كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

محمد جابر الذى عاش بين نور إسماعيل ونور الشريف

بقلم: سمير فريد

عن رحيل

هرم العطاء

نور الشريف

   
 
 
 
 

كان أمس (الجمعة) العزاء فى وفاة الفنان الكبير نور الشريف فى مسجد عمر مكرم فى ميدان التحرير بوسط القاهرة. وكان قد أعلن عن وفاته فى مستشفى الصفا بحى المهندسين عصر يوم الثلاثاء، بعد معاناة من عدة أمراض- أخطرها سرطان الرئة- استمرت أكثر من عامين، وكان بجواره زوجته الفنانة بوسى، وابنتاهما سارة ومى.

ما إن أُعلن خبر الوفاة حتى تلقيت اتصالات عديدة للتعزية وإبلاغ المواساة لأسرته من نقاد وسينمائيين من دول مختلفة. وكانت أول مكالمة من السينمائى المغربى نورالدين صايل، الذى قال إنه كان يود الاشتراك فى الجنازة فى اليوم التالى (الأربعاء)، ولكن من المستحيل أن يصل فى الموعد قبل الظهر.

وقال نورالدين إنه التقى الفنان الراحل آخر مرة فى منزل يسرا فى نوفمبر الماضى عندما كانت ترأس لجنة تحكيم مهرجان القاهرة، وكان نورالدين من الفائزين بجائزة نجيب محفوظ فى المهرجان (الهرم الذهبى الشرفى)، وأقامت يسرا حفل عشاء تكريماً له ولأعضاء لجنة التحكيم، ومنهم الناقد اللبنانى الكبير إبراهيم العريس، وحضر نور الشريف الحفل دقائق معدودة لاشتداد المرض عليه، وكأنه أراد أن يودِّع بعضاً من محبيه.

كان نور الشريف (٢٨ إبريل ١٩٤٦-١١ أغسطس ٢٠١٥) يقول فى أحاديثه حتى قبل المرض إنه يتمنى أن يموت واقفاً، وكان له ما أراد، حيث اشترك رغم قسوة المرض فى تمثيل فيلم «بتوقيت القاهرة» إخراج أمير رمسيس عام ٢٠١٤، وسافر لحضور العرض الأول للفيلم فى مهرجان دبى فى ديسمبر، وبدأ عرض الفيلم الذى أصبح آخر أفلامه فى مصر فى يناير ٢٠١٥.

لم يكن من الغريب أن تتردد أصداء وفاة نور الشريف خارج مصر، فقد كان نجماً لامعاً فى مصر والعالم العربى، ومعروفاً جيداً لكل نقاد ومؤرخى السينما فى العالم. فهو من ناحية فنان غزير الإنتاج اشترك فى تمثيل أكثر من ٢٠٠ عمل للمسرح والسينما والراديو والتليفزيون فى أكثر من ٤٠ سنة، وأغلبها من الأفلام التى يزيد عددها على ١٧٠ فيلماً. وكان فى ذلك من الذين يعتقدون أن الكم الكبير يؤدى إلى كيف كبير أيضاً. وبالفعل، فمن بين أفلامه ما لا يقل عن ٣٠ فيلماً من الأفلام المهمة فى تاريخ السينما المصرية، وما لا يقل عن عشر مسرحيات وعشرة مسلسلات للراديو والتليفزيون.

ومن ناحية أخرى عُرض العديد من أفلامه فى مهرجانات السينما فى مصر والعالم العربى وأوروبا وآسيا، خاصة فيلميه من إخراج يوسف شاهين «حدوتة مصرية»، الذى عُرض فى مسابقة مهرجان فينسيا عام ١٩٨٢، حيث قام بدور شاهين فى الجزء الثانى من «رباعية الإسكندرية» عن سيرته الذاتية، و«المصير» الذى عُرض فى مسابقة مهرجان كان عام ١٩٩٧، وقام فيه بدور ابن رشد، وكذلك «سواق الأتوبيس» إخراج عاطف الطيب عام ١٩٨٣، الذى فاز عن دوره فيه بجائزة أحسن ممثل فى مهرجان نيودلهى ذلك العام. وكان من بين أعضاء لجنة التحكيم المخرج الهندى ساتيا جيت راى والمخرج البريطانى ليندساى أندرسون، وهما من كبار المبدعين فى تاريخ السينما. وكانت هذه الجائزة، ولاتزال، أول جائزة يفوز بها ممثل مصرى خارج مصر والعالم العربى فى مهرجان دولى.

ولد هايل

لا أنسى ذلك اليوم القائظ من أيام صيف عام ١٩٦٣. كنت فى السنة الثالثة من دراستى فى معهد المسرح بالزمالك، الذى تخرجت فيه عام ١٩٦٥. خرجت مع الناقد والكاتب المسرحى الكبير فوزى فهمى، وكان فى ذلك الوقت معيداً مع الدكتور محمد مندور فى قسم الأدب المسرحى الذى أدرس فيه، والشائع أن اسمه قسم النقد، وقررنا أن نذهب سيراً على الأقدام إلى مكتبة مدبولى فى وسط القاهرة للاطلاع على الكتب الجديدة.

وعلى كوبرى قصر النيل قال لى فوزى فهمى إن هناك «ولد هايل» نجح فى الالتحاق بقسم التمثيل فى المعهد هذا العام، وسيكون له شأن كبير، واسمه محمد جابر، ما جعلنى لا أنسى هذا اليوم أننى كنت لأول مرة أسمع فوزى فهمى يقول كلمة «هايل» أو «هائل» بالعربية، فهو شديد التحفظ، فى التعبير عن الإعجاب، وربما يقول هذه الكلمة مرة كل سنة أو سنتين.

وعندما عُرض فيلم «قصر الشوق» إخراج حسن الإمام عام ١٩٦٧، وكان أول فيلم يمثله نور الشريف، حدثنى فوزى فهمى تليفونياً، وقال لى: هل تذكر محمد جابر الذى حدثتك عنه عندما التحق بالمعهد؟ قلت: نعم؛ لأنك تحدثت عنه بحماس كبير. قال: لقد تخرج هذا العام، وكان الأول على دفعته والوحيد الذى حصل على درجة الامتياز، وهو ذاته نور الشريف!

لقاء فى فينسيا

أتيح لى الاقتراب من نور الشريف لأول مرة عام ١٩٨٢ فى مهرجان فينسيا الذى كنت أحضره على نحو متقطع منذ عام ١٩٧٠، ففى عام ١٩٨٢ كان فيلم «حدوتة مصرية» إخراج يوسف شاهين فى المسابقة كما سبق أن ذكرنا، وحضر شاهين ونور الشريف ويسرا، وكنت على صلة وثيقة مع مخرجنا الكبير، ولكنى أول مرة ألتقى يسرا ونور الشريف.

هناك ذكريات جميلة مع النجمين الكبيرين فى هذه الدورة من مهرجان فينسيا، ومنها أننى تجولت فى جزيرة سان ماركو مع «نور» ساعات طويلة. وأثناء هذه الجولة ذهبنا إلى متحف به عدد من لوحات بعض كبار رسامى عصر النهضة الإيطالية، ووقف نور الشريف مبهوراً أمام إحدى اللوحات، وتساءل: صانع هذه اللوحات فنان، ويقال عنى فنان، فهل نحن زميلان؟ هل هذا معقول أم نوع من الجنون؟!

أعجبت برد فعله، وقلت: كلاكما فنان، كُلٌّ فى مجاله. وعلى أحد المقاهى جلسنا نستريح، ورويت له ما قاله عنه فوزى فهمى على كوبرى قصر النيل. وسألته: من الذى أطلق على محمد جابر اسم «نور الشريف»؟ نظر إلىَّ مندهشاً وقال: لم يسألنى أحد هذا السؤال أبداً، ولابد أن أروى لك الحكاية من البداية. وقد سجلت ما قاله لى فى أوراقى عندما عدت إلى الفندق حتى لا أنسى.

قال نور الشريف: «وُلدت فى حى السيدة بالقاهرة، وكانت أسرتى وأصلها من المنيا متواضعة الحال. كان عمرى أقل من سنة عندما توفى والدى وهو فى السادسة والعشرين من عمره، ولى أخت واحدة تكبرنى هى (عواطف) التى تعيش فى الإسكندرية. تزوجت أمى لأنها كانت صغيرة، وكان زواجها مشكلة بيننا سنوات طويلة حتى أدركت أنها كانت على حق، وأصبحت علاقتنا جيدة، وتألمت بعمق عند وفاتها. قام عمى إسماعيل بتربيتى مع أولاده، وكان نور اسم (الدلع) كما يقال فى مصر. وعندما دخلت المدرسة الابتدائية اكتشفت أن اسمى محمد جابر محمد عبدالله وليس نور إسماعيل، وعرفت أن إسماعيل عمى.

وقد بدأت التمثيل فى المسرح المدرسى فى مدرسة بانبا قادن الإعدادية ومدرسة الإبراهيمية الثانوية. وقمت بتمثيل أدوار قصيرة جداً على المسرح أثناء دراستى فى المعهد، وكان أول دور فى مسرحية (الشوارع الخلفية) إعداد نعيمة وصفى عن رواية عبدالرحمن الشرقاوى وإخراج سعد أردش عام ١٩٦٣ وأنا فى سنة أولى. وفى عام ١٩٦٥ مثلت دوراً أكبر قليلاً فى مسرحية (وابور الطحين) تأليف نعمان عاشور وإخراج نجيب سرور، ودعوت أختى عواطف لمشاهدة المسرحية. وبعد العرض كانت سعيدة للغاية، وهى التى اقترحت أن أمثل باسم (نور الشريف)، وذلك تيمناً بعمر الشريف الذى كان اسمه يدوّى بقوة آنذاك. وهكذا فإن اسمى الحقيقى محمد جابر كان بين اسمين غير حقيقيين، هما نور إسماعيل ونور الشريف».

الموهبة والدراسة

وكان سؤالى الثانى فى ذلك اللقاء عن الدراسة الأكاديمية للتمثيل، وهل هى ضرورية أم أن الأهم الموهبة والصقل عبر الممارسة. لقد اكتشف فوزى فهمى الموهبة منذ امتحان القبول فى المعهد، وتحققت نبوءته فى أنك ستكون ممثلاً كبيراً، ولكن هناك مواهب كبيرة، وممثلون كبار لم يدرسوا التمثيل، بل منهم من لا يعرف سوى القراءة والكتابة.

قال نور الشريف: «بالطبع الموهبة هى الأساس، والممارسة أهم شىء لصقل الموهبة، ولكن الدراسة ضرورية سواء كانت أكاديمية أو شخصية. لا يوجد دور ناجح فى رأيى لم يدرسه الممثل جيداً أياً كانت خلفيته التعليمية والثقافية، ولكن الموهوب الذى تتاح له الدراسة الأكاديمية يكون التمثيل كل شىء فى حياته منذ الصغر. لقد درست مناهج التمثيل فى المعهد، ولكن حسن الإمام لخص كل المناهج بخبرته العظيمة عندما قال لى فى أول لقاء بيننا وأنا أقوم بتمثيل دور «كمال عبدالجواد» فى «قصر الشوق»، وكان أول أفلامى عام ١٩٦٧: «التمثيل فى السينما يعنى أن ينطق وجه الممثل بما سيقوله قبل أن يقوله، أو ينطق بالمعنى من دون كلمات». وكان عادل إمام قد شاهدنى فى حفل التخرج بالمعهد وأنا أمثل دور هاملت. وبالصدفة التقى مع حسن الإمام فى التليفزيون، وعندما قال إنه يبحث عن وجه جديد لتمثيل دور كمال عبدالجواد رشحنى عادل إمام، وكانت البداية.

وقبل الوقوف أمام كاميرات السينما، مثلت أمام كاميرات التليفزيون، وكانت المرة الأولى فى سهرة «الامتحان» إخراج محمد فاضل أثناء الدراسة، وبعد تخرجى فى مسلسل «القاهرة والناس» إخراج محمد فاضل. وفى هذا المسلسل التقيت مع بوسى التى كانت تمثل معى، وبدأت قصة الحب بيننا، وتزوجنا عام ١٩٧٢.

وفى ذلك اللقاء أخبرنى نور الشريف بأنه يذاكر أدواره وكأنه يمثل لأول مرة. ويكتب «كراسة» عن كل دور يدوِّن فيها أفكاره حول تمثيل الدور، كما أنه يدوِّن يومياته يوماً بيوم، وأنه لا يؤمن بأن الممثل مثل «قطعة ديكور» كما يرى البعض، وإنما عليه أن يكون عضواً فعالاً فى العمل الذى يشترك فيه، ولكن من دون التدخل فى أعمال الآخرين بالطبع، خاصة مخرج العمل. وقال إن التمثيل لا يتم فى عزلة عن الديكور والإضاءة والأزياء والماكياج والموسيقى وغيرها من الفنون.

وعن دوره فى «حدوتة مصرية»، الذى رشحه بعض نقاد إيطاليا فى صحف كبرى للفوز بجائزة أحسن ممثل، ومازلت أحتفظ بهذه الصحف، قال نور الشريف: «كنت أعمل لأول مرة مع يوسف شاهين، وكان ذلك أصعب امتحان تمثيل فى حياتى، فالمعروف أن شاهين ممثل وليس مخرجاً فقط، وأنه يمثل المشهد أمام الممثلين قبل التصوير، وأن شخصيته طاغية، وتجعل الكثير من الممثلين يحاكون طريقته فى الحديث حتى فى (التهتهة) المعروفة عنه، فما بالك إذا كنت أمثل شخصيته فى الفيلم الذى يروى سيرته الذاتية. أما إلى أى مدى نجحت فى ذلك الامتحان، فهذا متروك للنقاد والجمهور».

الإنتاج والإخراج

ولاشك أن منهج نور الشريف فى أن يكون الممثل مشاركاً فى العمل ككل، كان وراء تجاربه فى الإخراج فى المسرح والسينما، ووراء تأسيس شركة للإنتاج السينمائى مع بوسى عام ١٩٧٥ باسم (N.P)، وهما الحرفان الأولان من اسميهما. وقد قامت الشركة بإنتاج أكثر من عشرة أفلام أولها «دائرة الانتقام» إخراج سمير سيف عام ١٩٧٦، وآخرها «العاشقان» عام ٢٠٠١، وهو الفيلم الوحيد الذى قام بإخراجه.

كما أنتج نور الشريف وأخرج للمسرح عدة مسرحيات. وكانت أول مسرحية «الكاتب فى شهر العسل» تأليف على سالم عام ١٩٨٢، ومن أهمها «محاكمة الكاهن» إعداد محسن مصيلحى وعبدالرحيم كمال عن قصة بهاء طاهر عام ١٩٩٤، و«الأميرة والصعلوك» تأليف ألفريد فرج عام ٢٠٠٥.

أخلص الفنانين من يستثمرون أموالهم لتطوير الفن الذى يعملون به، والحفاظ على تراثه. ونحن فى مصر والعالم العربى لم نصل بعد إلى إدراك دور الفنان فى الحفاظ على تراث فنه، وانظر على سبيل المثال سكورسيزى ودوره التاريخى فى هذا الصدد، ولكن يقتصر استثمار الأموال فى مصر على الإنتاج. وتعتبر شركة (N.P) نموذجية كشركة فنانين فى أغلب إنتاجها، فقد أنتجت الأفلام الطويلة الأولى لعدد من الذين أصبحوا من كبار المخرجين، وخاضت تجارب فنية جديدة.

أنتجت الشركة الأفلام الأولى لكل من سمير سيف (دائرة الانتقام) عام ١٩٧٦، ومحمد خان (ضربة شمس) عام ١٩٨٠، وعاطف الطيب (الغيرة القاتلة) عام ١٩٨١، وداود عبدالسيد (الصعاليك) عام ١٩٨٥، ومحمد النجار (زمن حاتم زهران) عام ١٩٨٨. ومن التجارب الفنية الجديدة «قطة على نار» إخراج سمير سيف عام ١٩٧٧ عن مسرحية تنسى وليامز، و«الزمار» إخراج عاطف الطيب عن أسطورة أورفيوس عام ١٩٨٤، الذى لم يُعرض عرضاً عاماً حتى الآن، كما ساهمت الشركة فى إنتاج «سواق الأتوبيس» عام ١٩٨٣، و«ناجى العلى» عام ١٩٩٢، وكلاهما إخراج عاطف الطيب.

سواق الأتوبيس

بعد عودتى من مهرجان فينسيا عام ١٩٨٢، اتصل بى نور الشريف تليفونياً، وقال: لقد كنت قاسياً جداً فى نقدك لفيلم عاطف الطيب «الغيرة القاتلة» الذى نشر فى مجلة المصور عام ١٩٨٠. قلت له: هناك سببان لما يمكن اعتباره قسوة، الأول أننى عرفت عاطف الطيب فى مكتب شادى عبدالسلام، وأعجبت كثيراً بأفلامه القصيرة الأولى، وكنت أنتظر أن يكون فيلمه الطويل الأول أفضل بكثير. والسبب الثانى أن الفيلم عن مسرحية شكسبير «عطيل»، وأعتبره تدميراً للمسرحية. قال: لأول مرة أدعوك غداً لعرض خاص، وذلك لمشاهدة فيلم «سواق الأتوبيس»، وأعتقد أنك سوف تجد عاطف الطيب الذى كنت تنتظره.

شاهدت الفيلم، وللمرة الأولى فى حياتى، وربما بالنسبة لكل نقاد السينما فى مصر، نشرت فى «الجمهورية» مقالاً أعتذر فيه عن «القسوة» فى نقد «الغيرة القاتلة»، وعن الفرحة بفيلم «سواق الأتوبيس»، واعتبرته إعلاناً عن مولد مخرج كبير. وفيما بعد اعتبرت الفيلم بداية ما أطلقت عليه «الواقعية الجديدة» فى السينما المصرية.

وعندما فاز نور الشريف فى يناير ١٩٨٣ بجائزة مهرجان نيودلهى التى سبق الإشارة إليها، ورغم أن أحداً لم يكن يمثل الفيلم فى المهرجان، لا نور الشريف ولا عاطف الطيب، نشرت فى الجمهورية مقالاً فى ٢٣ يناير تحت عنوان «نور الشريف وأول جائزة دولية»، وفيما يلى نص المقال:

«فوز نور الشريف بجائزة أحسن ممثل فى مهرجان نيودلهى السينمائى الدولى حدث هام فى تاريخ السينما المصرية وفى تاريخ فن التمثيل العربى. فهذه أول جائزة دولية يحصل عليها ممثل مصرى على الإطلاق رغم أن الأفلام المصرية تعرض فى المهرجانات الدولية منذ عام ١٩٣٧.

لقد كاد نور الشريف يفوز فى مهرجان فينسيا فى أغسطس الماضى عن دوره فى (حدوتة مصرية)، وكان يستحق الفوز. وكاد يفوز فى مهرجان قرطاج فى أكتوبر عن دوره فى (سواق الأتوبيس)، وكان يستحق الفوز. وأخيراً جاءت الجائزة من الهند عن دوره فى (سواق الأتوبيس).

ووراء هذا الفوز الذى يجب أن تحتفل به الهيئات السينمائية المختلفة الاحتفالات اللائقة، موهبة نور الشريف وقدرته الفنية بالطبع. ولكن ما يميز نور الشريف عن غيره من الموهوبين والمقتدرين فى السنوات الأخيرة أنه تحول من نجم إلى ممثل، ومن ممثل إلى سينمائى، لا يؤدى دوره وينصرف، بل يشارك فى الفيلم من بدايته إلى نهايته كواحد من مجموعة تصنع العمل تحت قيادة المخرج، وتجتمع حول معنى الفيلم بهدف إتقان التعبير عن هذا المعنى، وليس بهدف الانتهاء من الفيلم أياً كان الأمر. تحية إلى نور الشريف وتهنئة إلى السينما المصرية».

وفى أكتوبر عام ١٩٨٣ كنت عضواً فى لجنة تحكيم مهرجان دمشق للأفلام العربية والأفريقية، وكان رئيس اللجنة المخرج البولندى الكبير ييرجى كافاليروفيتش، وفى المسابقة «سواق الأتوبيس»، وكانت العلاقات مقطوعة بين مصر وسوريا، فلم يحضر أحد من العاملين بالفيلم، لكنه فاز بالجائزة الفضية، وكانت سيفاً ضخماً حملته من دمشق إلى القاهرة، وقدمته إلى عاطف الطيب ونور الشريف.

أوسمة وجوائز

حصل نور الشريف على وسام الدولة للعلوم والفنون فى سوريا وتونس وليبيا، وفاز بأكثر من ٣٠ جائزة كممثل ومنتج فى مسابقات الدولة للسينما فى مصر ومهرجانات المركز الكاثوليكى للسينما المصرية وجمعية الفيلم وجمعية كتاب ونقاد السينما والجمعية المصرية لفن السينما. وكُرِّم فى نادى سينما الكويت عام ٢٠٠٦ حيث صدر عنه كتاب «نور الشريف الإنسان والفنان» تأليف عماد النويرى، وكُرِّم فى مهرجان القاهرة الدولى عام ٢٠٠٧، وفى عام ٢٠١٤ كُرِّم فى مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية ومهرجان المركز الكاثوليكى للسينما المصرية ومهرجان الإسكندرية لأفلام دول البحر المتوسط ومهرجان دبى الدولى، ورحل محاطاً بكل الحب والتقدير عن جدارة واستحقاق.

المصري اليوم في

15.08.2015

 
 

نور.. السينما

كمال رمزي

ليس بالموهبة وحدها يلمع الفنان، لكن قوة حضوره، ? واستمراره وتألقه أمور لا تتحقق إلا بالدراسة والدأب والجدية.

هذا هو درس نور الشريف الذى يمنحنا إياه، والذى طبقه على نفسه حتى بعد أن أصبح استاذا ونجما شهيرا وعلما، موثوقا فيه.. طوال حياته ظل يتعامل مع نور الشريف على أنه تلميذ يليق به ألا ينسى ما تعلمه، وفى ذات الوقت يواصل تحصيله للمعرفة.. لذا فإن مقر شركة الإنتاج التى كونها مع زوجته الفنانة بوسى باسم «إن بى» لا تشبه مكاتب الانتاج ذلك أنها أقرب لدار كتب خاصة، رفوفها تضيق بالمراجع والسيناريوهات والروايات والمسرحيات، فضلا عن أكوام من المجلات والجرائد.

استقى نور معارفه من ثلاثة مصادر: أساتذته، الكتب، الحياة.. في معهد الفنون المسرحية تعلم من المخرج المسرحى الكبير نبيل الألفى أن الصدق الداخلى فى المشاعر ليس كافيا فالأهم: كيف يعبر عما يجيش فى صدره? أن يتمكن بنبرة الصوت المنخفض وحركة اليدين المقتصدة من اقناع المتلقى بصدق ما يراه.. أستاذ آخر، لم يأخذ حظه ?من الشهرة، اسمه على فهمى تعلم منه «فن الخيال» ان صح التعبير فى أحد مشاهد التدريب يقوم الطالب شاكرعبداللطيف بدور ضابط يحقق مع الجندى الرعديد «نور الشريف» داخل خندق.. بعد الانتهاء من الأداء تطلع نور الأستاذة بعيون قلقة لا تخلو من رجاء وأخذ يصغى بكل ?كيانه لتقييم على فهمى الذى قال: أنت لم تعطنى الاحساس بالزمان والمكان. عليك تحديد التوقيتات هل يجرى التحقيق فى أثناء النهار أو الليل، الصيف أو الشتاء وبالتالى، هل يتصبب عرقا أم يداهمه الصقيع.. ثم، هل الخندق ضيق أو متسع هل به دورة مياهه.. كل هذا سيفيدك فى طريقة التعبير، بخصوصية عن الجندى إلى عديد، الذى من الممكن أن يهاجمه الصداع أو تتملك الرغبة فى التبول، أو تنتابه نوبة سعال.

عقب تخرجه فى عام 1967 ، التقى حسن الأمام عن طريق عادل إمام.. حسن الإمام، أسند له دور كمال عبدالجواد فى «قصر الشوق» وفى أقل من عشر كلمات واضحة حاسمة بين الأستاذ بجلاء، للوجه الجديد، نور، الفارق بين الأداء السينمائى والمسرحى، بقوله: أمام الكاميرا، انطق الكلمات بملامح وجهك قبل أن تنطقها بصوتك.

نور الشريف هو ابن السينما المصرية بامتياز.. فإلى جانب أساتذته المباشرين نهل الكثير من أساليب كبار ممثلينا فى إحدى زياراته رأيته يستعيد على الفيديو مشهد زكى رستم فى «الفتوة»، لصلاح أبوسيف، حين يحيى فريد شوقى ليلة زواجه.. رستم، الذى أدرك تآمر فريد ضده، يمتلئ بالغيظ، يبتسم وهو يضغط على حروف الكلمات، ناظرا فى عين ?الخائن قائلا «الجدعان.. الأندال لأ»، نور، ينتشى كلما أعاد مشاهدة الموقف.

فى مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى» لأحمد توفيق 1995، الذى كتبه مصطفى محرم عن قصة لإحسان عبدالقدوس ينتقل عبدالغفور البرعى من حال لحال، أصبح معلما كبيرا بعد طول شقاء، وكان لابد أن تتعبر ملابسه.. بعد تفكير، وجد نور ضالته عند الممثل «محمود إسماعيل» في «سمارة» لحسن الصيفى 1956، فورا، قرر محاكاته، وفعلا استبدل الطاقية بشال أنيق مع حذاء لامع ومعطف أسود من الصوف التقليدى، تحته جلباب نظيف يغطى ?السروال الطويل والصديرى بإحكام.

قرقر أنور دوستو يفسكى وشكسبير ونجيب محفوظ ? ويوسف إدريس، وجد عند كل منهم تحليلا بارعا دقيقا للنفوس البشرية ورصدا مدهش لتفاصيل التصرفات بمافى ذلك تجسيد طريقة المشى، تحريك اليدين، نوع النظرات، تغير ملامح الوجه.. إنهم عنده مع آخرين أساتذة فى الأداء.

أما عن الحياة فإنها الكتاب الشامل بالغ الثراء تعطى الكثير لمن يلتقط مفرداتها.. نور، تعلم كيف يرصد ما يراه، يحلله، يستوعبه، يفرزه بطابع جديد، بعد أن يقوم بعملية مزج ومونتاج لما لاحظه، فإلى جانب من عرفهم من رجال يتفهمون الحياة برغم عدم حصولهم على شهادات، كما ?? الحال بالنسبة لعبدالغفور البرعى، أخذ شكله الخارجى من عمال التراحيل الذين يجلسون كل صباح، عند سور نادى الزمالك بانتظار من يطلبهم للعمل: الجلباب المقطوع من الجنب «المداس» القديم كاتم اللون، تشقق الكعبين، خشونة الكفين، الذقن غير الحليق ربط الطاقية حول الرأس بقطعة قماش.. والأهم: تلك النظرة المستكينة، المستسلمة، التى تلتمع بالأمل عندما يقترب منهم أحد ربما يطلب عمالا.

نور قدم عشرات النماذج من قلب المجتمع باتجاهاتهم المتباينة خلال ما يقرب من المائتى فيلم، ورغم أن الشخصيات التى جسدها من أهم وسائل معرفة مصر فى الأربعة عقود الأخيرة، ولأنه أعطى حياته كاملة للفن الذى يعشقه مدعوما بالوعى والمعرفة والإخلاص لذا غدا جزءا مضيئا من تاريخ السينما المصرية.

####

نور الشريف والأعمال الدينية.. السباحة ضد التيار

كتبت ــ منة عصام:

- «هارون الرشيد» و«رجل الأقدار» و«عمر بن عبدالعزيز» أعمال محفورة فى الذاكرة

لم يبخل الفنان الراحل على جمهوره بـ3 من أهم الأعمال الدينية والتاريخية فى مسيرة الدراما العربية، والثلاثة كانت من إخراج أحمد توفيق.

ففى عام 1995، قدم نور الشريف واحدا من أهم أعماله الدرامية وهى مسلسل يتناول قصة حياة الخليفة الأموى «عمر بن عبدالعزيزــ خامس الخلفاء الراشدين»، وهو المسلسل الذى تمكن كاتبه عبدالسلام أمين من تضمين حواره الكثير من الجمل الحقيقية التى قالها عمر عبدالعزيز بنفسه، وذلك طبقا للكثير من الكتب التاريخية والمراجع المهمة التى عاد اليها.

ولكن تعرض المسلسل لاتهامات بوجود العديد من الاخطاء التاريخية به لعل أبرزها ورود ذكر العاصمة العراقية بغداد فى حوار المسلسل، مع أنه ثبت تاريخيا أن بغداد لم توجد وقت الخليفة عمر بن عبدالعزيز وتم بناؤها بعد رحيله بنحو 50 عاما فى عهد الخليفة العباسى أبوجعفر المنصور.

وكذلك الخطأ المتعلق بورود أكثر من مرة على لسان عبدالملك بن مروان أن دولته تمتد من الصين إلى بحر المحيط الأطلسى وهذا غير صحيح تاريخيا، فأقصى اتساع للدولة الإسلامية زمن عبدالملك بن مروان كان من أفغانستان شرقا إلى الجزائر غربا، ولم يصل المسلمون للصين والهند والمغرب والأندلس إلا فى زمن الوليد بن عبدالملك.

كما قدم نور الشريف «الأمير المجهول ــ هارون الرشيد» عام 1997 وعرض فيه قصة الخليفة العباسى هارون الرشيد فى عهد الدولة العباسية مستعرضا المجد الذى شهدته البلاد فى عهد هذا الحاكم.

وحصد مسلسل «الأمير المجهول ــ هارون الرشيد» العديد من الجوائز المهمة وأبرزها أفضل سيناريو وأفضل إخراج وأفضل تمثيل وأفضل ديكور، والمسلسل شارك فى بطولته ما يزيد على 30 فنانا وفنانة أبرزهم عبلة كامل، وأشرف عبدالغفور، ومحمود الجندى، ورشوان توفيق، ومنى عبدالغنى، وهدى سلطان، وعبير الشرقاوى، ومحمد رياض، ومديحة حمدى، ومصطفى متولى، ووجدى العربى، وغيرهم.

ووقت عرض المسلسل تعرض كذلك للعديد من الانتقادات وأبرزها تشويهه لشخصية الخليفة العباسى، حيث اتهم المسلسل بتركيزه على جانب شخصى ضيق من شخصية الخليفة العباسى «هارون الرشيد»، والذى اتسم عهده بالقوة، والرخاء، ليختصر حياته فى قصة حب لأحد نسائه أو محظياته وفى صراعات القصور بين الحريم، فى حين أن كثيرا من المراجع التاريخية أكدت أن عصر هارون الرشيد كان عصر رخاء وازدهار ولم يكن يولى أولى اهتماماته للنساء كما أشيع عنه.

وعلى مدى 3 سنوات، قام الفنان نور الشريف بالإعداد لشخصية «رجل الأقدارــ عمرو بن العاص» قبل البدء فى تصوير المسلسل، حتى درس جيدا شخصية عمرو بن العاص ويجيد تقديمها على الشاشة عام 2003، وقد تم تقسيم المسلسل إلى مرحلتين الأولى قبل إسلام عمرو والثانية بعد إسلامه ودفاعه عن الإسلام، وبالطبع شاركه البطولة عدد كبير من الفنانين وبينهم سوسن بدر وأيمن عزب وحنان مطاوع وخليل مرى ومحمد الصاوى وخالد الصاوى وبهاء ثروت ومحمود مسعود وأحمد صفوت وغيرهم.

وبالطبع لم يخل الأمر من بعض المنغصات، فحين عرض المسلسل أثيرت عاصفة هجوم ضده كان أبرزها معارضة الأزهر الشريف لوجود مشاهد تتعلق بالفتنة الكبرى فى صدر الإسلام والمتمثلة فى مقتل عثمان بن عفان، وتصميم الأزهر على حذف هذه المشاهد، وهى المشاهد التى تبدأ من قبل مقتل عثمان بن عفان أى الأسباب التى أدت إلى اندلاع الفتنة وقتله، وهو الأمر الذى قال عنه نور الشريف: «بقراءة كتب التراث الصحيحة والتاريخ الإسلامى نكتشف أن الباحثين القدامى من الطبرى إلى ابن كثير إلى ابن قيم الجوزية كانوا أكثر موضوعية من باحثى العصر الحديث، حيث ذكروا الحدث بكل مفرداته دون الشعور بحرج من تأييد جانب على آخر، ومن المؤكد أن شخصية عمرو بن العاص شخصية خلافية بدرجة كبيرة، وهذا هو السبب الرئيسى الذى دفعنى لقبول المسلسل لتحريك ذهن المشاهد للبحث عن الحقيقة، على الرغم من ان الرقابة الدينية المتمثلة فى الأزهر أصرت على حذف المشاهد المتعلقة بالفتنة الكبرى والتحكيم ووافقتها على الرأى فى الحذف الرقابة التليفزيونية»، ووقتها حزن الشريف كثيرا لحذف هذه المشاهد المهمة.

وعن أسباب قبوله تجسيد عمرو بن العاص، قال نور الشريف وقتها «شخصية عمرو بن العاص درامية بالدرجة الأولى، ويتمثل ذلك فى مسألتين مهمتين الأولى تتعلق بحادث وقوع أمه فى الأسر وهى شابة حيث اعتدى عليها أربعة رجال من بينهم «العاص» الذى تم نسبه إليه لوجود شبه كبير بينهما، والمسألة الثانية كانت تتمثل فى قصر قامته، وكلتاهما كونت هذه الشخصية التى قررت بوعى أن تكون عظيمة وساعده على ذلك دهاؤه المخيف».

####

«ولاد منصور التهامى»

كان آخر ما اتفق عليه الراحل نور الشريف

كتبت ــ منة عصام:

لم يمهل القدر الفنان الراحل نور الشريف الوقت لتنفيذ مسلسل «ولاد منصور التهامى» والذى كان يجهز له قبل أن يتم تأجيل المسلسل أكثر من مرة خلال العامين الماضيين بسبب مرضه وسفره المتكرر إلى لندن لإجراء العديد من الفحوصات والعمليات الجراحية

«ولاد منصور التهامى» تدور أحداثه فى إطار اجتماعى حول أب ثرى يدخل فى مشكلات مع أولاده بسبب سعيهم وراء الميراث، بينما هو يتمتع بالبخل الشديد وهو ما يتسبب فى احتدام الصراع بينه وبين أولاده، والمسلسل من انتاج محمد فوزى وكان سيشاركه البطولة وفاء عامر، ومن تأليف مصطفى محرم وإخراج سميح النقاش

«ولاد منصور التهامى» كان مخططا له أن يدخل مرحلة التصوير أواخر سبتمبر المقبل، ولكن وفاة نور الشريف أوقفت كل ما تم تخطيطه

وكان آخر أعمال نور الشريف هو مسلسل «عرفة البحر» الذى قدمه قبل 3 أعوام تقريبا وشاركه البطولة نيرمين ماهر وهياتم وهالة صدقى وعدد من النجوم.

وقال المخرج حسنى صالح إنه كان قد اتفق مع الراحل على تقديم مسلسل «الحسن الشاذلى» بعد مسلسل «ولاد منصور التهامى».

وكذلك لم يمهل القدر الراحل فرصة تقديم المسلسل الفلسطينى «جنة ونار» والذى كان المخرج طارق يخلف قد حصل على موافقته للمشاركة فيه وهو مأخوذ عن رواية كتبها والده يحيى يخلف وزير الثقافة الفلسطينى الأسبق. العمل كان من المفترض تقديمه فى رمضان 2017. وكان سيشاركه البطولة محمد عساف وكارمن لبس.

الأمر نفسه بالنسبة لمسلسل «بين الشوطين» مع الكاتب عبدالرحيم كمال والذى كان من المفترض أن يقدمه بعد مسلسل «عرفة البحر» لكن القدر لم يمهله بالاضافة لوجود خلافات حالت دون تقديمه وقتها.

####

دراما نور الشريف.. نجاح جماهيرى وجدل نقدى

كتب ــ وليد أبوالسعود:

المسلسلات الاجتماعية.. تمرد ليناقش أوجاع المصريين

مصطفى محرم: مختلف عن كثير من الممثلين بثقافته ومطلع على كل مدارس التمثيل

حسنى صالح: أول من اختارنى للإخراج وكان أول الحضور بموقع التصوير

مجدى صابر: أقنع ميرفت أمين بدور الشريرة فى «الرجل الآخر»

رغم أن السينما ظلت عشقه الأول، لكن الفنان الراحل نور الشريف، لم يبخل على جمهور التليفزيون بموهبته، فقدم أكثر من مسلسل حققت نجاحا جماهيريا واسعا، وأثارت جدلا نقديا أوسع، فهو تاجر الخردة فى «لن أعيش فى جلباب أبى»، والرجل المزواج فى «الحاج متولى»، والأب الحنون بمسلسل «الرحايا»، وتعمق الراحل أكثر فى الشخصيات التاريخية ليقدم للمشاهدين الكثير من الأسرار عنها بداية من «عمر بن عبدالعزيز» ونهاية بعمرو بن العاص، مستقبلا سهام النقد من الأزهر وبعض علماء الدين.

لم تكن احترافية لدى نور الشريف مجرد شعار أو كلمة بل كانت نمطا لحياته وأراد أن ينقلها للجميع بواقعية وعملية واضحة وهو ما اختار أن يكون نمطا لمسلسلاته الاجتماعية التى تمرد فيها على الواقع وأوجاع المصريين

فلم يكن من قبيل المصادفة أن تكون ضربة البداية لنور الشريف مع مسلسل اجتماعى بعنوان «عادات وتقاليد» عام 1966 وهو المسلسل الذى انتقد مجموعة من العادات والتقاليد السلبية التى كانت موجودة ومتوارثة فى المجتمع المصرى وقتها، والمسلسل إخراج حمادة عبدالنبى وكانت بطلته الفنانة عقيلة راتب ومعها عبدالعظيم عبدالحق.

وفى العام التالى قدم مع المخرج حسين كمال مسلسل «ذكريات بعيدة»، وعام 1969 قدم مع نور الدمرداش مسلسل «بعد العذاب»، وفى العام نفسه قدم مع الدمرداش أيضا مسلسل «الانتقام» فى دور فؤاد.

وفى عام 1971 ومع المخرج محمد فاضل يبدأ نور مشوار البطولة الدرامية ومسلسل «القاهرة والناس» والذى يتناول تفاصيل الحياة اليومية للمصريين وقتها، وقدم فى عام 1974 مع حمادة عبدالوهاب مخرج أول أعماله مسلسل «الحواجز الزجاجية».

وعام 1975 ومع فايز غالى يقدم مسلسله «ابن الليل»، وفى العام التالى ومع نيازى مصطفى يقدم مسلسل «هروب» الذى لعب فيه دور مقدم فريد البهنساوى.

«طائر الأحلام»

يعود نور للتليفزيون عام 1979 ومع محمد فاضل بمسلسل «طائر الأحلام» الذى يلعب فيه دور رسام شاب مثالى يرفض مجتمعه ويرفض النظرة الطبقية للأمور.

«ولسه بحلم بيوم» نور الشريف عمدة فاسد وبداية التمرد على الأدوار الطيبة، ففى عام 1981 يقرر نور التمرد التليفزيونى على أداء الادوار الطيبة فيلعب دور حسان العمدة الشرير القاسى الذى يقع فى حب صفاء أبوالسعود فيدمره هذا الحب، وبعدها بعام يقدم مع يحيى العلمى مسلسل «أديب»، وعام 1986 يقدم مع أحمد فؤاد مسلسل «ثمن الخوف».

ويعود عام 1993 للتليفزيون بعد غياب سبع سنوات كاملة بمسلسل ينتمى لعالم الجاسوسية هو «الثعلب» مع المخرج أحمد خضر، والذى لعب فيه دور ضابط مخابرات مصرى فى عملية حقيقية للجهاز.

«لن أعيش فى جلباب أبى»

بعدها بعامين يبدأ نور الثنائية التليفزيونية التى استمرت طويلا مع المخرج أحمد توفيق ويقدمان واحدًا من أنجح الأعمال الدرامية التى جذبت الجمهور «لن أعيش فى جلباب أبى»، وكتب السيناريو لها مصطفى محرم عن رواية لاحسان عبدالقدوس تحمل نفس الاسم، ولعب فيها نور شخصية عبدالغفور البرعى تاجر الخردة الذى صعد من القاع للقمة ويطرح العمل مشكلة كبيرة هى صراع الآباء والابناء والتمرد الذى يحدث ورغبة الابناء فى اثبات الذات بعيدا عن أهلهم.

«الرجل الآخر»

وفى عام 1999 ومع المخرج مجدى أبوعميرة ورفيقة دربه ميرفت أمين يقدم نور الشريف دورى مختار العزازى وعبدالله وفيها تلعب الحيرة هل نور هو مختار العزيزى رجل الأعمال الفاسد أم هو عبدالله الانسان الشريف، والعمل يلقى الضوء على فساد القطاع العام والخصخصة.

وقال السيناريست مجدى صابر، مؤلف المسلسل، إن أكثر ما جذب نور الشريف للدور أنه يتعرض للغيبوبة وعندما يفيق يجد أن الوقت قد تأخر وهو عن الضمير، مشيرا إلى أن ميرفت أمين تحفظت على الدور فى البداية وقالت «أتريدوننى أن أظهر شريرة»، وأقنعها نور وقدمت الدور بعبقرية وفاز الإثنان بجوائز التمثيل فى عام انتاجه.

ويتذكر صابر أن الراحل عندما قرأ السيناريو وجد مشهدا يتحدث فيه بعد إجراء عملية قلب مفتوح ويشعر أنه مات ويحكى نور الشريف لرشوان توفيق عن دخوله النفق ورؤيته لأهوال، وكيف سمع صوتا يقول وقتها لم يأت بعد، موضحا أن نور قال إنه تعرض لموقف شبيه وكان فى بيروت يدخن الشيشة وسقط على الأرض لعدة ثوان واستعاد وعيه بعد أن شاهد نفس التفاصيل التى ظهرت فى العمل.

«الحاج متولى»

مع المخرج محمد النقلى والسيناريست مصطفى محرم يقدم نور واحدا من أشهر أدواره وأكثرها نجاحا وهو «الحاج متولى» الذى يبدأ من القاع ليكبر ويتزوج من أربع سيدات ويقنعهن بالعيش فى منزل واحد، المسلسل هاجمته المنظمات النسائية، لكنه حقق نجاحا كبيرا جدا وقت عرضه.

وعام 2002 يقدم اعتذاره للنساء بمسلسله «العطار والسبع بنات» ولعب فيه دورين الحاج صالح العطار وعبدالرحمن العطار» مع نفس ثنائى الحاج متولى ولم يحقق هذا العمل النجاح نفسه.

وفى 2004 يقدم مسلسل «عيش أيامك» مع محمد النقلى ومصطفى محرم فى مسلسل يتناول فترة المراهقة المتأخرة لدى الرجال ولم يحقق العمل أيضا النجاح وقتها كما كانوا يحلمون.

ويقول السيناريست مصطفى محرم إن الدراما الاجتماعية بدأوها معا فى «لن أعيش فى جلباب أبى» حيث أرسل له ملخصا للسيناريو قرأه نور ورد أنه ليس موجودا فى هذا العمل فطلبت منه الانتظار لتقديم ثلاث حلقات وقرأها وقال إنه معنا وهنا كنا نعالج القيم التى تتواجد فى المجتمع وكان هدفى تقديم شخصية رجل غير متعلم ويعلم مجتمعا بأكمله من خلال خبرته وفى «عائلة الحاج متولى» كنا نقدم كيفية معاملة الزوجات حتى لو تزوج أكثر من واحدة مع تقديم قيم العصامية وتربية الأبناء وحول الضجة أنا لا أهتم بأحد أنا اكتب ما أريده وناقشت قيمة التعليم والتجربة فى الوقت ذاته وفى «العطار والسبع بنات» طرحنا فكرة البنت والولد وقدمت الأخين الذى انجب البنات والذى أنجب الصبيان، وفى «عيش أيامك» العلاقة بين الزوج والزوجة وأزمة منتصف العمر ونتيجتها على أفراد الأسرة، وهذا العمل له قصة أنه بعد عرضه تم عرض فيلم أمريكى «هل نرقص» وهو يعالج نفس الموضوع بتفاصيل موجودة لدينا وبرهن على توارد الخواطر بين المؤلفين وهو ما يثبت أنها مشكلة عالمية أو توارد خاطر.

وأضاف محرم: نور الشريف كنا نعرض عليه فكرة المسلسل ونتناقش فيها حتى يستوعبها فيوافق عليها ونقدم معالجة عامة للموضوع يقرأها ونتناقش فيها وأقنعه ويقتنع فى النهاية وكنت أستفيد من ملاحظاته،خصوصا أنه ممثل واسع الثقافة والفكر مختلفا عن كثير من الممثلين وهو يمتلك مكتبة كبيرة وهو موسوعة فنية ودارس لكل مدارس التمثيل ولم يكن نور متعنتا، كان الفيصل هو الاقتناع والمناقشة ويقرأ المسلسل قبل طبعه ولم يكن نور الشريف يهتم بتواجده أو مساحة دوره بل كان يهتم بالعمل وأحيانا يسعى للفيلم الجيد حتى لو دوره صغير وهو يسعى للجيد حتى فى السينما مثل فيلم «مع سبق الإصرار» لعبه ومشاهده 36 مشهدا ومحمود ياسين 86 مشهدا وهو ما يشكل فكره وشعاره فى الدراما.. وهو كان يحب البطولات الجماعية وكنا نتناقش لفترة طويلة قبل الكتابة لكنه لم يكن متشبثا بالراي بل كان يبحث عن الارتياح وتوقف تعاملنا كان ارتباطه بمشاريع هو وقعها ومشتاريع انا وقعتها ومنذ عامين كنا قد استقرينا على "اولاد منصور التهامي" وعقدنا جلسات عديدة وحتى في فترة المرض اجتمعنا وتناقشنا حتى اصبح الموضوع جاهزا والان لا نفكر في تقديمه مع احد اخر لان المصاب جلل وكبير.

«حضرة المتهم أبى»

ليس مهما أن تربى أبناءك جيدا فالمهم أن تربى مجتمعك جيدا هذه هى الرسالة التى قدمها نور الشريف مع مسلسل «حضرة المتهم أبى» مع المخرجة رباب حسين ولعب دور عبدالحميد دراز المربى الذى يربى أبناءه على الشرف والاستقامة لكن المجتمع يطيح بهم.

وعاما 2007 و2008 يقدم مسلسله الاجتماعى المثير «الدالى» على 3 أجزاء وهو العمل الذى قيل وقتها إنه عن رحلة المقاول المصرى الأشهر المهندس عثمان أحمد عثمان، ولعب فيه نور شخصية سعد الدالى.

و ظل نور بعد تقديمه لمسلسل «ما تخافوش» عام 2009 يؤكد أن المسلسل قد تم ظلمه ولم يعرض بشكل جيد وأنه من أقوى الأعمال فى مسيرته الفنية ولعب فيه دور مكرم بدوى صاحب القناة الفضائية الذى يواجه الأكاذيب الصهيونية، المسلسل إخرج يوسف شرف الدين.

«ما تخافوش» 

ظل نور بعد تقديمه لمسلسل "ما تخافوش" عام 2009 يؤكد ان المسلسل قد تم ظلمه ولم يعرض بشكل جيد وانه من اقوى الاعمال في مسيرته الفنية ولعب فيه دور مكرم بدوي صاحب القناة الفضائية الذي يواجه الاكاذيب الصهيونية. المسلسل اخرج يوسف شرف الدين.

«الرحايا.. حجر القلوب»

فى العام نفسه يعرض لنور الشريف آخر أعماله التليفزيونية التى حققت نجاحا ساحقا مسلسل «الرحايا حجر القلوب» مع المخرج حسنى صالح والسيناريست عبدالرحيم كمال والذى لعب فيه دور محمد أبو دياب الذى ينقلب عليه أبناؤه ويشك أنهم قتلوا أخاهم، والمسلسل متأثر بقصة نبى الله يوسف ونقل الأجواء الصعيدية بصدق كبير. ويقول المخرج حسنى صالح إن نور الشريف هو من اختاره للإخراج وأقنعه بهذا وأنه لا يتدخل ابدا فى دور المخرج أو رؤيته، قد يتناقش ولكن دون فرض رؤيته كنجم.

وأضاف صالح أن نور الشريف لم يكن مغاليا فى أجره بل كان يعرف وباحترافية كيف يأخذ الأجر الذى يرضيه ويساعد المنتج على تحقيق المستوى الفنى العالى، موضحا أن نور كان يصل للتصوير قبل موعده بساعتين على الأقل وكثيرا ما كان أول الواصلين ويتعامل مع الجميع بحب وتواضع وترحاب.

وبين عامى 2012 و2013 قدم نور مسلسلين فى عالم الأسطورة والاثنين لم يلقيا النجاح المناسب أولهما «عرفة البحر» مع المخرج أحمد مدحت، والثانى هو «خلف الله» مع المخرج حسنى صالح.

####

أمير رمسيس:

رحيل نور الشريف كسر ظهر شباب المبدعين

أماني أبو النجا

قال المخرج السينمائي أمير رمسيس، إن الفنان الراحل نور الشريف كان يتحمس للاشتراك في أعمال يخرجها الشباب، من أجل مساعدتهم في بداية مشوارهم الفني، مضيفًا: "رحيله كسر ظهر شباب الموهوبين".

وأكد خلال لقائه في برنامج "الصورة الكاملة"، المذاع على قناة "أون تي في"، الجمعة، أن الفنان الراحل كان يهتم بالتعرف على تفاصيل كثيرة بأي شخصية يوافق على تمثيلها، ويحرص على قراءة العمل كله وليس دوره فقط بعكس فنانين آخرين، مضيفًا: "الفقيد كان يُشعِر من حوله دائمًا أنه بخير وسيتجاوز المرض، ولذلك صدمنا كثيرًا بعد وفاته".

وأوضح "رمسيس" أن نور الشريف كان عاشقًا للقراءة بشكل كبير، قائلا: "عندما كنت أهديه كتابًا في أي مناسبة أرى في عينيه فرحة طفل في الخامسة من عمره"، مؤكدًا أنه لن ينسى النصائح القيمة التي كان يوجهها له الفنان الراحل حتى يظهر العمل الفني الذي يخرجه في أفضل صورة.

جدير بالذكر أنه تم تشييع جثمان الفنان نور الشريف الأربعاء، من مسجد الشرطة بمدينة 6 أكتوبر، عقب وفاته يوم الثلاثاء الماضي عن عمر يناهز 69 عاما، بعد صراع مع المرض.

الشروق المصرية في

15.08.2015

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2015)