كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

مسابقة مهرجان برلين الـ69 تعاني من هبوط المستوى

أمير العمري

مهرجان برلين السينمائي الدولي

الدورة التاسعة والستون

   
 
 
 
 
 
 

لا أحد يبدو راضيا عن اختيار الأفلام التي جاءت ليس طبقا لمستواها، بل تحقيقا للتوازن "الجندري" بين الرجل والمرأة، وهي "الصرعة" التي يمكن أن تدمر صناعة المهرجانات وفلسفتها.

انقضت أربعة أيام على بداية الدورة الـ69 من مهرجان برلين السينمائي، الإحباط هو العامل المشترك بين غالبية النقاد والصحافيين الحاضرين أمام أفلام لا ترقى في مستوياتها الفنية إلى التنافس على جوائز مهرجان كبير وعريق مثل هذا المهرجان، واللوم كله يوجه لمدير المهرجان ديتر كوسليك الذي قضى 19 دورة من عمر هذا المهرجان، الأمر الذي يثير الاستياء، وقد وقّع 80 سينمائيا ألمانيا رسالة مفتوحة نشرتها مجلة “دير شبيغل” يتهمون فيها كوسليك بتدمير سمعة المهرجان وتسييره لخدمة حساباته ومصالحه الخاصة الضيقة.

برلينلا أحد يبدو راضيا بوجه خاص عن فيلم افتتاح مهرجان برلين السينمائي في دورته الـ69 والمعنون بـ”تعاطف الغرباء”، والذي سبق أن نشرنا عنه تفصيلا، وقلنا إنه بتواضعه لا يتمتع بمستوى يؤهله لافتتاح هذا المهرجان العريق.

ولا أحد، بمن في ذلك الكثير من الصحافيات والناقدات، يبدو راضيا عن اختيار الأفلام التي جاءت ليس طبقا لمستواها، بل تحقيقا للتوازن “الجندري” بين الرجل والمرأة، وهي “الصرعة” التي يمكن أن تدمر صناعة المهرجانات وفلسفتها التي كانت دائما تقوم على اختيار الأفضل والأكثر تميزا بغض النظر عن موضوع الجنسين، لكننا نعيش عصر ما بعد حملة “أنا أيضا” التي أنتجت هذا النوع من التعصب المضاد.

الأرض تحت قدمي

شاهدنا مثلا فيلم “الأرض تحت قدمي” Der Boden unter den Füßen، وهو من إخراج المخرجة النمساوية ماري كرويتزر، ويصوّر الحياة الصعبة لامرأة شابة جذابة في الثلاثين من عمرها هي لاورا، تعمل عملا شاقا لا يسمح لها بالراحة كخبيرة في إعادة هيكلة الشركات، لكنها تتمكن من اقتناص لحظات من المتعة بين وقت وآخر مع رئيستها في العمل التي ترتبط معها بعلاقة عاطفية وجسدية.

لاورا تتمتع بكفاءة كبيرة في العمل، تقسو على نفسها، تخفي الكثير عن حياتها الخاصة، تتحرك باستمرار حركة دؤوبة كالنحلة سواء في مكتبها أو في منزلها، تسافر كثيرا إلى الخارج، لا يبدو أنها تعير المشاعر اهتماما وهي تتخلص من العاملين في الشركات حفاظا على استمرارها في السوق طبقا للمنطق الرأسمالي المعروف.

وهي لا تعاني فقط مما يتولد عن العمل الشاق والمنافسة والرغبة الدائمة في التحقق والصعود، من ضغوط نفسية عنيفة تنعكس عليها بقوة، بل من شعورها أيضا بالمسؤولية عن شقيقتها الكبرى التي ترقد في مصحة للأمراض النفسية، المصابة بالشيزوفرينيا البارانوية، أي مزيج من مرض الارتياب والفصام معا، وهي تخفي وجود شقيقتها عن الآخرين، بل تصر على كونها ابنة متبناة وحيدة لا تعرف والديها.

دراسة الشخصية

هذا فيلم من نوع “دراسة في شخصية” أو دراسة شخصية character study، وهو يظل يدور حول هذه الشخصية من الخارج، مع إفراط في المشاهد الحسية من دون ضرورة درامية حقيقية، تنتهي قصة لاورا نهاية صادمة لكن هل ستتعلم هي الدرس؟

هناك أيضا فيلم آخر من نوع دراسة الشخصية، هو “الرب موجود ولكن اسمه بترونيا” للمخرجة المقدونية تيونا ستروغر، يدور الموضوع حول قصة تحمل دلالات واضحة أساسها كيف أن جميع الرجال أنذال والنساء ضحايا، بل إن الرجال وحوش ضارية، لا يقيمون وزنا للمشاعر أو القيم، بمن في ذلك القس.. أي رجل الكنيسة الأورثوذكسية وضباط الشرطة والنائب العام ومجموعة الشباب في تلك البلدة التي تعيش فيها بترونيا مع والديها، وقد تجاوزت الثلاثين من عمرها، لكنها ما زالت عاطلة عن العمل منذ تخرجها في قسم التاريخ.

ولكونها بدينة وغير جذابة في نظر الرجال، فإنها تفشل في العثور على عمل حتى في تنظيف مكتب مدير أحد المصانع وتقديم القهوة له، ورغم وساطة أمها التي تريدها أن تعمل بأي ثمن وتهيمن بطريقة فظة على حياتها، يطردها مدير المصنع شر طرد، بعد أن يوجه إليها إهانات تتعلق بأنوثتها.

بترونيا تصادف احتفالا دينيا كنسيا يشارك فيه عدد كبير من شباب البلدة، الذين يقذفون بأنفسهم إلى مياه النهر، متبارين حول من يمكنه أن يلتقط الصليب الكبير الذي ألقاه القس في مياه النهر، يفشل الجميع ولكن بترونيا تلقي بنفسها بكامل ملابسها في النهر وتتمكن من انتشال الصليب، ورغم أنها غير متدينة إلاّ أنها تصر على الاحتفاظ به متشبثة بفكرة التحقق ولو لمرة واحدة، وهي التي تعاني من الشعور بالفشل المتكرر في حياتها.

ينقلب عالم بترونيا رأسا على عقب، فتجد نفسها مهددة من عصبة الشباب المتعصب المهووس الذي يرفض أن تحتفظ امرأة بالصليب المقدس، بل ويعترضون أصلا طبقا للوصايا المسيحية على نزول امرأة إلى النهر لتشارك في مناسبة قاصرة دينيا على الرجال فقط.. وهم يدفعون القس الذي بدا متعاطفا معها إلى تغيير موقفه وإبلاغ الشرطة التي تلقي القبض على بترونيا وتحقق معها، وترفض إطلاق سراحها أو توجيه اتهام رسمي مباشر لها.

وخلال ذلك تترافع بترونيا عن نفسها في مواجهة عالم الرجال: المؤسسة الرسمية: الأمن والقضاء والكنيسة، تدين الجميع وتدافع عن حق المرأة ككائن إنساني من خلال أسلوب إنشائي خطابي مباشر مع الكثير من التكرار ومن دون تطوير حقيقي للموضوع، حيث يطغى الرمز حينا، والتعليق الاجتماعي (عن البطالة والفساد والنفاق) حينا آخر، وبالتالي تترسخ خيبة أمل أخرى في فيلم “نسائي” آخر من أفلام المخرجات السبع في المسابقة الرسمية.

الديناصور والإنسان

من وجهة نظر كاتب المقال يظل الفيلم الذي يمثل منغوليا في المسابقة الرسمية “بيضة الديناصور” Ondog، هو أفضل ما شاهدت من بين أفلام المسابقة (عرضت 8 أفلام)، من الناحية الفنية الصرف، وهو من إخراج المخرج الصيني الشهير وانغ كوانان صاحب الفيلم الفائز بالدب الذهبي قبل 12 عاما “زواج تويا” وكان يصوّر كيف تطلّق راعية أغنام زوجها العليل الذي لا يمكنه أن يكسب عيشه وتذهب إلى المدينة وتتزوج رجلا آخر لكي يمكنها الإنفاق على زوجها السابق وأبنائها منه.

كان هذا العمل يمثل نوعا من الاحتجاج الدرامي البديع على الصورة الشائعة عن الصين باعتبارها الدولة التي تحقق نموا اقتصاديا صاروخيا، ولكنها أهملت الريف وسكان البراري.

في “أوندوغ” Ondog يعود كوانان إلى البراري والطبيعة الساحرة القاسية الباردة في فصل الشتاء، ليحذرنا من البداية من أن ما تراه العين ليس بالضرورة هو الحقيقة.

ويبدأ الفيلم بداية تذكرنا كثيرا ببداية الفيلم التركي “كان يا ما كان في الأناضول” (2011) لنوري بيلج جيلان، فنحن في قلب الطبيعة الريفية المعزولة، في العراء بكل معنى الكلمة، حيث ترقد جثة امرأة عارية ممددة متجمدة من شدة البرد.. والذئاب تحاول افتراسها.

لكن امرأة محنكة من البادية (راعية أغنام) تظهر مع رفيقها، تصوب بندقيتها العتيقة وتطلق النار لكي تخيف الذئاب وتبعدها عن الجثة، ولكنها تقتل دبا تستقر جثته بالقرب من جثة المرأة، يحضر رجال الشرطة في سيارة متهالكة، يغطون جثة المرأة، يعين قائد المجموعة شرطيا شابا في الثامنة عشرة من عمره حارسا على الجثة، حيث يتعين عليه أن يقضي الليل بجوار تلك الجثة وحيدا في الظلام والبرد.

"الرب موجود ولكن اسمه بترونيا" فيلم يقدم جميع الرجال أنذالا والنساء ضحايا، بل إن الرجال وحوش ضارية

تساعده راعية الأغنام على إحكام ملابسه وتعده بالعودة في ما بعد لكي تزوده بالحساء الساخن، المرأة تستخدم في تنقلاتها جملا ذا صنمين، ويستخدم رفيقها دراجة بخارية، لكن رغم بدائية المنطقة تعمل أجهزة الهاتف المحمول بفعل انتشار الشبكة في تناقض وسخرية واضحة مع مستوى الحياة البائسة التي يعيشها سكان المنطقة.

البداية توحي بأننا أمام فيلم من أفلام الجريمة، لكنه ليس كذلك، فالاهتمام بالتحقيق لا يستغرق زمنا طويلا ولا يتم التركيز عليه، تحضر المرأة بالحساء الساخن لتنقذ الشاب الذي يفتقد للتجربة من الموت، تسأله إن كانت لديه صديقة فيخبرها بأنه يتلعثم عند رؤية النساء، تلقي الشرطة القبض على المشتبه فيه في تلك الجريمة التي ترجع غالبا إلى الغيرة، وتنشأ علاقة جسدية وعاطفية بين راعية الغنم والشرطي الشاب وهي علاقة لن تكتمل، ولكنها ستترك في أحشاء المرأة جنينا، ويعترف لها رفيقها بأنه معجب بها منذ أن كانت فتاة صغيرة.

في الفيلم إشارات رمزية كثيرة أهمها بالطبع بيضة الديناصور (عنوان الفيلم Ondog) التي يعثر عليها الرجل ويهديها للمرأة باعتبارها رمزا للخصوبة، ويتردد في الفيلم أن منغوليا كانت مهد الديناصورات وقد عثر فيها على الكثير من البيض المتجمد وانتقل منها عبر التهريب مقابل مبالغ كبيرة، إلى أميركا وأوروبا.

ينتمي الفيلم مذهبيا إلى المذهب الطبيعي في الفن، هنا لا يهم كثيرا تحليل الشخصيات وتجسيد دوافعها، بل تصويرها في إطار الطبيعة كما هي، في تلقائيتها، وفي خشونتها ورقتها وعنفها ومرحها وإيقاعها الخاص.

وانغ كوانان وأبطاله يعودون في "بيضة الديناصور" إلى البراري والطبيعة الساحرة الباردة بمونغوليا، لتحذيرنا من أن ما تراه العين ليس بالضرورة هو الحقيقة

راعية الغنم تحضر خمرا وحساء، وتجلس بجوار الشرطي في قلب الليل وفي قلب الطبيعة يستند الاثنان على جسد الجمل الضخم ذي الصنمين الذي يبدو كما لو كان كائنا خرافيا قادما من الخيال، ومع سريان الخمر في الدماء، تتفجر الرغبة وتعلن العاطفة الطبيعية عن نفسها، ويمارس الاثنان الجنس بينما ينصت الجمل ويتطلع ثم يصدر أيضا بعض الأصوات الاحتفالية بمولد حياة جديدة بين الرجل والمرأة.

وهي العلاقة التي ستثمر بالفعل كائنا يتشكل في رحم المرأة، خلال الالتحام الجنسي ومع الاقتراب من لحظة النشوة الكبرى، تقبض راعية الغنم على بندقيتها، وتصوب وتطلق النار في الفضاء ثلاث مرات.

إننا أمام عمل بصري رفيع المستوى، فيه تشكيل الطبيعة والظلمة وحركة الإنسان في جوف الليل، وبالنيران المشتعلة التي نستطيع أن نسمع صوتها وهي تأكل الأخشاب على خلفية موسيقى إلكترونية تتضمن نغمات إيقاعية تبدو كما لو كانت تصدر من جوف حيوان أسطوري، ربما يكون الديناصور نفسه.. والرمز الكامن في بيض الديناصور الذي يتردد في الفيلم خلال الحديث بين المرأة ورفيقها، يوحي بوجود علاقة ما بين خصوبة الأرض التي تحفظ فيها بيض الديناصورات وخصوبة المرأة، ومن دون هذه الخصوبة لا تستمر الحياة، ومن دون الحفاظ على النوع يمكن أن ينقرض الإنسان كما انقرضت الديناصورات.

ويؤمن كل من الرجل والمرأة بأن الحيوانات التي تموت لا تنقرض كما يشاع، بل تتحول إلى جزء من التربة ومنها تنبت النباتات التي يأكلها الحيوان الذي يأكل الإنسان لحمه، وتستمر بالتالي دورة الحياة التي تتخذ فقط أشكالا مختلفة.

التشكيل والشعر

لا توجد دراما في الفيلم، ولا ترابط قصصيا بين أجزائه المختلفة.. فهو تعبير شعري عن علاقة الإنسان بالطبيعة وعناقهما الحار في برودة الليل وقسوة التضاريس من خلال التكوينات البديعة والتشكيل وحركة الكاميرا واللقطات الواسعة البعيدة والإيقاع البطيء.

تتبدى العلاقة أيضا بين الإنسان والحيوان: الجمل ثم الحصان ثم الخروف ثم البقرة، ففي أحد المشاهد تستدعي المرأة رفيقها ليساعدها في ذبح خروف هو الذي تصنع منه الحساء اللذيذ الذي تأتي به للشرطي، وفي المرة الثانية تستدعيه لكي يساعدها في توليد بقرة تعاني من آلام المخاض.

وفي واحد من أجمل مشاهد الفيلم وأمام الكاميرا مباشرة، يتعاون الاثنان في جذب الجنين الصغير من بطن البقرة التي يتركانها تلعق جسده قليلا قبل أن يحمله الرجل إلى داخل الكوخ، في تكوينات ليلية ضوئية تضفي جمالا أخاذا على الصورة بألوانها الحارة حيث يغسلان جسده بالماء، ويدفئانه حتى لا يتجمد من البرد.

وكعادة المخرج كوانان، يمزج هنا بين الممثلين المحترفين وغير المحترفين من سكان المنطقة، أما بطلة الفيلم راعية الغنم فهي من سكان تلك المنطقة بالفعل، وهي تعرف جيدا كيف تتعامل مع الطبيعة، ولا شك أنها أضافت الكثير من التفاصيل التلقائية والطبيعية على دورها في الفيلم.

ويستخدم كوانان الكثير من اللقطات العامة من زوايا بعيدة في تكوينات تظهر علاقة الإنسان بالطبيعة، وجمال الطبيعة وقسوتها، ربما يكون الفيلم صغيرا في موضوعه، لكنه صادق ومعبر ونابض بالحياة وعمل يتميز بالأصالة.

كاتب وناقد سينمائي مصري

العرب اللندنية في

12.02.2019

 
 
 
 
 

مهرجان برلين ٦٩: أفلام مخيّبة لسينمائيين كبار

برلين - هوفيك حبشيان

انطلقت الدورة التاسعة والستون من مهرجان برلين السينمائي (٧ - ١٧ شباط) وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم نلتقط بعد، أقلّه في المسابقة الرسمية (التي تضم ١٧ فيلماً)، فيلماً يجعلنا نشعر بأننا وضعنا اليد على تحفة فنية خالصة. شاهدنا حتى الآن دزينة من الأعمال التي اختارها فريق المدير ديتر كوسليك في آخر دورة يشرف عليها، ولكن معظمها يراوح بين السيئ والمتوسط والجيد، لا أكثر.

واحد من أضعف الأفلام؟ "أوندوغ" للصيني الشهير وانغ كوانان الذي سبق ان نال "الدب الذهب" عن "زواج تويا" عام ٢٠٠٧، وهو معروض في المسابقة. عمل مخيّب يذكّرنا بسينما معينة سادت مرحلة معينة وكانت تعتبر الكادرات الثابتة اكتشافاً "خطيراً" غير مسبوق. الحكاية في اختصار: يتم العثور على جثّة في البوادي المونغولية. شرطي شاب يكلَّف حراسة مسرح الجريمة. فتنضم اليه راعية قوية الطباع. يبدأ كثريللر، يتحوّل بسرعة وغصباً عنه إلى فيلم "أنثروبولوجي" ممل. وبالسرعة عينها يتيه كوانان في هذه المساحات الشاسعة التي لا تعرف كاميراه كيفية استغلالها وتوظيفها في اطار درامي حقيقي. فيقع في الثرثرة، اذ لا تجدي محاولاته المتكررة في ادهاشنا بصورة تحتل السماء فيها الحيز الأكبر. والغريب ان كلّ هذه الجدية في محاولة قول شيء ما، لا تنتج الا خفّة. كوانان طمح ربما إلى شيء آخر، ولكن الظروف لم تكن حليفه. فالشخصيات التي يقدّمها، وهي بلا اسم وبلا امتداد، لا ترقى إلى شخصيات حقيقية تتيح له دراسة أنثروبولوجية. في الخلاصة، هذا عمل يقع في الفراغ والتكرار ولا يفضي بالمُشاهد إلى أي مكان يستحق ان يتوجّه اليه.

حتى "سرقة أحصنة" (مسابقة) للنروجي هانز بيتر مولاند (ثامن فيلم نرويجي يتسابق على "الدبّ الذهب" منذ تأسيس برلين)، خذلنا قليلاً، وهذا أمر محزن اذ اننا راهنّا عليه كثيراً. مولاند واحد من أكثر المخرجين على قيد الحياة براعةً، وإن لم يكن النجم الذي "تغنّجه" المجلات المتخصصة على صفحاتها. منذ ان اكتشفته عام ٢٠٠٤ مع "بلاد جميلة" الذي أنتجه وكتب له السيناريو وقتها ترنس ماليك (كان الموزّع جاء به إلى بيروت عن طريق الخطأ) وأنا أتابع ما ينجزه. في فيلمه "بحسب أولوية الاختفاء”، (الذي أعاد انتاجه أخيراً في أميركا مع ليام نيسن) تقع الأحداث في وسط طبيعة قاسية تغمرها الثلوج وتسيطر عليها العزلة، فتسقط الجثث واحدة بعد الاخرى، وأحداً لا يستطيع توقيف هذا القطار الذي انطلق على سكّة جهنمية. يستغل مولاند حكاية هزلية جداً، رغم قساوتها، ليضع فيها كلّ شيء، من العنصرية إلى المثلية فالموت والقتل المجاني والعنف والعلاقات الملتبسة ولا يوفّر حتى أفلام العصابات من سخريته.

أما في جديده، فالطبيعة الحاضنة للأحداث حاضرة وهي تكاد تكون شخصية كاملة متكاملة (تأثير ماليك فيه؟)، ولكن الغاية منها هي استحضار المصائب الأسرية بطريقة أشد قساوة. يجب القول ان الفيلم مقتبس من بست سيلير شهير للكاتب النرويجي بات بيترسون صدر عام ٢٠٠٣. كتابة السيناريو استغرقت سنوات ومرّت بمراحل متعددة قبل ان ترسو على النسخة التي أفلمها مولاند بالكثير من الاطالة والاستسلام لمنطق الفلاشباك (العيب الذي يصيب الكثير من الأفلام في برلين هذا العام)، لاجئاً مرة جديدة إلى ممثّله المفضّل الأسوجي الكبير ستيلان سكارسغارد الذي يؤكد نبرة الفيلم منذ اللحظة الأولى من خلال شخصية تروند التي يجسّدها، وتروند هذا، الملتبس جداً، قرر الانعزال في أحد الأرياف النروجية حيث يستعد للاحتفال بليلة رأس السنة لعام ١٩٩٩… بالنوم.

طبعاً، مولاند متمكّن جداً من الجماليات، ولكن يجب القول ان مشروع نقل رواية بيترسون إلى الشاشة ليس بالمهمة السهلة، خصوصاً انها معقودة على مزيج متوازن من الشأن الشخصي والشأن العام (الأربعينيات النازية في هذه الحالة). لقاء تروند بجار له يُدعى لارس سيكون لحظة استعادة ذكريات ترجّع تروند إلى العام ١٩٤٨، يوم كان في الخامسة عشرة من العمر ويقوم بما يقوم به أغلب سكّان تلك المنطقة: قطع الأشجار وسرقة الأحصنة! هذا كله سيغرقه ويغرقنا في لحظات أليمة، حيث المأساة تجر المأساة، والموت يجر الموت. ربما مشكلة الفيلم (على الرغم من اخراجه المتقن وبراعة مولاند في إدراج المأساة الإنسانية في حضن الطبيعة التي لا تأبه كثيراً بما يدور حولها)، انه يمتد على فترة طويلة جداً. أي نحو نصف قرن. عدد التفاصيل يولّد فيلماً متعباً، وإن قدّرنا مزاياه الكثيرة.

المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون ومن حيث أهمية الموضوع الذي يطرحه في فيلمه الأحدث "بفضل الله" (مسابقة)، قدّم العمل الأكثر كمالاً في برلين، وإن لم يكن مثالياً. بـ"بفضل الله" يفتح ملّف البيدوفيلية في الكنيسة الكاثوليكية، وهذا ليس بالتحدي القليل نظراً إلى السلطة التي تملكها هذه المؤسسة الدينية العريقة. الحكاية التي يستند اليها الفيلم حقيقية ولا تزال فصولها متواصلة. انها قضية الأب بيرينا المتهم باعتداءات جنسية على قاصرين في أبرشية ليون بين ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته. السلطة الكنسية كانت على علم بسلوكه، ومع ذلك لم يتم عزله الا في العام ٢٠١٥. لا تزال التحقيقات جارية في هذه القضية.

يقول أوزون في مقابلة أجرتها معه "لا كروا" الفرنسية بأنه صُعِق عندما اكتشف الموقع الإلكتروني الذي أسسه ضحايا الأب بيرينا، ومنهم ألكسندر الذي منه ينطلق كلّ شيء في الفيلم (يضطلع بدوره ملفيل بوبو)، حينما يقرر ان يخرج من صمت يلازمه منذ أيام الطفولة، والتحدث عمّا تعرض له من انتهاك بالتفاصيل يوم اعتدى عليه الأب. ما جذب أوزون إلى القضية، ليست رغبته في التزام قضية (على أهميتها)، انما مقاربة قضية التحرش بالأولاد في الكنيسة من وجهة نظر الضعف الرجالي. ففي زمن يفضّل اعطاء الكلمة للمرأة، يختار أوزون رجالا ضعفاء مكسورين، للعودة بهم إلى تجارب الطفولة المعذّبة في حضور كاهن يخون المبادئ الدينية ليذعن للإشباع الجسدي. ما يصوّره، هو هذا الضعف الذي يتحوّل قوة. لم ينجز أوزون فيلماً معادياً للكنيسة ولم يحاول النيل من صورة الإكليروس وهيبته، فهو ليس لويس بونويل أو كان راسل ولا يطمح إلى ان يكون أياً منهما. واضح جداً ما أحبّه في قصّة ألكسندر: تديّنه وقدرته على فصل الأشياء بعضها عن بعض، الدين عن الإيمان. فألكسندر، على رغم التروما التي عاشها وصمت عنها لسنوات قبل ان يقرر تفجير القضية، شديد الإيمان والتقوى. وهو اذ يرغب في نبش الماضي فليس تلبية لنزعة انتقامية، بل إحقاقاً للعدالة التي يؤمن بها ولا يرى سبيلاً آخر لتجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل

النهار اللبنانية في

12.02.2019

 
 
 
 
 

سينما لا تعرف «تابوهات» ورقابة مصرية مغلوبة على أمرها!

طارق الشناوي

فى اللحظات الأخيرة ألغت إدارة مهرجان برلين عرض الفيلم الصينى (ثانية واحدة) للمخرج الشهير زانج ييمو، صاحب الرصيد الضخم من الجوائز العالمية، والتى بدأت بفيلم (الذرة الحمراء) الحاصل قبل 32 عاما على (الدب الذهبى) فى (برلين)، كما أنه توج بـ(أسد) فينسيا و(سعفة) كان وغيرها، وبالمناسبة كرمه مهرجان القاهرة قبل 7 أعوام.

كان مقررا عرض فيلمه الجديد مساء الغد الذى كان مرشحا بقوة لأكثر من جائزة، الفيلم يتناول الثورة الثقافية التى اندلعت فى الستينيات، لا الصين منعت سفر نسخة الفيلم ولا إدارة المهرجان اعترضت، أو اكتشفت فجأة شيئا قد يساء تفسيره، فلا توجد فى الثقافة الغربية مثل هذه التأويلات، ولكن لأسباب تقنية بحتة متعلقة بالنسخة، ولخوف إدارة المهرجان من ظلم الفيلم بسبب هذا العيب الخارج عن إرادتها، تم الاستبعاد، وهى سابقة قطعاً خطيرة، وتؤثر بالسلب على سمعة المهرجان العريق، بل تعتبر ورقة سوداء فى تاريخ مدير المهرجان الناقد ديتر كوسليك الذى ينهى بعد 19 دورة رحلته مع برلين، فكان ختامها، كما تلاحظون، ليس مسكاً على الإطلاق بل فضيحة، من الواضح أنها (بتحصل فى أحسن المهرجانات)، وليس فقط عندنا، وإن كانت قد جاءت لصالح المرأة التى تدعمها بقوة برلين، حيث باتت الأفلام التى تتسابق رسميا، 16 فقط، نصيب المخرجين الرجال منها 9 والنساء 7، وهكذا ضاق الفارق العددى بين الجنسين.

الرقابة الصينية بريئة، فلم تعد لديها تلك القبضة الصارمة الحديدية التى كانت لها فى الماضى، فهى لم تعترض على السماح مثلا بسفر النسخة، مثلما حدث فى عام 97 ومنعت فى اللحظات الأخيرة أحد الأفلام الصينية من المشاركة فى (كان)، بحجة أن الفيلم عليه ملاحظات سياسية، وهو ما دفع إدارة مهرجان (كان) وقتها لعرض فيلم يوسف شاهين (المصير) فى المسابقة، وهو العام الذى تم فيه تتويجه بجائزة (كان) الذهبية عن الإنجاز بمناسبة مرور 50 دورة على المهرجان.

يشارك فى برلين عدد من الزملاء لا يكتفون فقط بالاستمتاع بالأفلام والكتابة عنها، بل هناك دائما هدف آخر وهو التعاقد مع موزعى تلك الأفلام لعرضها فى المهرجانات التى يشاركون فى إدارتها مثل (القاهرة) و(الجونة)، من المؤكد أن السؤال الذى يؤرقهم بعد الاطمئنان على مستوى الفيلم فنيا، هل هو صالح للعرض؟، تواجد فيلم رسمى أو فى أى من العروض الموازية يمنحه ورقة لصالحه، ولكن تبقى المعايير الرقابية، هل يجوز عرض هذه الأفلام فى مصر؟، أتذكر أن الفيلم المغربى للمخرج نبيل عيوش (الزين اللى فيك) الذى عرض قبل أربعة أعوام فى قسم (أسبوعى المخرجين) بمهرجان (كان) واجه صعوبة فى العرض، ليس فقط فى المهرجانات العربية، ولكن فى المملكة المغربية، برغم حصول المخرج على دعم من المركز السينمائى هناك، السبب أن البعض فى المغرب اعتبره مسيئا لسمعة الوطن والفتاة المغربية، لأنه يتناول فى جزء من أحداثه فتيات ليل، بينما فى المهرجانات العربية مثل (القاهرة) استشعروا مسبقا أن الرقابة لن ترحب به، ومن المعروف أن المهرجانات لا تملك الحذف، إما أن يعرض الفيلم كاملا أو لا يعرض.

وليست كل أسباب الرفض بالضرورة أخلاقية، السياسة أحيانا تلعب دورها، مثل فيلم تامر السعيد، الذى عرض قبل ثلاثة أعوام فى مهرجان برلين (آخر أيام المدينة)، وهو ينطبق عليه توصيف (ساقط قيد)، فلا يملك المخرج ورقة رسمية، تؤكد أن الرقابة ترفض عرض الفيلم، ولا لديه ورقة تتيح العرض، رغم أنه عرض فى (برلين) فى قسم (البانوراما) وحصل على جائزة (كاليجارى)، وأيضا حصد أكثر من جائزة عالمية أخرى، كما أنه كان مرشحاً لتمثيل مصر فى مهرجان القاهرة السينمائى، وأعلنت إدارة المهرجان هذا الخبر قبل ثلاثة أعوام، وبعدها وبناء على توجيهات رقابية، تم التراجع عن عرضه. الفيلم يتناول مصر فى الأيام التى سبقت ثورة 25 يناير، ومن المؤكد طبقا لكل الأفلام المشابهة فى اللغة السينمائية والتى تمثل الحداثة فى التعبير، فإن الجمهور لا يفضلها، ناهيك أن بطل الفيلم خالد عبدالله برغم أنه شارك فى بطولة عدد من الأفلام العالمية مثل (الطائرة الورقية) و(المنطقة الخضراء) و(يونايتد 93) وغيرها إلا أنه غير معروف للجمهور، وبالتالى لا يوجد احتمال لإقبال جماهيرى، ولو عرض الفيلم فلن يلاحظه سوى جمهور سينما (زاوية) 200 كرسى على أكثر تقدير.

لم يكن المخرج تامر السعيد فى حصافة زميله محمد دياب، عندما رشح دياب لعرض فيلمه «اشتباك» فى قسم (نظرة ما) بمهرجان (كان)، وتقرر أيضا أن يفتتح هذا القسم، سارع بالتقدم للرقابة المصرية التى وافقت عليه وبلا حذف، وعند عرضه داخليا لم تتراجع، فقط اشترطت وضع إشارة فى مقدمة الفيلم ولم يتم حذف أى لقطة.

الرقابة فى مصر فيما يتعلق بعروض الأفلام غير المصرية تتجاوز أحيانا وبهامش محدود عن لقطات بها عرى أو علاقات سحاقية بين امرأتين، ولكنها تتحفظ فقط فى الأفلام التى تتناول أو تقترب من الكنيسة مثل (برحمة الرب)، الذى يتناول الاعتداء على الأطفال فى الكنيسة سبق أن تناولناه قبل يومين، وأيضا ستتحفظ على عرض الفيلم المقدونى (الرب موجود ولكن اسمه بترونيا) المرشح بقوة لجوائز التمثيل والإخراج وأحسن فيلم، وهو وإن كنت أستبعد عرضه فى أى مهرجان مصرى، إلا أنه غير مستبعد على الإطلاق من تناوله قريبا فى تلك المساحة.

tarekelshinnawi@yahoo.com

 

المصري اليوم في

12.02.2019

 
 
 
 
 

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين السينمائي (5) : هوليوود والصين تواجهان ترمب والجدار

بين سهوب منغوليا ومجاعة أوكرانيا

برلين: محمد رُضـا

استمع المنتج الأوروبي لكاتب سيناريو يعرض فكرته عن فيلم يجمع بين شخصيتين عربيّتين، تقع أحداثه ما بين بريطانيا وفرنسا. عندما انتهى الكاتب من حديثه قال لها المنتج: إنّ «الفكرة رائعة، ويمكن بالفعل تحويلها إلى فيلم طويل، بل إلى مسلسل تلفزيوني».

صمت المنتج قليلاً ثم أضاف: «بالطبع. لو غُيّرت إحدى الشخصيّـتين إلى رجل صيني، أستطيع إيجاد مموّل للمشروع في يوم غدٍ».

ربما يعكس هذا الحديث وضع الصين في سينما العالم، حيث باتت تشكل مركزاً مستقطباً بل مهيمناً على الإنتاجات كافة. حسب بعض الإحصاءات الأخيرة فإنّ نحو 2 مليار و200 مليون دولار كانت حصيلة الأفلام الغربية في السّوق الصينية. رقم تدرك هوليوود أهميته القصوى، إذ إنّ معظم هذه الأفلام الغربية هي أميركية الإنتاج.

وضع هوليوود دقيق نوعاً ما في هذه الفترة. بل ربما وضع أميركا ككل. الصين هي - حسب إحصاء آخر - أكبر دائني الولايات المتحدة التي، رغم ذلك، لا توفّر جهداً في الوقوف أمام العملاق الصيني، وتقوم برفع الضرائب المفروضة على ما يستورده منها والتلويح بقرارات اقتصادية تؤذي خاصرة الشّركات الصينية الموردة.

هوليوود نموذج مختلف ولو أنّه يقبع في وسط المعضلة ذاتها. شركات صينية كثيرة تمتلك شركات إنتاج أو أسهماً كبيرة فيها، ورجال الأعمال من منتجين وممولين وموزعين يعيشون فيها ويغدقون على مشاريع أميركية - صينية.

من ناحية أخرى، تدرك شركات هوليوود الكبرى كلها، أهمية الصّين كسوق لمنتجاتها حتى من بعد أن أصدرت الدولة هناك، قبل نحو شهرين، قراراً يضيق الخناق نوعاً ما على عدد الأفلام المستوردة ونوعياتها.

وهي، لذلك، لا تحبّذ ما يراه الرئيس ترمب ضرورياً ولا تريده أن يستمر في هزّ المركب الذي تعيش فوقه لئلا ينقلب. وهذا الوضع يأتي وسط معارضتها لقرارات الخارجية الأميركية الحد من استقبال القادمين من دول لا ترغب أميركا الرّسمية بزيارتهم. وخلال مهرجان صندانس الأخير عُرض أكثر من فيلم بغياب مخرجه كون المخرج ينتمي إلى قائمة الدّول المغضوب عليها.

جريمة في سهوب منغوليا

في برلين ذاتها أُزيح الستار قبل يومين عن أول فيلم من الأفلام الصينية الثّلاثة المعروضة في مسابقة هذا العام وهو «أوندوغ» (Öndög)، لكن حظ الصينيين في التجارة يبدو أفضل من حظهم مع هذا الفيلم.

إنّه للمخرج وانغ كوينان وهو مخرج متنوع الاهتمامات سبق له وأن شارك في مهرجان برلين بعدد من الأفلام بينها «سهل الغزلان البيضاء» (2011) و«مفترقان معاً» (2010) وكان له تقدير نقدي خاص والأخير فاز بالجائزة الفضية لأفضل سيناريو.

في فيلمه الجديد (الذي كتبه بنفسه) «أوندوغ»، ينتقل المخرج إلى قفار منغوليا ليحيك هناك حكاية لها خيط لغزي يتصل بهوية المرأة العارية التي اكتُشف وجودها من قِبل دورية كانت تجوب المكان. تترك عند الموقع المنبسط بلا حدود مرئية شرطياً شاباً ما يلبث أن تزوره امرأة ترعى الغنم وتعيش وحيدة في كوخها. يقول لها صديق يزورها من حين لآخر كلما طلبت منه القيام بعمل شاق لا تجيده، إنّ عليها أن تبحث عن رجل وتتزوجه قبل فوات الأوان.

لحين يبدو الشرطي الشاب هو ذلك الرجل. لكنّ العلاقة بينهما لا تزيد عن ليلة واحدة، إذ يغادر الشّاب المكان عندما تعود الدورية بسيارة إسعاف وبرجل ألقت القبض عليه واعترف بذنبه. المكان يعود لما كان عليه. مقفراً لا تزوره سوى الرياح العاتية. أمّا المرأة فتجد في صديقها المذكور مشروع المستقبل وينتهي الفيلم وهما يمارسان الحب معاً آملين بإنجاب «أوندوغ» وهي الكلمة المستخدمة لوصف استمرارية الحياة لكل صنف. حسب الفيلم، انتهى عصر الدينوصورات عندما توقف إنجابها مزيداً من «أوندوغات»، وهذا قد يصبح مصير الإنسان ذاته.

لا يغرف الفيلم من الفلسفة كما قد توهم هذه السطور. هو دراما خفيفة معمولة لتلاحظ نوع الحياة في بعض سهوب منغوليا المقفرة وتوفير حكاية بلا أي حواشي درامية ولا بطانات حدثية. يصرف المخرج جلّ جهده على توفير لقطات ومشاهد صادمة للعين كونها جديدة عليها. يغرف من البيئة المغلقة لتلك الشّخصيات ومن بساطة الحياة فيها التي لا ترتفع كثيراً عن مستوى السطح. ذلك اللغز القصير ليس بوليسياً وليس تشويقياً، بل تفعيل لجذب المشاهد لوضع غير متآلف عليه وبالتالي غريب في حد ذاته.

وذلك التبسيط في المضمون يترك الشعور في النهاية بأن المرء تابع فيلماً من المشاهد المثيرة، جمالياً وواقعياً، للاهتمام (وعلى شاشة عريضة)، لكن الفيلم لم يقل شيئاً مفيداً في نهاية أمره.

المخرج كان عضو لجنة التحكيم في دورة 2017. وهي السنة الفعلية الأولى للرئيس ترمب. وحين عاد إلى بلاده عاد محملاً بفكرة فيلمه المقبل الذي سيصوّره في الولايات المتحدة بعنوان «جدار أميركي» الذي سيدور حول ذلك الجدار الذي ينوي ترمب بناءه لمنع تدفق المهاجرين الآتين من أميركا الجنوبية.

مغامرة صحافي في أوكرانيا

في الأيام القليلة الماضية، تلك التي باتت تشكل الآن النصف الأول من الدورة، تساءل البعض عن سبب اختيار المهرجان لفيلم الدنماركية لون شرفيغ «لطف الغرباء» للافتتاح. الجواب الحاضر ربما واحد من عدة أسباب وهو أن الفيلم أوروبي من ناحية وناطق بالإنجليزية من ناحية أخرى (إذ تقع أحداثه في نيويورك) ومخرجته امرأة في عام أعلن المهرجان فيها أنّه عام المرأة على شاشات برلين.

لكن من ناحية فنية، تتضح الصورة مع المزيد من الأفلام المعروضة فإذا ببعض هذه الأفلام كانت تصلح أكثر للافتتاح ومن بينها «مستر جونز» الذي يتمتع بأربع خصائص: هو أوروبي وناطق بالإنجليزية ومخرجته (أنييشكا هولاند) هي أنثي. هذه الصفات الثلاث الموجودة في «لطف الغرباء» تضاف إليها صفة رابعة وهي أنّه فيلم أفضل.

«مستر جونز» يدور حول صحافي بريطاني (مقاطعة ويلز)، نراه في مطلع الفيلم ساعياً بجهد ملحوظ لدخول الأراضي السوفياتية في الثلاثينات. المناخ السياسي آنذاك كان مثل ضباب كثيف يُنذر بالمطر: الرّوس تحت وطأة الحكم الجائر لستالين. المخابرات موزعة في كل مكان. التنصت على الأحاديث واقتفاء الأثر والتهديد بحجر الشّخصيات سائد وألمانيا النازية تمهد لحربها الجرارة ضدّ الشرق والغرب.

رغبة الصحافي جونز (جيمس نورتون)، زيارة موسكو المعلنة، هي مقابلة ستالين نفسه بعدما نجح في مقابلة هتلر. لكنّ تلك غير المعلنة هي أنه يتوخى استخدام المقابلة لبناء مستقبل له في عالم الصّحافة، أو كما قالت له موظفة القنصلية في لندن «تقصد أنك تريد أن تكون صحافياً».

تحجز له السّلطات غرفة في فندق جيد ليومين رغم أنّ تأشيرته صالحة لأسبوع. خلال هذين اليومين ينطلق باحثاً عن وسيلة اللقاء مع ستالين، هذا قبل أن يحيد عن هذا الهدف صوب هدف آخر: زيارة أوكرانيا للاطلاع على الاستعدادات العسكرية التي يقوم بها الحزب الشيوعي في أوكرانيا لمواجهة احتمال غزو هتلر الاتحاد السوفياتي. هذه المهمّـة وردت إليه بعدما اكتشف مقتل صحافي تعرّف عليه في لندن، ولاقى حتفه في موسكو لسبب غامض. لقد وقف الصحافي القتيل على سر لا يراد له البوح به. حين يصل جونز إلى أوكرانيا يكتشف السر: فلأجل أن يبني ستالين مصانع السّلاح الذي سيواجه به الغزو الألماني باع محاصيل المزارعين بكاملها للغرب تاركاً ملايين الأوكرانيين يعانون الموت جوعاً.

يصبح الفيلم من نقطة وصول جونز إلى أوكرانيا وصاعداً، أكثر جدية فيما يعرضه. جونز في ثلاثة أرباع الساعة الأولى متهور ويلجأ إلى الكذب لكي يحقق ما يريده في بلد غير آمن. وبعض ما يدور (مثل حفلة المجون التي يقيمها مراسل «نيويورك تايمز» وتحتوي على جنس ومخدرات وعربدة) لا تبدو واقعية. لكن كل هذا وسواه يضحى وراء ظهر الأحداث التي تنتظر جونز حال وصوله إلى أوكرانيا.

تستند أنييشكا هولاند إلى سيناريو مدروس وحافل بالوقائع. حتى ولو أن بعض هذه الوقائع قد يكون مفبركاً إلّا أنّه مستخدم في وحدة هدف مزدوج بحد ذاته: تقديم حكاية تشويقية وتوفير الأرضية الصحيحة لفيلم ذي رسالة سياسية دامغة ضد ستالين والحزب الشيوعي وما قام به الأول من تجاوزات إنسانية مفجعة. الفيلم يفرق بين ضرورة دفاع روسيا عن نفسها، وبين أن يكون الثمن مقتل الملايين في مجاعة كاسحة. أيضاً من أهدافه إظهار عدم استعداد بريطانيا لتصديق جونز حين استطاع عرض الوقائع التي عايشها وشهدها حول الوضع الأوكراني.

إخراج هولاند بديع ومتمكن. هناك خبرة تتجلّى في كل لقطة توقيتاً ومفاداً. هذه امرأة بلغت من العمر 70 سنة وما تزال قادرة على توفير إخراج حيوي ينتمي إلى لغة فنية عصرية لا توحي بتاريخ هولاند البعيد الذي كان أكثر استجابة مع متطلبات السينما الثقافية. هولاند، كونها بولندية، عاشت تحت بصمة الأخ الأكبر وتقرّر هنا توجيه لكماتها لتلك الفترة القاسية من عمر بلادها والمنظومة الشيوعية بكاملها.

الشرق الأوسط في

12.02.2019

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2019)