كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

برلين ٦٩ - "أوندوغ" لوانغ كوانان:

جثّة على صفيح بارد

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

مهرجان برلين السينمائي الدولي

الدورة التاسعة والستون

   
 
 
 
 
 
 

واحد من أضعف الأفلام المعروضة في مسابقة الدورة التاسعة والستين من مهرجان برلين السينمائي (٧ - ١٧ الجاري)، “أوندوغ”، سابع أعمال الصيني الشهير وانغ كوانان الذي سبق ان نال "الدب الذهب" عن "زواج تويا" عام ٢٠٠٧. عمل مخيّب على المستويات كافة، يذكّرنا بسينما معينة سادت في مرحلة معينة وكانت الكادرات الثابتة فيها اكتشافاً "خطيراً" غير مسبوق. الحكاية باختصار: يتم العثور على جثّة تعود إلى امرأة في البادية المونغولية. شرطي شاب (نوروفسامبو باتمونخ) يكلَّف حراسة مسرح الجريمة كي لا تلتهمها الذئاب. فتنضم إليه فلاحة "مسلّحة" (دولامجاف أنختايفان) قوية الطباع اسمها ديناصور، تحضّر له الشورباء ويدخنان السجائر ويسكران ويطلعان أحدهما على أسرار الآخر ثم يمارسان الجنس. ما يبدأ كثريللر، يتحوّل بسرعة وعلى نحو مفتعل إلى فيلم "أنثروبولوجي" ممل، لا ينطوي على أي تصعيد درامي، بل تتقدّم الأشياء فيه على غرار جثّة يحملها مجرى النهر إلى مصبه. بالسرعة عينها يتيه كوانان في هذه المساحات الشاسعة التي لا تعرف كاميراه كيفية استغلالها وتوظيفها في اطار درامي حقيقي. فيقع في الثرثرة، فلا تجدي محاولاته المتكررة لادهاشنا بصورة تحتل السماء فيها الحيز الأكبر. الغريب ان كلّ هذه الجدية في محاولة قول شيء ما، لا تنتج الا خفّة. كوانان، الذي يخطط حالياً لفيلم عن الجدار الذي ينوي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بناءه لفصل الولايات المتحدة عن المكسيك، طمح ربما إلى شيء آخر، لكنه لم يُوفَّق. فالشخصيات التي يقدّمها بلا اسم أو امتداد، لا ترقى إلى شخصيات حقيقية تتيح له دراسة أنثروبولوجية. في الخلاصة، هذا عمل يقع في الفراغ والتكرار ولا يفضي بالمُشاهد إلى أي مكان يستحق ان يتوجّه اليه.

هناك موقف سياسي واضح في خطوة كوانان المتمثلة في الذهاب إلى حيث لا وجود لمظاهر التحضر. الأرض التي يؤفلمها كاراكتيرٌ في ذاته (تصوير أميريك بيلارسكي)، تعبرها المواشي. يقارب المخرج المواشي والحيوانات تماماً كما يقارب أجسام الممثّلين. في مقابلة مع "هوليوود ريبورتر"، قال: "العيش في مدن عصرية ضخمة جعلنا ننسى اننا حيوانات ننتمي إلى مفهوم أوسع للطبيعة". في مونغوليا حيث صوَّر الفيلم، ثمة علاقة أنضج وأكثر عمقاً مع الطبيعة. بهذا المعنى، هو يعتبر نفسه مونغولياً. في هذا الاعلان، يكمن "سر" هذا العمل العجيب الذي لا يحصل فيه أي شيء مهم، خلافاً لبعض أعماله السابقة، ومنها "باي لو يوان"، ملحمته الأروع.

 

####

 

برلين ٦٩ - "القفّاز الذهب" لفاتي أكين: كلّ هذه السادية من أجل القليل

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

يعود المخرج التركي الألماني فاتي أكين بفيلم أقلّ ما يُقال فيه انه لا يترك أي مجال للمُشاهد لإشغال المخيلة والاجتهاد، بعد فيلمه المتواضع عن الإرهاب وأشياء أخرى ("من العدم"). هذا العمل المعنون "القفّاز الذهب" (مسابقة) يؤفلم فصلاً من سيرة القاتل الألماني فريتز هونكا (١٩٣٥ - ١٩٩٨)، غامزاً من قناة فكرة "عادية الشر"، الفكرة الألمانية جداً (يضطلع بدور القاتل ببراعة لافتة يوناس داسلر). بين عامي ١٩٧٠ و١٩٧٥، قتل هونكا أربع عاملات جنس وخبأ جثثهن في منزله الهامبورغي بعد تقطيعها بالمنشار. وعندما كان يُسأل عن الروائح النتنة المنبعثة من بيته، يلقي باللوم على نوع الطبخ الذي يحضّره جيرانه اليونانيون. دافع جرائمه كان دائماً الجنس. فسبب قتله لواحدة منهن مثلاً شعوره بأنها لم تشعر بالنشوة وهي تنام معه. كان يصعب على هونكا ايجاد نساء، حتى من بين المومسات، نظراً إلى مظهره الخارجي غير المريح، وعينيه المخيفتين وقامته القصيرة التي تجعله أقرب إلى الأحدب. مقهى "القفّاز الذهب" حيث كان يختار ضحاياه، تحول إلى عنوان الرواية التي كتبها هانز سترونك عن هونكا. فاتي أكين استند إلى هذه الرواية لإنجاز فيلمه هذا. كثرٌ منّا خلال العرض الصحافي شاهدوه وشعور القرف من المشاهد المقززة يصعد إلى حناجرهم.

عدم حماستي للفيلم سببه بسيط: قرار اظهار كلّ شيء. وهذا ما يُفقِد العمل سحره. هذا الهوس في اقتفاء اثر القاتل "على الدعسة"، والبقاء وفياً قدر المستطاع لأشيائه (يؤكده جنريك النهاية). كلّ التفاصيل الدموية تجد طريقها إلى الشاشة. لا يوفّر أكين أياً منها. ولو لم يسبق ان أنجز فيلمه "القطع" عن الابادة الأرمنية، لكان في امكاني القول ممازحاً، بأنه يتلذذ بكلّ هذه السادية، صانعاً من حيث لا يدري اسطورة جديدة تُضاف إلى القائمة الطويلة للشخصيات السلبية التي "يُحتفى" بها في الثقافة الشعبية الغربية. لكن الرجل، كما أعرفه وأعرف أخلاقه، بعيد تماماً عن هذا. ربما نسي فقط قاعدة ذهبية في السينما: كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية. روبير بروسون نصح مجايليه: "الشيطان يقفز إلى فمه": فلا تعمل على ان يقفز الشيطان إلى الفم. "الأزواج كلهم بشعون": فلا تظهر حشداً من الأزواج البشعين. ليكن فيلمك شبيهاً بالذي تراه عندما تغمض عينيك.

مع هذا، يُمكن ملاحظة بعض الأشياء في الفيلم. فهناك، على سبيل المثل، كآبة من نوع غريب تمسكه من "أسفله". أما ذلك السقف القاتم والمقفر الذي تعيش تحته شلّة من الناس وينعدم فيه الأمل، فيذوب بشكل باهر في الألوان المائلة إلى البني الدافئ والظلال والجماليات التي يرسم بها أكين حقبة السبعينات. المسافة بين الشخص والبيئة تُختزَل هنا إلى حدّها الأدنى، إلى درجة اننا نسأل ما إذا كان فيلم أكين محاكمة للحقبة التي يصوّرها أيضاً.

أياً يكن، قلّة من الأفلام تستطيع نقل دواخل الشخصية إلى جدران منزلها. هناك شيء من هونكا في كلّ مكان، إلى درجة انه لم يتبق منه في داخله. وهذا الفراغ داخل إنسان هو ما يصوّره أكين؛ فراغ يبدو انه قادر على الكثير. لا تقللوا شأنه!

 

####

 

برلين ٦٩ - "سرقة أحصنة" لهانز بيتر مولاند: اقتباس "ماليكي" لرواية صعبة

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

"سرقة أحصنة" للنروجي هانز بيتر مولاند الذي عُرض في مسابقة الدورة التاسعة والستين من مهرجان برلين السينمائي (ثامن فيلم نروجي يتسابق على "الدبّ الذهب" منذ تأسيس هذه التظاهرة السينمائية)، خذلنا قليلاً، وهذا أمر محزن، اذ ان رهاننا عليه كان كبيراً. مولاند واحد من أكثر المخرجين على قيد الحياة براعةً، وإن لم يكن النجم الذي "تغنّجه" المجلات المتخصصة على صفحاتها. منذ ان اكتشفته عام ٢٠٠٤ مع "بلاد جميلة" الذي أنتجه وكتب له السيناريو وقتها ترنس ماليك (كان الموزّع جاء به إلى بيروت من طريق الخطأ) وأنا أتابع ما ينجزه. في فيلمه "بحسب أولوية الاختفاء" (الذي أعاد انتاجه أخيراً في أميركا مع ليام نيسن)، تقع الأحداث في وسط طبيعة قاسية تغمرها الثلوج وتسيطر عليها العزلة، فتسقط الجثث واحدة بعد الاخرى، ولا يستطيع أحد توقيف هذا القطار الذي انطلق على سكّة جهنمية. يستغل مولاند حكاية هزلية جداً، رغم قساوتها، ليضع فيها كلّ شيء، من العنصرية إلى المثلية فالموت والقتل المجاني والعنف والعلاقات الملتبسة، ولا يوفّر حتى أفلام العصابات من سخريته.

أما في جديده، فالطبيعة الحاضنة للأحداث حاضرة وهي تكاد تكون شخصية كاملة متكاملة (تأثير ماليك فيه؟)، لكن الغاية منها هي استحضار المصائب الأسرية بطريقة أشد قسوةً. يجب القول ان الفيلم مقتبس من بست سيلير شهير للكاتب النروجي بات بيترسون صدر عام ٢٠٠٣. كتابة السيناريو استغرقت سنوات ومرّت بمراحل متعددة قبل ان ترسو على النسخة التي أفلمها مولاند بالكثير من الاطالة والاستسلام لمنطق الفلاشباك (المرض الذي يعاني منه الكثير من الأفلام في برلين هذا العام)، لاجئاً مرة جديدة إلى ممثّله المفضّل الأسوجي الكبير ستيلان سكارسغارد الذي يعطي الفيلم نبرته الاسكندينافية منذ اللحظة الأولى، من خلال شخصية تروند التي يجسّدها. تروند هذا، الملتبس جداً، قرر الانعزال في أحد الأرياف النروجية حيث يستعد للاحتفال بليلة رأس السنة لعام ١٩٩٩… بالنوم. الا ان الأشياء لا تحصل كما كان يخطط لها.

طبعاً، مولاند متمكّن جداً من الجماليات، ولكن يجب القول ان مشروع نقل رواية بيترسون إلى الشاشة ليس بالشيء القليل، وخصوصاً انها معقودة على مزيج متوازن من الشخصي والعام (الأربعينات النازية في هذه الحال). لقاء تروند بجارٍ له يُدعى لارس سيكون لحظة استعادة ذكريات تُرجعه إلى العام ١٩٤٨، يوم كان في الخامسة عشرة من العمر ويقوم بما يقوم به أغلب سكّان تلك المنطقة: قطع الأشجار وسرقة الأحصنة! هذا كله سيغرقه ويغرقنا معه في لحظات أليمة، حيث المأساة تجر المأساة، والموت يجر الموت. ربما مشكلة الفيلم (على الرغم من اخراجه المتقن وبراعة مولاند في إدراج المأساة الإنسانية في حضن الطبيعة التي لا تأبه كثيراً بما يدور حولها)، تكمن في انه يمتد على فترة طويلة جداً. أي نحو نصف قرن. عدد التفاصيل يولّد فيلماً متعباً، وإن قدّرنا مزاياه الكثيرة.

 

####

 

برلين ٦٩ - "حكاية ثلاث شقيقات" لأمين ألبر: ذات شتاء في الأناضول

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

لا مبالغة في القول ان "حكاية الشقيقات الثلاث" لأمين ألبر (مسابقة) احدى اللقيات السينمائية للدورة التاسعة والستين من مهرجان برلين السينمائي (٧ - ١٧ الجاري). هذا ثالث فيلم روائي طويل يحققه المخرج التركي البالغ من العمر ٤٤ عاماً، الذي أدهشنا في عمليه السابقين، "خلف التل" (٢٠١٢ - نال عنه جائزة أول فيلم في برلين)، و"فرنزي" (٢٠١٥). معلومة على الهامش: أمين ألبر قرر ان يصبح سينمائياً بعد مشاهدته "زمن الغجر" لأمير كوستوريتسا.

حكاية الشقيقات الثلاث" ليس فيلماً تدخله وتنتهي "حكايتك" معه عند الخروج من الصالة! انه انزال حقيقي في عمق العلاقات الآدمية والحكايات التي تتسم بالقسوة والضغينة والاحباط والمرض والموت. انه ترجمة بصرية لمقولة سارتر "الجحيم هي الآخرون". هذه الدراما التشيكوفية من النوع الذي يعرف الأتراك كيف يروونه ويحرصون على "تتريكه". من يلماز غونيه إلى نوري بيلغي جيلان، تجدهم يمسحون وجه بلادهم.

من منطقة الأناضول وجبالها الكلوستروفوبية والطرق المتعرجة التي تفضي إلى سهول وغابات، يأخذ الفيلم مسرحاً له. تلك الأماكن التي سبق ان أوحت لصحافية فرنسية الجملة الآتية: تخيلوا ان يضرب سرجيو ليوني موعداً مع نوري بيلغي جيلان في جبال الأناضول الصخرية. فهي كتبت هذا الكلام في معرض الحديث عن "خلف التل"، الا انه يمكن كتابة الكلام نفسه في حق "حكاية الشقيقات الثلاث". مسرح الأحداث لم يتغير، اذ يبدو من الآن انه الشغل الشاغل للمخرج الذي استطاع ان يؤطر بيئة حقيقية ويشد الانظار اليها. في النهاية، الأناضول مسقطه والأرض التي يجد فيها حكاياته.

لكن، لا شيء، لا شيء البتة، يحصل في جبال الأناضول لولا سكّانها. وعددهم، أقلّه أولئك الذين سنهتمّ بقصصهم، يُحصى على أصابع اليدين. ثلاث شقيقات تتراوح أعمارهن بين الـ ١٣ والـ٢٠، هن محور الحكاية التي تعطي الفيلم عنوانه. هناك ريحان ونورهان وهافا. ثلاثتهن يعشن مع والدهن، وهو رجل متسلط ولكن غير شرير. كلّ واحدة من البنات الثلاث جرّبت حظّها في المدينة، عملن خادمات عند سيد يُدعى نجاتي. ريحان عادت حاملاً، فزوّجها والدها إلى راعي غنم شاب اسمه فسل. فسل هذا قضية الفيلم الأولى. مشكلته انه لم يعد يتحمّل الظلم والعوز والأمية والتهميش الذي يعيشه في بلدته. ففي أحد الأيام يطلب من السيد نجاتي الذي يتملّقه الجميع ان يدبّر له وظيفة. مطلبه هذا يأخذ شكل ثورة، أو تمرد، أو لنقل عصياناً - كي لا نكبّر الحجر كثيراً. من تلك اللحظة فصعوداً، ستفتح أمامه أبواب جهنّم. هو لا يريد شيئاً سوى عمل يعتاش منه؛ سئم ان يعمل راعياً.

في "بعد التل"، كان الأعداء يأتون من خلف التل. لا نراهم. لا يسمّيهم الفيلم باسمائهم، ويتكتم على هويتهم الحقيقية (أكراد) فيؤجج البارانويا داخل الشخصيات الخائفة الحائرة. هنا العدو في داخل كلّ واحد، وفي داخل الآخرين كذلك. أما الخوف فمصدره أقرب الناس. ألبر ينجز فيلماً أكثر راديكالية من كلّ ما سبق، محافظاً على ما يشكّل جمال سينماه: الاستعارة. ويحافظ كذلك على شيء من الغموض في عدم الشرح والتبرير (عيب من عيوب السينما الحالية). ولكن للفيلم صولات وجولات مع الواقع السياسي التركي، عبر الغمز والايحاء الجميلين. ولا بد لمتابع الشأن التركي ان يلتقط الاشارات بلا أي مشكلة. فقامة السيد نجاتي على سبيل المثل لا بد من ان تذكّرنا بحاكم من طينة أردوغان، وخصوصاً في محاولته الأبوية المستمرة. عندما يُطرد فسل من قعدة خاصة لشرب العرق في الطبيعة، بعد تمرده على واقعه المعيشي، يبدي السيد نجاتي تعاطفاً شديداً معه، لكن تطور الأحداث سيثبت نفاقه.

أفراد المجتمع الميكروسكوبي الذي يصوّره ألبر محكمون بتكرار التجارب الأليمة وغير المجدية إلى ما لا نهاية، من دون ان يتعلّموا من أخطائهم شيئاً. هل ينقصهم الوعي؟ هل هي البيئة؟ أيا يكن، فالجغرافيا ليست براء في نهاية المطاف. هي تحشرهم في "كمين" مكاني وتسحقهم. لا أفق، اذ تحجبها لا فقط الجغرافيا بل واقع الحال. وعندما تباركهم السماء بالثلوج، يصبح المكان أشبه بسجن في الهواء الطلق.

النهار اللبنانية في

12.02.2019

 
 
 
 
 

"بيت الفيلم" في برلين... 100 عام من تاريخ السينما

محمد هاشم عبد السلام

يضمّ مبنى زجاجي فريد الطراز، يحمل اسم "بيت الفيلم" ويقع في ساحة "بوتسدامر بلاتس" في برلين، "السينماتيك الألمانية" و"متحف السينما والتلفزيون"، الذي يشغل أربعة طوابق. يدعو المبنى زوّاره إلى "رحلة عبر الزمن"، واكتشاف أكثر من مائة عام من تاريخ السينما، ونصف قرن من تاريخ التلفزيون في ألمانيا، الشرقية والغربية. تحتوي طوابق المتحف على معرضين دائمين للشاشتين، الكبيرة والصغيرة، ومساحات لمعارض خاصة ومؤقّتة تقام طوال العام.

لا يوجد في أوروبا غير هذا المتحف، الذي يجمع الوسيطين البصريين معاً. عام 2006، افتُتح "المعرض الدائم للتلفزيون"، ومعه عُدِّل اسم متحف السينما بإدخال كلمة التلفزيون إليه. معروضات المتحف تقع في ثلاث حجرات موزّعة على الطابقين الثالث والرابع، وتشغل مساحة 800 متر من المعرض. في "بيت الفيلم" طوابق عديدة لـ"السينماتيك" والمكتبة.

يُعرِّف "المعرض الدائم للسينما" زوّاره على الأيام الأولى للسينما، ثم يتقدّم معهم ببطء عبر الزمن، وصولاً إلى الحاضر، معرِّجاً أحياناً على هوليوود، عند تناوله أفلاماً سينمائية لألمان منفيين ومهاجرين إليها قبل عام 1933، وبعده. المعرض مُنظّم زمنيًا، يكشف عن كثب مدى اتصال تاريخ السينما الألمانية بالتطوّرات السياسية والاجتماعية، وعن الكيفية التي تستخدمها السينما الألمانية كأداة سياسية في فترات كثيرة.

على مساحة 1300 متر، موزّعة على الطابقين الثاني والثالث، في 15غرفة، يُقدِّم المعرض 1000 قطعة، تتوّزع على الملابس والإكسسوارات والمعدات التقنية والصُور الفوتوغرافية والملصقات، كما على وسائط الإعلام المتنوّعة، بدءاً من الفيديو إلى أجهزة وأدوات سينمائية قديمة وحديثة.

في الطوابق العليا، تضمّ "السينماتيك" أكثر من مليون صورة فوتوغرافية و16 ألف ملصق و20 ألف رسمة و13 ألف مطبوعة سينمائية محفوظة في أرشيف "مؤسّسة السينماتيك الألمانية" (إس دي كيه). مجموعة صغيرة فقط من هذه المواد تُعرض في "بيت الفيلم" منذ 

"تضمّ "السينماتيك" أكثر من مليون صورة فوتوغرافية"

عام 2000، ما يتيح للسينمائيين المحليين والدوليين الاستمتاع بسحر قرنٍ من تاريخ السينما الألمانية.
منذ افتتاحها الرسمي عام 1963، كانت "السينماتيك" متحفًا للمحفوظات السينمائية، من دون معرض أو قاعات عرض ومعروضات. وخلال أكثر من 40 عامًا، جمعت المؤسّسة كلّ ما له علاقة بتاريخ السينما والتلفزيون الألمانيين وفهرسته، بالإضافة إلى مُمتلكات خاصة بالعاملين في السينما ونجومها، كالملابس والمعدات التقنية والوثائق التاريخية. ونجحت في الحصول على مجموعة بالغة الأهمية من سيناريوهات مشاهير المخرجين، كفريتز لانغ وراينر فارنر فاسبيندر.

يحتوي الأرشيف على نحو 13 ألف فيلم مُنجز في 110 أعوام من عمر صناعة السينما. أفلام روائية طويلة ووثائقية وتجريبية، وأشرطة فيديو منزلي، وأفلام رسوم متحركة، تعكس كلّها تطوّر الوسيط السينمائي منذ أيامه الأولى عام 1895 لغاية اليوم، وهي بمقاسات 64 ملم، و35 ملم، و16 ملم، و28 ملم، و8 ملم، و9،5 ملم. هناك 3700 فيلم متوفر للعرض في المتحف، أو قابلة للإعارة لعروض غير تجارية. كما يوجد في أرشيف الأجهزة معدات تقنية منذ عام التأسيس: كاميرات وأجهزة عرض ومونتاج، ووحدات تحكم، ورسوم متحركة، ومعدات إضاءة وصوت، وكاميرات متحركة على شاريوهات، وإكسسوارت، وغيرها من الأدوات المستخدمة قديمًا في صالات العرض، كالنظّارات والعدسات المكبّرة. كذلك، يحتوي أرشيف الصُوَر على مطبوعات وشرائح ونسخ نيغاتيف وألواح زجاجية مُتعلّقة بالأفلام، بالإضافة إلى الشخصيات العاملة في الحقل السينمائي. وفيه أكثر من مليون صورة مُفهرسة تنتمي إلى مراحل عديدة من تاريخ الصناعة، خاصة في ألمانيا وبعض أوروبا وأميركا. والصور مُرَتَّبة وفقًا للعناوين الرئيسية للأفلام، ويتجاوز عددها 28 ألف صورة، وأخرى مُرَتَّبة وفقًا لأسماء الفنانين.

أما أرشيف الملصقات، فيضمّ نحو 1500 ملصق، بعضها عائد إلى ما قبل عام 1945 وصولاً إلى اليوم، وجزء منها متعلّق بعصر السينما المُتنقلة. ولديه مجموعة أخرى تبلغ 15 ألف ملصق تقريبًا تشمل الفترة نفسها، معظمها لأفلام ألمانية، بالإضافة إلى بعض الأجنبي الذي طُبِعَت مُلصقاته باللغة الألمانية.

إلى ذلك، يحتفظ أرشيف السيناريوهات والوثائق بالمواد المكتوبة المتعلقة بالسينما والتلفزيون: بطاقات موقعة بخط اليد، وتذاكر دخول، وبرامج سينمائية، ومطبوعات دعائية، ودعوات عروض افتتاحية، ومقالات نقدية، وتسجيلات الرقابة، وسيناريوهات، و"نوتات" موسيقية للأفلام. ويُشرف القسم على حفظ البيانات الفيلمية الرئيسية، المُستخدمة من جانب بقية فروع الأرشيف، إذْ يتضمن قاعدة بيانات لما يزيد عن 55 ألف معلومة عن الأفلام، وأكثر من 10 آلاف معلومة عن الأفراد.

يحتفظ أرشيف الملابس والديكورات بمجموعة من الرسومات المختلفة، الخاصة بالملابس والديكورات والمناظر أيضًا، منذ عشرينيات القرن الماضي، مرتّبة ومؤرشفة وفقًا لاسم كلّ فنان صنعها. أرشيف الملابس أقيم عام 1993، ويتمتع بدرجة عالية من الاهتمام والرعاية، للحفاظ 

"ثلاثة آلاف قطعة يحتفظ بها الأرشيف من مقتنيات مارلين ديتريش"

على أنسجة الملابس ومنعها من التلف والحشرات، وغيرها من العوامل التي تُسرِّعُ في إفسادها، فكثير منها مصنوع من الريش والحرير والفرو. هناك أيضًا نحو ثلاثة آلاف قطعة يحتفظ بها الأرشيف من مقتنيات مارلين ديتريش، تغطي ثمانية عقود ممتدة من عشرينيات القرن العشرين إلى تسعينياته، منها 40 ثوبًا ارتدته للسينما، و30 للاستعراضات، و430 زوج حذاء، و400 قبعة، و150 زوج قفازات، و70 حقيبة يدوية. كثير منها صمّمته أرقى بيوت الأزياء في أوروبا وأميركا، كشانيل وديور ولي وليفايس. وتحتوي المجموعة على 16 ألفاً و500 صورة من حياة هذه النجمة الحافلة بالأحداث، و1000 صورة شخصية وعائلية، و2000 نسخة نيغاتيف لصُور لها التقطها أشهر مصوري تلك الفترة، بالإضافة إلى مجموعات تخصّ راينر فيرنر فاسبيندر وفولفغانغ بيترسن وهاينز رومان وفيم فاندرز وفرنر هيرتزوغ.

أما أرشيف الأبعاد الثلاثية، ففيه إكسسوارات ومواد مختلفة، كالنماذج أو الدمى (الموديلز) والأقنعة والتماثيل وأدوات المؤثّرات الخاصة، والرسوم المتحركة من الإنتاجات الألمانية والدولية، لديزني وسبيلبرغ وبيترسن وغيرهم.

دخلت "مكتبة البحوث الخاصة بالسينما والتلفزيون" إلى "السينماتيك الألمانية" عام 1999. ولثلاثين عاما قبل هذا الدخول، كانت جزءا من "الأكاديمية الألمانية للسينما والتلفزيون" في برلين. هي الآن مفتوحة أمام المهتمين، وتقع في الطابق الخامس من "بيت الفيلم". يذكر أن "السينماتيك" تنشر بانتظام مطبوعات عديدة في مواضيع فنية مختلفة، خصوصا تاريخ السينما والتلفزيون في ألمانيا، منذ أيام جمهورية فيمار، مرورا بألمانيا الاشتراكية وألمانيا المُقسّمة ثم الموحّدة؛ وعن الفنانين المُهاجرين والمنفيين. وتعرض "السينماتيك" نسخا من أفلام مُرمّمة، أو مُعاد طبعها في أجود وأحدث شكل عصري ممكن. 

في الطابقين الثامن والتاسع من المبنى، توجد "أكاديمية السينما والتلفزيون الألمانية"، التي تأسّست عام 1966، والتي تُخرّج أجيالاً جديدة في مختلف المهن المرتبطة بالسينما والتلفزيون. 

أما الطريق المؤدّية إلى "بيت الفيلم"، فتمرّ في شارع مهمّ يُسمّى "شارع النجوم"، يمتد على نصف كيلومتر تقريبا، بدءا من ساحة "بوتسدامر" المشهورة، ويضمّ صالات عرض أفلام مهرجان برلين، مضفيا لمسة فنية وسينمائية على المنطقة المجاورة له، حيث "قصر البرليناله" و"بيت الفيلم"، ومجمّع صالات "آي ماكس" و"سيني ستار". في منتصفه، فوق حيّز عريض مُخصّص لهم، وعلى امتداد بساط أسفلتي أحمر اللون، يرى المارة تحت أقدامهم نحو 100 نجمة برونزية تحمل أسماء كبار صانعي السينما الألمانية ومهنهم (إخراج، تمثيل، إنتاج، نقد، إلخ)، منذ بداية عصر صناعة السينما الألمانية إلى اليوم، مع تواريخ ميلادهم ووفاتهم (أو الاثنين معا)، والتوقيع الخاص بكلّ واحد منهم. 

"السينماتيك" تنشر بانتظام مطبوعات عديدة في مواضيع فنية مختلفة (ماريان ستيفانوسكي)

افتُتح "شارع النجوم" في 10 سبتمبر/ أيلول 2010، مع أول نجمة حملت اسم مارلين ديتريش. ومن الأسماء الأخرى، هناك ماكس أوفيلس وفريدريك فيلهالم مورناو وفريتز لانغ وبيلي وايلدر وفاندرز وهيرتزوغ وفاسبيندر وألكسندر كلوغا وفولكر شلوندورف وفاتح أكين ومارغريتا فون تروتا ورومي شنايدر وآستا نلسن وكلاوس كينسكي وبرونو غانز. 

ويضمّ الشارع نفسه آلة تُشبه الكاميرا السحرية (متر ونصف المتر تقريبًا طولا)، مُثبتة صوب كلّ ركن أو زاوية تخصّ مجموعة النجوم على الأرض. عند النظر عبر عدستها، تظهر صور نجوم موجودة أسماؤهم على الأرض أمام الكاميرا بحجم طبيعي، فيشاهد المرء النجمة واسم صاحبها وصورته في الوقت نفسه. ويمكن الوقوف خلفها، على مقربة من النجوم، فيظهر المرء مع أو إلى جوار هؤلاء المشاهير، وبالتالي تُلتقط صورة له معهم عبر العدسة. 

العربي الجديد اللندنية في

12.02.2019

 
 
 
 
 

«القفاز الذهبي» لفاتح أكين: دماء وأجساد ممزقة في فيلم عن سفاح ألماني

نسرين سيد أحمد

برلين ـ «القدس العربي»: في فيلمه «القفاز الذهبي» المتنافس على الدب الذهبي في مهرجان برلين في دورته التاسعة والستين (7 إلى 17 فبراير/شباط الجاري)، يقدم المخرج الألماني التركي فاتح أكين قصة مبنية على وقائع حقيقية عن السفاح والقاتل المتسلسل الألماني فريتز هونكا، الذي انتهك وقتل الكثير من النساء في سبعينيات القرن العشرين. إنه فيلم لا يسبر غورا ولا يكشف بعدا نفسيا للقاتل، ولكنه يكشف أمامنا على الشاشة كل العنف والقبح الكامن وراء هذه الجرائم، حتى أننا يمكننا أن نرى الأوصال الممزقة وتزكم أنفسنا رائحة الجثث المتحللة. إنه فيلم لا ينمق قبح الجرائم ويظهرها بكامل بشاعتها ويقدم مرتكبها ككائن مقزز أقرب إلى الدواب والوحوش منه إلى البشر، فهو بهيمي النزعة للدرجة التي تباعد بيننا وبينه تماما، وتنأى بنا كمشاهدين عن محاولة فهمه، أو فهم أسبابه في ارتكاب أفعاله الشنعاء، كل ما في وسعنا هو الشعور بالتقزز التام والرعب ونحن نراه يهشم عظاما ويقطع جثث ضحاياه الواحدة تلو الأخرى.

اختار أكين لبطولة فيلمه الممثل الألماني الشاب يوناس داسلر، الذي حوله مكياج الفيلم إلى كائن قبيح مقزز مثير للغثيان، لا نستغرب أن يقترف مثل هذه الجرائم الوحشية المروعة. ولكننا من فرط تكرار البشاعة والتقزز، اللذين لا يبرحان الفيلم طوال مدته، يكاد أن يصيبنا التبلد المصاحب للسأم.

ولكننا طوال الفيلم نُسائل أنفسنا عما قد يدعونا لمشاهدته، بخلاف أنه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كبير، وما الذي دفع فاتح أكين لإنجازه في المقام الأول. الإجابة التي تلح علينا هي أن القبح موجود والبشاعة ماثلة أمامنا في الحياة والشخصيات المريضة التي ترتكب الفظائع النكراء يعيشون وسطنا، ولكننا نختار ألا نراهم، وألا نرى ما يقترفونه. ولكن أكين يضعنا وسط هذا القبح لنشهده ونصبح شاهدين عليه. هو قبح أثار رغبة صحافية تجلس قربنا في التقيؤ، فخرجت من القاعة، ولم تكن الوحيدة. نحن نأمل من الفن عموما ومن السينما خاصة أن تقدم لنا فهما ومنطقا لما لا يمكننا فهمه، أو استعيابه، ولكن ربما بعض القبح لا يمكن فهمه أو تقديم صورة منطقية لأسبابه، بل تغمسنا السينما وسطه لنراه بأعيننا ونشم رائحته الخبيثة بأنفسنا.

لا يتوانى الفيلم في إظهار مشاهد العنف الجنسي ضد الضحايا، وإن كنا لا نرى تماما ما يحدث على فراش هونكا، ولكن يمكننا أن ندرك من الأصوات ومن الأغراض المستخدمة ما يحدث تماما.

نعلم من خلال الفيلم أن هونكا كان دميما وغير مرغوب فيه من قبل النساء، ولكن ذلك لا يمنحنا مؤشرا كافيا للتعاطف معه كشخص منبوذ من المجتمع، أو لفهم شخصيته أو لم كان يقتل النساء ويقطع أجسادهن، بل يجعلنا ننفر منه ونتقزز. يبدأ الفيلم عام 1970 في شقة رثة قذرة حقيرة في هامبورغ، بعد أن قتل هونكا أولى ضحاياه، وهو يحاول التخلص من الجثة. نكاد أن نصاب بالغثيان ونحن نسمع صوت المنشار وهو يقطع الأوصال ويهشم العظام. لا نرى عملية تمزيق الجثة ذاتها، ولكن مجرد الصوت كفيل بأن يثير فينا الفزع. ثم ينقلنا الفيلم إلى «القفاز الذهبي»، تلك الحانة الرخيصة الحقيرة، في المنطقة الحمراء في هامبورغ. نكاد أن نشم الرائحة العطنة في «القفاز الذهبي»، رائحة التبغ الرخيص والكحول الأرخص وعرق أجساد لا تفارق الحانة تعاقر الكأس. إنها الحانة التي كان هونكا يتردد عليها لالتقاط ضحاياه من بائعات الهوى المسنات المخمورات، اللاتي ما كن ليرضين به لدمامته، لولا أنه كان يعدهن بالمزيد من الشراب في منزله. ترافقه إحداهن إلى المنزل، وهي امرأة في منتصف الخمسين تدعى غيردا (مارغريت تيسل)، التي لا منزل لها ولا عائل، والتي تنظف له المنزل وتطهو له، وتتحمل الاعتداء الجسدي المتكرر مقابل المأوى، بينما يحلم هو بابنتها الشابة الجميلة التي حدثته عنها. خيال مريض لشخص مريض، وحين لا يتحقق يكون مصير غيردا كمصير غيرها من ضحاياه.

لا يتوانى الفيلم في إظهار مشاهد العنف الجنسي ضد الضحايا، وإن كنا لا نرى تماما ما يحدث على فراش هونكا، ولكن يمكننا أن ندرك من الأصوات ومن الأغراض المستخدمة ما يحدث تماما. في زمن حملات «أنا أيضا» وغيرها من الحملات المناهضة للعنف الجنسي والجسدي ضد المرأة، قد يتوقع البعض من أكين أن يتبنى في الفيلم نظرة نابذة لهذا العنف، أو أن يقدم رسالة ما للتنديد به، ولكن المخرج ينأى بنفسه عن المعترك الأيديولوجي. ربما يمكننا القول إن أكبر تنديد بالعنف ضد المرأة يكمن في إظهار هذا القبح وهذه البشاعة على الشاشة. نحن نرى المترددات على «القفاز الذهبي» من النساء كما يراهن هونكا: مسنات، مخمورات، بدينات، ولا ينمق الفيلم نظرة السفاح إلى ضحاياه.

«القفاز الذهبــي» فيلم تصعب مشاهدته، وقد يكون من المستحيل إعادة مشاهدته. ولكنه فيلم يلقي بنا وسط الجحيم بدون هوادة. لا يحاول الفيلم تقديم دراسة نفسية لهونكا ولا يحاول أن يرسم لنا دوافعه أو ما دعاه إلى انتهاك وقتل النساء. ولكن ما يصلنا بكل وضوح وجلاء هو قبح عالمه وشناعة جرائمه.

القدس العربي اللندنية في

12.02.2019

 
 
 
 
 

أفلام مهرجان برلين السينمائي تسلط الضوء على المخاطر البيئية

وكالة الأنباء الفرنسية AFP

في ظلّ الوضع المناخي الكارثي والتشكيك المستمرّ في فرضية الاحترار، يرصد مهرجان برلين السينمائي المعروف بمناصرته القضايا الاجتماعية أفعالا بشرية تدمّر الكوكب، مع تقديم بعض الحلول المعقولة.

وصرّحت الكندية جنيفر بايشوال صاحبة فيلم "أنثروبوسين: ذي هيومن إبوك"، "بلغنا مرحلة مفصلية في تاريخ كوكبنا، فالبشر هم الذين يؤثّرون على الأرض وتركيبتها أكثر من كلّ القوى الطبيعية الأخرى مجتمعة".

وقد استغرق هذا العمل 3 سنوات من التحضير، وصوّر في 6 قارات، ليوثّق بالصور الآثار الهائلة للإنسان على البيئة، من السدود الإسمنتية على السواحل الصينية إلى صحراء تشيلي المتضرّرة من عمليات استخراج الليثيوم، مرورا بمناجم الفحم الشاسعة في ألمانيا والفيضانات في البندقية وظاهرة قطع الأشجار في نيجيريا، النتيجة واضحة لا لبس فيها، فالإنسان يقوم بتشويه الأرض.

جشع لا يشبع

منذ الثورة الصناعية، تخطت انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي الصادرة عن أنشطة بشرية 390 مليار طنّ، وبلغ إنتاج البلاستيك 300 مليون طنّ في السنة، مقابل مليونين سنة 1950، كما تراجع عدد الفقريات البرية بنسبة 60% بين 1970 و2014.

وكشفت الأمم المتحدة في مطلع فبراير/شباط عن أن السنوات الـ4 الأخيرة كانت الأكثر دفئا على الإطلاق منذ البدء بتسجيل البيانات في هذا الخصوص.

غير أن النضال من أجل حماية البيئة لا يزال يتعرّض لمقاومة شرسة من كبار الزعماء السياسيين، من أمثال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره البرازيلي جايير بولسونارو اللذين ما زالا يشككان في مسؤولية البشر عن التغير المناخي، كما أن ألمانيا التي لطالما اعتبرت رائدة في مجال البيئة لن تبلغ الأهداف التي وضعتها للعام 2020، وذلك بسبب الفحم.

يسلّط النمساوي نيكولاوس جيرهالتر في فيلمه "إيرث" الضوء على جشع الإنسان إزاء الموارد الطبيعية الذي لا يشبع، مع الإشارة إلى أنه لا بدّ من التحلّي بالحذر في ما يخصّ التقدّم التكنولوجي.

وقال المخرج: "نتساءل ماذا سيفكّر الناس بما نفعله اليوم بعد 40 أو 50 عاما، فالتكنولوجيا تتقدّم بوتيرة أسرع من قدرة الإنسان على استيعابها"، وهو يعطي مثلا بمنجم الملح السابق في فولفنبوتل وسط ألمانيا الذي تحوّل إلى موقع تخزين في السبعينيات "آمن بالكامل" للمخلّفات النووية، إلا أن العلماء أساءوا تقدير خطر تسرّب المياه، ما دفع السلطات إلى إغلاق المنجم بعد عقود.

تلوّث الأغنياء

واختار مخرجون آخرون مواجهة هذا الوضع الكارثي بأفلام تبعث على الأمل، وتبيّن أنه لا يزال في وسعنا قلب المعادلة، تُعرض في إطار مهرجان برلين السينمائي وهو مهرجان الفيلم الأوروبي الوحيد المفتوح لعامة الجمهور.

وعلى شكل رسالة بصرية مكتوبة إلى ابنته البالغة 4 سنوات، يقوم السينمائي دايمون جامو في "2040" باستشراف المستقبل في حال عوّلت البشرية على مصادر الطاقة المتجددة المتوفّرة.

وقال المخرج والممثل الأسترالي: "لا بدّ من أن يبذل المجتمع بكلّ أطيافه جهدا كبيرا، لكن لا يخفى علينا أن 50% من الانبعاثات ناجمة عن الـ7 % الأكثر ثراء، وأن 71% من الانبعاثات متأتية من 100 شركة لا غير".

ويروي الأمريكي جون تشستر في "ذي بيجست ليتل فارم" كيف نجح مع شريكته في تحويل أرض قاحلة بالقرب من لوس أنجلوس إلى مزرعة كبيرة مراعية للبيئة.

ويقول المخرج الشغوف بالزراعة: "لا شك في أن مزرعة واحدة غير قادرة على قلب المعادلة، لكن إن بذل كلّ منا جهدا بسيطا لحماية البيئة، سوف نحقّق مبتغانا".

 

####

 

مهرجان برلين يعرض فيلما يتناول معاناة عنصري يصلح من نفسه

رويترز

يخضع شخص يؤمن بالتفوق العنصري للبيض لعملية جراحية مؤلمة بالليزر ليزيل وشوما يمينية تغطي وجهه ويسعى جاهدا للهرب من الحركة التي أصبحت بديلا عن أسرته في فيلم يعرض ضمن أنشطة مهرجان برلين السينمائي.

ويتناول فيلم "جلد" (سكين)، المقتبس عن قصة حقيقية، حياة برايون الذي يحتويه عنصريون بيض بعد أن عانى من طفولة مضطربة، ويحضر برايون تجمعا للعنصريين ويجرح وجه رجل أسود بسكين خلال مظاهرة للبيض.

لكنه يبدأ في التغير عندما يقع في حب جولي التي انشقت عن الحركة اليمينية، الأمر الذي يدفعه لأن يحذو حذوها.

وبعد أن يتعقبه أصدقاؤه القدامى ويبرحونه ضربا، يلجأ برايون إلى ديريل وهو رجل أسود يساعد الناس على الانسحاب من حركة المؤمنين بالتفوق العنصري للبيض مقابل الحصول على معلومات، ويعثر برايون على متبرع ثري يوافق على دفع تكاليف العملية الجراحية.

وتتقاطع في الفيلم لقطات لبرايون وهو يصرخ من الألم، فيما تزال الوشوم من على وجهه مع مشاهد من الأيام التي كان فيها عنصريا ومعاناته للهرب من تلك الحياة.

ويقول الممثل البريطاني جيمي بيل الذي جسد دور برايون، إن الفيلم يطرح تساؤلا هو "إذا كان قلبك مليئا بالكراهية لكنك خضعت للعلاج لمدة عامين لإزالة هذه الوشوم المحملة بالكراهية من جلدك.. هل ستتغير.. هل يمكن أن تتغير كليا؟".

وأضاف بيل الذي اشتهر بلعب دور البطولة في فيلم "بيلي إليوت": "أتمنى أن تكون الإجابة هي أن الحب يهزم الكراهية".

بوابة العين الإماراتية في

12.02.2019

 
 
 
 
 

ثالث تقييمات المسابقة الرسمية من مهرجان برلين 69

أندرو محسن

مجموعة أخرى من أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان برلين 69، نتحدث عنها في السطور التالية:

1- فيلم God Exists, Her Name is Petrunya (الله موجود واسمه بترونيا)، إخراج: تيونا ستروجر ميتيفسكا، إنتاج: مقدونيا، بلجيكا، سلوفينيا، كرواتيا.

أفضل أفلام المسابقة حتى الآن. بريتونيا (زوريكا نوشيفا) في الثانية والثلاثين من عمرها منبوذة ولا تتمتع بأي مظهر جمال، تقرر أن تقفز في النهر لتلتقط صليب الكاهن في أحد الأعياد لتحصل على البركة، فتقوم الدنيا ضدها لأن الحصول على الصليب -طبقًا للعرف- من نصيب الرجال فقط.

السيناريو مكتوب بشكل تصاعدي، يبدأ من نقطة بسيطة جدًا هي إقدام الفتاة على أخذ الصليب، ثم التصادم مع كل السلطات واحدة تلو الأخرى، البيت والكنيسة والدولة والشعب، دون أن تتزعزع عن احتفاظها بالصليب.

التأسيس للشخصية منذ البداية كان جيدًا، من خلال مشهد مقابلة عمل نتعرف على الكثير من أبعاد هذه الشخصية فنتقبل بسهولة ثورتها التالية.

أداء مُخلص وهادئ دون افتعال من نوشيفا، يجعلها تنافس بقوة على جائزة أفضل ممثلة مع النمساوية فاليريا باخنر من The Ground beneath My feet (الأرض أسفل قدمي). باستثناء بعض التركيز المبالغ فيه على قهر المرأة قرب النهاية بشكل مباشر، يعد هذا الفيلم الأكثر اكتمالًا بين أفلام المسابقة.

التقييم: 4 من 5.

2- فيلم Mr. Jones (السيد جونز)، إخراج: أجنيسكا هولاند، إنتاج: بولندا - بريطانيا - أوكرانيا.

تدور الأحداث قبل الحرب العالمية الثانية، ونتابع الصحفي جاريث جونز (جيمس نورتون)، الذي يكشف الكثير من الأسرار التي كان الاتحاد السوفيتي يخبئها عن مواطنيه. رغم أن نوعية الأفلام التي تدور عن الجاسوسية والحرب عادة ما تكون جذابة، لكن الفيلم كان بعيدًا عن هذا بسبب إيقاعه شديد البطء ووجود الكثير من المشاهد التي لم تضف شيئًا للحبكة وأدخلتها المخرجة كاستعراض فني مثل اللقطات الأرشيفية لعمال القطار، وذلك رغم كون المخرجة لديها خبرة في تقديم الأعمال التي تنتمي للتشويق.

كذلك لم يقدم الممثل الأداء الأفضل إذ كان يتأرجح بين نقيض البطل الخجول وبين الشخص الذكي الوسيم بشكل غير مقنع، ليبقى التصوير السينمائي والديكورات أفضل عناصر الفيلم.

التقييم: 1 من 5.

3- فيلم Ghost Town Anthology (مقتطفات من مدينة الأشباح)، إخراج دينيس كوتيه، إنتاج: كندا.

في أجواء غرائبية تدور أحداث هذا الفيلم، قرية صغيرة ينقلب حالها تمامًا بعد وفاة شاب في حادثة داخل سيارته. يبدأ أخو وأم الشاب في رؤية شبحه في أمكان مختلفة، ثم تتوالى مشاهدات الموتى داخل القرية. طوال الفيلم نشعر أنه يعد بشيء ما لكنه لا يصل لأي شيء في النهاية، وينتهي بشكل مبتور. تكشف هذه الأشباح عن هشاشة المجتمع داخل القرية والسلطة تحديدًا، لكن لا يوجد المزيد.

أديل (لاريسا كوريفو) شابة بسيطة محدودة الذكاء، نشاهدها في أحد المشاهد تطير في الهواء وسكان القرية يتطلعون إليها، في مشهد يذكرنا بفيلم Theorem (نظرية) للمخرج الإيطالي بازوليني، وإن كان هذه التأثر الواضح بهذا المشهد لبازوليني لم يكن في مصلحة الفيلم الكندي، إذ جعلنا فورًا نتذكر بناء الفيلم الإيطالي القوي ونعقد مقارنة لم تكن في صالح الفيلم الأحدث بالتأكيد.

يخلق الفيلم أجواءً باردة طوال مدته تليق بالحالة الغرائبية التي يقدمها، ويمتد هذا البرود إلى الملابس والديكورات أيضًا لتصبح أفضل عناصر الفيلم.

التقييم: 2 من 5.

سكوبر في

12.02.2019

 
 
 
 
 

مهرجان برلين وسمير فريد

أمير العمري

إحساس عميق ينتابني بالحزن في برلين، هنا كان اللقاء الأخير لي مع الناقد والصديق والأخ الكبير سمير فريد الذي ترك علامات لا تمحى في تاريخ الثقافة السينمائية في العالم العربي.

وصلت الأربعاء الماضي إلى برلين، قبل يوم من بداية مهرجانها السينمائي الشهير، اعتدت الذهاب إلى برلين منذ سنوات رغم البرد والثلج والزحام على الأفلام، وهو عمل مرهق أصبح يثير عندي أسئلة وجودية مثل: لماذا أتحمل كل هذه المشاق، خاصة وقد شبعت كثيرا من السفر ومن الأفلام ولم يعد هناك “سحر الاكتشاف”؟

شاهدت آلافا مؤلفة من الأفلام وكتبت الآلاف من المقالات والدراسات والأبحاث عن جميع أنواع الأفلام خلال نحو 40 سنة، ودائما أحاول أن أرصد الجديد وأشعر بأنني أشارك في “اكتشافه”، لكن كثيرا ما تحضرني مقولة بيتر بوغدانوفيتش، الناقد الأميركي الذي تحوّل إلى الإخراج، أن “كل الأفلام العظيمة في تاريخ السينما قد صنعت وقضي الأمر”.

كما لو أنه كان يتنبأ بنهاية عصر السينما، فعنده وعند الكثيرين أيضا، أن السينما كانت قد بلغت أوج عظمتها كفن رفيع، عندما كانت في بداياتها، أي في مرحلة السينما الصامتة التي عرفت ظهور الكلاسيكيات الكبرى.

إحساس عميق ينتابني بالحزن في برلين، هنا كان اللقاء الأخير لي مع الناقد والصديق والأخ الكبير سمير فريد الذي ترك علامات لا تمحى في تاريخ الثقافة السينمائية في العالم العربي، كان المهرجان قد احتفى به في دورة 2017، وقد حضرت الحفل، وأتذكر أن سمير جاء من مصر خصيصا لحضور التكريم، فلم يكن يقدر على متابعة الأفلام، وقد تحامل على نفسه وكان يشكو خلال الحفل من عدم قدرته على الوقوف، وقد سألته قبيل أن نفترق عن حالته الصحية فطمأنني بقوله إن الورم الخبيث ينكمش، وأنه يستجيب للعلاج.

لهذا كانت صدمتي لا تطاق عندما تلقيت بعد أقل من شهرين خبر وفاة سمير فريد، ومازالت الصدمة تعيش معي، وكنت قد اعتدت أن ألتقيه في المهرجانات الكبرى، وكان مجرد وجوده يشعرني بالطمأنينة حتى بعد التباعد الذي وقع بيننا وبعد أن لعب “البعض” دورا كبيرا في إفساد علاقة سمير بأصدقائه القدامى، وخاصة من كانوا مثلي ممن “يجلبون المشاكل” ويستمرون في خدش وجه “المؤسسة”.

كانت هناك فترة اختلفت فيها بشدة مع سمير فريد بسبب ما كان يكتبه خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة من حياته، خاصة تعليقاته وآراءه السياسية، وكان قد تخلى عن كتابة النقد السينمائي بالمستوى الذي عهدناه في الماضي، وكنت أندهش من مجاملاته للمخرجين، حتى لو كانت أفلامهم رديئة، خاصة أن سمير كان يدرك جيدا الفرق بين الجيد والرديء، لكنه اختار أن يرضي الجميع ربما بعد أن تقدم به العمر وأدرك أن لا شيء يتغير في مصر.

لم يدرك الكثيرون أبدا طبيعة علاقتي بسمير فريد، فقد كانت علاقة حب دائمة رغم أي خلاف أو اختلاف، وكانت تربطني به ذكريات تمتد إلى فترة الشباب عندما كنت أتردد عليه في منزله حيث تعرفت على أسرته وولديه، الطفلين اللذين أصبحا رجلين كبيرين الآن، كان البعض يتصوّر أننا في حالة صراع، بينما كان غضبي عليه نتيجة حبي وتقديري الكبير له، وأساسا، رغبتي في أن يعود إلينا سمير كما كان عندما كنا نحلم معا بتغيير السينما والعالم.

أتذكر بوجه خاص حديثا دار بيننا في مهرجان فينيسيا 2015، كنت أجلس في نفس المقعد الذي اعتدت الجلوس فيه، مرّ هو عليّ وقال مداعبا “يجب أن تجعلهم يكتبون هذا المقعد باسمك”، قلت “ليفعلوا هذا بعد أن أموت”، نظر نحوي بحدة، وقال “أنت تحدثني عن الموت؟ ماذا أقول وأنا أكبرك كثيرا”، قلت “ليس كثيرا كما تعتقد”، وأضفت “أشعر حقا أنني لم يعد لديّ المزيد، فقد حققت في حياتي الشخصية كل ما كنت أرغب وأريد، وربما لم يعد لديّ المزيد، وربما لا نكون سوى تكرار لأنفسنا”.

صمت سمير وفكر لبرهة ثم سار من دون أن يعلق.

رحم الله سمير فريد، ستظل ذكراه باقية في قلوبنا وفي كل ركن من أركان مهرجان برلين وغيره.

كاتب وناقد سينمائي مصري

العرب اللندنية في

13.02.2019

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2019)