كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

فيلم (توني اردمان)..

مخرجة الفيلم: أقدم صورة جديدة للسينما الألمانية

احمد الزبيدي

مهرجان كان السينمائي الدولي

الدورة التاسعة والستون

   
 
 
 
 

بعد غياب دام لاكثـر من 8 سنوات عادت السينما الالمانية لتشارك في مهرجان كان الاخير بفلم متميز للمخرجة مارين آدي،عنوان الفلم هو (توني اردمان) وقد كان من الافلام المرشحة بقوة لنيل السعفة الذهبية لمهرجان هذا العام،ومع ذلك فقد حصل هذا الفلم على جائزة نقاد صحافة الفيلم العالمية . وقد علق وزير الخارجية الألماني فرانك-فالتر شتاينمايرعلى خبر الفوز هذا بقوله: "مع الأسف لم تنجح مارين آدي مع فيلمها توني إردمان بالفوز بالسعفة الذهبية، رغم النقد الإيجابي الذي حصده الفيلم. إلا أن فوزها بجائزة نقاد صحافة الفيلم العالمية، التي أهنئها عليها من كل قلبي، يشكل خير دليل على أنها أسرت قلوب الكثيرين من زوار مهرجان والمشاركين فيه."

نال هذا الفيلم اعجابا منقطع النظير من عديد من النقاد والمشاهدين لمزجه ببراعة بين الكوميديا والدراما في قصة انسانية رائعة تجمع بين جيلين يحمل كل واحد منهما رؤية معينة للحياة مختلفة واحيانا متناقضة مع رؤية الآخر.

يتناول فيلم "توني إردمان" قصة أستاذ الموسيقى فينفريد، البالغ من العمر 65 عاما(يجسد دوره الممثل النمساوي بيتر زيمونيشيك) ، عاشق المرح والمزاح. وهو يعيش مع كلبه العجوز.وابنته إينيس (تجسد هذه الشخصية الممثلة الألمانية ساندرا هولر)، ،التي تحقق نجاحا مهنيا كبيرا، وتجوب العالم من أجل تحسين وتطوير الشركات المختلفة. أي أن الأب والابنة كانا على وجهي نقيض متباعدين إلى أقصى الحدود: هو صاحب المشاعر، ذو التوجهات الاشتراكية لجيل الستينات ، وهي مستشارة الشركات العقلانية الجدية، التي تسعى إلى إتمام مشروع أوروبي كبير في رومانيا، وتحارب كسيدة قوية لتفرض نفسها وتثبت ذاتها في عالم مهني يسيطر عليه الرجال. وبما أن فينفريد لا يرى ابنته كثيرا في البيت، فإنه يقرر زيارتها بشكل مفاجئ بعد وفاة زوجته. وبدلا من أن يخبرها مسبقا بهذه الزيارة، يفاجئها بأسنان اصطناعية ونظارة شمسية في بهو الشركة. إينيس تحاول جاهدة أن ترسم ابتسامة على وجهها، وتصطحب والدها ببنطال الجينز القديم إلى حفلات الاستقبال المهنية ومواعيد المعارض. إلا أن هذه الزيارة لا تقود إلى أي تقارب بين الاثنين. فينفريد يزعج ابنته باستمرار بنكات سخيفة وانتقادات هزيلة لحياتها المحكومة بضغط العمل والسعي إلى النجاح، بين الاجتماعات والفنادق وأعداد لا حصر لها من رسائل البريد الإلكترونية. يصل الأب والابنة إلى طريق مسدودة، وتندلع المواجهة بين الاثنين ...

في مقابلة لها مع موقع ( فلمستيج )الالكتروني تشير المخرجة مارين آدي الى انها استلهمت شخصية بطل الفيلم من والدها الذي يمتلك هو ايضا حس الفكاهة والمرح:

·        لقد مرت سبع سنوات منذ عرض فلمك الاخير (كل الاخرين)هل واجهتك  صعوبات في الحصول على تمويل لهذا المشروع الجديد ؟

- لحسن الحظ، فإن النجاح الذي حققه فلم (كل الاخرين) كان له تأثير كبير،لذلك لم اجد في الواقع صعوبة في الحصول على  تمويل لهذا الفيلم. وحقيقة أن السيناريوكان يحوي بعض العناصر الكوميدية فان ذلك كان عاملا مساعدا أيضا. ورغم ان الفترة بين الفلمين كانت  سبعة اعوام الا اني بذلت الكثير من الجهد - و لم آخذ قسطا من الراحة، كما يعتقد الاخرين. على العكس من ذلك، لقد عملت على هذا السيناريو لمدة عامين تقريبا...

·        هل كانت لديك مخاوف حول طول الفيلم؟ وهل قمت بحذف شيء منه ؟

- في الحقيقة  لم أخطط لان يكون وقت الفلم طويلا. كنت أفكر ربما بـ 130 دقيقة، اطول  قليلا من فلمي الاخير.

·        الم يحذرك احد من ان الفلم قد يكون طويلا جدا ؟

- بالتأكيد. وخصوصا من قبل  الموزعين..قالوا لي أن المشترين قد يترددون في شرائه  بسبب طوله. على الرغم من أن بعض الناس قالوا لي ان هناك أفلاما طويلة أخرى في مهرجان كان لهذا العام، وأن فلمي  أطول من المعدل بخمس عشرة دقيقة فقط وكان ذلك مناسبا بالنسبة لي.

·        هل كان لدورك كمنتجة للفيلم اثر في اتخاذ مثل هذا القرار ؟

- سواء كنت المنتجة أم لا، فقد شعرت دائما أن على المرء ان يحاول  وبعدها  سيرى ما هو الصحيح. أنا لا أعتقد ان فيلما ما يكون  أكثر جاذبية لمجرد انه أقصر.

·        من اين استلهمت  شخصيات عملك؟ هل هي مستوحاة من تجارب شخصية؟

- شخصية الأب كانت بالتأكيد مستوحاة من شخصية والدي إلى حد ما، فهو يمتلك حسا كبيرا من الفكاهة. وهذا الجزء كان سهلا نسبيا. وكنت مهتمة فقط في عكس ديناميكية العلاقة التي كانت قائمة بين الأب وابنته، وكيف كان بامكانهم معرفة بعضهم البعض من جديد. أما بالنسبة للإبنة: فقد رغبت باختيار مهنة لها تختلف تماما عن مهنتي. واجد  أنه من الممتع انك تتعلم شيئا من خلال عملك في الفيلم. في فلميَّ السابقين قمت فقط ببعض التحضيرات والبحوث البسيطة، ولكنني، هذه المرة، تعمقت كثيرا في كل شيء . ؟ كنت اريد ان استكشف الاسباب التي تجعل تعامل الآباء قاسيا، ولماذا يصيبنا الاحراج حين يطلعون على امورنا الشخصية ،او يشاركون في حل مشاكلنا

·        يبدو ان حوار الفيلم واقعي جدا. هل تم ارتجال قسم منه أم ان كل شيء كان مكتوبا في السيناريو؟

- أنا احاول بقوة ان اشجع على خلق جو لا يخاف فيه الناس من محاولة تجربة أشياء جديدة، حيث يمكن ان تحدث مفاجآت، ولكن، في هذا الفلم، لم يكن هناك  الكثير مما لم يكتب في السيناريو.

·        ما هي الدراسات والتحضيرات التي قمت بها فيما يتعلق  بشخصية الابنة؟

- التقيت مع نساء من شركات مختلفة والقيت نظرة على عالمهن. وفيما بعد اصبحت  مفتونة بوظيفة مستشاري الشركات، لأنهم في مرحلة ما،  يلعبون أيضا دورا مهما

·        هل كانت انظارك متجهة  نحو مهرجان كان منذ البداية ام انك نظرت أيضا الى مشاركة الفلم في مهرجان برلين السينمائي؟

بالتأكيد كنت ارغب  بتقديمه إلى مهرجان برلين لكنني أصبحت أما للمرة الثانية مع اقتراب موعد المهرجان ، لذلك لم يعد ذلك خيارا قابلا للتطبيق لأنني لا يمكن الانتهاء منه في الوقت المناسب. أما بالنسبة لمهرجان كان: فقد كان مجازفة  من قبلي لأنه، من أجل الوفاء بالموعد النهائي، فقداضطررت الى العمل الكثير مباشرة بعد الولادة، دون معرفة ما إذا كان سوف يتم اختيار الفلم أم لا. لم تكن تلك تجربة ممتعة ابدا. ولو لم يتم اختياره  لكنت قد شعرت بانني  أكبر حمقاء في العالم. ولكن ذلك لم يحصل ، ومع هذا فقد أرسلت الفيلم في وقت متأخر إلى حد ما.

·        في مهرجان كان هناك شيء ما يتعلق باشتراك المانيا (لم يشترك فيلم الماني في المنافسة منذ7 سنوات) وايضا باشتراك العناصر النسائية . هل لديك تصور معين بشأن كسر كل من هذه المحرمات؟

- انا امثل الحالتين  - الفلم الماني والمخرج امرأة. وأعتقد أنه أمر غريب الى حدما الاعتقاد ان مشكلة وجود عدد قليل جدا من صناع السينما من النساء قد حلت بمجرد وجودي هنا. ولكن إذا كان بامكاني ان اقدم صورة جديدة للسينما الألمانية فانا سعيدة بوجودي في مهرجان كان .

·        بالنسبة للمشاهدين من  خارج ألمانيا بخاصة ، فإن وجود كوميديا المانية يبدو امرا غريبا. ما الذي ساعد برأيك على  كسر هذه الصورة النمطية؟

- أعتقد أن الموضوع الرئيسي للفيلم هو الصراع الداخلي بين الأب وابنته، ولهذا السبب فقد بذلت كل ما استطيع لاجل التأكد من ان المشاهدين سوف يتعاملون بطريقة أو بأخرى مع كليهما  من دون أن يقفوا  أيضا الى  جانب احدهما. وهذا الشيء كنت قد حاولت أن افعله مع فيلمي السابق، ولكن أعتقد أن الفيلم في نهاية المطاف قد انحاز أكثر الى  الفتاة. ولكني في هذا الفلم  حاولت أن اوازن بينهما أكثر.

المدى العراقية في

02.06.2016

 
 

... بلا دماء، بلا انتقام، وبلا طعم أيضاً

أمل الجمل

يتشابه الفيلم اللبناني «ربيع» أو «ترامونتان» TRAMONTANE- عنوانه باللغة الإنكليزية - مع رواية «بلا دماء» للمؤلف الإيطالي أليساندرو باريكو، في أن الأحداث تدور في ما بعد الحرب بكل ما خلفته من دمار نفسي واجتماعي، وأن من قتل أسرة البطل «ربيع» - المطرب الأعمى - هو نفسه من أنقذه وقام بتربيته منذ كان رضيعاً بعد أن قرر له أن يعيش بدلاً من أن يُقتل مع والديه.

أُنجز الفيلم عن طريق الإنتاج اللبناني الفرنسي القطري الإماراتي المشترك، وشارك في مسابقة أسبوع النقاد الخامس والخمسين - الموازي للبرنامج الرسمي في مهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والستين -، وفاز هناك بجائزة «السكة الذهبية» التي تُنظم منذ 22 سنة وتُمنح من جمعية موظفي السكك الحديد المحبين للسينما.

الميزة الأهم بالفيلم والتي أنقذته من الركاكة هو الصوت الجميل للمطرب الكفيف بالفعل، وقدرته على أداء تلك الأغنيات المنتمية إلى عصر الطرب الأصيل بإجادة وصوت عذب. أما التيمة الرئيسية وهي البحث عن الهوية والجذور فقد جاءت شديدة السطحية والمباشرة، واستلب منها أي أبعاد اجتماعية وإنسانية ذات قيمة، وذلك بعدما كان أمام المخرج والمؤلف اللبناني فاتشي بولفورجيان فرصة بارعة لمناقشة وضعية بلد مزقته الحرب الأهلية التي خلفت وراءها جيلاً، كثير منه ضائع مشوه الهوية، على الأخص في ظل وجود مشاهد متعددة تنهض على جولات بالسيارة في الجنوب والشمال اللبناني. وذلك الى جانب أحاديث وحوارات عن ملاجئ تبنت ضحايا الحرب، وعن شخصيات من الأرمن تعرضوا للمذابح. لكن لا شيء من هذا تم الحفر والتنقيب فيه أو سبر أغواره، فقط مجرد إشارات أو حكايات تناقض بعضها بعضاً أثناء محاولة هذا الشاب أن يفك لغز عائلته وإصراره على معرفة أصوله ووالديه الحقيقيين.

مأزق البداية

يبدأ مأزق ربيع عندما تجيئه فرصة السفر لأوروبا ضمن فرقته الموسيقية لإحياء بعض الحفلات، فيذهب لاستخراج جواز السفر لكنه يكتشف في مخفر الشرطة أن بطاقة الهوية التي حملها طوال تلك السنوات مزيفة. ومع البحث والتنقيب والإصرار، تعترف الأم أنها ليست أمه لكنها أيضاً لا تعرف مَنْ هي عائلته الحقيقية. فأخوها الذي كان يعمل في القطاع الأمني هو الذي أحضره طفلاً. وهنا تستولي على ربيع رغبة قوية وإصرار في معرفة جذوره والوصول إلى أمه وأبيه الحقيقيين، فيلتقي بأناس كل منهم يحكي حكايته هو، وعندما يصل إلى من يتضح بنسبة كبيرة جداً أنهما جداه يتنصل الرجل والمرأة وينفيان ذلك، بينما كل الشواهد تُؤكد ذلك. وهنا يُصبح من المثير للدهشة أن الجد والجدة يرفضان استعادة حفيدهما، وينكران صلتهما به، ويعتبرانه ضمن الأموات! تصرف غريب من بشر فقدوا ذويهم وفجأة اكتشفوا وجود بقايا من عطرهم متمثلاً في الحفيد! إنه سلوك درامي تم رسمه في شكل متعسف من أجل الترميز، فهل كان هذا حتى يقال إن هذا الجيل الشاب من دون هوية حقيقية، وأن الأجيال السابقة تخلت عنه؟ وأن القاتل هو نفسه المنقذ؟. فذلك الخال الذي أنهى حياة والدي ربيع الحقيقيين هو نفسه الذي أنقذه وقرر له أن يعيش حين كان رضيعاً.

الفارق الأساسي والجوهري بين الرواية الإيطالية والفيلم اللبناني أن البطل عند باريكو كان امرأة اسمها تينا قُتل أفراد أسرتها على مسمعها عندما كانت طفلة، ثم تعود لاحقاً بعد سنوات طويلة لإطفاء جحيمها بالانتقام ممن سلب حياة أبيها وأخيها فتقتلهم واحداً تلو الآخر من دون قطرة دماء، لكن فكرة الانتقام تتخذ منحى آخر عندما تتعلق بـ «تيتو» الشخص الذي أنقذها والذي تكتم وجودها في المخبأ السري بعد أن تلتقي نظراتهما فتُصبح العين في العين لبرهة من الزمن لن تنساها تينا ولن ينساها تيتو. وسيظل يتوقع استعادتها وقدومها كلما وصله خبر قتل أحد رفاقه في ذلك اليوم البعيد، وكأنه مستسلم لقدره تماماً. هنا، ومع هذا الرجل الذي كان صبياً أيضاً عندما أنقذها، تصبح فكرة الانتقام متقاطعة أو بالأحرى متصارعة مع فكرة العرفان بالجميل، فهل تنتقم تينا لمقتل عائلتها وتتخلص من آخر دوائر الجحيم أم تعفو وتطهر نفسها باستعادة تلك النظرة لمن حماها وأنكر وجودها طفلة لئلا تُؤخذ منها الحياة؟

سينما التخلّي

هذا في الرواية الإيطالية إذاً، أما الفيلم اللبناني فيتخلى عن كل هذا العمق الناجم عن الصراع والمواجهة، عن تلك المشاعر المتناقضة بين الحب والكره في آن، يتخلي عن تجسيد الأحقاد الناجمة عن الحرب، كأنما ينفي وجودها أو تحولها إلى حالات ثأرية، مثلما يتجنب الإشارة إلى أي تمزق نفسي للبطل بين الرغبة في الثأر وبين مشاعر العفو، إذ يكتفي بأحاسيس الغضب والحزن والإصرار على مواصلة البحث عن هويته. وحين يبلغ مراده يعود إلى المرأة التي ربته من دون أن نرى مشهداً يُواجه فيه الخال القاتل المنقذ، بل يستسلم ربيع في انتهازية واضحة لتلك المساعدة من خاله المزيف إذ وفر له بطاقة هوية جديدة مزيفة أيضاً.

الفارق أيضاً بين العملين الروائي والسينمائي أنه في حين ابتعد باريكو عن «أين» و «متى» مكتفياً بـ «لماذا»، فإن مخرج «ربيع» فعل العكس تماماً ما جرّد شريطه السينمائي من مستويات الوعي والعمق وجعله ينزلق بسهولة نحو الفراغ الذي كانت «لماذا» وحدها قادرة على انتشاله منه.

إبتهاج إيراني بجوائز مهرجان «كان»

ندى الأزهري

«لا تتسم أفلامي بالبهجة، لهذا أنا سعيد جداً لأنني أثرت شيئاً منها لدى أبناء شعبي»، علّق المخرج الإيراني أصغر فرهادي وهو يستلم جائزة أفضل سيناريو عن فيلمه «البائع» في مهرجان «كان» الأخير.

البهجة؟ لقد جلبها بالتأكيد للإيرانيين...

بدا هذا جليّاً في الإعلام الإيراني وفي التعليقات والتهاني المنهمرة على صفحات التواصل الاجتماعي، من الجمهور ومن زملاء فرهادي السينمائيين والمؤسسات السينمائية في طهران. كما تجلّى في الاستقبال الشعبي الحافل الذي كان ينتظر فريق الفيلم في مطار الإمام الخميني في طهران عند عودته من «كان» مكللاً بجائزتين.

المسؤولون الإيرانيون أيضاً كانوا مبتهجين. الناطق باسم وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي عبّر عن سعادته لأن السينما الإيرانية «حققت إنجازات وتوصلت إلى منافسة السينما العالمية». أما مدير مؤسسة السينما في إيران حجة الله أيوبي فقد كان صرّح قبل الفوز الإيراني وأثناء لقائه في «كان» بيار لوسكور رئيس المهرجان، بأن النجاحات الكبيرة للسينما الإيرانية في السنوات القليلة الماضية «أعادت من جديد الثقة للشعب». ويبدو هذا واضحاً من حرارة تلقي الإيرانيين سينماهم الوطنية. اعتبر أيوبي كذلك أن ظهور الشباب الواعدين هو التيار الأكثر بروزاً والحدث الأهم في السينما الإيرانية اليوم، وأن النظرة الإنسانية لهؤلاء إضافة إلى موهبتهم وإبداعهم تمكنت من تحقيق إنجازات كبيرة لتلك السينما في المحافل الدولية. المسؤول الإيراني وجّه دعوة إلى رئيس مهرجان «كان» لزيارة طهران، ووفق صحيفة «طهران تايمز» فإن هذا الأخير رد بأنها مناسبة عظيمة «لأن نغدو أكثر إلفة مع السينما الوحيدة في المنطقة ومع الحضارة المتفردة القوية في الشرق الأوسط».

موافقة مضمونة

فيلم «البائع» الذي نال إعجاب المسؤول الإيراني تدور قصته حول عماد ورنا اللذين انتقلا حديثاً إلى شقة وسط طهران، حينذاك يحدث اعتداء على الزوجة يؤدي إلى تغييرات دراماتيكية في حياة الزوجين الشابين. «البائع» سيعرض في إيران بالطبع، وهو وفق أيوبي لا يحتاج إلى تعديل للحصول على موافقة رسمية من أجل عرض أولي، إنما مع استدراك لا بد منه فمن سيقرر عرض الفيلم هو «مجلس إعطاء التصاريح للإنتاج والعرض»، هذا مع أن «السيد فرهادي حقق كل الشروط اللازمة والمطلوبة في إيران لصنع فيلم» وفق المسؤول. من المعروف أن كل سيناريو يجب أن يعرض على مجلس خاص في طهران لمنح التصاريح وعندما يوافق عليه تبدأ عملية التصوير، ثم بعد الانتهاء يتوجب نيل إجازة لعرض الفيلم.

هذه الجائزة «الكانيّة» لفرهادي كانت حلماً يستحق بذل كل الجهود. هذا ما فعله هذا المخرج المتميزّ خصوصاً بكتابة السيناريو، وهو صرّح لدى عودته إلى طهران، بأن السينما الإيرانية كانت تفتقد «مكانة كهذه في حدث دولي وكان لهذا أن يحصل يوماً». لقد بذل هذا المخرج المبدع كل ما في وسعه كي «نستحق تمثيل السينما في إيران، والحمدلله حصل» كما عبّر. سبق لصاحب «احتفالات الأربعاء» أن نال جوائز عالمية كثيرة، بخاصة عن «انفصال» فيلمه الأشهر الذي حصد جائزة الدب الذهبي في برلين والأوسكار الأميركي والسيزار الفرنسي عن أفضل فيلم أجنبي 2012. ونالت بطلة فيلمه «الماضي» الفرنسية بيرينيس بيجو جائزة التمثيل في «كان» 2013، لكنها المرة الأولى التي ينال فيها فرهادي نفسه جائزة في «كان».

ثقة مستعادة

الجائزة الثانية في «كان» كانت من نصيب بطل الفيلم شهاب حسيني. حسيني في تصريح له شكر فرهادي لأنه أعاد له الثقة بنفسه. لا ريب في أن المخرج الإيراني المعروف عنه إدارته الصارمة للممثلين واشتغاله معهم على الدور كان له أكبر الأثر في فوز حسيني. فهذا الممثل تدرّج بالعمل مع فرهادي وبدأ في فيلم «عن إيلي»، حيث أدى دوراً صغيراً ثم كبر الدور في «انفصال نادر وسيمين» إلى أن أخذ البطولة في «البائع»، ونال عنها جائزة التمثيل في «كان» وهي الجائزة الأهم التي حصدتها السينما الإيرانية.

عمل شهاب حسيني في السابق مع المخرجتين تهمينة ميلاني «سوبر ستار» وبوران رخشنده. وشارك بأدوار أخرى وبطولات مع مخرجين معروفين مثل بهرام توكلي وكيانوش عياري وكمال تبريزي. وبلغ مجموع الأفلام التي مثّل فيها على مدى خمسة عشر عاماً، خمسين فيلما. ونال جوائز عدة في مهرجان فجر كأفضل دور ثان ثم عن أدوار رئيسية. وهو صرح بعد عودته إلى طهران بأنه «سعيد بسعادة شعبه. فالانبساط لا يأتي فقط من مشاهدة بضعة أفلام هزلية طوال الوقت، إذا استطعنا جلب السعادة لشعبنا فهو عمل إيجابي»، وعند سؤاله عن شعوره بالحصول على الجائزة الأرفع في تاريخ السينما الإيرانية، قال: «الحمدلله أديت واجبي تجاه وطني، وكل ما سيجلب الاحترام والتقدير لشعب هذه الأرض يسعدني» وأضاف أنه يفضّل متابعة عمله في وطنه.

لكن وسائل التواصل تناقلت بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده فريق الفيلم في طهران يوم الإثنين، تصريحين لشهاب حسيني أحدهما في «كان» وهو إهداؤه الجائزة للشعب لإيراني «بكل الحب ومن القلب». والثانية في طهران «أنا مسرور جداً ومتفائل، لأنني حصلت على جائزة مهرجان «كان» في ليلة نصف شعبان، ولا يسعني إلا أن أقدم هذه الهدية إلى الإمام الحجة عليه السلام».

لا أكثر من الجوائز!

كل شيء على ما يرام إذاً في أحوال السينما الإيرانية هذه الأيام. وفي رأي مخرج إيراني مقيم في فرنسا وينظم عروضاً لهذه السينما فيها، فإن بيع الأفلام الإيرانية في الخارج واختيارات المهرجانات الأجنبية من الأفلام الإيرانية والبيع المحلي وعروض الصالات تُبرز كلها «حيوية الفن السابع الإيراني على الصعيدين الوطني والدولي». وسجل هذا العام مئة وأربعون فيلم إيراني مشاركتها في مهرجان فجر، الذي يعدّ أهم مناسبة في طهران للتعرف إلى ما ينتج داخلياً، كان نصف هذه الأفلام عملاً أولاً. أما في المهرجانات فقد استقبل مهرجان برلين الأخير أربعة أفلام إيرانية وعرض في «كان» فيلم أصغر فرهادي «البائع» في المسابقة الرسمية فائزاً بالجائزتين، كما عُرض فيلم «تعاكس» لبهمن بهزادي في «نظرة ما». كما أن عام 2015 كان الأفضل للسينما الإيرانية وفق موقع «أي فيلم» الإيراني. إذ سجلت الأفلام الإيرانية 2247 حضوراً دولياً في المهرجانات والتظاهرات الثقافية العالمية وهذا ما يشير إلى زيادة بنسبة 37 في المئة مقارنة بالعام الذي سبقه، كما أنها حصدت 370 جائزة خلال العام الإيراني المنصرم (من آذار - مارس 2015 إلى آذار 2016) فكان العام الأكثر نجاحاً للسينما الإيرانية.

الحياة اللندنية في

03.06.2016

 
 

جوائز "كان" تنتصر للقيم الإنسانية

بقلماحمد عاطف

استطاعت لجنة التحكيم الرسمية للدورة 69 من مهرجان "كان" السينمائى الدولى التى انتهت الاحد الماضى أن تمنح جوائزها للأفلام التى تنتصر للإنسان، وللأعمال السينمائية التى تقدم التحديات التى تواجه الانسان المعاصر والحيرة التى تنتابه فى التعامل معها. حصل على جائزة الاخراج فيلم بكالوريا للمخرج الرومانى كريستيان مانجوى الذى سبق له عام 2007 الفوز بالسعفة الذهبية اكبر جوائز مهرجان "كان" عن فيلمه 4 شهور، 3 اسابيع ويومان. وهو فى بكالوريا يقدم قصة بسيطة للغاية حتى ان اغلب نقاد السينما تعجبوا من أين سيأتى سحر السينما مع قصة بسيطة كتلك: انه يحكى عن طبيب عاد لرومانيا عام 1989 ليعمل هناك بعد سقوط حائط برلين والشيوعية. الاحداث تدور حول ابنته الصبية التى تستعد لامتحان الثانوية العامة وتتعرض لمحاولة اغتصاب وهى فى طريقها للمدرسة بينما والدها لم يوصلها للمدرسة هذا اليوم لأنه كان فى زيارة عشيقته. تنجو الفتاة وتعود للمنزل فى حالة ذعر وانهيار. والأب كل تفكيره فى انقاذ ابنته من الرسوب فيوافق على عملية نقل كبد غير شرعية لمسئول كبير مقابل ان يقوم بإنجاح ابنته فى الامتحان بالمجموع الذى يدخلها جامعة انجليزية كما يريد الاب. وبرر المخرج الرومانى اختياره لهذا الموضوع انه يفكر كثيرا كأب فيما يتحتم عليه ان يخبر به اطفاله لان الواقع الذى يعيشه الكبار مختلف عن الذى يعيشه الاطفال. وإنها كانت طريقته لتقديم الفساد برومانيا من خلال الحكى عن تحد اخلاقى امام شخص يحاول ان يبدو مثاليا امام اسرته.

أما الفيلم الاخر الذى جذب الانتباه وتعرض هو الاخر لحادثة اغتصاب ملئ بالمعانى والإيحاءات فهو فيلم البائع للمخرج الايرانى اصغر فرهادى وقد استطاع هذا الفيلم الحصول على اثنين من اهم الجوائز الثمانى للمسابقة الرسمية للمهرجان هما جائزتا افضل سيناريو وأفضل ممثل. وفرهادى استطاع وضع اسمه بقوة على خارطة السينما العالمية بفضل فيلمه الانفصال الذى حصل على عدة جوائز من مهرجان برلين عام 2011، فضلا عن جائزة الاوسكار لأفضل فيلم اجنبى. وبعد صناعة فيلم فرنسى منذ عامين، يعود فرهادى لأجوائه المفضلة بطهران حيث تقدم القصة زوجان من الطبقة المتوسطة هناك يقيمان بمنزل يتعرض للتصدع فيعثر لهما احد اصدقائهما على شقة ببناية اخرى مكتفيا بالقول بان المستأجرة القديمة للشقة كان لديها العديد من الاصدقاء. لم يفصح لهما الصديقة ان السيدة كانت تعمل بالدعارة. تمضى الاحداث هادئة نرى فيها الزوجين يتدربان على اداء دوريهما فى المسرحية الامريكية الشهيرة "موت بائع متجول" لارثر ميلر. ويبدو انهما لا يؤديان دوريهما بحنكة فى المسرحية التى تعانى كلها من رداءة الاخراج بسبب قطع الرقابة للكثير من احداثها فتبدو مبتورة وضعيفة. الحدث الاكبر الذى يقلب الدراما رأسا على عقب هو تعرض الزوجة الى الاغتصاب على يد رجل يدخل الحمام ويباغتها. تنهار الزوجة ويقرر زوجها ألا يبلغ البوليس ويبدأ رحلة شخصية للانتقام من الفاعل الذى لا يعرفه. كالعادة شبه النقاد عالم فرهادى بعالم تشيكوف حيث تتفجر الاحداث من تحت جلد شخوص قصصه بعد حدث جلل وربما من حدث عادي. ما روزا هو فيلم فلبينى للمخرج المعروف بريانتى ماندوزا توج هو الاخر بجائزة افضل ممثلة بمهرجان كان. وهو يحكى عن سيدة خمسينية تمتلك محلا بأحد أفقر احياء مانيلا ومحاطة بهالة من المحبة من كل من حولها. لكنها لا تستطيع ان تكفى مستلزمات الحياة من دخلها فتضطر للاتجار بالمخدرات هى وزوجها حتى يتم القبض عليهما بقسوة. فى البداية يجبرها الضابط على الاعتراف على التاجر الذى تشترى منه البضاعة ورغم انها ليست واشية ولا سيئة الطباع لكنها تضطر لذلك خوفا من العواقب. ثم يمضى الفيلم فى متابعة ابنائها الاربعة فى محاولتهم شراء حرية امهم وأبيهم بأى ثمن من الضابط الفاسد الذى يحتجزها. لدرجة ان احدهم يضطر لممارسة الشذوذ مع احد الرجال الاثرياء. والفيلم هنا بأسلوبه الواقعى ومزجه اللقطات التسجيلية هو صورة قاسية عن الفقر ويؤكد انه لا سبيل للفقراء للخروج ولا امل لديهم إلا ضياع الكرامة. فيلم انها فقط نهاية العالم للشاب الكندى زافييه دولان هو اكثر الافلام التى كان عليها انقسام بالرأى فى المهرجان. هو من جهة حصل على الجائزة الكبرى ثانى اهم جوائز المهرجان ومن ناحية اخرى اغلب النقاد استهجنوه ما عدا قليلا. من رأوا انه فيلم رائع وجدوه به نقدا لاذعا لنظام الاسرة بالغرب حيث يحكى عن كاتب يعود لأسرته ليخبرهم انه مريض وسيموت. وحيث لا احد يكترث بأحد والأنانية على اشدها. جميل ان تمنح جوائز اهم مهرجان سينمائى بالعالم لأفلام تؤكد بحث الانسان عن كرامته فى عالم اليوم المتوحش.

الأهرام اليومي في

04.06.2016

 
 

"كان" .. قارّة السينما ومحجّ عشاق الحلم

حمّادي كيروم

تعودت على زيارة مهرجان كان الدولي للسينما منذ خمس سنوات، وكانت الأفلام التي أشاهدها في مختلف الأقسام، تتفاوت بين الجيد والمقبول والمتوسط والرديء أحيانا. غير أن برنامج هذه الدورة التاسعة والستين متميز على عدة مستويات، من أهمها:

مشاركة مجموعة من المخرجين الكبار، الذين أنتجوا أفلاما كثيرة، مشهود لها بالجودة والجماهيرية واستمرار بريقها، رغم مرور الزمن على تاريخ عرضها،وهم المخرج البريطاني كين لوش، والمخرجين البلجيكيين الأخوين داردين، والمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار، والمخرجين الأمريكيين جيم جارموش  وشين بين، والمخرج الهولندي بول فيرهوفن. وقد نال بعض هؤلاء المخرجين السعفة الذهبية في الدورات السابقة من هذا المهرجان.

عودة بعض المخرجين الشباب الذين أظهروا منذ أفلامهم الأولى تميُّزا في الحكي وجرأة في طرح مواضيع جديدة، وأسّسوا بأفلامهم حداثة السينما وتفوقها على منتوجات التسلية السمعية البصرية. ومن بينهم المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي نال فيلمه "الماضي" جائزة أحسن أداء نسائي سنة 2013 . وقد حصل فيلمه "الفراق" على جائزة الدب الذهبي بمهرجان برلين بألمانيا سنة 2011، كما حصل على جائزة الأوسكار الخاصة بالفيلم الأجنبي سنة 2012.  ونجد كذلك المخرج الروماني الشاب كريستيون مونجي الذي حصل فيلمه "أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان" على السعفة الذهبية سنة 2007، كما حصل فيلمه "وراء الهضاب" على جائزة الأداء النسائي سنة 2012.

وقد اشتملت هذه الدورة على واحد وعشرين فيلما جيدا باستثناء فيلم المخرج الأمريكي شين بين "الوجه الأخير" الذي جاء مخيبا للآمال. وقد أتساءل مع أغلب النقاد عن سبب برمجته في مهرجان كان باعتباره فيلما يتناقض تماما مع سينما المؤلف التي تحاول كان أن تدعمها وتساهم في ترويجها.

وكان أحرى بهذا الفيلم أن يُعرض ضمن سوق الفيلم الذي يفتح شاشاته لكل أنواع الإنتاج السينمائي بمختلف أجناسه.

ومن أهم الأفلام التي أثارت إعجابي، فيلم المخرج البريطاني كين لوش "أنا دانييل بلاك" الذي كنت قد رشحته لجائزة السعفة الذهبية، وقد نالها باستحقاق،يحكي الفيلم قصة المواطن دانييل بلاك البالغ من العمر ستين سنة، توقف عن العمل بسبب أزمة قلبية. غير أن نظام المعاشات يتطلب منه أن يستمر في البحث عن عمل يناسبه، وإلا سيضيع الحق في الاستفادة من تعويضات الضمان الاجتماعي.

وأثناء بحثه عن حل للخروج من هذه الأزمة الإدارية والبيروقراطية، سيصادف أُمّا شابة عازبة، مسؤولة عن إعالة طفليها لكنها بدون مأوى وبدون عمل، وسيحاول أن يساعدها على حل بعض مشاكلها.

يعتبر فيلم كين لوش صرخة نضالية لرفع صوت المحرومين في المجتمع البريطاني، الذي فقد فيه الإنسان كرامته بفقدانه للعمل والسكن والطعام. وهي ميزة تتصّف بها كل أفلام هذا المخرج الثمانيني الذي قاوم بسينماه كل أشكال الرأسمالية المتوحشة التي فرضت "السيستم" على الإنسان المعاصر، وجعلت حياته واستقراره رهنا بخضوعه واستسلامه للقدر المحتوم.

ويأتي الفيلم الثاني الذي أمتعني كثيرا بكتابته الأنيقة والخالية من كل الأدوات البلاغية أو الزخرفية، هو فيلم "البائع المتجول" لأصغر فرهادي والذي كان يستحق الجائزة الكبرى، وقد نال أيضا جائزة أحسن سيناريو، كما نال الممثل شهاب حسين جائزة الأداء الرجالي.

يحكي الفيلم قصة زوجين يعملان في المسرح، ضمن فرقة مسرحية، تتدرب على إنجاز مسرحية "موت بائع متجول" لآرثر ميللر. يضطر الزوجان لمغادرة شقتهما بشكل عاجل، لأن البناية التي يسكنان بها معرضّة للسقوط بسبب أعمال الحفر التي تقوم بها إحدى شركات البناء. وفي أثناء بحثهما عن شقة ثانية، يتدخل أحد أصدقاءهما بالفرقة، ليقترح عليهما بيتا آخر، دون أن يخبرهما بأن الساكن الذي كان يسكن قبلهما، بائعة هوى يتردد عليها الزبائن. ومن خلال هذه التركيبة الحكائية ستنقلب حياة الزوجين رأسا على عقب، لأن التحولّات التي ستتعرض لها شخصية الزوج الذي هو في نفس الوقت بطل المسرحية، ستؤدِّي إلى ظهور ازدواجية في الشخصية التي ستكشف عن عنف وعدوانية رهيبة قد تؤذي وتدمر كل من يحيط بها.

يعود أصغر فرهادي بفيلمه هذا ليكرم المسرح الذي جاء منه وليبين كيف أن الإنسان المعاصر يبحث عن مبررات ذاتية من أجل تمرير مشروعية ممارسة العنف على الآخرين.

ويبقى فيلم "جولياتا" لبيدرو ألمودوفار فيلما باذخا فوق كل التصنيفات، يسيل عذوبة واحتفالا بالفرجة والجمال. وقد أحس المشاهدون أثناء نهاية عرض الفيلم بنوع من الحسرة. وكان لسان حالهم يقول: "رجاء، دعوه يستمر في الحكي"، ولم يستطيعوا مغادرة القاعة ونظر البعض في أعين البعض غير مصدقين أن أضواء القاعة قد اشتعلت وأن الفرجة قد انتهت.

بهذا يبقى مهرجان كان محجّا لكل عشاق الفن السابع، حيث يجتمع كل سكان القارات الخمس، ويتكلمون لغة واحدة هي لغة الحلم. وبهذا صدق قول جان لوك جودار، عندما قال بأن السينما قارة جديدة يمكن أن تضاف إلى القارات الأخرى.

الجزيرة الوثائقية في

05.06.2016

 
 

17 مايو انطلاق الدورة الـ 70 لـ«كان السينمائي» 2017

كان ـ «سينماتوغراف»

نشرت الصفحة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي موعد انطلاق الدورة المقبلة للمهرجان التي ستحمل رقم 70 وستكون في عام 2017.

وحددت اللجنة المسؤولة عن المهرجان يوم 17 مايو 2017 ليكون يوم انطلاق الدورة القادمة التي تستمر حتى يوم 28 مايو 2017.

سينماتوغراف في

05.06.2016

 
 

قراءة في مهرجان كان السينمائي الدولي الـ 69

صاحب الجلالة المصري في »كان«

رسالة كان : نعمــــــة الـلـــــه حســـيـن

أنا ابن الشمس..

ملك الوجهين..

راعي الشعب..

وحامي البلاد..

أري أن الرشوة والفساد قد تمكنا في البلاد.. فأين الكاهن الأعظم.. وأين قائد الجيش.. أنا ملك مصر المعظم.. افتحوا خزائني ليأخذ الشعب الغلال والحبوب.. ليأكل حتي يشبع الجميع.. فأنا راعي الشعب.. حامي البلاد. هذا الأداء الرائع بكلماته الصادقة كان أحد المشاهد القوية الجميلة في الفيلم المصري القصير الذي شارك في زاوية الأفلام القصيرة بمهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والستين والمأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم »صاحب الجلالة» للأديب الراحل د. مصطفي محمود.. كتب لها السيناريو وأخرجها الشاب »محمد الحضري» في فيلم قصير شديد التميز حاز إعجاب الجميع.

في هذا الفيلم المأخوذ عن مجموعة قصصية قصيرة للدكتور الراحل مصطفي محمود هي (عنبر 7) لفتت »صاحب الجلالة» انتباه المخرج الشاب محمد الحضري الذي تحمس لها وقدم عملا إبداعيا رائعا شديد الجمال.. حاول أن يوضح إلي أي مدي أصبح الفنان الجاد يعاني من إحباطات وكيف تدهورت أحوال المسرح والعاملين فيه.. والغريب أنه مازالت الضرائب والمجتمع يضع الفنانين كلهم في سلة واحدة معتبرا إياهم جميعا من الأثرياء أصحاب الملايين.. بينما »مجدي» بطل الفيلم الذي يقوم بدوره »تامر الدريني» في أول بطولة مطلقة له.. كان محاسبا يهوي الفن والتمثيل.. ومن أجل خشبة المسرح وأحلامه الفنية تدهور به الحال وانفصل عن زوجته وابنته وأصبح مطاردا من الشرطة.. لكنه في النهاية يرفض كل التنازلات خاصة وهو يؤدي دور »إخناتون» حيث يشعر فعلا أن الملك هو الذي يحقق العدل.. وينصر الصغار ويجمل الحياة.. وهو الدور الحقيقي للفن بكل جمالياته.

إن مصرنا العظيمة ولادة دائما ومعطاءة إلي أقصي حد.. والأمل كل الأمل في الفنانين الشبان من الممثلين والمخرجين خاصة فهم الطاقة الجديدة التي تفتخر بها مصر في عالم الفن والسينما.

>  >  >

العنف .. والشباب

من رحم تونس الخضراء ومن أبوين هاجرا إلي فرنسا ولد المخرج »كريم دريدي» ولديه من الوعي ليتأمل أحوال صغار العرب أبناء الضواحي ومن بعدها عندما صاروا شبابا.. ويوم أن قرر أن يتجه إلي السينما ويختارها مهنة له.. أخذ علي عاتقه أن يقدم صورة صادقة تحليلية للمجتمع الذي يعيش فيه لتكون أفلامه كلها وثائق هامة.. وتأريخا للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وفي أحدث أفلامه »شوف» الذي عرض بمهرجان »كان».. وهو يعتبر »ثلاثية» أفلامه عن الشباب »ومارسيليا» تلك المدينة التي تعج بالمهاجرين خاصة العرب.. ومن بعدهم الكثير من »الأرمن».. إن مارسيليا بالنسبة لدول شمال أفريقيا هي »الباب المفتوح».. و»النافذة» التي تطل علي ثقافات الغرب.. وأول مايرنو إليها الشباب ويتطلعون إليها من الشاطئ الآخر في بلادهم.

في فيلمه الأول »باي باي» الذي عرض عام 1995 كان مرحلة اكتشاف للحياة في مارسيليا.. والثاني »خمسة» سمح له كما يقول بمعايشة أطفال هذه المدينة من الغجر المشردين وأطفال الأحياء الشمالية الفقيرة وهذه التجربة السينمائية شديدة الثراء من الناحية الإنسانية والفنية هي التي دفعت به لتقديم فيلمه الثالث »شوف» الذي اختار اسمه المخرج القدير »رشيد بوشارب» الذي شارك في إنتاج الفيلم.

إن مأساة الأحياء والشباب في »مارسيليا» أن كل الأسر تنتظر يوميا قوائم للموت تضم خيرة الشباب لكن حالة الضياع التي يعيشون فيها لا تسمح لهم بحياة كريمة وتدفعهم دفعا لعالم الجريمة والانحراف.

من أجل هذا الفيلم عاش »كريم دريدي» عامين كاملين في مارسيليا.. مختلطا بالأسر والشباب وحتي العصابات والتشكيلات الإجرامية.. إن مدينة كبيرة »كمارسيليا» 80% من أبنائها يعانون البطالة والفراغ ولا شيء مفيدا يشغل حياتهم من الطبيعي أن يكون عالم الإجرام مأوي لهم، ورغم ذلك كان كريم يريد تقديم فيلم روائي وعمل فني متميز.. وليس فيلما تسجيليا وقد نجح في ذلك وفي تقديم شخصياته خاصة سفيان بطل الفيلم الذي وقع عليه الاختيار من وسط ألف شاب.. وهو شاب من مارسيليا يدرس في الكونسرفتوار من الحالمين بغد أفضل.

»شوف» أو »أنظر» و»فتح عينيك» لأحوال هؤلاء الشباب الذي لايملكون مايكفيهم للتعليم أو الدراسة.. مدرستهم في الحياة هي »النواصي» في الشوارع يعيشون في فرنسا مع أسر فرنسية متوسطة الحال لكنها تتمتع بكل سبل الحياة الكريمة.

سفيان بطل الفيلم شاب موهوب استطاع التفوق في دراسته لكن الحياة وسط هذا الحي القاسي تدفعه للانتقام والثأر لمن قتل أخاه وحتي في النهاية عندما يفكر في ترك الماضي وراء ظهره والرحيل.. لباريس يدفع حياته هو الآخر ثمنا.. لنمط وأسلوب حياة يعيشها ملايين الشباب الضائع من مارسيليا.. والذين بالتأكيد يكونون مادة خصبة للإرهاب في كل مكان.. إن أبناء المهاجرين يحتاجون من الدولة التي يعشون فيها ويعتبرون أبناءها نظرة إصلاحية جديدة.. تجعلهم يدورون في عجلة الإنتاج بدلا من أن يطلعوا »العفريت» الذي يخاف منه الجميع.

ساعات.. قبل الموت

في اليوم التاسع من أغسطس 1715 عاد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر  من رحلة صيد.. يشكو من حرارة وألم في ساقه اليسري قبل أن يكتشفوا أن قدمه قد أصيبت »بالغرغرينا» التي انتقلت إلي ساقه الأخري وذلك قبل إعلان وفاته في التاسع من سبتمبر في نفس العام وذلك بعد أطول فترة حكم بلغت اثنين وسبعين عاما.. انقسم فيها المؤرخون حولها ما بين ازدهار للفنون والثقافة والعمارة.. والأدب.. وانتشار الفقر أيضا.. لكن في النهاية انتصرت الإرادة التي وصفته أنه من أعظم ملوك فرنسا.. ففي عصره ازدهر الأدب.. »راسين» »كورنيل».. »موليير» .. عندما توفي والده الملك لويس الثالث عشر تولي تربيته »مازاران» رجل الدولة القوي وأعطاه من خبرته الكثير وذلك برعاية الملكة آن..

كان لويس الرابع عشر يكن »لمازاران» كل تقدير.. وقد أقام واحدا من أجمل وأضخم قصور فرنسا وجعله مقر إقامته وهو قصر »فرساي» الذي يعد تحفة معمارية.

»وفاة لويس الرابع عشر» هو واحد من الأفلام التي مثلت فرنسا في البرنامج الرسمي لمهرجان »كان» للمخرج »ألبير سيرا» كما قام ببطولته الفنان القدير »جان بيير ليو» الذي تم تكريمه في المهرجان عن مشوار حياته الفني.

الفيلم تدور أحداثه علي مدي شهر من بداية مرض الملك وحتي وفاته.. حرص المخرج علي تقديم كل الحقائق والتفاصيل التاريخية لمعاناة هذا الملك الذي أثري الحياة الثقافية والفنية الفرنسية والعالم.. كاشفا أيضا كل أساليب الخداع أحيانا والنفاق وجو التآمر الذي يحيط بالملوك عند بداية السقوط..

لقد نجح المخرج باقتدار شديد في أن يقدم لنا فصلا في تاريخ فرنسا وإن كان الفيلم رغم قيمته قد عابه التطويل المصاحب للملل.. بالإضافة إلي أن الإضاءة الخاصة التي استخدمها المخرج في كل لقطات الفيلم كانت مجهدة للعينين وأضفت جوا من الكآبة وهو ما قال المخرج إنه كان يسعي إليه.. إن ملكا بعظمة لويس الرابع عشر لم يكن يليق أن تظهر معاناته بنسبة مئة في المئة بل كان المطلوب كما كان في الحياة أن يظل شامخا لآخر لحظة في عمره..

لكن الحقيقة ماذا يجدي الشموخ والعظمة وكل الكلمات أمام »الموت».. الذي نتساوي أمامه ولا مفر منه.. حيث لا فرق بين غني وفقير سوي المظاهر الكاذبة في الدفن والاحتفالات بطقوس لا تفيد من مات في شيء.

آخر ساعة المصرية في

07.06.2016

 
 

'بكالوريا' كريستيان مونجيو: تحفة مسابقة مهرجان كان

العرب/ أمير العمري

 “بكالوريا” أو (التخرج) هو الفيلم الروماني الثاني الذي عرض في مسابقة مهرجان كان الـ69 للمخرج كريستيان مونجيو الحاصل على “السعفة الذهبية” عن فيلمه الشهير “4 أشهر وثلاثة أسابيع ويومان” (2004).

يعتبر المخرج الروماني كريستيان مونجيو أحد رواد السينما الرومانية الجديدة التي تتناول الواقع من خلال أشكال غير تقليدية، تعتمد على استنباط الدلالات من تحت جلد الصورة، والتحكم الدقيق في المواقف الدرامية بحيث تبقى محكومة، لا تجعل الفيلم ينحرف قط نحو المبالغة أو التصعيد في إبراز المشاعر، والاعتماد بدلا من ذلك على الأداء الهادئ من جانب الممثلين، وعلى الحوارات التي تكشف في اقتصاد عن الأفكار، والتصوير الدقيق بالكاميرا للبيئة الاجتماعية، واستخدام الإضاءة بحيث تلقي بالكثير من الظلال، أي تخفي أكثر مما تكشف أحيانا، حيث يبقى هناك إحساس ماثل بالوجود داخل عزلة مفروضة على الشخصيات، تجعل المشاهد يشعر ببعدها عن بعضها البعض حتى وهي تتحاور معا.

ويدور فيلم “بكالوريا” أو (التخرج) لمونجيو والذي عرض في مهرجان كان السينمائي الأخير حول شخصية الأب، وهو طبيب تجاوز منتصف العمر يدعى روميو، من عصر شاوشيسكو، يسعى بشتى الطرق لتأمين مستقبل ابنته “إليزا” التي يريدها أن تحصل على درجات تؤهلها للالتحاق بجامعة بريطانية، لكي يضمن إفلاتها من الواقع الضيق الخانق الذي لا يبدو له أفق في رومانيا.

كآبة وعزلة

الواقع المحيط يعكس جو الكآبة والعزلة، فالطبيب، وهو أستاذ جامعي يقوم بتدريس الطب، ويُفترض أنه ينتمي الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، يقيم مع زوجته العليلة الصحة “ماجدا” في شقة تقع في أحد تلك المباني القبيحة الرمادية المتشابهة التي تعكس طبيعة ما عٌرف بـ”العمارة الاشتراكية” التي تُغلب الوظيفة على الشكل الجمالي، ورخص المواد، على توفير إمكانات أرحب للسكان، فالمعمار هنا جزء من قبح الواقع، وتبدو الكاميرا وهي تمسح البنايات المتطابقة في منظرها العام، وكأنها تمر بسجن كبير أو معسكر اعتقال.

الرجل يوصل ابنته إلى المدرسة، ثم يشتري بعض الأشياء ويتوجه إلى منزل عشيقته الشابة “ساندرا”، وهي مطلقة ولديها طفل، وهي معلمة في نفس المدرسة التي تدرس فيها إليزا، لكن اتصالا هاتفيا من زوجة الدكتور “روميو” يجعله يقطع موعده الغرامي ويهرع إلى المستشفى، فقد تعرضت إليزا قبل أن تصل إلى مدرستها لاعتداء جنسي، ولكننا لا نعرف بالضبط، هل اغتصبت أم لا؟

ومع ذلك، فكل ما نعرفه أن إليزا التي تبدو الآن مضطربة مرتعشة، يجب أن تذهب في اليوم التالي إلى الامتحان النهائي الذي سيتحدد على ضوء ما تحصله من درجات، مصيرها، فلا بد من حصولها على درجات مرتفعة لكي تضمن الالتحاق بالجامعة البريطانية كما يريد لها الأب، فهو يريد أن يجنبها المصير الذي انتهى إليه.

الكاميرا تبدو في الفيلم وهي تمسح البنايات المتطابقة في منظرها العام، وكأنها تمر بسجن كبير أو معسكر اعتقال

لقد سبق أن غادر روميو وزوجته ماجدا رومانيا في 1991، لكنهما عادا إلى البلاد ولم يكملا المشوار، وهو قرار لا يزال يشعر بالندم الشديد عليه، ويريد لابنته مستقبلا حقيقيا خارج هذا الواقع الذي يراه لا يتحرك إلى الأمام.

الطبيب ليس فاسدا بأي معيار، علاقة الصداقة التي تربط بينه وبين مدير قسم الشرطة (تعود إلى أيام الدراسة معا في المدرسة)، وهو يستشير صديقه في أموره الخاصة ومنها مستقبل إليزا، وينصحه الضابط بأن يقدم خدمة بسيطة إلى نائب رئيس المدينة “بولاي”، بأن يجعل اسمه في أعلى قائمة المرضى الذين ينتظرون إجراء عملية نقل كبد، مؤكدا أن حالة الرجل خطيرة وتستحق هذا التدخل، ويعرض الضابط على الطبيب أن يتحدث هاتفيا مع بولاي، ويطلب منه التدخل لدى مدير المدرسة الذي سبق أن قدم له بولاي خدمة، لكي يرى ما يمكنه فعله لضمان حصول إليزا على الدرجات المطلوبة.

الطبيب متردد، فهو رجل معروف باستقامته ونزاهته، لكنه يرضخ في نهاية الأمر، ويقبل تحت تأثير ذلك الهاجس القهري الذي يدفعه دفعا إلى إنقاذ ابنته من مصير يتصور أنه نهاية العالم، وعندما يتحدث روميو مع مدير المدرسة يؤكد باستحياء، أن إليزا متفوقة بالفعل وتحصل عادة على أعلى الدرجات، لكنه فقط يريد أن يضمن عدم التراجع خاصة بعد الحادث الذي تعرضت له.

هذه السلسلة من “الخدمات المتبادلة” بين أناس في مواقع النفوذ، قد لا تضر أحدا، لكن لا شك تفيد البعض على حساب البعض الآخر، وهي بالتالي نوع من الفساد الذي يصنع له شبكة ممتدة في البلاد، لكن، ومن ناحية أخرى، يمكن تفهم موقف الطبيب، فهو ليس رجلا سيئا أو جشعا، بل نراه يرفض بإصرار قبول مبلغ كبير يعرضه عليه بولاي على سبيل المكافأة، أو كما جرى العرف حسب تصوره، مؤكدا للطبيب أن لا أحد يجري عمليات جراحية من هذا النوع بالمجان، ومع ذلك وافق روميو على إجراء العملية، بل وأدخل الرجل بالفعل إلى المستشفى وأخذ في إجراء التحاليل اللازمة له، أي أنه لا ينتظر أي مقابل، كما أن حالة الرجل حرجة للغاية وتستدعي عملية عاجلة، أي أننا أمام حالة “إنسانية”، بل إنه سيتوفى قبل إجراء العملية.

شخصيات رمادية

هذه التعقيدات في السيناريو هي جزء من ذلك المأزق الأخلاقي الذي يجيد كريستيان مونجيو رسم ملامحه، دون أن يقفز إلى الحكم على شخصياته، ودون أن يحصرها بين الخير والشر على غرار هوليوود، فكلها شخصيات رمادية، تتأرجح في مشاعرها، ويمكن للمشاهد أن يتفهم دوافعها المتناقضة.

إن زوجة روميو التي يفيض بها بعد شيوع أمر علاقته بساندرا، تصر على طرده من منزل الزوجية الذي هو منزله أيضا، وهو لا يقاوم ويتعنت، بل يستسلم في قبول غريب لهذا “العقاب”، والابنة إليزا تقبل أو تتغاضى عما يفعله أبوها من أجلها، لكنها تأتي أيضا وتتمرد معلنة أنها لا تعرف ما إذا كانت ستسافر أم ستبقى بعد أن تحصل في النهاية على “البكالوريا”؟

سيدفع هو الثمن، فهو سيفقد الزوجة (التي لم يكن على وفاق معها) ويفقد بيته، كما سيفقد عشيقته وغالبا أيضا سيفقد إليزا ابنته التي أصبحت تميل الآن للاستماع لرأي حبيبها، وربما ستذهب أيضا للعيش معه، بل إنه أصبح الآن خاضعا للمراقبة من جهاز الرقابة الإدارية والشرطة بسبب علاقته (التي تم رصدها) بالراحل بولاي الذي كان ضالعا في جرائم فساد.

في بداية الفيلم يتسبب حجر ألقي من الخارج في كسر زجاج نافذة في شقة الطبيب.. تهرع ابنته تسأله “ما الذي حدث؟”، يقول إنه يعرف، وفي ما بعد سيحطم أحدهم زجاج سيارته، ثم ستتعرض إليزا للاعتداء الجنسي (أو الاغتصاب)، فمن المسؤول عن هذه الاعتداءات؟

الفيلم لا يهتم بتقديم أي إجابة عن هذه الأسئلة، فلسنا أمام فيلم من أفلام التحري البوليسية، ومونجيو يريد أن يوحي لنا بأن العيش في هذا الواقع قد أصبح شديد الخطورة، وهو يؤكد المصير الغامض والكئيب الذي يواجهه الطبيب في المشهد الأخير.

هل يعتبر روميو مذنبا، وأنه دفع ثمن أخطائه؟ هل أجرم ويستحق العقاب، أم أنه كان فقط يحاول تأمين مستقبل أفضل لابنته دون أن يضر أحدا؟ لقد كان أيضا صادقا تماما مع بولاي عندما قال له بوضوح إن نقل الكبد قد لا يؤدي لشفائه، وربما يرفض جسمه الكبد المزروع، وأن التحاليل هي التي ستحدد ما إذا كان يمكن إجراء العملية، أم لا.

ملامح إنسانية وتفاصيل دقيقة بديعة تعمق من واقعية الفيلم: علاقة روميو بعشيقته، وعلاقته بابنها، وكيف يجعله يكف عن إلقاء الحجارة، وما ينتابه في لحظة من شك في صديق ابنته، فيمسك “بخناقه” دون أن يقدر عليه.

الهمس المكتوم، والحوارات التي تأسرك ولا تتركك لحظة تسرح بفكرك بعيدا عنها، والعلاقة القائمة بين الشخصيات والأماكن، ونغمة الرثاء المغلفة بحزن غامض نبيل يحمله مونجيو لجميع شخصيات فيلمه، وبالطبع، براعة التمثيل التي تعد من أهم عناصر السينما التي يصنعها مونجيو، وهنا يتفوق الممثل أدريان تيتياني في دور “روميو”، حيث يبدو وكأنه قد عاش الدور في سياقه الطبيعي، وليس على حلقات منقطعة ولقطات منفصلة، أما ماريا فيكتوريا دراغوس في دور إليزا فقد شاب أداءها الجمود والتعبير الواحد.

أخيرا يتعين القول إن الفيلم استحق دون شك، جائزة الإخراج في مهرجان كان إلى جانب فيلم أصغر فرهادي البديع “البائع”.

العرب اللندنية في

24.06.2016

 
 

المراوغة الفرنسية في مهرجان كان الأخير

د. أمــل الجمل

من الآفات التي تعتبر إحدى الخطايا في المجتمعات الغربية آفة الكذب بكل أشكاله، تعريف الكذب وفق المعجم الوجيز هو أن يُخِبر المرء عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع، التعريف السابق ذاته ينطبق على الخداع، ثم يأتي تعريف المراوغة بأنه خداع، لأن المراوغة تتضمن التفافاً على قول الحقيقة بشكل واضح وصريح، وتُخفى حقيقة الشيء أي ستره وكتمه ومواراته، إذن المراوغة والتخبئة أو الإخفاء هي أحد أشكال الكذب من دون شك.  

نقبت عن معاني الكلمات السابقة أثناء تأملي لتصريح تييري فريمو - المدير الفني لمهرجان كان السينمائي – بشأن هوية الشرائط السينمائية الذي أعلن فيه أن "المهرجان قام بتصنيف هوية الفيلم وفق هوية مخرجه"، مدعياً أن السبب وراء ذلك هو "صعوبة التصنيف، لأنّ معظم الأعمال اليوم صارت من الإنتاج المشترك بين بلدان عدة، وبذلك تُصبح متعددة الهوية."

في بادئ الأمر كان تصريح تييري فريمو مثيراً لدهشتي، وقد اعتبرته آنذاك تصريحاً وأسلوباً يفتقد للمعايير العلمية في تحديد جنسية الأفلام، وأنه يخلط بوضوح شديد بين الهوية القانونية والهوية السينمائية والهوية الثقافية للأفلام، مع ذلك صدقت تماماً أن القائمين على المهرجان الكاني العريق قاموا بذلك بسبب تعدد الدول المشاركة في إنتاج كثير من أفلام المسابقة، وأفلام البرامج الموازية، من دون أن أنفي أنني اعتبرته تصرفا فيه قدر من الكسل في التعامل مع الجهات المتعددة المسئولة عن رأس المال لأهمية الإفصاح عنها للباحثين والدارسين ونقاد السينما، مع ذلك لم يخالجني أي شعور بالريبة إزاء هذا التصريح خصوصا أنه كان قد تم الإعلان عن أربعة أفلام فرنسية مشاركة في المسابقة الرسمية وهو رقم مقبول وليس به تجاوز، ويمكن لأي دولة أخرى أن تشارك بعدد مماثل كما حدث مع إيطاليا في دورة العام الماضي من مهرجان كان

الحصة الفرنسية الحقيقية 

وفق التصريح السابق، وكذلك الكتالوج الصادر عن مهرجان كان السينمائي التاسع والستين لم يذكر شيئا عن تعدد الدول المشاركة في إنتاج الأفلام، وتم الاكتفاء باعتبار الفيلم يحمل جنسية مخرجه، لكن مشاهدة الأفلام وتأمل التترات التي تحمل اسم الجهات الإنتاجية كشف مفاجأة لم تكن في الحسبان، إذ يتضح أن الحصة الفرنسية في المسابقة الرسمية بلغت أحد عشر فيلما من إجمالي واحد وعشرين فيلماً، أي أن فرنسا تشارك في إنتاج أكثر من نصف الأفلام المشاركة، صحيح أن من بينها ثلاثة أفلام فقط من الإنتاج الفرنسي الخالص، لكن هناك ثمانية أفلام أخرى كانت فرنسا مشاركاً أساسيا في الإنتاج، وفي عدد آخر منها كان اسم فرنسا يتقدم على المنتجين الآخرين.

يتمثل الإنتاج الفرنسي الخالص في ثلاثة أفلام هي؛ "البقاء مستقيما" لآلان جيرودي الذي ذاع صيته العام ٢٠١٣ بعد تقديم فيلمه "مجهول البحيرة" في قسم "نظرة ما" حيث نال جائزة الإخراج، "المتسوقة الشخصية" لأوليفييه أساياس، "من أرض القمر" لنيكول جارسيا، أما التواجد الفرنسي من خلال الإنتاج المشترك فيتمثل في أفلام: "البائع" لأصغر فرهادي، "ما لوت" لـبرونو ديمونت، "الفتاة المجهولة" للأخوين داردين، "شيطان النيون" للمخرج نيكولاس فيندينج ريفين، "إنها فقط نهاية العالم" لإكزافييه دولان، و"أنا دانيال بليك" لكين لوتش، و"هي" لبول فيرهوفين، و"بكالوريا" للمخرج كريستيان مونجيو.

في حين لو تأملنا قسم "نظرة ما" فسنجد فرنسا مشاركة في إنتاج ثمانية أفلام من أصل 18 فيلما داخل المسابقة، فهل يا تُرى كان تصريح فريمو بشأن نسب الفيلم لجنسية مخرجه هو مبرر أو محاولة للتغطية على الحصة الفرنسية الكبيرة، بل الزائدة عن الحد؟ وكيف نصنف مثل هذا السلوك؟ هل نعتبره مراوغة أم شيئاً آخر؟ 

هنا أيضاً من المهم أن نشير إلى أن خمسة أفلام من تلك التي شاركت فرنسا في إنتاجها قد حصدت جوائز المسابقة الرسمية؛ واحد منها فقط تحقق عن طريق الإنتاج الفرنسي الخالص هو "المتسوقة الشخصية"، أما الأربعة الأخرى فتم إنجازها عن طريق إنتاج مشترك وهى: "أنا دانيال بلاك"، "البائع"، "بكالوريا"، "إنها فقط نهاية العالم".

توضيح ضروري 

شخصياً لست ضد الإنتاج المشترك، ولست ضد الدور الذي تلعبه فرنسا في دعم المخرجين من ثقافات متنوعة خصوصاً القادمين من العالم الثالث وسينما جنوب الصحراء أو هؤلاء القادمين من دول لاتزال السينما بها تواجه صعوبات جمة، بل على العكس أنا متضامنة مع هذا الدور وأرحب به جداً، وذلك رغم أنني أُدرك تماماً أن فرنسا - مثل أي دولة ديمقراطية - لا تنفق من أموال دافعي الضرائب إلا لخدمة مصالحها، وأحد أشكال ذلك يتمثل في المحافظة على دور فرنسا الثقافي دولياً، لذلك فإن جزءاً من سياستها الموجهة للخارج هو تحقيق تعددية فكرية وجمالية عبر السينما وذلك باستقطاب المبدعين من ثقافات مغايرة وأفلامهم بإتاحة قدر من الحرية لا يتوفر لهؤلاء المخرجين في بلادهم، مما يعمل على إثراء الحركة السينمائية الفرنسية فتُصبح من القوى الثقافية الفاعلة في مواجهة السينما الأمريكية المستحوذة على السوق

إذن، مشاركة فرنسا في دعم وتمويل الأفلام من بلدان مختلفة هو جزء من لعبة سياسية لتحقيق توازن ثقافي، فأوروبا وفي مقدمتها فرنسا تريد أن تُصبح قوة عالمية مثل أمريكا، تنافسها على بسط نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي في مختلف مناطق العالم، من خلال وسائل متنوعة منها السينما، تحاول إيجاد سينما أخرى على الساحة العالمية تُواجه الفيلم الأمريكي، ساعيةً للحد من الهيمنة الهوليوودية بإتاحة الفرصة أمام ثقافة سينمائية أخرى 

وما سبق يُفسر الرغبة السياسية للاتحاد الأوروبي في الحفاظ على نفوذه الثقافي أو على أقل تقدير تحقيق نوع من التوازن الثقافي، وهو ما يُفسر تصدي دول الاتحاد الأوروبي, خصوصاً فرنسا, لدعوة تحرير التجارة الدولية للسلع الثقافية، ووقوفها ضد تلك الدعوة التي تطالب بإزالة التشريعات القانونية الخاصة بالقيود والضرائب المفروضة على الأفلام الأمريكية, وبإلغاء أي دعم على تلك المنتجات. لذلك أيضاً كانت دول الاتحاد الأوروبي تُصر على مفهوم "الاستثناء الثقافي", الذي يقضي بضرورة استثناء المنتجات الثقافية, وعلى رأسها السينما, من شروط تحرير التجارة العالمية حماية للأفلام المحلية من السيطرة الهوليوودية, وحفاظاً على الخصوصية الثقافية للشعوب

لكل ما سبق أنا متضامنة مع الدور الفرنسي لمواجهة السيطرة الأمريكية وخاصة مع تعاظم سياسات تحرير الأسواق. لكن هذا لا يبرر لمهرجان عريق مثل كان الذي بلغ من العمر 69 عاماً أن يلتف القائمون علي الأمور لتبرير تعددية المشاركة الفرنسية، وفي الختام نطرح تساؤلا آخر؛ ألم تكن هناك أفلام أخرى من بين الـ 1867 فيلماً التي تقدمت للمهرجان تميزت بالمستوى الفني والفكري وكانت تستحق المشاركة لكنها رُفضت لتُتاح الفرصة أمام تلك الأفلام المنتجة أو المدعومة برأسمال فرنسي؟

الجزيرة الوثائقية في

29.06.2016

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)