كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

تاريخ حافل بالإبداع والجوائز الفنية

نور الشريف غاب... وبقي حاضراً

احمد الجندي

عن رحيل

هرم العطاء

نور الشريف

   
 
 
 
 

إذا كان الفنان القدير نور الشريف قد رحل عن دنيانا فإنه سيظل بيننا بأعمال فنية خالدة فهو احد أفضل الفنانين العرب بأعمال سينمائية ودراما تلفزيونية رائعة.. استمر رحلة عطاؤه الفني نحو 45 عاما منذ أن بدأ حلقات مسلسل القاهرة والناس الاجتماعي

وخلال رحلته الفنية الحافلة قدم عشرات الأعمال الهادئة فمعظم أفلامه تعد وتشكل علامات هامة في تاريخ السينما المصرية ومن أفضل ما قدمته من أفلام لذلك لم يكن غريبا أن يكون هو صاحب نصيب الأسد في الحصول على الجوائز السينمائية من المهرجانات السينمائية المحلية والدولية حيث تجاوز رقم جوائزه الـ50جائزة وهو ما جعل نقاد السينما ومؤرخوها يطلقون عليه لقب صائد الجوائز أو نجم الجوائز ولم يكتف بمكانته كنجم سينمائي بل وقد أنتج عدداً من الأفلام المهمة وقدم عدداً من المخرجين لأول مرة في إنتاجه وقد أصبح هؤلاء المخرجين فيما بعد من أهم المخرجين في السينما المصرية

ولم يتوقف نور الشريف عند مكانته ونجوميته الهائلة في السينما بل واحل إبداعه في المجالات الفنية الأخرى ليحقق رصيدا هائلا ورائعا في الدراما التلفزيونية وأيضا في المسرح المصري ولايزال عطاءه مستمرا في هذين المجالين حتى الآن وأيضا لايزال تواجده السينمائي وان قل في السنوات الماضية مستمرا وحتى اليوم وبنفس النجومية والمكانة.

ولم يصل نور الشريف إلى هذه المكانة من النجومية والإبداع على ساحة الفن المصري إلا لأنه واحد من أهم الممثلين الذين ظهروا في تاريخ وحركة التمثيل المصري.. وهذا ليس من قبيل المبالغة بل بشهادة وأجماع النقاد على تجسيده المعاناة الداخلية للشخصية وصاحب قدرة هائلة على تجسيد الأدوار والشخصيات ذات الأبعاد النفسية التي تتطلب من الفنان موهبة خاصة وثقافة وخبرة عميقة بالحياة ولا يكتفي بالتفسير السطحي للشخصيات والأعمال التي يقدمها بل هو باحث فيها حتى يصل إلى كامل عمقها وهذا ما ميزه عن غيره من النجوم والفنانين ولهذا عاش حياة مختلفة باختلاف الشخصيات التي جسدها.. وصل نجم وفنان صاحب موقف ومشاركة فاعلة لكل قضايا وطنه ومجتمعه ولهذا حصل على جوائز وتكريمات في العديد من المهرجانات والاحتفالات في مصر وبلاد عربية وأجنبية تقديرا للمكانة الرفيعة التي يتمتع بها كواحد من أهم النجوم والفنانين الذين ظهروا في الساحة الفنية في مصر خلال الـ50 عاماً الأخيرة

اسمه الذي ولد به هو محمد جابر عبدالله أما اسم نور فهو اسم تدليل أطلقه عليه جده لوالده وجاء باقي الاسم نور الشريف فيما بعد وسنعرض له في حينه- كان حي السيدة زينب الشعبي العريق بالقاهرة هو مسقط رأسه في 28 ابريل 1946.. وولد لأسرة متوسطة وعاش طفولة بها معاناة وبعض القسوة حيث توفي والده وعمره لم يتجاوز عاما واحداً وبعد رحيل الأب تزوجت أمه من رجل آخر لأنها كانت شابة صغيرة فأخذه عمه هو وأخته عواطف التي تكبره بسنوات قليلة وقام بتربيتهما لذلك نشأ نور وهو يظن أن عمه هو والده وظل لعدة سنوات يعيش بهذا الاعتقاد ولم يعرفه الا بعد أن بدأ مشواره الدراسي وقد سبب له هذا آلاماً نفسية ظل لسنوات يعاني منها وكثيرا ما تحدث نور عن هذه الفترة من حياته بأسى شديد لكنه دائما كان يعتبر عمه إسماعيل الذي قام بتربيته هو القدوة والمثل الأعلى

وأثناء دراسته الأولى بمدرسة احمد بن طولون الابتدائية بدأ يعيش قصصاً في الخيال وبدأ متأملا رغم سنه الصغيرة وراصدا لكل ما يدور حوله.. وعندما التحق بالمدرسة الإعدادية أدرك أن ما كان يعيشه من قصص خيالية وتأملات ما هي إلا دلالات على موهبة فنية تكمن في داخله وشعر برغبة في أن يمثل والتحق بالفعل بفريق التمثيل بالمدرسة وظهرت الموهبة بشكل اكبر.. لكن كانت هناك موهبة أخرى عظيمة وهي موهبة كرة القدم التي اظهر فيها مستوى جيدا أهله بان ينضم لفريق البراعم والناشئين بنادي الزمالك وأصبح نور أو محمد جابر لاعبا ناشئا مقيداً بهذا النادي العريق لكنه لم يستمر طويلا حيث أخذه حب وعشق موهبته الأولى في التمثيل وفضله على كرة القدم ولو استمر لكان لاعبا ذا شأن في تاريخ نادي الزمالك الذي ولايزال واحداً من اكبر مشجعيه

ونعود للتمثيل لنرى أن نور مارسه أيضا من خلال فريق التمثيل بالمدرسة الثانوية وأثناء هذه المرحلة الدراسية حاول كثيرا أن يبحث عن فرصة حقيقية ليثبت بها موهبته بشكل اكبر ولم ينل هذه الفرصة ألا من خلال دور صغير للغاية اقرب إلى الكومبارس في مسرحية الشوارع الخلفية للكاتب عبدالرحمن الشرقاوي والتي أخرجها للمسرح سعد اردش .. ولم يعتبرها فوراً فرصة حقيقية وهذا ما جعله يقرر أن يدرس التمثيل بعد أن أدرك أن هذا هو عالمه ومستقبله فهو لا يريد أن يكون شيئاً آخر غير ممثل وفنان.. وبعد حصوله على الثانوية العامة التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل وتخرج منه بامتياز وكان أول دفعته وكان هذا عام 1967 وتم تعيينه معيدا بالمعهد لحصوله على الامتياز والتفوق طوال السنوات الأربع الدراسية

وهنا نتوقف قليلا لنشير إلى أن نور شارك أثناء دراسته بالمعهد في مسرحية وابور الطحين مع المخرج نجيب سرور ولنجاحه في هذه المسرحية رشحه المخرج وأستاذه نبيل الألفي لبطولة مسرحية شكسبير الشهيرة روميو وجوليت وكانت هذه المرة الأولى التي يقوم فيها بأداء دور البطولة على المسرح وفي عرض مسرحي كبير وسيكتب اسمه على أفيشات المسرحية في الشوارع فما كانت من شقيقته عواطف التي كانت متحمسة له كثيرا إلا أن اختارت له اسم الشريف لأنها كانت تحب عمر الشريف وتشعر أن نور سيكون ممثلا عالميا مثله.. ومن هذا الوقت أصبح محمد جابر هو نور الشريف نور هو اسم التدليل المعروف به منذ طفولته والشريف هو الاسم التي اختارته له شقيقه.. ومن خلال موهبته التي أثبتها في المسرح اختاره المخرج محمد فاضل ليشارك في دور صغير في تمثيلية تلفزيونية حملت اسم الامتحان قام ببطولتها عبدالله غيث وصلاح السعدني..

وفي نفس هذا العام الذي شهد تخرجه من المعهد ووقوفه أمام كاميرات التلفزيون لأول مرة كانت الانطلاقة الأهم في بداية مشواره عندما رشحه المخرج محمد فاضل للمشاركة في بطولة المسلسل الشهير القاهرة والناس الذي ظل يذاع في حلقات متصلة على مدى شهور عديدة وكان من انجح الأعمال التلفزيونية في الستينيات.. وفي أثناء مشاركته في هذا المسلسل تعرف لأول مرة على بوسي التي كانت فنانة شابة صغيرة لم تكن تتجاوز من العمر 15 عاما او اقل وكانت أيضا بدايته السينمائية خلال نفس العام عندما رشحه عادل إمام للمخرج حسن الإمام ليقوم بدور كمال عبدالجواد في الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ الشهير قصر الشوق وكان حسن الإمام يبحث عن وجه جديد يقدم شخصية هاملت كمشروع لتخرجه من معهد الفنون المسرحية ولم يكن عادل يعرف نور وقتها والتقى حسن الإمام مع نور الذي منحه الدور ليكون فيلم قصر الشوق هو البداية الأولى لنور الشريف في السينما عام 1967 وبترشيح من عادل إمام لذلك كان هذا العام هو عام السعد على نور فقد حقق فيه انطلاقه تلفزيونية وبداية سينمائية من خلال فيلم كبير ومخرج كبير أيضا ونجوم كبار شاركوا في بطولة الفيلم على رأسهم يحيي شاهين وعبدالمنعم إبراهيم.

وكان فيلم قصر الشوق بمثابة شهادة ميلاده سينمائيا حيث اثبت خلاله موهبة واضحة وقبول وحضور أمام كاميرات السينما فانطلق سينمائيا وخلال السنوات القليلة المتبقية من الستينيات توالت أفلامه التي قدم فيها أدوارا وشخصيات هامة.. ومن هذه الأفلام خلال تلك الفترة بنت من البنات 1968.. مع المخرج حسن الإمام نادية 1969 من اخراج احمد بدرخان.. بئر الحرمان 1969 مع المخرج الشيخ زوجة بلا رجل 1969 من إخراج عبدالرحمن شريف.. أشياء لا تشترى مع المخرج احمد ضياء الدين

ودخل نور الشريف حقبة السبعينيات وهو محمل ببعض الخبرات الفنية التي حصل عليها من خلال مشاركته في هذا الأفلام وأيضا من العمل في الدراما التلفزيونية وهذا ما جعله يصعد سريعا لأدوار البطولة المطلقة سريعا من خلال فيلم السراب 1970 مع المخرج كمال الشناوي عن رواية شهيرة لنجيب محفوظ حملت نفس الاسم بعدها تتوالى أفلامه الجيدة التي أثبتت فيها موهبة كبيرة جعلت المخرجين والمنتجين يثقون في إمكانياته ويمنحونه بطولات أفلامهم فتوالت أدواره القوية وشخصياته المتنوعة وأفلامه الجادة فبعد الشخصية المعقدة التي جسدها في السراب نجده يقدم دوراً لا يقل تعقيداً في فيلم السكرية حيث استكمل شخصية كمال عبدالجواد التي بدأها في فيلم قصر الشوق وهنا نتوقف قليلا لنشير إلى أنه وحسب سير الأحداث في الفيلم يجسد شخصية خالها بينما هي في الحقيقة قد أصبحت زوجته بعد أن تزوجا عام 1972 بعد قصة حبهما التي استمرت منذ أن كانت بوسي عمرها 15 عاما ثم تمت الخطبة عندما كان عمرها 18 عاما وأثمر عن ابنتين هما سارة ومي وهما من دارسي الفن في الجامعة الأميركية وتعمل الأولى بالإخراج والثانية أصبحت ممثلة ونجمة شابة جميلة حققت النجاح عندما قدمت بعض أدوارها خصوصا مع أبيها في المسلسل الشهير الدالي وعندما انفصل الزوجان بالطلاق عام 2006 كان هذا الانفعال بمنتهى التحضر والرقي والاحترام واحتفظا الاثنان بكل المودة والصداقة..

ونعود لاستكمال المسيرة الفنية لهذا النجم الكبير لنرى العديد من الأدوار الرائعة التي قدمها في السينما خلال السبعينيات مثل شخصية د. إسماعيل في فيلم الكرنك وجابر في دائرة الانتقام ومصيلحي في مع سبق الإصرار وقبلها نور في زوجتي والكلب وغيرها.. وغيرها مع الأدوار والشخصيات والأفلام المؤثرة والمهمة والتي لا تنسى..وهذا ما جعل نور الشريف على رأس قائمة نجوم السينما ونجوم الشباك في حقبة السبعينيات بل انه يعد من أكثر زملاء جيله تقديما للأفلام مع مراعاة الكيف فقد أصبح بمرور الوقت ومع ازدياد نجوميته والثقة في ما يقدمه أصبح وجوده في أي فيلم يعد ضمانا للجودة وضمانا لمستوى الفيلم وارتفاع مستواه.. وهنا لابد أن تشير إلى جانب مهم في مسيرة هذا الفنان المبدع وهو الإنتاج ففي عام 1976 أسس نور شركة الإنتاج السينمائي الخاصة به وحملت اسم N.P أي الحرفيين الأوليين من اسمه واسم زوجته بوسي وكان فيلم دائرة الانتقام هو باكورة إنتاجه وقدم المخرج سمير سيف لأول مرة وكان هذا هو فيلمه الأول، بعد ذلك كرر نور التجربة مع أكثر من مخرج تقدم محمد خان كمخرج لأول مرة في فيلمه ضربة شمس وقدم أيضا المخرج محمد النجار في أول أفلامه زمن حاتم زهران بأنه كرر التجربة مع هؤلاء في أكثر من فيلم آخر من إنتاجه أيضا مثل قطة على نار مع سمير سيف والرغبة مع محمد خان، وهذا يشير إلى أن نور لم يكن يهدف من وراء الإنتاج إلى تحقيق الربح بقدر ما كان هدفه تقديم أفلام جادة تحسب له في تاريخه بل وتاريخ السينما المصرية وأيضا تقديم مخرجين واعدين يثق في قدراتهم وإمكانياتهم من اجل أن يصبح هؤلاء تاريخهم الشخصي وتاريخ ومستقبل السينما في مصر.. وهو ما حدث بعد ذلك مع هؤلاء المخرجين .

وفي الثمانينيات يواصل نور مشواره السينمائي بنفس النجومية والاقتدار والبراعة الفائقة في اختيار أدواره وشخصياته وأفلامه وساعده في ذلك ثقافته والموسوعية التي اكتسبها من قراءاته ومن مشاهداته وسفرياته واحتكاكاته الفنية والحياتية.. فيقدم خلال هذه الحقبة كما كبيرا من الأفلام ما يزيد على 50 فيلما من النادر أن تجد فيها فيلما لم يحقق النجاح الجماهيري الهائل وأكثر من نصف هذه الأفلام شكل علامات مهمة جدا ليس في تاريخ ومشوار نور الشريف فقط بل في تاريخ السينما المصرية والحقيقة أن نور إذا كان قد قدم في مشواره أكثر من 170 فيلماً فإن أكثر من نصف هذا العدد من الأفلام لم يعد من علامات السينما المصرية وذلك من خلال وقته الشديد والحرص الزائد على مستوى أفلامه فلم ينشغل مطلقا بما يسمى السينما التجارية ورغبات الجمهور ولا بحساب الربح والخسارة في الأفلام التي أنتجها بل كان دائما كل همه هو المستوى الجيد والجديد الذي لابد من أن يضيفه أولا لنفسه ثم للسينما مع كل فيلم يقدمه 

وخلال حقبة الثمانينيات يواصل نور تعاونه مع نجوم الإخراج السينمائي من رواد حركة التجديد في السينما المصرية وهي الحركة التي بدأت في السبعينيات وكان نور من ابرز نجومها فواصل تعاونه مع هؤلاء المخرجين الذين أصبحوا كباراً مثل سمير سيف- يحيى العلمي، وقدم مع هؤلاء عددا كبيرا من أهم أفلامهم وأفلامه، كما واصل تعاونه مع كبار المخرجين المخضرمين الذي بدأ مشواره مع بعضهم مثل حسن الإمام وبركات وكمال الشيخ وحسين عمارة وحسام الدين مصطفى

ومع بداية تيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية مع مطلع الثمانينيات كان نور الشريف أول من شجع هؤلاء المخرجين من مؤسسي هذا التيار فأنتج للمخرج محمد خان الذي يعد من أهم رواد هذا التيار- أول أفلامه ضربة شمس ثم تأتي أفلامه الرغبة في عام 1980.. وواصل نور تعامله مع باقي مؤسسي هذا التيار من المخرجين الذين أصبحوا فيما بعد من كبار مخرجي السينما أمثال محمد خان- عاطف الطيب- داود عبدالسيد- محمد النجار- منير راضي وقدم مع هؤلاء المخرجين عدداً من أهم أفلامهم وأفلام السينما المصرية ولعل أهم ما لابد من الإشارة إليه خلال هذه الحقبة هو اللقاء بين المخرج الكبير يوسف شاهين ونور الشريف حيث اختاره شاهين ليجسد شخصيته في الفيلم الشهير حدوته مصرية الذي روى فيه شاهين سيرته الذاتية ومن خلال شخصية يحيى مراد التي جسدها نور في الفيلم.. وكانت هذه التجربة من أهم التجارب التي يعتز بها نور الشريف في مشواره السينمائي كله بسبب الاحترام والتقدير الكبير والهائل الذي يكنه لشاهين ولمكانته على طريقة السينما في مصر والعالم العربي والعالم كله خصوصا بعد الثقة الهائلة وعلاقة الصداقة القوية التي نشأت بين الاثنين وتكرر التجربة في فيلم المصير الذي يعد من أهم الأفلام في مسيرة يوسف شاهين وأيضا في مسيرة نور الشريف والذي جسد من خلاله شخصية الفيلسوف العربي الأندلسي ابن رشد الذي عاني من الظلم والاضطهاد في عصره بسبب أفكاره المستثيرة والتي كانت سابقة لعصره .

ومنذ بداية التسعينيات وحتى اليوم أي على مدى الـ20عاما الأخيرة لم ينقطع نور الشريف عن السينما حتى مع بداية ظهور موجة الكوميديا والأفلام الشبابية كان نور الحالة الاستثنائية من كل نجوم السينما الكبار فلم يبتعد مطلقاً عن السينما.. صحيح تراجع كما لكن الكيف كان موجوداً وبقوة فخلال هذه المرحلة الـ20عاماً قدم نور ما يقرب من 30 فيلما وهو رقم يبدو اقل كثيرا مما قدمه في حقب ومراحل زمنية سابقة.. لكن المؤكد أن معظم -ان لم يكن كل- أفلام هذه المرحلة تعد من العلامات الفنية في مشواره السينمائي.. وقد ساعد نور على هذا الاستمرار السينمائي وعلى الحفاظ على مستوى أفلامه بل والوصول بها إلى مستويات اكبر من الجودة وصلت إلى حد الروعة والامتياز في الكثير منها.. وهو انه استطاع بثقافته وخبرته الهائلة وذكائه الفني أن يختار بدقة الأدوار والشخصيات التي تناسب المرحلة العمرية التي أصبح فيها.. فهو لم يعد الفتى الشاب ولا تصلح له ادوار الرومانسية المندفعة.. فقد الرومانسية الناضجة التي تناسب رجلا ناضجا.. وقدم أيضا تنويعات هائلة في الشخصيات العديدة التي قدمها ببراعة في هذه الأفلام ومنها على سبيل المثال شخصياته في أفلام المصير- البحث عن سيد مرزوق- الصدقة- عفريت النهار- ناجي العلي- ليلة ساخنة- عيش الغراب- اختفاء جعفر المصري- كروانه- الكلام في الممنوع، ولعل الأمر يبدو أكثر قدوما إذا تأملنا الشخصيات والتنويعات الشديدة في أدواره التي قدمها في أفلامه الثلاثة الأخيرة عمارة يعقوبيان وليلة البيبي دول ومسجون ترانزيت وهو آخر أفلامه وقدمه عام 2009 مع المخرجة ساندرا نشأت.

قدم نور الشريف كما اشرنا من قبل- أكثر من 170 فيلما في مشواره السينمائي الذي امتد من عام 1967 وحتى عام 2009 أي في ما يقرب من 45 عاما وهو رقم لم يصل إليه معظم أبناء جيله لذلك فهو أكثرهم غزارة في أفلامه السينمائية وتميز نور بأن نسبة هائلة من هذه الأفلام ذات مستوى رائع وتمثل علامات مهمة ليس في مشواره السينمائي فحسب بل في مسيرة السينما المصرية كلها وهذا ما جعله واحداً من أفضل نجومها على مدى تاريخها كله.. ولما كان من الصعب أن تقدم فيلموجرافيا لأفلامه كاملة ستكتفي بتقديم فيلموجرافيا لأهم هذه الأفلام على مدى المراحل السينمائية المختلفة لهذا النجم الكبير.

ومن أهم افلامه خلال المرحلة الاولى من مشواره الستينيات والسبعينيات قصر الشوق 1967 من اخرج حسن الإمام ونادية 1969 من إخراج احمد بدرخان بشر الرحمان 1969 من إخراج كمال الشيخ الحرابة 1970 من إخراج احمد ضياء الدين والسراب 1970 للمخرج أنور الشناوي وزوجتي والكلب 1971 من إخراج سعيد مرزوق والمتعة والعذاب1971 من إخراج نيازي مصطفى وكلمة شرف 1972 للمخرج حسام الدين مصطفى والحاجز 1972 من إخراج محمد راضي والسكرية 1973 من إخراج حسن الإمام ودمي ودموعي وابتسامتي 1973 من إخراج حسين كمال السلم الخلفي 1973 للمخرج عاطف سالم- مدرسة المشاغبين 1973 لحسام الدين مصطفى والأبرياء لمحمد راضي 1974 والشوارع الخلفية 1974 من إخراج كمال عطية وأبناء الصمت 1974 لمحمد راضي والإخوة الأعداء 1974 لحسام الدين مصطفى والأنثى والذئاب لنيازي مصطفى والكرنك للمخرج على بدرخان والأفلام الأخيرة عام 1975 ايضا لا وقت للدموع 1976 من إخراج نادر جلال ودائرة الانتقام 1976 من إخراج سمير سيف وتوحيد 1976 من إخراج حسام الدين مصطفى والدموع الساخنة 1976 ليحيى العلمي وسونيا والمجنون 1977 والشياطين 1973 والفيلمان لحسام الدين مصطفى وقطة على نار 1977 لسمير سيف والأقمر 1978 من إخراج هشام أبوالنصر وضاع العمر يا ولدي 1978 لعاطف سالم ورحلة داخل امرأة 1978 والمرأة الأخرى 1978 ومع سبق الإصرار 1979 والأفلام الثلاثة لأشرف فهمي ولا تبكي يا حبيب العمر 1979 إخراج أحمد يحيى.

ومن أهم أفلامه في حقبة الثمانينيات ضربة شمس 1980 والرغبة 1980من إخراج محمد خان وحبيبي دائما 1980 لحسن كمال ولست شيطانا ولا ملاكا 1980 من إخراج بركات والشيطان يعظ لأشرف فهمي والحب وحده لا يكفي للمخرج على عبدالخالق وأهل القمة لعلي بدرخان وفتوات بولاق ليحيى العلمي والأفلام جميعها عام 1981 وأرزاق يا دنيا للمخرج نادر جلال وغريب في بيتي لسمير سيف والغيرة القاتلة لعاطف الطيب وبريق عينيك للمخرج محمد عبدالعزيز والعار لعلي عبدالخالق وحدوتة مصرية ليوسف شاهين والأفلام جميعها عام 1982 وسواق الأتوبيس لعاطف الطيب والذئاب من اخراج عادل صادق والفيلمان 1983 وشوارع من نار لسمير سيف وبيت القاضي لأحمد السبعاوي وآخر الرجال المحترمين لسمير سيف والزمار لعاطف الطيب والأفلام عام 1984 ودنيا الله لحسن الإمام والحكم آخر الجلسة لمحمد عبدالعزيز والصعاليك للمخرج داود عبد السيد والمطارد لسمير سيف والأفلام جميعها 1985 وعصر الذئاب لسمير سيف وعصفور من الشرق للمخرج يوسف فرانسيس ووصمة عار لأشرف فهمي والأفلام 1986 والوحل لعلي عبدالخالق وقاهر الزمن للمخرج كمال الشيخ وسكة سفر لبشير الديك وبئر الخيانة والهروب من الخانكة لعلي عبد الخالق وكل هذا الحب لحسين كمال وجري الوحوش لعلي عبدالخالق وضربة معلم لعاطف الطيب.. والأفلام جميعها عام 1978 وزمن حاتم زهران 1988 من إخراج محمد النجار وعنبر الموت لأشرف فهمي وقلب الليل وكتيبة الإعدام لعاطف الطيب وصراع الأحفاد للمخرج عبداللطيف زكي وألحقونا لعلي عبد الخالق وأيام الغضب لمنير راضي والفتى الشرير للمخرج محمد عبدالعزيز.. الأفلام جميعها عام 1989.

####

رفاق دربه: نور سيبقى في الذاكرة

حسن احمد

لم يكن نور الشريف مجرد فنان كبير قدم العديد من الأعمال المهمة التي ستبقى طويلا في ذاكرة الفن المصري والعربي، لكنه كان نموذجا للمبدع الذي يدرك أهمية الفن في تنوير الأمم وتغيير حياة الشعوب، وإذا كان نور الشريف سيترك فراغا كبيرا في قلوب عشاقه من المحيط إلى الخليج، فإن رحيله سيترك أيضا فراغا كبيرا في قلوب زملائه وأصدقائه الفنانين. وأكد عدد من نجوم الفن الذين يمثلون أجيالا مختلفة أن رحيل نور الشريف بمثابة خسارة فادحة للفن المصري والعربي، موضحين أنه سيبقى طويلا بأعماله في ذاكرة السينما. قال الفنان محمود عبدالعزيز: جمعتني بنور الشريف صداقة قوية امتدت لسنوات طويلة، والتقينا في العديد من الأفلام من أبرزها الحفيد وكنت وقتها كنت في بداياتي، إضافة إلى العار وجري الوحوش وليلة البيبي دول الذي يعتبر آخر تعاون بيننا، والجمهور يعرف نور الشريف كممثل لكنه لا يعرفه كإنسان صاحب قلب كبير يشعر بالفرح عندما يحقق أحد أصدقائه النجاح، فطوال مشواري الفني كان أول اتصال يأتيني من هذا النجم الكبير عندما يعرض لي فيلم جديد، وكنت ألمح في صوته سعادة حقيقية بنجاحي وهو يهنئني.

وأشار إلى أنه لن ينسى ذكريات تصوير فيلمي العار وجري الوحوش، خاصة أنه جمعته في الفيلمين مشاهد كثيرة بالفنان الراحل، مؤكدا أنه لم يكن يفكر في نفسه فقط بل كان حريصا على أن يظهر جميع الفنانين المشاركين في العمل بشكل رائع. وأضاف عبدالعزيز: رحيل نور الشريف خسارة كبيرة للفن المصري والعربي، فهو كان عاشقا للسينما ومنحها أجمل سنوات عمره، بدليل أن عطاءه لم يتوقف حتى الأيام الأخيرة من حياته، حيث شارك مؤخرا في بطولة فيلم بتوقيت القاهرة وحصل عنه على جائزة أفضل ممثل من مهرجان وهران بالجزائر، وإذا كان نور الشريف رحل عنا بجسده إلا أنه سيظل باقيا معنا بأدواره الخالدة. وقالت الفنانة نبيلة عبيد: نور الشريف لم يكن فناناً عظيما فقط ولكنه كان أيضا إنسانا عظيما يشارك زملاءه وأصدقاءه أحزانهم وأفراحهم، ففي كل الأزمات التي مررت بها في حياتي كنت أجده أول من يسأل عني، رغم أنه لم تجمعنا أعمال كثيرة وشاركت معه في عدد محدود من الأفلام منها الوحل والشيطان يعظ، إلا أنه كانت تربطنا صداقة قوية وكلما كان يعرض لي فيلم جديد يبادر بتهنئتي ويطالبني بتقديم أعمال جديدة.

وأكدت نبيلة أن أفلام نور الشريف ستظل في وجدان وذاكرة عشاق السينما لأنها تحمل قدرا كبيرا من الجودة وتناقش مشاكل البسطاء، موضحة أن أفلام مثل سواق الأتوبيس والكرنك وليلة ساخنة والعار من أهم الأفلام التي قدمتها السينما المصرية عبر تاريخها. وقالت الفنانة ميرفت أمين : كنت محظوظة لأنني وقفت أمام هذا العملاق في العديد من الأفلام مثل الحفيد ودائرة الانتقام والبعض يذهب للمأذون مرتين والحب وحده لا يكفي وسواق الأتوبيس وصولا إلى آخر عمل جمعنا وهو فيلم بتوقيت القاهرة، وفي كل فيلم كنت أقدمه معه كنت أتعلم منه الكثير لأنه كان مدرسة في فن التمثيل، ويسعى باستمرار لكي يكون الفنان الذي يقف أمامه في أفضل صورة ممكنة. وأضافت ميرفت: سنبكي نور الشريف طويلا لأنه خسارة كبيرة، وأعتقد أن السينما المصرية والعربية لن تستطيع تعويض غياب هذا الفنان الكبير الذي منح أجمل سنوات عمره للشاشة الفضية سواء ممثلا أو مخرجا أو منتجا، فهو كان يستثمر أمواله في السينما لأنه يعشقها وأنتج عددا كبيرا من الأفلام لأنه يعشق الفن ويسعى لتقديم أعمال تبقى في الذاكرة.

وأشارت الفنانة سمية الخشاب إلى أنها لن تنسى وقوفها أمام الفنان الكبير نور الشريف في فيلم عمارة يعقوبيان ومسلسل عائلة الحج متولي، مؤكدة أنه كان يمنحها ثقة كبيرة حتى تقدم دورها من دون خوف أو توتر. وقالت سمية: في مسلسل عائلة الحاج متولي كنت أقدم دور إحدى زوجاته، وكنت في البداية أشعر بالرهبة منه فهو فنان كبير وأنا مازلت في بداياتي، لكنه كان حريصا على إزالة أي حواجز حتى أقدم مشاهدي أمامه بشكل جيد، وأنا مدينة لهذا الفنان الرائع بالكثير، فيكفي أنه تحمس لترشيحي للعمل معه في عائلة الحاج متولي وأثنى على موهبتي، لذلك لا أجد أي كلمات تعبر عن حزني الشديد لرحيله. وقال الفنان حسن الرداد: الفضل في النجاح الذي حققته كممثل بعد الله سبحانه وتعالى يرجع للفنان نور الشريف، فأول بطولة حقيقية لي كانت معه في مسلسل الدالي حيث قدمت دور ابنه، وبالفعل كنت أشعر أنني ابنه من شدة خوفه عليّ وحرصه على أن أظهر بشكل جيد، فهو كان ينقل لي خبراته طوال الوقت، وكان ينصحني باستمرار بأن أمنح كل وقتي وجهدي لفني، ويوجه لي النصائح بشكل غير مباشر حتى لا يصيبني بالتوتر. وأضاف الرداد: في بداية تصوير حلقات مسلسل الدالي لم يكن يربطني بالفنان نور الشريف أي علاقة، وكان المسلسل يضم عددا كبيرا من الوجوه الجديد مثلي، وكان من بينهم آيتن عامر ودينا فؤاد وأحمد صفوت وعمرو يوسف، لذلك كان يحرص على الجلوس معنا اوقاتا طويلا حتى يزيل أي حواجز بيننا، وكان يتعمد أن يشيع جوا من المرح حتى لا نشعر بالخوف، فنحن كنا مازلنا نخطو خطواتنا الأولى في عالم الفن. وأكد أنه تعلم من نور الشريف في مسلسل الدالي بأجزائه الثلاثة أكثر مما تعلمه من دراسته للتمثيل، لأنه كان مدرسة في الأداء التلقائي البعيد عن القلق والافتعال، مشيرا إلى أنه لن ينسى فضل هذا الفنان الكبير عليه

النهار الكويتية في

14.08.2015

 
 

نور الشريف عاشق فى محراب الفن الرفيع

بقلماحمد السماحى

1- الموساد يغتال حلمه بسرقة "نيجاتيف" فيلمه عن فلسطين

الموساد الإسرائيلى كان سببا فى تعثر فيلم من أهم الأفلام التى تناولت قضية الشعب الفلسطينى، وهو فيلم " خيط أبيض. خيط أسود"، الفيلم كتب قصته الروائى الراحل "سير جواميداي"، وأخرجه المغربى الشاب فى هذا الوقت "بوغالب البوريكي"، الذى كان هذا الفيلم يمثل له حلما كبيرا، وقام بالبطولة مجموعة من الفنانين المصريين منهم "نور الشريف، صفية العمرى، أمينة رزق، عبدالله غيث"، فضلا على عدة ممثلين وممثلات من إيطاليا أبرزهم الممثلة الحسناء "دانيالا سلفاريو".

وقصة الفيلم تدور حول محامية أمريكية يهودية، كانت تعتقد أن إسرائيل دولة مثالية، لكنها أمام ما رأته فى تل أبيب من اضطهاد للعرب الفلسطينيين الذين هم أبناء البلاد الحقيقيون، تتغير نظرتها وتتعاطف مع الشعب الفلسطينى، ومع الأبرياء الذين يعانون العذاب والتعذيب فى سجون إسرائيل.

وشخصية المحامية الأمريكية التى دارت حولها أحداث القصة هى شخصية حقيقية واسمها "روبين كورتس"، وكان من المقرر أن تصور بعض مشاهد الفيلم فى إسرائيل، لكن الفنانين "نور الشريف وصفية العمرى وأمينة رزق" رفضوا الذهاب إلى هناك، فأقام المخرج فى صحراء المغرب ديكورات ضخمة بدت فيها الصور الكاملة للمسجد الأقصى فى القدس، وكنيسة القيامة فى بيت لحم، وبعض السجون الإسرائيلية، وتم تصوير الفيلم وسط هذه الديكورات.

وعن هذا الفيلم قال لى الفنان نور الشريف فى حوار نشر فى مجلة "الأهرام العربي" عام 2001: إن أحد أهم وأخطر الأدوار التى مثلتها فى مشوارى الفنى كان دورى فى هذا الفيلم الذى يتناول معاناة الشعب الفلسطينى فى ظل الاحتلال الإسرائيلى.

ولقد انتهينا من التصوير فى هذا الفيلم وظلت بعض المشاهد القليلة المتبقية لبعض الممثلين المغاربة، لكن ما حدث بعد ذلك كان أغرب من الخيال، حيث اختفى النيجاتيف الخاص بالفيلم فى ظروف غامضة، وأعتقد أن الموساد الإسرائيلى كان وراء ذلك الاختفاء، رغم حرص الجميع على التعتيم على أخبار الفيلم الذى تم تصويره عام 1984، لاسيما أن مخرجه الدكتور "بوغالب البوريكي" مشهور بمواقفه وآرائه الشديدة ضد الصهيونية.

2- "عمى إسماعيل" سبب نجاح دورى "فى السكرية"

عانى نجمنا المبدع من اليتم المبكر، حيث رحل والده وعمره عام واحد فقط، لهذا كان يعتبر عمه إسماعيل هو والده الحقيقى، خاصة أنه قام بتربيته وتعليمه هو وشقيقته، وعن ظروف يتمه يقول: توفى والدى فى سن صغير وهو فى السادسة والعشرين من عمره، وكان عمرى حينذاك لا يتجاوز العام الواحد، وليلة وفاته، كما علمت فيما بعد، رأى عمى إسماعيل حلما أو مناما حيث رأى أبى ممسكا بحنو حمامتين سلمهما لعمى وقال له: إنهما أمانة حافظ عليهما.

فسر عمى هذا "المنام" على أنه وصية لا يمكن التخلى عنها، وفعلا اعتبرنى أنا وأختى أمانة قام بتربيتنا، ولم يكن عنده أبناء واضطر إلى طلاق زوجته عندما رغبت فى الاستقلال به، وأن تكون لها شقة خاصة، بعيدة عن "بيت العيلة" فى" حى الخليفة"، وشاءت الأقدار أن يتوفى اثنان من أبناء عمومتى فى سن أبى نفسه، وأصبح على عمى أن يتولى رعاية أبنائهما معنا كنا تسعة أيتام، وقام عمى إسماعيل الذى كان يعمل نجارا بدوره كأب لنا جميعا، بلا كلل وبلا ضيق أو شكوى.

ودار الزمن دورته ومرت الشهور والسنون وبدأ البيت يخلو منا، وبدأ كل واحد منا يشق طريقه ويكون أسرة خاصة به، ويسكن بعيدا عن "بيت العيلة" فكنت ألمح نظرة أسى فى عين عمى إسماعيل كأنه ينظر بداخله، ولقد استعنت بهذه النظرة وأنا أؤدى دور "كمال عبدالجواد" فى فيلم "السكرية"، فرغم أننى أثناء تمثيلى للدور كنت شابا فى العقد الثالث من عمرى، لكن كان على أن أؤدى فى نهاية الفيلم الدور بعد أن أصبح كمال كهلا، وكان من أهم مشاهد الدور لحظات صمت فيها نظرات أسى، فمن عمى استوحيت هذه النظرات الموجودة فى نهاية الفيلم.

3 - توفيق الحكيم يرفض التمثيل معى بسبب عبدالوهاب

يعتبر فيلم "عصفور الشرق" سيناريو وحوار وإخراج يوسف فرانسيس، بطولة "نور الشريف، سعاد حسنى، محمد خيرى، محمد توفيق"، والذى عرض عام 1986 من التجارب المهمة والمختلفة فى مشوار نور الشريف، وفيه يقوم بدور وكيل نيابة يقرأ رواية الكاتب الكبير توفيق الحكيم "عصفور من الشرق"، ويحاول تجربة ما قام به الكاتب فى تلك الرواية، فيقرر السفر إلى باريس، والذهاب إلى نفس الأماكن التى زارها "الحكيم" فى روايته، فيكتشف أن باريس التى كتب عنها "توفيق الحكيم" فى روايته قد اختلفت كثيرا بمرور أكثر من أربعين عاما على كتابة الرواية، وهناك يقابل فتاة ويقع فى غرامها ولكنه يهجرها بعد اكتشافه أنها على علاقة بأحد زملائها، ويقرر العودة إلى مصر والتخلى عن تجسيد شخصية توفيق الحكيم فى رواية "عصفور من الشرق".

وعندما يعود الى مصر يجد نفسه يمر بنفس التجربة التى مر بها صاحب الشخصية الرئيسية فى رواية "يوميات نائب فى الأرياف"، وتتطور الأحداث حيث يتم نقله للعمل فى النيابة بعيدا عن القاهرة فى قرية من أرياف مصر ويكلف بالتحقيق فى جريمة قتل شخص يدعى "علوان" فيقابل فتاة تدعى "ريم" وهى فتاة خرساء يكتشف فى نهاية الفيلم أنها هى من قامت بقتل "علوان" عندما حاول أن يعتدى عليها، ينتهى فيلم عصفور الشرق بحفظ ملف القضية وعودة نور الشريف الى القاهرة. وعن هذا الفيلم الذى يعتبر تجربة رائدة فى السينما الروائية المصرية حيث مزج فيها المخرج بين الروائى والتسجيلى يقول الفنان الراحل: كان من المفروض أن أؤدى العديد من شخصيات أعمال توفيق الحكيم، وأن يمتزج التسجيلى مع الروائى، تنفيذا لسيناريو محدد، لكن الظروف دفعتنا إلى التخلى عن تصوراتنا، وأن نكتفى بأدائى لشخصيته، فى "عصفور الشرق"، وشخصية الشيخ عصفور"فى يوميات نائب فى الأرياف".

قبل أن أقابل توفيق الحكيم مع يوسف فرنسيس، كنت درست مسرحياته فى المعهد، وعندما أصبحت معيدا، دربت الطلبة على مسرحيتين له أحبهما كثيرا هما "بيجماليون" و"السلطان الحائر"، وذهبنا إليه فى مكتبه "بجريدة الأهرام"، وكان حديثى معه عن مسرحياته مدخلى لاكتساب صداقته، وبعد عدة زيارات له فى مكتبه دعانى لزيارته فى البيت، وهناك أهدانى "بيريه" مما أثار دهشة فرنسيس، وهذا "البيريه" هو الذى ظهرت به فى الفيلم، وأنا أضعه على رأسى، وبعد أن شرحنا له دوره وافق على الظهور فى الفيلم، وسافرنا معا إلى باريس وأمضينا وقتا سعيدا فى الطائرة ونحن فى طريقنا لباريس، واقتربت منه روحيا فى مدينة النور، وفى أول يوم تصوير، وعندما بدأت وضع اللمسات الأخيرة لمكياجى اتصل بى يوسف فرنسيس منزعجا وأخبرنى أن الحكيم يرفض التصوير، فذهبت إليه، وفيما يشبه العتاب قال لي: على آخر الزمن تريد أن تسخرا مني؟

أجبته: مستحيل يا أستاذنا ومفكرنا

قال: هل سأمثل فى نهاية حياتي؟!

أجبته: التمثيل يا أستاذنا كما علمتنا هو أن تؤدى شخصية غير شخصيتك، وأن تؤدى حوارا كتبه غيرك، بطريقة يحددها المخرج، أما فى حالتنا فأنت تؤدى شخصيتك بحوارك، وبالطريقة التى تريدها، نحن نكرمك يا أستاذى فى هذا الفيلم الذى يجمع بين التسجيلى والروائى، استمر الحوار بيننا على هذا النحو، وكان يجيب بذكاء على أسئلتى بأسئلة وضاءة، إلى أن أقتنع أخيرا.

وفى المساء وعلى مائدة العشاء، سألناه عن سر رفضه الاشتراك معنا فى الفيلم، فقال إنه استيقظ فى الصباح على تليفون من الموسيقار محمد عبدالوهاب وسأله: هل ستمثل يا أستاذ توفيق صحيح مع نور الشريف، فأجابه بأنه ليس تمثيلا ولكنها تجربة فنية مختلفة عن السينما السائدة، فقال له: يا توفيق بك سيادتك رمز من رموز الثقافة العربية ويجب أن تحترس فالنتيجة لن تكون فى مصلحتك!، وأضاف " الخوف يكونوا بيضحكوا عليك، ويطلعوك بمظهر غير لائق!" 

ويواصل الشريف كلامه قائلا: بعد هذه المكالمة أنزعج الحكيم وثار، لكننى نجحت فى تهدئته وجعلته يبدأ التصوير، حتى نهايته.

4- سر المشهد الذى أعاده 11 مرة:

رواية "السراب" لنجيب محفوظ من الأعمال الأدبية التى تحولت إلى فيلم سينمائى عام 1970، سيناريو وحوار على الزرقانى، وبطولة نور الشريف، ماجدة، عقيلة راتب، تحية كاريوكا، ورشدى أباظة.

وهذه الرواية قال عنها نجيب محفوظ: إنها رواية نفسية تربوية، وهى نوع نادر فى كتاباتى يعانى فيها البطل من مشاكل نفسية نتيجة تعلق الأم به بشكل مبالغ فيه نتيجة فقدها لابنين استردهما طليقها، هذه الاضطرابات النفسية تضع البطل فى مشاكل لا حصر لها، وفى هذا الفيلم قدم نور الشريف واحدا من أهم أفلام البدايات، حيث قام بشخصية الإبن الخجول "كامل" الذى يتزوج من رباب (ماجدة) التى تكتشف بعد الزواج أنه عاجز جنسيًا، فيلجأ للدكتور أمين من أجل علاجه، ويتضح للطبيب أن كامل شاب خجول ومنطو يعيش مع أمه بعد أن انفصلت عن والده، لهذا يلتصق بها التصاقًا كاملًا ويرتبط الجنس بنمط معين لا يستطيع الخروج عنه رغم محاولاته الدائمة، ويتعرف الدكتور أمين على رباب ويطلب منها أن تساعده فى علاج زوجها، وتدور باقى الأحداث.

ورغم أنه أثناء تصوير هذا الفيلم كان فى بداية المشوار إلا أنه اختلف مع مخرجه أنور الشناوى، حول مشهد مواجهة "كامل" لأمه التى تجسد شخصيتها عقيلة راتب، حيث كان يريد أن تكون العاصفة مكتومة بداخله، تتبدى بنظراته ولا تنطلق بارتفاع الصوت، فالأم فى الرواية مهيمنة تماما على ابنها، وبالتالى من الصعب أن يواجهها بصوته المرتفع، لكن أنور الشناوى أصر على الصوت الهادر، ورغم عدم اقتناعى بالأسلوب المفروض علىّ - يقول نور الشريف - لكنى التزمت بتوجيهات المخرج بحكم أنه المسئول عن العمل بعناصره المتعددة، لكننا اضطررنا إلى إعادة المشهد 11 مرة لأن صوتى كان أحيانا يحتبس بداخلى، ومرة لأننى أتلعثم فى الحوار، وثالثة لأننى لا أستطيع أن أرفع صوتى، وهكذا حتى استطعت فى المرة الـثانية عشرة تقديمه بشكل يرضى الشناوي!

5 - شقيق مسئول كبير يلهمه تفاصيل شخصيته فى "العار"

كان الفنان الراحل - رحمه الله - يملك أجندة خاصة أو كراسة يسجل فيها النماذج التى يلتقيها فى الواقع، وكراسة أخرى حول شخصيات أدبية معجب بها أو يتمنى تجسيدها أو تحليلها أو معحب على الأقل ببنائها وحوارها، فضلا على الحركة الداخلية النفسانية والانفعالية لأبطال هذه الأعمال، خاصة شخصيات الكاتبين العظيمين "ديستوفيسكى - وليم شكسبير" على المستوى العالمى، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ على المستوى المحلى، وكان فى تقديره أن شكسبير، وديستو فيسكى من أكبر خبراء علم النفس.

وكانت كراسات الشخصيات التى يلتقيها فى الواقع الأكثر فائدة له، فيذكر فى حوار قديم له مع الناقد السينمائى الكبير "كمال رمزي" فى إحدى المجلات اللبنانية: أحيانا تكون ملاحظاتى فى هذه الكراسة مدخلى لإحدى الشخصيات التى أمثلها، معتمدا على ما رصدته من تصرفات شخصية قابلتها فى الواقع، ففى فيلم " العار" شعرت بعد ثلاثة أيام من التصوير بأننى لم أستوعب شخصية "كمال" التى أؤديها، ولم أقبض على زمامها، وبالتالى لم أترجمها إلى تفصيلات مقنعة تجعلها من دم ولحم، فعدت إلى كراساتى، ووجدت ضالتى فى ذلك الرجل الذى راقبته، فى ملهى ليلى بالإسكندرية، ولفت نظرى بحركتين لم يتوقف عن الاتيان بهما، الأولى كان يمد رقبته للأمام كما لو أنه يريد أن يتخلص من طوق حول رقبته، الثانية يرفع رسغيه لأعلى قليلا كما لو أنه يخشى اقتراب يديه من أطباق الطعام الفاخر فوق المنضدة.

وسألت عنه صاحب الملهى الذى أجابني: "إنه شقيق مسئول كبير، يحب راقصة الملهى، ومنحها مصنعا للمكرونة، لعلها ترضى عنه، إلا أنها أصرت على أن يستبدل "جلبابه البلدي" ببدلة عصرية، فرضخ لطلبها وارتدى البدلة، ولأنه لم يتعود على القميص المقفل الأزرار وربطة العنق، فإنه يحس بالاختناق، وبالتالى يمد رقبته للأمام بين لحظة وأخرى، ولأن الجلباب عادة ما يكون متسع الأكمام، فمن الطبيعى أن يرفع الرجل يديه لأعلى كى لا ينغمس طرف الكم فى طبق الأكل، وظلت هاتان الحركتان ملازمتين للرجل حتى بعد أن ارتدى البدلة.

ولأن وضعى فى فيلم " العار" يتشابه من بعض الوجوه مع وضع هذا الرجل، فقررت أن تكون هاتان الحركتان ملازمتين لى، وكان حسن الحظ حليفى، فعندما ذهبت إلى الاستوديو فى اليوم الرابع، وجدت المخرج على عبدالخالق، والمصور سعيد شيمى، وكاتب السيناريو محمود أبوزيد فى حالة حزن ممتزج بالأسى، ذلك لأن ما انجزناه من مشاهد الأيام الثلاثة الأولى احترق فى المعمل، عندئذ أحسست بسعادة غامرة، وبدأنا من جديد، وتعمدت منذ البداية أن تكون هاتان الحركتان ملازمتين لى، وقد حققت شخصية "كمال" نجاحا مبهرا لأن التفاصيل الصغيرة لها فعل السحر على المشاهدين.

الأهرام اليومي في

14.08.2015

 
 

أفلام الانفتاح والطريق إلى «أهل القمة»..

سينما نور الشريف.. مرآة حقيقية لواقع مؤلم (2ــ2)

خالد محمود

• «زمن حاتم زهران» نموذجا للرأسمالى المصرى الجديد الذى لم ينل حقه من الإدانة

• «سواق الأتوبيس» هو التعبير الفنى عن الحالة الأخلاقية والاقتصادية لعصر السادات بينما جاء «ليلة ساخنة» تعبيرا عن عصر مبارك

• «البحث عن سيد مرزوق» فيلم مثير للاهتمام ففكرته وأسلوبه كانا جديدين على منهج السينما المصرية

فى «كتيبة إعدام» ارتدى قميصا أكتافه تسقط قليلا ليبرز إحساس الشخصية بالانكسار والهزيمة وفى «ناجى العلى» ارتدى قميصا ضيقا ليُوحى باختناق البطل

أدرك نور أن كتابة السيناريو فى السينما المصرية مسئولة، بدرجة كبيرة، عن وقوع كثير من الأجيال فى فخ الأدوار النمطية، فالممثل مهما كان موهوبا لا بد من أن يصل معها إلى أداء نمطى تكرارى. لذلك بدأ يبنى لنفسه مخزونا ثقافيا ومعرفيا وإنسانيا. لم يكتف بأن يختزن فى عقله ملامح الشخصيات التى يُقابلها لكنه رسمها بقلمه فى كراسات كثيرة أصبح يعود إليها بين الحين والآخر.

وقد يحتاج التمثيل إلى عقلية هندسية من وجهة نظر «نور» لتصميم بناء الشخصية. ودائما ينتصر للممثل الأكاديمى المحترف.. الممثل فى رأيه كائن متكامل غير قابل للتجزئة، حريص على الاهتمام بكل تفاصيل العمل الفنى، من سيناريو وإخراج، من موسيقى وديكور وإكسسوار وملابس.

فمثلا يهتم فى فيلم «كتيبة إعدام» بارتداء قميص أكتافه تسقط قليلا أسفل أكتاف البطل لُتساهم فى تجسيد إحساس الشخصية بالانكسار، وبالهزيمة. وفى فيلم «ناجى العلى» يرتدى قميصا ضيقا ليُوحى باختناق البطل وبحصاره المتواصل على كل المستويات.

وتعتبر الأفلام التى رصدت مرحلة الانفتاح من أكثر أعمال الراحل ثراء، فنحن فى (البحث عن سيد مرزوق)، أمام سيناريو خلاق يتصف بالدقة والحذر، ويبلغ درجة عالية من الحرفية، فالسيناريو يراعى وحدات الزمان والمكان والموضوع الكلاسيكية، بل ويلتزم بها بشكل واضح.

و(البحث عن سيد مرزوق) فيلم مثير للاهتمام على أكثر من مستوى، فالفكرة والأسلوب كانا جديدين على منهج السينما المصرية، وإسقاطاته الرمزية على الواقع متعددة، هذا إضافة إلى منهج الأسلوب الفانتازى السريالى، الذى حاول عبدالسيد ونجح، إلا أنه لم ينل ذلك النجاح الكبير الذى يستحقه فى عرضه الجماهيرى، حيث لم يستمر عرضه سوى أسبوعين.

والواقع ان فيلم «قلب الليل» لعاطف الطيب ومحسن زايد ونور الشريف يمثل إحدى أكثر المحاولات طموحا لتقديم أفكار نجيب محفوظ الفلسفية من خلال السينما التى ينشدونها، وعكسهم لفكرة الرواية التى تحمل نفس الاسم، فجعفر الراوى (نور الشريف) لا يمثل شخصية عادية، إنه معادل الإنسان المتمرد على واقعه، يقوم الجد (يؤدى دوره فريد شوقى) بطرد حفيده المتمرد من جنته، من البيت الكبير ليدخل فى مأزق وجوده كإنسان، والاختيار ما بين مروانة راعية الغنم (هالة صدقى) التى تمثل الجسد والغريزة، وهدى هانم(محسنة توفيق) التى تمثل العقل، وفى ظل التخبط، اختلطت فى عقله كل النظم والأفكار الحالمة عبثا بحياة عادلة ومتوازنة، ربما كانت مشكلة جعفر أنه لم يكتشف أن مأزقه كإنسان فى داخله، بحيرته بين العقل والغريزة، بين قدره وحريته ورغباته، وهو مأزق كبير رغم محاولته البحث عن ضوء فى قلب ليل وجوده المظلم.

وكان المدهش أن بطلنا استوعب مغزى فكرة شخصية محفوظ الصعبة والمهمة، وهى اليقين المهتز بالشكوك وأن الانسان يواجه بمفرده ليل الحيرة، ولابد ان يستمر للنهاية ونجح فى أن يجعل مشاهده قلقا بقوة حضوره، لا يستطيع أن يستريح، فقلق جعفر ينتقل إلى المتفرج، حتى لو لم يفهمه جيدا بعدم تقديم مبررات مقنعة لكل تحولات الشخصية ومسارها وتطورها. الفيلم كان يستحق مكانة اكبر فى شباك التذاكر رغم انه بعيد عن هموم السينما السائدة.

ونظرة بطلنا الواعية والملهمة هو ما لمسناه ايضا فى اعمال مثل «سواق الأتوبيس» الذى أخرجه عاطف الطيب عام 1983 عن سيناريو بشير الديك والذى يعد إحدى كلاسيكيات السينما المصرية، حيث نرى فى مشهده الاستهلالى ظهور سواق الاتوبيس حسن «نور الشريف»، وهو يتنبه لحادثة سرقة فى الاتوبيس فيهم بمطاردة اللص ولكنه يتوقف ثم يتابع السير بلا مبالاة مثل الاخرين، ونهاية الفيلم ايضا تكون بمشهد مشابه لحادثة مشابهة لكن موقف حسن يتغير هنا ويصبح أكثر جرأة، اذ يقفز من مقعده ليطارد اللص حتى يقبض عليه، وبكل الالم والمرارة فى داخله ينهال على اللص ضربا باللكمات وهو يقول «ياولاد الكلب» فى صيحة غضب مدوية فى مشهد عظيم فى ادائه لنور الشريف حيث انتفض معه المشاهد.

نجاح سواق الاتوبيس انه تحدث بمرارة عن اشياء عادية بوعى وصدق دون وقوع فى مباشرة، لنظل مشدودين لمتابعة رحلة حسن حتى النهاية والتى انتقدت ذلك الخراب الذى حل بالمواطن المصرى العادى فى عصر الانفتاح. برصده ذلك التفكك الأسرى والانهيار الأخلاقى إزاء التغير المفاجئ فى العلاقات الاجتماعية فى عصر الانفتاح وهو ما يجعله علامة بارزة فى تاريخ السينما المصرية. ويكفى أنه اختير من بين أهم عشرة أفلام قدمتها السينما المصرية على مدى تاريخها الطويل. هذا إضافة إلى حصوله على عدة جوائز، أهمها جائزة التمثيل الذهبية لنور الشريف فى مهرجان نيودلهى السينمائى الدولى.

هناك ثمة علاقة تلمسها بين هذا الفيلم وفيلمه الآخر مع عاطف الطيب ايضا «ليلة ساخنة» 1996 فيما يخص الشخصية الرئيسية فى الفيلمين،«حسن» فى «سواق الأتوبيس» و«سيد» فى ليلة ساخنة، فـ«سيد» بدا وكأنه امتداد لـ«حسن» وأنه تعبير عن انكسار حدث لهذا السائق بعد مرور 11 عاما هى الفارق بين الفيلمين، حدث خلالها تغييرات اجتماعية كبيرة هى فى حقيقتها تطور طبيعى لسياسات اقتصادية واجتماعية بدأت فى منتصف السبعينيات، واستمرت فى الانزلاق نحو هاوية نعيش فيها الآن.

وبطلنا نفسه قال إن«سواق الأتوبيس» هو التعبير الفنى عن الحالة الأخلاقية والاقتصادية لعصر الرئيس السادات، بينما جاء«ليلة ساخنة» تعبيرا عن الحالة الأخلاقية والاقتصادية لعصر الرئيس مبارك وايضا رصد جزئيا ملامح ظاهرة التطرف الدينى، من خلال شخصيتى حسن وحورية اللذين جسدهما نور الشريف ولبلبة بصدق واحساس.

الواقع اذا تأملنا كل شخصيات عاطف الطيب خاصة تلك التى أداها نور الشريف أو تلك التى أداها سنجد فيها ملمح الغاضب الذى يقف عند حد الانفجار ولا ينفجر. ويؤكد فيلم (ليلة ساخنة) هذه الرؤية من جديد وهى سعيه الدائم إلى الصدق الفنى الجميل، وقد حظى الفيلم بإقبال جماهيرى كبير عند عرضه فى الصالات.

الفيلم يدور فى زمن قصير جدا، وهى ليلة رأس السنة واليوم السابق لها، الذى تتم فيه الترتيبات للاحتفال بهذه الليلة غير العادية.. وتعد مصدر فرح وبهجة للكثيرين من جهة، ومن جهة أخرى تمثل مصدر رزق للآخرين.

وفى محطة أخرى قدم نور الشريف شخصية فى فيلم كالحياة نفسها فى قلقها وتنوعها وهو فيلم «زوجتى والكلب» للمخرج سعيد مرزوق والذى قدم فيه مشاهد تمتاز بالبساطة فى الشكل لكنها تضمنت شحنات فكرية عميقة، وجسد الشريف باقتدار فكر مرزوق الجديد فى السينما والذى اعتمد على الصورة كسبيل لمخاطبة المتفرج، والمشاهد التى تناولت حالة الحرمان الجنسى لدى نور الشريف استطاع أن يجسد أحاسيس القلق والفراغ، بل وكان موفقا فى التعبير عن الوحدة والحرمان وازمة الانسان فى بعده عن اقاربه والمدينة ووجوده فى عزلة قاتلة، ولنرى مشهد قصاصات الصورة وهى عائمة على سطح البحر وتخيل نور بأنها حقيقة قافزا معها ومداعبا لها فى البحر فى اسلوب جديد ومعبر عن تلك الحالة من القلق والحرمان الجنسى الذى تعيشه الشخصية.

ومازال هذا الفيلم يحتل مكانة كبيرة حتى اليوم فى قائمة أفضل أفلام السينما المصرية بمعالجته السينمائية المتميزة واداء ابطاله او اطراف اللعبة الثلاثة. (محمود مرسى وسعاد حسنى ونور الشريف) الذين نجحوا فى خلق الصراع، بمشاعر داخلية، والذى نستطيع أن نصفه بأنه بحق دراسة بصرية عن الشك.

نور الشريف كان يختار تلك الادوار المؤثرة فيه وفى المتلقى، كما كانت حساسيته فى اختيار تلك الادوار امرا ملحوظا بل ويسعى لانتاجها مثل «اخر الرجال المحترمين» عام 1984 للمخرج سمير سيف، والمؤلف وحيد حامد والتى يؤكد من خلالها بأن على السينما المصرية الاستفادة من الواقع المعاش والاقتراب منه بشكل صادق.

أما أبرز أفلام مرحلة الانفتاح فقدمها نور الشريف مع على بدرخان وهو فيلم (أهل القمة ) ويعد من أنضج الأفلام المصرية التى تناولت مرحلة الانفتاح الاقتصادى وظهور مفاهيم جديدة وقيم جديدة تحارب القيم الاصيلة، حيث يشكل إدانة مباشرة لهذا الانفتاح المشوه، بحسب تعبير الشريف نفسه.

والفيلم مأخوذ عن قصة قصيرة لنجيب محفوظ، حولها بدرخان، مع السيناريست مصطفى محرم، إلى فيلم جرىء ومثير تناول ثلاث شرائح من المجتمع المصرى، من خلال ثلاث شخصيات رئيسية: زعتر النورى (نور الشريف) ويمثل نمط النشالين. والثانية: زغلول بيه (عمر الحريرى) ويمثل نمط الحرامية الكبار المتسترين برداء البر الذين تحميهم السلطة. أما النمط الثالث فهو الضابط الشريف المخلص لوظيفته، ويمثله محمد فوزى (عزت العلايلى).

بدون شك نجحت تجربة «أهل القمة» ومن قبله «الكرنك» فى التعبير عن حقيقة داخل الناس فأقبلوا عليهما، وكان فيهما صدق للواقع وتحليل للناس لما يرونه فى أنفسهم.

وفى اطار نفس موجة الافلام التى تناولت مرحلة الانفتاح الاقتصادى فى المجتمع المصرى يجىء ايضا فيلم (زمن حاتم زهران) عام 1986، وهو من انتاج وبطولة الفنان نور الشريف، فى سادس تجربة انتاجية له، بعد افلام: دائرة الانتقام ـ 1976، قطة على نار ـ 1977، ضربة شمس ـ 1978، حبيبى دائما ـ 1979، آخر الرجال المحترمين ـ 1984.

كما يقدم مخرجا جديدا هو محمد النجار، ايمانا منه بضرورة اعطاء الفرصة للجيل الجديد، بعد ان قدم المخرجين سمير سيف ومحمد خان.

شاهدنا حاتم زهران نموذجا للرأسمالى المصرى الجديد القادم من امريكا والحاصل على الدكتوراه فى الادارة، يسعى جاهدا لتنفيذ مشروع إنشاء مصنع لانتاج مستحضرات التجميل. وبقدر ما ادان العمل الممارسات الشخصية له تجاه اخيه والمحيطين حوله بقدر انه لم يدن حاتم نفسه مثلما حدث فى اعمال سابقة. لكن فى النهاية لم نملك سوى الاعجاب بهذه الشخصية التى قدمها النجار عبر لقطات ذكية.

لقد ارتبط اسم نور الشريف بالعديد من الافلام المهمة التى تناولت فترة الانفتاح الاقتصادى من بينها «كتبة اعدام» وهو اول تجربة سينمائية للمؤلف الكبير اسامة انور عكاشة والتى تدين الفترة وان كانت وصلت لدرجة خيانة الوطن.

واعتمد فيلم (كتيبة اعدام) على حكاية مصرع رجل وابنه، لنشاهد، بعد عشرين عاما، ابنة القتيل تخطط للانتقام والثأر من المحكوم عليه ظلما بقتلهما وقد أراد مخرج الفيلم عاطف الطيب مع بطله ومؤلفه أن يكون للعمل بعد سياسى، ببعض الحيثيات والإسقاطات وكأنها ـ قضية شرف ودفاع عن الوطن، حيث نعرف بأن القتيلين (الرجل وابنه) من رجال المقاومة الشعبية أثناء حرب أكتوبر 73، وأن الذى قتلهما هو موظف البنك المكلف بتوصيل المليون جنيه، هى مرتبات الجيش الثالث. وأنه قام بقتلهما حتى يتسنى له سرقة هذا المبلغ، لذلك يتم القبض عليه وإيداعه السجن. إلا أن أحداث الفيلم توصلنا إلى نتيجة أخرى، وهى أن هذا الموظف برىء من القتل والسرقة، وأن القاتل هو العدو الإسرائيلى، الذى استعان برجل خائن مقابل ذلك المبلغ الكبير. والذى يصبح هذا من كبار رجال الأعمال، بعد أن أصبح صاحب أول سوبرماركت فى مصر بعد الحرب، ونسجت الحكاية كلها لإدانة الطبقة الطفيلية التى ظهرت فى المرحلة.

وفى اتجاه اخر قدم نور الشريف فيلم (حبيبى دائما)، الذى يعد إحدى ايقونات السينما المصرية على مدى تاريخها مع المخرج حسين كمال، فهو بحق ميلودراما مغلفة برومانسية استوحى قصته السيناريست رفيق الصبان عن قصة حب حقيقية.

وفى محطة اخرى استعرض نور الشريف ملامح اخرى من ابداعه فى الاداء التمثيلى مع المخرج العبقرى يوسف شاهين فى فيلم حدوتة مصرية ـ فهو واحد من الأفلام القليلة فى تاريخ السينما المصرية، التى توصف بالجودة والعمق والإبهار. ففى فيلمه هذا، وضع شاهين خلاصة تجاربه ومعاناته وتمرده وإحباطاته وانتصاراته.. وقد هزنا من الاعماق بل واستحوذ على تفكيرنا مما جعل النقاد العالميين فى مهرجان برلين الدولى يجمعون على الإشادة بمستوى الأداء التمثيلى.

فكان نور الشريف فى أنضج ظهور له على الشاشة وهو يمثل دور شاهين، أى شخصية يحيى شكرى مراد ليجسد السيرةالذاتية كإنسان وفنان، بكل ابعادها العاطفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والوطنية وهو بالتالى إبحار بالذات.. ذات وطن ومواطن، جسد الشريف معاناة شاهين مع اسرته، ثم مع ذاته بما تختزنه من مكنونات وتجارب فى الوعى واللاوعى فى محاكمة للحياة وللحلم ولا اروع بين حاكم ومحكوم.

الفيلم اثار بحق الكثير من القضايا على مستوى الفكر والأسلوب السينمائى والتقنية الفيلمية، بما يطرحه من قوالب وأشكال فنية.

####

«خالد محمود»: «الشريف» قدم رؤى تهم المواطن.. وأفلام الراحل عبرت عن عصر الانفتاح

الشروق

قال الناقد الفني، خالد محمود، إن الفنان الراحل نور الشريف، قدم أفكارًا ورؤى كلها لها علاقة بالمجتمع سواءً في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، لافتًا إلى أنّ الفنان الراحل تأثر بالمخرج صلاح أبو سيف.

وأضاف «محمود»، في برنامج «مصر في ساعة»، الذي يذاع على «الغد العربي» الإخبارية، مع الإعلامي محمد المغربي، أن أفلام الراحل نور الشريف، عبرت عن عصر الانفتاح، وأيضًا عن المشاكل التي يعاني منها المواطن البسيط.

وتابع: «رأيت حزن حقيقي في قلوب وعيون كل نجوم السينما المصرية»، مضيفا «نور الشريف قدم نجومًا في كل مجالات العمل السينمائي».

ولفت إلى أن الفنان الراحل نور الشريف، قال أكثر من مرة: إنّه «غير راضٍ عن 60% من أعماله»، متابعًا أنّ معهد الفنون المسرحية ليس له أي قيمة حاليًا في ظل انتشار المدارس الفنية الخاصة.

وأشار إلى أن الرئيس الراحل ياسر عرفات، كان له علاقة وطيدة بالفنان نور الشريف.

الشروق المصرية في

14.08.2015

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2015)