا في المسابقة الرسمية فقط بأربعة أفلام، منها ثلاثة بتوقيع نساء إلى جانب المخرج فاتح أكين، بينما يكاد يبلغ عدد الأفلام الألمانية المشاركة في المهرجان بأكمله وفي جميع أقسامه نحو ١٥٠ فيلماً، ما بين طويل وقصير وثائقي وروائي، وتليفزيوني.

المفاجأة أن تحصد اثنتان من المخرجات الألمان أهم جوائز البرليناله التي بلغت عددها بالمسابقة ١٦ فيلماً بعد أن تم سحب فيلم المخرج الصيني زانج ييمو «ثانية واحدة» الذي انتظره كثيرون، وتوقعوا أن يرفع مستوى أفلام المسابقة.

لا يمكن إنكار أن مخرجة ألمانية على الأقل تستحق الجائزة، وكان متوقعًا ألا تخرج خاوية اليدين، وهي المخرجة والمؤلفة نورا فينجشايدت التي حصلت على جائزة الدب الفضي ألفريد باور لأفضل إسهام فني عن فيلمها «تصدع النظام».

لكن المخرجة أنجيلا شانليك التي فازت بجائزة الدب الفضي، كأفضل مخرجة عن فيلمها «إش فار تسو هاوزا أبا»- كما يُنطق بالألمانية- ويعني «كنت في المنزل، ولكن»، فالحقيقة أنه فيلم لم يعجب الكثير جدا من النقاد، وظهرت علامات الاستهجان، عندما تم إعلان فوزه.

إذا كانت الجوائز الأخرى بالمسابقة ذهبت لمستحقيها، وكان بعضها متوقعاً كما في الفيلم الإسرائيلي «مترادفات»، لكن في رأيي الشخصي، أن فيلم فاتح أكين «القفاز الذهبي» هو الأقوي والأحق بالجائزة من فيلم أنجيلا، لكن على ما يبدو أن الأمر ليس فقط تحيز للمرأة، ولكن في تقديري أن توقيع المخرج الألماني من أصول تركية فاتح أكين على بيان ضمن نحو ٨٠ سينمائيًا ومثقفًا ألمانيا يطالبون فيه برحيل ديتر كوسليك عن المهرجان وتولي مدير فني آخر للمنصب، مؤكدين على ضرورة تغيير سياساته ومنح السينما الألمانية حظاً أوفر، أعتقد أن هذا التوقيع لعب دوراً في نفوس لجنة التحكيم خصوصا في تلك الليلة التي يودعون فيها رئيس المهرجان ديتر كوسليك، ويحتفون به.

أما لماذا لا أعتقد أن جائزة أنجيلا شانليك تحيزا للمرأة؟ لأن الممثلة الألمانية فاليري باشينيه كانت تستحق جائزة أفضل ممثلة عن دورها بفيلم «الأرض تحت قدمي»، لكن الجائزة ذهبت إلى الممثلة الصينية بطلة فيلم» طويل جداً يا ولدي». ربما، وحتى لا تكون حصة السينما الألمانية من الجوائز زائدة عن الحد، فتم التضحية بالبعض لصالح البعض الآخر، وربما لأجل التوازانات، ولكن الأهم ألا نغفل أهواء وأذواق لجنة التحكيم.

دوجما ٩٥

فيلم أنجيلا شانليك الذي أغضب بفوزه الكثيرين يمكن وصفه بأنه يحاول أن ينتمي لسينما الدوجما التي ظهرت عام ١٩٩٥، فهل نجحت المحاولة؟ وهل جاء العمل في قوة عدد من أفلام تلك الموجة؟ التي نذكر منها أفلاما لارس فون ترير- أحد رواد تلك الحركة- مثل «تكسير الأمواج» «دوجفيل»، وراقصة في الظلام»؟

هل نجحت المخرجة الألمانية في تقديم عمل مماثل في قوته الفكرية، وليس فقط في الجانب الشكلي، أو بتقديم عمل له خصوصية ومغزى يمكن للبعض فهمه؟!

تبدأ المخرجة فيلمها بلقطات واعدة تجعلنا نتوقع الكثير، حيث في الغابة كلب يطارد أرنب، الأرنب مستميت في الجري إنقاذا لحياته، حتى يصل إلى مكان يلتقط أنفاسه، المتسارعة. ثم في اللقطة التالية نري حمارا أو بالأحرى «جحش»، يدخل إلى مكان ما بسكن مهجور، فيرى الكلب وهو يمزق فريسته، ويلتهم لحمها. يرمقه الجحش، ويقف في الجانب الآخر يطل على الشارع.

تعود الكاميرا للكلب، وقد انتهى من فريسته، ولم يعد بها شيء يرضيه، فيخرج من الكادر.

في اللقطة التالية نرى الكلب راقدًا في سلام وسكينة أسفل قدمي الحمار الذي يقف في هدوء تام من دون اعتراض، قبل أن يلتفت إلى المُشاهد. وهي ذاتها اللقطة التي تختتم بها المخرجة فيلمها.

يتضح المعني المبطن للقطات السابقة من لقطة حوارية في الثلث الأخير للفيلم نري فيها البطلة -أم تُدعي أستريد توفي زوجها ولديها أطفال- تحاول اللحاق بمخرج تعرفه، لتناقشه في فيلمه الذي عرض علي الطلاب، بينما نحن كمشاهدين لم نره. تخبره أن الفيلم فاشل لأنه وضع الممثلين في مواجهة امرأة ميتة حقيقية. المرأة الميتة هنا لا تمثل، ولا تتظاهر، ومن خلالها يمكن رؤية الحقيقة. بينما الممثلون يتظاهرون، ولا يمكن من خلال أدائهم الكشف عن الحقيقة، إذن الفن لا ينقل الواقع، ويفشل في نقل الحقيقة، فهو يتظاهر بنقلها.

من الحوار السابق أو بالأحرى المونولوج الذي يتم على لسان البطلة الأم يتضح مغزى لقطتي الحيوانات في بداية الفيلم ونهايته، فالحمار لا يمثل، والكلب، وكذلك الأرنب. إنهم صادقون، لأنهم لا يمثلون، فهم ينقلون الحقيقة.

الحديث السابق يجعلنا نتساءل: هل تعيد المخرجة على أسماعنا ترديد قواعد الدوجما؟

ولماذا لم تقدم معنى مغايرا يؤكد أهمية تلك القواعد في خدمة الفن والحياة؟!

وما المشكلة في أن الفن يُقلد الحياة، إنها فكرة قديمة جدا، وتعكس آراء أفلاطون ومدرسته في تعريف الدراما والفن بأنه محاكاة للواقع، وليس نقل الواقع، بأن الحياة نفسها تبدو كأنها خيالات وظلال نراها على جدران كهف.

بالطبع، هناك أفكار أخرى بالفيلم عن الوجود والكينونة، والتي يتم تفسيرها، من خلال غياب الصبي البالغ من العمر ١٣، لفترة، بالغابة دون أن ندري لماذا، لكن أمه أستريد تُبرر ذلك للمدرسين بأنه في مرحلة التفكير في الكينونة، لذلك توظف المخرجة مشاهد من مسرحية هاملت من خلال الأطفال. لكن كل هذا غير كافٍ، كما أن مشاهد الفيلم غير مترابطة والكثير منها مُبهم، وغير مفهوم.

موقع "مصراوي" في

19.02.2019

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2019)