كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 
 
 

فاتن.. وبس!

بقلم: سمير فريد

عن رحيل سيدة الشاشة العربية

   
 
 
 
 

تألمت مثل إعلاميين فى مصر والعالم العربى عندما علمت، أمس الأول، بوفاة الفنانة فاتن حمامة. أرسلت لى جوسلين صعب الخبر المؤلم عبر التليفون المحمول، وذكرت فى رسالتها أن صوتها لايزال يتردد فى سمعها، وكانت المخرجة اللبنانية آخر من التقى معها من السينمائيين فى منزلها للحوار حول فيلم جديد، وكنت فى انتظار معرفة ما الذى دار فى ذلك الحوار، ولم أتوقع أبداً أن يكون الخبر هو الموت، رغم الوعكة الصحية التى أصابتها منذ أسابيع، ورغم ثقل السنين «٨٤ عاماً».

وكانت جوسلين قد التقت مع فاتن حمامة، عام ٢٠١٣، عندما سافرت إلى العاصمة اللبنانية لتسلم الدكتوراة الفخرية من الجامعة الأمريكية فى بيروت، وهى الرحلة التى أصبحت آخر رحلاتها خارج مصر، وقد كنت على اتصال بالفنانة الراحلة عبر التليفون فى مكالمات تطول أحياناً حسب رغبتها، فلم أشأ أن أثقل عليها أبداً، وكانت آخر مكالمة عندما دعوتها لافتتاح معرض مئوية ميلاد مخرجها الأثير بركات، فاعتذرت لصعوبة الحركة وخشية الزحام، وقالت سوف أكون معكم بروحى، وبالفعل كانت معنا بروحها فى المعرض الذى أقيم فى إطار الدورة ٣٦ لمهرجان القاهرة التى توليت رئاستها، وسوف تظل حاضرة بروحها وأفلامها دائماً.

علاقتى مع فاتن حمامة طويلة ومركبة، وقد شرفتنى باختيارى لتحرير الكتاب التذكارى الذى أصدرته وزارة الثقافة عنها عند تكريمها فى المهرجان القومى للسينما المصرية، عام ١٩٩٥، ومن المعتاد أن يكون لكل كتاب من هذه الكتب عنوان، ولكنى اكتفيت باسمها، اقتداءً بعنوان مقال أستاذها زكى طليمات المعنون «فاتن.. وبس»، وقتها اتصل بها وزير الثقافة الفنان فاروق حسنى ليحصل على موافقتها، ثم اتصل بى وقال إنها وافقت وطلبت طلبين الأول أن أكتب الكتاب، والثانى عدم استخدام «الليزر» فى حفل الافتتاح!

وكان من المعتاد أيضاً أن تقرأ الشخصية المكرمة الكتاب التذكارى قبل صدوره، ولكن فاتن حمامة قالت لى: «سوف أقرأ الكتاب بعد صدوره لأننى أثق فى موضوعيتك»، وسوف أذكر ما لها وما عليها، وهذا ما كان، وقد ذكرت هذه الواقعة فى الكتاب، وعلقت «إننى أقول لها إن كل شىء لها، وليس عليها شىء، كلنا - جمهور السينما والنقاد والعاملين فى السينما - مدينون لفاتن حمامة، وهى ليست مدينة لأحد، لقد أمتعتنا بفنها أكثر من نصف قرن، والموضوعية الحقيقية أن ننحنى ونقبل يديها جزاء ما قدمت لنا من متعة فنية».

وجاء فى مقدمة ذلك الكتاب: «حين نقول السينما العربية، أى الناطقة بالعربية، نعنى فاتن حمامة، وحين نقول فاتن حمامة، نعنى السينما العربية، فهى أكبر رموزها الشعبية، مثل سيد درويش فى الموسيقى، وأم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش فى الغناء، ومحمود مختار فى النحت، ونجيب محفوظ فى الرواية، ويوسف إدريس فى القصة القصيرة، ومحمود سعيد ويوسف كامل وراغب عياد فى الرسم، وطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم فى الأدب، ويوسف وهبى فى المسرح، وغيرهم من أعلام مصر فى القرن العشرين فى مجالات الإبداع المختلفة»، رحم الله سبحانه وتعالى الفنانة الكبيرة بقدر ما أعطت.

المصري اليوم في

19.01.2015

 
 

بل كان وداعاً لا يليق بها

بقلم   سمير فريد

أما هى ففى رحاب الله سبحانه وتعالى بعيداً عن كل ما يحدث فى عالمنا، ولكنى لا أصدق أنها أوصت بعدم إقامة عزاء، وأرى أن جنازتها لم تكن لائقة بها، بل وكل القرارات التى اتخذت بعد وفاتها.

كان الصحيح فور وفاة فاتن حمامة أن تعلن الأسرة الخبر رسمياً عن طريق وكالة أنباء الشرق الأوسط، وأن تكون الجنازة بعد يوم أو اثنين بالتنسيق مع وزارة الداخلية لتكون مثل جنازة أم كلثوم الموثقة بالسينما، وكانت جنازة رسمية وشعبية منظمة مثل جنازات كل الشخصيات الكبيرة، ولإتاحة الفرصة لمن يريد المشاركة فيها من خارج مصر، وأن يقام العزاء فى نفس يوم تشييع الجنازة.

وكان هذا يتفق مع شخصية فاتن حمامة التى عرف عنها حب النظام والنظافة والأناقة فى كل شىء، لقد كانت الجنازة عشوائية، ولم تكن الفنانة الكبيرة تكره أى شىء قدر كراهية العشوائية: حتى علم مصر الذى كان على التابوت أثناء الصلاة سقط فى الطريق إلى السيارة التى حملته إلى المقبرة، وحتى فى المدافن كانت الفوضى شاملة، وبالطبع لم يكن هناك وقت لكتابة أن هذه مقبرة فاتن حمامة، وكذلك لإقامة شاهد المقبرة وتاريخ ميلادها ووفاتها، وكم كانت المذيعة التليفزيونية بوسى شلبى على حق عندما قارنت بين جنازة فاتن فى القاهرة وجنازة صباح فى بيروت، وتحسرت على حالنا فى مصر.

كانت جنازة نجيب محفوظ، أكبر رموز الأدب العربى والعالم، عشوائية أيضاً، والمقارنة بين جنازتى أم كلثوم وعبدالحليم حافظ فى سبعينيات القرن الماضى، وجنازتى نجيب محفوظ وفاتن حمامة فى مطلع القرن الجديد، تبدو كأننا كنا فى مصر أخرى.

والآن السؤال عن متحف فاتن حمامة، وقد سألنى الكاتب والأديب والمذيع التليفزيونى محمود الوروارى عندما استضافنى فى برنامجه «الحدث المصرى»، على قناة العربية الحدث، يوم جنازة الراحلة الكبيرة عن مسؤولية الحكومة، ممثلة فى وزارة الثقافة، عن إقامة ذلك المتحف، وكانت إجابتى بل هى مسؤولية عائلة فاتن، وبالتحديد ابنتها نادية عزالدين ذوالفقار، وابنها طارق عمر الشريف، فليس لدىَّ أى أمل فى أن يقام هذا المتحف بواسطة وزارة الثقافة.

المطلوب فيلا صغيرة تشتريها العائلة أو يتبرع بها أحد كبار رجال أو نساء الاقتصاد، وسوف يكون التمويل ميسوراً بعد ذلك لإقامة متحف فاتن حمامة فى القاهرة.

تصويب:

وقع فى عمود «صوت وصورة»، أمس، عن فاتن حمامة خطأ مطبعى فى السطر الأول، حيث نشرت عبارة «تألمت مثل إعلاميين»، والصحيح «تألمت مثل الملايين فى مصر والعالم العربى».

المصري اليوم في

20.01.2015

 
 

عاشقة السينما ومعشوقة الجمهور:

فاتن حمامة أو السحر الغامض!

بول شاوول

من الوجوه السينمائية التي اختمرت وانضرت في ذاكرتنا منذ الطفولة وحتى اليوم، وجه فاتن حمامة، ابتداء من «يوم سعيد» في نهاية الثلاثينات وكانت في السابعة وكان لها الحضور الطفولي «البارع» إلى جانب محمد عبدالوهاب، وحتى اليوم، حتى آخر فيلم قدمته «أرض الأحلام».
فاتن حمامة، من تلك النجوم التي تفرض إيقاعاتها على الفيلم الذي تشترك فيه، وكانت دقتها في المواعيد للتصوير يضرب بها المثل، نشأت فاتن حمامة، كما شاهدنا، مع كوكبة، في ما يسمى «الزمن الجميل»: شادية، ماجدة، هند رستم، سميرة أحمد، تحية كاريوكا، صباح، سامية جمال، هدى سلطان، مديحة يسري، نجوى فؤاد، سميحة أيوب ونور الهدى، وصولاً إلى يوسف وهبة وأنور وجدي وكمال الشناوي ومحسن سرحان وشكري سرحان ومحمد مرسي وعمر الحريري وأحمد مظهر وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ... وعمر الشريف وحسين صدقي. على كواهل هؤلاء النجوم قام الزمن الجميل للسينما، ليقف وراءهم مجموعة من المخرجين الكبار، كأحمد بدرخان ومحمد كريّم وهنري بركات وعاطف الطيب وحسن الإمام وعزالدين ذو الفقار ويوسف شاهين وكمال الشيخ وصلاح أبو سيف وصولاً إلى خيري بشارة وداوود عبدالسيد من مخرجي المرحلة اللاحقة.

لم تكن فاتن حمامة تتمتع بصفات «الإغراء» الرائجة آنئذ كهند رستم: مارلين مونرو الشرق، ولا بالجمال التقليدي كليلى فوزي أو مديحة يسري، لكنها، وبقامتها «الصغيرة» ذات السحر الآخر، السحر الداخلي، ووهج العينين، وغموض ما فيهما أحياناً، وإشعاع ما ترسلهما من ابتسامة، والصدق الناضج من أدائها، احتلت شيئاً فشيئاً الموقع المتقدم بين النجوم النسائية كافة.

حتى في فيلمها الاول وهي في السابعة، كان يمكن بسهولة استشفاف موهبة مبكرة. وإذا كانت فاتن حمامة اشتركت في بطولة أكثر من مئة فيلم، فإن معظم هذه الأفلام قلّما سقطت في الابتذال، او لبّت نداء التنازل، بقيت على مستوى واحد، وأحياناً كثيرة على صورة واحدة: اليتيمة المقهورة، ضحية المجتمع التقليدي، حيث تجتمع الدراما والميلودراما في سياق متواتر. هذا «الوجه» الطيب، أو هذه الصورة بالأبيض، مكتنزة الخير والعطاء، وفريسة الظروف القاهرة، كأنها هيمنت على معظم أعمالها. فهل تكون فاتن حمامة حرصت على هذه الأدوار (غير الشريرة)، فالتصقت بها، وطبعتها بطابعها؟ قد يكون الأمر كذلك، لكنها، إلى هذه الإطلالات الرومانسية، والعاطفية، التي تتوالى بشبه وتيرة معهودة من الأدوار، تمكنت أن تتميز بكل لقطة، سحر اللقطة المميزة. سحر السر في الدور المكشوف، سحر الالتباس في الشخصيات المبسطة، الشائعة، التي عرفناها عند مريم فخرالدين وماجدة ومديحة يسري. بمعنى آخر، كانت فاتن حمامة تعطي الدور البسيط جاذبية الصعب، هكذا، تحوّل السهل، المبسط، إلى ما يتجاوزهما، عبر تحويلهما إلى عمق ونبرات الداخل، وإلى تنويع التعبير الصوتي، بمستوياته، ونبراته، وكذلك في قسماتها التي تحمل على الرغم من جمال عادي، تلك الكاريزما، أو النكهة المجهولة، أو السحر الخاص، خصوصاً في عينيها، لكن لم تتوقف فاتن حمامة عند هذه الأدوار الرومانسية، أو الاجتماعية، من موقع الضحية، أو الضعيفة التي تتراكم عليها بلايا الظروف، فهي أدت أدواراً مركبة، لعبت فيها شخصيات سلبية (شريرة) كما في فيلم «لا أنام» (مع يحيى شاهين وعمر الشريف وهند رستم ورشدي أباظة ومريم فخرالدين). إنه دور قد لا ينجذب إليه الجمهور كثيراً لأنه لا ينحاز إلى الشخصيات الطيبة. لكنها، وفي هذا الفيلم، عرفت كيف تلائم بين هذا الدور المحصور في تكوينه السلبي، إلى ما هو أعمق: إلى السؤال، أو فلنقل إلى الحيرة. فهي لم تكن زوزو نبيل في أدوارها القاسية «الشريرة»، ولا نجمة ابراهيم «ريا وسكينة» الأقسى في الأدوار النسائية... وإلى جانب هذا الفيلم شاركت في فيلم رائع «الباب المفتوح» ذي الإخراج المتميز، والسياق الحي، والموضوع «النضالي» السياسي الشبابي لكن بطريقة غير مباشرة. هنا، وفي هذا الفيلم عندنا فاتن حمامة أخرى: قوية من الداخل، عنيدة في إصرارها، مؤمنة بأحلامها، مناضلة على طريقتها. كان هذا الدور من أجمل أدوارها، وأكثرها «تركيباً».

كذلك سطعت فاتن حمامة في دورها الرائع في «الحرام» (كتابة يوسف ادريس وإخراج هنري بركات) دور الريفية التي تشهد على واقع التخلف الاجتماعي، والقسوة، والعنف، والاضطهاد، والخضوع لنواحي البيئة المتخلّفة.. هذا الفيلم من روائع السينما المصرية (صنف بين أفضل عشرة أفلام في السينما المصرية)؛ وقد لمعت كذلك في فيلم «دعاء الكروان» (تأليف طه حسين وإخراج هنري بركات)، وهو رائعة أخرى في السينما العربية، اشتركت فيه مع أحمد مظهر. وكان من الأفلام ذات الصوت التراجيدي المدوي: أيضاً «القيم» المتوارثة الظالمة، العنيفة، تعبر عن هذه الفاجعة التي يذهب ضحيتها حبيبها الكاتب بعدما وقع في غرامها، وهي الخادمة البسيطة التي هربت من الريف. لحقت بها لعنة «التقاليد» السوداء إلى المدينة، بل إلى البيت. ولعلّ فيلم «الليلة الأخيرة» لكمال الشيخ، من أكثر أفلامها التباساً، إنه فيلم ذو «رؤيا» جديدة ونظرة سينوغرافية وإخراجية يجمع بين الحبكة البوليسية والتناقض الاجتماعي.

وقد شاركها في الفيلم إثنان من كبار الممثلين أحمد مظهر ومحمود مرسي. أما الأفلام التي تلتقي هذه الوجهة المتنوعة عند فاتن حمامة، فيمكن اعتبار «صراع في الوادي» (إخراج يوسف شاهين، ومشاركة عمر الشريف وزكي رستم) من الأفلام المنكشفة الجريئة «الجديدة» التي تبشر بأفق جديد للسينما؛ ودورها هنا ممزق بين حالتين: بين عشقها لعمر الشريف المتهم بقتل أحد الأشخاص، وبين والدها الطاغية، الساعي إلى الانتقام من «الشاب» عمر الشريف بإلصاق التهمة به، كأنهما دوران في دور واحد، تمكنت فاتن حمامة، في ظل هذا التمزق، أن تبقي المساحة الأدائية الوعرة التي تحركت ضمنها.

ويمكن الإشارة إلى فيلم «نهر الحب» لعزالدين ذو الفقار (زوجها السابق)، وهو اقتباس لرواية «أنا كارنينا« لتولستوي.

وهذا الفيلم الذي تخرج فيه الشخصية عن قواعد اللعبة الزوجية المرتكزة على الاخلاص تلتحق بأحلامها وببطلها السحري تمكنت فاتن حمامة ان تعطيه بعداً انسانياً (كالذي اعطاه تولستوي) أي دور القدرية التي يعجز الإنسان عن ردها. ومعروف أن هذه الرواية تقترب كثيراً من رواية الروائي الفرنسي فلوبير «مدام بوفاري»، العقدة ذاتها، والنتائج ذاتها: الضحية تدفع ثمن الظروف وضيق المجتمع، وسلبيته. أما فاتن «المتمردة»، المناهضة للأعراف والقوانين الوضعية المهيمنة، فتظهر في فيلم «أريد حلاً»! إنه الفيلم الذي دوى بجرأة مقاربته، ورفضه هذه السلطة في يد رجل. مع رشدي أباظة حوّلت هذا الفيلم إلى مقارعة عنيدة، لجوجة، وإلى كشف روتين الإدارة، وانحيازها إلى الرجل، واستهتارها بالمرأة، إنها من الأصوات السينمائية العربية الأكثر دوياً. وهذه الثورة أثمرت وحققت مبتغاها عندما عمدت الإدارة المصرية الرسمية إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية، واكتسبت المرأة عبر التعديل حق المطالبة بالطلاق. وهنا يمكن التفكير بفيلم «ليلة القبض على فاطمة» (إخراج هنري بركات) ومشاركة شكري سرحان، الذي يفضح فساد الطبقة الجديدة الحاكمة بشعارات الثورة، ويفضح عمق الانتهازية عند هؤلاء إلى الدرجة التي عمد فيها شقيقها التي ربته، إل اضطهادها واتهامها بالجنون، وسجن حبيبها شكري سرحان، ولا بد هنا من ذكر أول فيلم مع عمر الشريف، وهو الفدائي المناضل ضد العدو، وهي «البدوية» التي تساعده، بطيبتها، وإيمانها وحبها. لكن لا بد هنا من الكلام على الثنائي عمر الشريف وفاتن حمامة، لعبا معاً أكثر من 15 فيلماً، منها «نهر الحب» و»أيامنا الحلوة» (أول فيلم لعبدالحليم حافظ وأحمد رمزي)، و»صراع في النيل» و»سيدة القصر» و»صراع في الوادي»... من دون أن ننسى الأدوار العديدة مع عماد حمدي وكمال الشناوي وشكري سرحان ويحيى شاهين ورشدي أباظة. ومن ذلك شكلت مع شادية، خصوصاً في بداياتهما ثنائياً ناجحاً في أفلام عديدة، وكذلك مع مريم فخرالدين وماجدة. ومن الممثلين إلى المطربين، فقد كانت فاتحة أفلامها وهي لما تتجاوز السابعة فيلم «يوم سعيد» مع عبدالوهاب، ثم لعبت ثلاثة أفلام مع فريد الأطرش: «لحن الخلود» في بداياتها (بمشاركة ماجدة ومديحة يسري)، وآخر أفلام فريد الأطرش «الحب الكبير» (صوّر في لبنان عام 1970 أي قبل رحيله بأربع سنوات). كما مثلت مع محمد فوزي، خصوصاً عبدالحليم حافظ فيلمين لقيا نجاحاً كبيراً. بالطبع لا يمكن إغفال أن البطولة الطاغية هي للمطربين، لكن تمكنت فاتن حمامة مع هؤلاء الكبار أن تحتل موقعاً جاذباً، وحضوراً قوياً وإسهاماً كبيراً في إنجاح هذه الأفلام «الغنائية».

ولا بد هنا، وليس عن طريق المفاضلة، التوقف عند مقارنة شادية بفاتن حمامة. وشادية كما هو معروف، دخلت السينما كمطربة، و»دلوعة» وأفلام كوميدية، خفيفة، بثنائية جميلة مع كمال الشناوي. لكن يقال أن شادية، التي اكتفت بالتمثيل عند نضجها الأدائي، سجلت تنوعاً، وتجرؤاً في أفلامها، أكثر مما تلقاه عند فاتن حمامة. هذا صحيح: لعبت شادية الأدوار الشريرة والمومس (المومس في اللص والكلاب، والمرأة المجهولة، والجريمة والعقاب)، كما لعبت أدواراً قوية من أعمال كبار الكتاب كنجيب محفوظ كـ»زقاق المدق» (وهنا يمكن ملاحظة هذه المفارقة: أن المطربين الرجال في السينما العربية ظلوا مطربين حتى آخر أيامهم خصوصاً في السينما، أما المطربات مثل شادية وهدى سلطان، فقد تركتا الغناء إلى الأدوار المتنوعة. وكذلك الراقصات كتحية كاريوكا ونجوى فؤاد). لكن السؤال هل يمنح هذا التنوع عند شادية أسبقية على فاتن حمامة، أي هل يكسب عامل «التنوع» هذا سمة «التفوق»، أو التقدم؟ بالطبع لا! فهدى سلطان نوّعت أفلامها، وكذلك سناء جميل (بطلة رائعة صلاح أبو سيف بداية ونهاية لنجيب محفوظ، بالاشتراك مع فريد شوقي وعمر الشريف)، وكذلك ماجدة (وإن بنسبة أقل) وكذلك هند رستم؟.. لكننا عندما نقارب شادية بفاتن حمامة فلقرب الإثنتين من مناخ متشابه، وحتى متشابك. لكن تبقى فاتن حمامة على خط موصول من الأفلام ذات القيمة السينمائية المتوازية والمستويات العالية. ولا بأس إذا عرّجنا قليلاً إلى تلقيب فاتن حمامة بـ»سيدة الشاشة العربية»، وهو لقب كان يزعج الكثيرات لا سيما مريم فخرالدين عندما قالت في إحدى مقابلاتها التلفزيونية «هي سيدة الشاشة ونحن إيه، جواري؟». والألقاب مشهورة في الأدب والشعر والمسرح والسينما العربية، فيوسف وهبة عميد المسرح العربي، وسميحة أيوب سيدة المسرح العربي، وأحمد شوقي أمير الشعراء، وسعاد حسني سندريلا السينما العربية، وهند رستم مارلين مونرو السينما العربية... لكن فاتن حمامة بقيت خارج هذه السجالات بل وبعيداً من الدوائر والشكل والأضواء الإعلامية، والمقابلات... لم تخض في طبيعة هذه الألقاب، ولا في قبولها أو رفضها، المهم أن الناس جميعاً كتبوا أن فاتن حمامة «سيدة الشاشة العربية».

لم يجذب المسرح فاتن حمامة ولا شادية. مثلت هذه الأخيرة كوميدية مسرحية واحدة هي» ريا وسكينة« مع سهير البابلي. أما فاتن حمامة فقد ظهرت في «كرسي الاعتراف» مع يوسف وهبة» في فيلم مصور مسرحياً، أو مسرحية ركبت كفيلم. وهذا حررهما من الارث المسرحي، والأداء المسرحي في السينما. ففاتن حمامة لا تحمل آثار ولا النبرة المسرحية، ولا الحركة المسرحية: ولدت في السينما وحافظت على ادائها السينمائي الخالص، بينما نجد ان امينة رزق وحسين رياض ويوسف وهبه، وحتى سناء جميل، (مسرحية كبيرة: آخر ما نشاهد لها في الثمانينات مونودراما «الحصان» وكانت رائعة). وعبد الوارث عسر ومحمود مرسي وميمي شكيب، وهذا طبيعي، لان من صنعوا مسرح بداية القرن في مسرح، هم الذين صنعوا السينما كجورج ابيض ويوسف وهبه اللذين تنافسا على تقديم اول فيلم ناطق في الثلاثينات، وربح الرهان يوسف وهبة. وهذا ما نجده حتى في السينما المصرية العائدة الى تلك الفترات القديمة التي كان يمتزج فيها الاداء المسرحي والسينمائي. لكن ما بلغت عند فاتن حمامة، ليس فقط خلو ادائها من المسرحية بل من التلفزة، وهو الاثر الذي طاول الكثيرين في السينما والمسرح، ليس في الاداء فقط بل في الديكورات، والسينوغرافية، وقد شهدنا هذه الظاهرة المتداخلة في الفنون الثلاثة في الأعمال التي قدمت في التسعينات. عندما بتنا لا نفرق بين العمل المسرحي، والتلفزيوني، وصولاً الى طريقة الحوار، واللقطة، والمشهد، والسياق.

فاتن حمامة كعمر الشريف وكمال الشناوي ويحيى شاهين، وماجدة.. الخ، هم سينمائيون، لم يقعوا في السينما بلعبة المسرح.

حاولنا قدر الامكان متابعة مشوار فاتن حمامة، (الذي يحتاج الى اكثر من هذا الحيز) والغني، الثري، الشغوف، الصادق.. الدقيق، الموصول بمستوياته، وانتاجاته. لكن فاتن حمامة، تبقى تلك الشفافية النافذة. ذات العينين اللتين تختزنان، بغموضهما، اذا تعثرت، وبقوتهما، واشعاعهما اذا ابتسمت، بكل وجهها. اعمق ما عند فاتن حمامة: عيناها. ووجهها المتسع لكل الحالات الكوميدية (الاستاذة فاطمة)، والميلودرامية (اليتيمتان) والدراجة القصوى (الباب المفتوح)، والمواجهة (اريد حلاً).. والتمزق (موعد مع الحياة)، والحيرة في (سلو قلبي)..

انها فاتن حمامة، كأنها ولدت في احد ادوارها، ورحلت في ادوار أخرى، او ترعرعت في فيلم طويل من عشرات الافلام، ونضجت في فيلم آخر من عشرات الفيلم، وكبرت وشاخت في فيلم يختصر كل حياتها ومسيرتها!

لماذا تجاهلت القنوات السينمائية حدث رحيل فاتن حمامة؟

لاحظنا ان بعض الأقنية المصرية السينمائية مثل «أفلام« و»كلاسيك»، و»سينما» لم تغط كعادتها رحيل فاتن حمامة. فمن عادتها ان تعلن بعنوان دائم النجوم المصريين أو العرب، «وداعاً فلان الفلان». هكذا فعلت مثلاً مع أحمد رمزي، «وداعاً أحمد رمزي» ومع مريم فخر الدين، وصباح، وعمر الحريري وسعيد صالح وآخرين. هذا العنوان اختفى ولا نعرف لماذا؟.

ودرجت هذه الأقنية تقديم افلام «الراحلين» أو مقابلات أجريت معهم. وهذا شبه غائب بالنسبة إلى فاتن حمامة. حاولت في الليلة الأولى مثلاً أن أتأكد من رحيل فاتن حمامة، ولا خبر ولا عنوان عن هذا الرحيل، ولا فيلم، ولا رثاء. لا شيء مما اعتادت هذه القنوات تقديمه. وعندها في الصباح التالي كررت المحاولة ذاتها، فوقعت على افلام لمحمد هنيدي، وأحمد السقا، ومريم فخر الدين. لا شيء تقريباً، سوى فيلم على قناة «كلاسيك». والغريب ان يتولى التلفزيون المصري الرسمي اعلان خبر وفاة النجمة الكبيرة.

السؤال: لماذا خرجت هذه القنوات عن «عاداتها» المعهودة! الأسباب معينة خاصة وان فاتن حمامة لم تكن مدمنة مقابلات صحافية أو تلفزيونية؟ أو ان هناك خلفيات أخرى، مجهولة، قديمة أو حديثة؟

السؤال مربك بلا جواب.

فلعل الأيام الآتية توفر لنا بعض التفسيرات.

ب.ش
عمر الشريف لم يحضر جنازة فاتن حمامة

لم يحضر عمر الشريف، زوجها السابق، ورفيقها في أفلام عديدة، مراسم جنازة فاتن حمامة.

السبب ليس اجتماعياً، أو موقفاً معيناً، باعتبار انه مضى على طلاقهما اكثر من 20 عاماً. لم يحضر لأن عمر الشريف غير قادر على ذلك، بسبب وجوده في اسبانيا للمعالجة، وهو في وعكة ليست سهلة. بل يقال انه يعاني مرضاً خبيثاً.

ان هذا الثنائي الأسطوري، الذي جمعته السينما، وفرقته الحياة، ربما لم تفصله الذكرى، ولا الحنين، فعمر نجم هوليوودي انفتح كل العالم له، وفاتن حمامة، بقيت في مصر، تصارع، وتكافح، في حياتها، ومن اجل السينما، وفي السينما، ومن اجل القضايا الاجتماعية وحتى السياسية، وإن من مواقع غير شعارية ـ ولا خطابية..

هل افتقدت فاتن عمر؟ في وداعها الأخير؟ وكيف تلقى عمر، وهو المستشفى رحيل زوجته الرائعة؟

المستقبل اللبنانية في

20.01.2015

 
 

لمسات .. فاتن حمامة

كمال رمزي

منذ خمسة أعوام، التقيت السيدة المضيئة. المناسبة، تكريم مهرجان دبى لها وتكليفى بإجراء حوار طويل معها.. ولأننى، من الجيل القديم، الذى يذهب إلى المحطة قبل وصول القطار بساعة، توجهت إلى فيللا الأستاذة مبكرا، فى المساء.. كنا فى الشتاء، وبرغم لسعة برد ديسمبر، لمحت قطرات العرق تتفصد من جبهة المصور الكبير، الموهوب، رمسيس مرزوق، لتختفى بين شعر لحيته التى بدت مبتلة، كأن صاحبها خارج من الحمام، ولم يجففها بعد.. رمسيس، ومعه عدة عمال، يوزعون لمبات الكهرباء فى الصالة، ويجهزون آلات التصوير.. وهو، بخفة ونشاط، يصعد على السلم الخشبى النقال، ليضع فرخ الجلاتين أمام هذا «البروجيكتور» وذاك.. جلست فى الشرفة أنتظر.

فى الموعد المحدد، بالدقيقة، جاءت فاتن وجهها البشوش محلى بتلك الابتسامة المشرقة، النابعة من قلب دافئ. ترتدى فستانا أنيقا وبسيطا، تصافحنا.. بعد جلوسها بفترة وجيزة، جاء من يحمل صينية عليها فنجان قهوة وكوب ماء. وضعها على منضدة صغيرة، وفى لمسة متحضرة، تعبر عن ذوق رفيع، قامت، لتقدم فنجان القهوة، بنفسها.. وجدت، فى سلوكها الرقيق، ما يستحق أن يشار له، بإعجاب صادق، لم استطع ان أتوقف عن حكايته، للشخص الواحد، عدة مرات.

أثناء الحوار جاء رئيس المهرجان، عبدالحميد جمعة، مرتديا جلبابه الأبيض، حاملا معه الدرع التى ستتسلمه فاتن، لأنها لن تحضر المهرجان بنفسها.

انتقلنا إلى الصالة، حيث سيسجل رمسيس وقائع تسليم الدرع، مع ترحيب نجمتنا بالضيف، مع جملة تحية لشعب الإمارات، وعدة كلمات من جمعة، يقول فيها: أتشرف بتقديم درع التكريم لسيدة الشاشة الأولى.

على اليسار، فى الصالة، ثمة باب، من المفروض خروج فاتن منه، للترحيب بالضيف الواقف فى المنتصف، ثم تبادل العبارات.. طلب منى رمسيس الجلوس على مقعد فى صالون الصالة، كى أصفق عقب تقديم الدرع.. قلت: لا بأس أن أكون «كومبارسا» مع فاتن حمامة.

بعد البروفة، أعيد التصوير عدة مرات.. مرة لأن فاتن سارت بسرعة، ومرات لأن فترات الصمت طويلة، ومرات لأن عبدالحميد جمعة تلعثم، أو نسى ترتيب الكلمات، كأن يقول: درع التكريم هذه أقدمها.. ثم يتوقف.. حمدت الله أننى مجرد «كومبارس» صامت، غير متكلم.

من موقعى، رأيت فاتن حمامة، الواقفة عند الباب، وقد بدا الإنهاك واضحا على وجهها، وإسناد جسمها على خشب الباب.. لكن ما أن تتحرك حتى تدب الحيوية فى كيانها كله.. أقدامها تتحرك بخفة ونشاط، ملامح وجهها تسترد رونقها.. صوتها الرقيق، العذب، يأتى صادقا، محببا.. عندئذ، لمست بوضوح، ذلك الجلد على العمل، والإصرار على إجادته، بصبر، أتاح لها بطولة أكثر من مائة فيلم، فضلا عن عدة مسلسلات.

الحديث مع فاتن حمامة، إلى جانب ذوقه المرهف، يجعلك ترى، بوضوح وبساطة، ما كان خافيا عليك.. فمثلا، من الأمور التى حيرتنا، البحث عن سبب عدم قيام فاتن حمامة بتمثيل إحدى شخصيات نجيب محفوظ. جاءت إجابتها كالتالى: حين انتبهت السينما لروايات نجيب محفوظ، كنت فى مرحلة عمرية تجاوزت أعمار أبطاله، كما لم أكن قد وصلت لسن الأمهات فى أعماله، لذا فاتنى قطار روايات نجيب محفوظ.. أردفت تقول: علاقتى الفنية بالروائى الكبير بدأت مبكرا، من خلال السيناريوهات التى كتبها أو شارك فى كتابتها، ابتداء من «لك يوم يا ظالم» لصلاح أبوسيف 1950، حتى «امبراطورية ميم» لحسن كمال 1972.

عن نجيب محفوظ، قالت: إنه من أذكى وأظرف وألطف من قابلتهم. يدرك المفارقات فى المواقف، يفاجئك بتعليقات ساخرة، شديدة العمق، لا تخطر على بال.

قادنى حديثها عن نجيب محفوظ إلى سؤالها عن الأدباء الآخرين، كيف تراهم، فكريا وإنسانيا.. برحابة، ونفاذ بصيرة، تكلمت عن يوسف إدريس: انه متوقد الذكاء، له نظرته الخاصة للأمور، ودائما، عنده مشروعات لا تتوقف. قصص وروايات ومعالجات سينمائية، يتحدث بحماس عن تفاصيلها، بالطبع، الكثير منها لا ينفذ، ذلك انه بذات القدر من الحماس ينتقل لغيرها.. فى إحدى المرات، عقب حريق الأوبرا، أخذ يروى عن قصة ذات مغزى سياسى، تدور حول امرأة تدخل السجن بدلا من زوجها، وبعد سنوات طويلة تخرج من وراء القضبان فتجد أن كل شىء قد تغير للأسوأ، وان تضحيتها كانت بلا طائل.. عشرات القصص التى حكى لى عنها، مثل هذه القصة، لم تتحقق. إنه متوهج بالأفكار والخيال، يفتح أمامك آفاقا واسعة. كانت الساعات تمر معه كأنها لحظات.

بعيون فاتن حمامة، رأيت جوانب جديدة، فيمن عملت معهم، تستحق فعلا أن تحبهم وتحترمهم: إحسان عبدالقدوس، يوسف جوهر، بركات، يوسف شاهين، يوسف السباعى، وغيرهم.. بعد ساعات من سرد تفاصيل ذكريات ثمينة، غادرت الفيللا، وبرغم البرد والظلام، كنت أشعر بالدفء وألمس الضياء.

فاتن حمامة سيدة الشاشة .. لماذا؟

تحقيق ــ محمد عدوى

·        مصطفى درويش: إحساسها بالدور وتقمصها المتقن سر نجاحها

·        أحمد رأفت بهجت: استطاعت أن تقدم فنًا محترمًا فى ظروف صعبة

·        طارق الشناوى: كانت رهان كبار المخرجين والحالمين بسينما مختلفة

·        رؤوف توفيق: مثقفة وتختار بعمق.. وأعمالها ساهمت فى حل أزمات الناس

لم يأت لقب سيدة الشاشة، الذى منح للفنانة الراحلة فاتن حمامة من فراغ، كانت هناك أسباب وحيثيات كثيرة فى مشوارها الفنى الكبير استحقت بسببها هذا اللقب ومعه حب ممتد من أجيال مختلفة من الجماهير، جعلتها سيدة الشاشة وفنانة القرن، وفى محاولة لمعرفة السر كان هذا التحقيق، الذى كشف فيه عدد من نقاد الفن: لماذا وحدها فاتن حمامة نجمة فوق العادة وسيدة الشاشة بلا منازع ونجمة القرن ولا أحد سواها.

الناقد أحمد رأفت بهجت والذى شارك فى اختيار أهم ١٠٠ فيلم فى تاريخ السينما المصرية استأثرت فاتن حمامة بعشرة منها، يرى أنها كانت عبقرية متفردة ويقول عن مشوارها الفنى: رغم أننا لم نختر وقت حكاية الـ١٠٠ فيلم نجوما، ولكن حضور فاتن حمامة فى أكثر من عمل فى هذه الاختيارات التى اختارها حوالى ١٥٠ فنانا وناقدا بشكل حيادى، جعلها فى مقدمة نجمات السينما فى مصر بعشرة أفلام من بين أهم ١٠٠ فيلم، وهى لم يتم اختيارها لأنها فنانة كبيرة فى العمر ولكن عندما ترى أن هذه الافلام اغلبها فى فترة الخمسينيات والستينيات تجد أنها كانت قادرة على الاشتراك فى أعمال تعبر عن هذه المرحلة وتداعياتها الاجتماعية بصورة كبيرة، كما أنها استطاعت أن تقدم هذه الأعمال الخالدة فى فترة الثورة وما كان فيها من تراجع فنى، لكنها استطاعت أن تتماسك وان تقدم اعمالا جيدة، وهنا يأتى دورها فى اختيار هذه الاعمال، فالاختيار عند فاتن حمامة كان على جانب كبير من الأهمية، كما انها كانت على قدر كبير من التنوع، فمن خلال هذه الافلام العشرة سوف تجد انها كانت تنوع فى اعمالها بصورة مذهلة فستجد الفلاحة والزوجة والام والفتاة الطائشة وسوف تجدها فى كل دور على نفس الوتيرة وسوف تلاحظ ان اغلب هذه الافلام العشرة التى توجتها كسيدة للشاشة، تأتى فى الفترة من ١٩٥١ حتى ١٩٧٥ وهى الفترة التى كان فيها مد ثورى.. وفى هذه السنوات كانت أفلامها ابن النيل ولك يوم يا ظالم ومنزل رقم ١٣ وأيامنا الحلوة وصراع فى الوادى وبين الأطلال والحرام ودعاء الكروان وإمبراطورية ميم وأريد حلا، وهذه الأفلام بالفعل لو تتبعتها سوف تجدها أعمالا درامية أقرب إلى التراجيديا، وهى تراجيديا ليست مفتعلة ولكنها مغموسة بالمشاكل التى كانت موجودة فى المجتمع المصرى، وهذا واضح جدا فى الحرام ودعاء الكروان وأريد حلا الذى يعد من كلاسيكيات السينما المصرية، واستطاعت ان تقدم من خلاله رؤية غيرت بها القوانين فى المجتمع المصرى، والحقيقة أن فاتن حمامة كانت تشعر بالناس وأزماتهم ووجدانهم وتعبر عنهم خير تعبير فيمكن أن تقول إنها كانت واعية بما يدور حولها.

ويضيف بهجت: اختيارات فاتن حمامة واعية ولم تندفع تجاه الظهور فى افلام تجارية رغم أن كل أفلامها ناجحة بالصبغة الجماهيرية وليست الصبغة التجارية، وهنا كانت ميزة فاتن حمامة أنها شهدت ايضا تحولات كثيرة للمخرجين الكبار فأنت تراها فى فيلم يوسف شاهين صراع فى الوادى وهو نقطة انطلاقة له، وتراها فى المنزل رقم ١٣ لكمال الشيخ وهو ثانى اعماله وفيلم بين الاطلال كان علامة رومانسية فارقة، وهناك ايضا فيلم امبراطورية ميم ودعاء الكروان الذى أعتبره من درر أفلامها، والحقيقة انك لاتستطيع ان تقارن بين فيلم وآخر لانها كلها علامات حقيقية فى السينما المصرية ومؤثرة فى وجدان مصر والعالم العربى كله الذى كان يقدرها خير تقدير.

إنه الاحترام

الناقد طارق الشناوى يرى أن قيمة فاتن حمامة كفنانة تكمن فى كلمة الاحترام ويقول:

هناك عدد كبير من الفنانين والفنانات لكن عددا قليلا ارتبطت صورتهم عند الجماهير بالاحترام ولذلك ليس غريبا ان تجد صورة لفاتن حمامة فى البيوت، وانا شاهدت ذلك بنفسى فى منازل ناس عادية وهذا يعنى الاعتزاز بها عند الناس، ليس فقط لقيمتها كمبدعة ولكن لقيمتها الانسانية ايضا.. ورأى ان قيمتها زادت لأنها كبرت مع الناس فقد شاهدناها وهى طفلة صغيرة مع محمد عبدالوهاب وشاهدناها فى آخر ايامها ونحن شهود عليها فنحن شاهدناها وهى فى سن السبعة اعوام، وشاهدناها ايضا فى الخامسة عشرة من عمرها فى فيلم دنيا مع محمد كريم، الذى يعد اول فيلم عربى وليس مصريا فقط يشارك فى مهرجان كان فى أول دورة للمهرجان، ولو دققت فى تاريخها سوف تكتشف انها شاركت فى أول افلام حسن الامام وهو فيلم ملائكة فى جهنم، وشاركت ايضا فى اول افلام يوسف شاهين وهو فيلم بابا أمين وشاركت فى اول افلام كمال الشيخ المنزل رقم ١٣ وهذا يعنى أنها شريك فى احلام ثلاثة من كبار المخرجين، والمخرج فى اول اعماله يلجأ إلى من يحقق له حلمه وعندما تكون فاتن شريكة فى هذه الأفلام فاعلم انها كانت قادرة على ان تحقق احلام اى مخرج فى اى نوعية واى توجه فنى، وحتى صلاح أبوسيف كان معه تجربة استعان بها فى ميلاد جديد له عندما قدم فيلما واقعيا هو لك يوم يا ظالم سطر به مشواره مع الواقعية، والحقيقة ان فاتن حمامة تذكرنى بما فعلته ام كلثوم التى ذهبت إلى بليغ حمدى فى عز السنباطى وزكريا احمد ولكنها ذهبت إلى جيل مختلف ونفس الشىء فعلته فاتن حمامة التى ذهبت إلى حسين كمال فى بداياته، ونفس الشىء مع سعيد مرزوق ومع خيرى بشارة وداوود عبدالسيد، وهى كانت صاحبة القرار فى كل ذلك وحتى فيما بعد كانت هناك مشاريع فنية مع عاطف الطيب ومحمد خان وشريف عرفة لم تكتمل، وكان لديها مشروع مع عمرو سلامة المخرج الشاب الذى اكد لى انه كان هناك مشروع معه وهو يعنى أنها على اتصال بكل الاجيال.

ويضيف طارق: تملك أيضا فاتن اداء متطورا مع الزمن وهى كانت تملك قدرة كبيرة على الاختيار، وكانت ايضا هدفا حيويا للمخرجين الكبار الذين دائما يتتبعونها وعينهم عليها وهى كانت توافق على هذه الاعمال.

ويقول طارق الشناوى: لا تستطيع ان تضع يدك على فيلم معين تقول انه كان الاهم فى مشوارها فهناك أعمال كثيرة ومن فرط جمالها تتوه بينها.. والحقيقة ان فاتن كانت تجمع فى ادائها الفنى بين العقل والقلب فى رهافة التعبير، فسعاد حسنى واحمد زكى تجد أنهما كانا يقدمان الشعور فى تحركهما، لكن فاتن حمامة كان لديها عقل يراقب ويحدد الأداء.

ذكاؤها كان سلاحها فى مشوارها الفنى

الناقد مصطفى درويش يرى ان ذكاء فاتن حمامة كان سلاحا لها فى مشوارها ويقول: لا يمكن ان تنكر ان وجودها على الشاشة لمدة طويلة منذ عام 1940 وحتى عام 1993 على شاشة السينما، وهى مدة لم تتوفر لنجمة فى العالم، وكان لديها حنين كبير للعودة إلى السينما وهى تعتبر ظاهرة فريدة نادرا ما تتكرر، وهناك شىء يميزها عن باقى الممثلات وهو حسن الاختيار خاصة فى الفترة التى نضجت فيها، فمن يمكن أن يختار الان قصة مثل الحرام أو دعاء الكروان، اضافة إلى انها كانت تؤمن بتشجيع المواهب وساهمت فى تقديم اسماء كبيرة من المخرجين مثل حسين كمال وسعيد مرزوق، وكانت حادة الذكاء وهو ما كان يعطيها حسن التصرف وحسن الاختيار ولقب سيدة الشاشة لم يأت من فراغ ولم نعهد عنها اى تصرف همجى من اجل شهرة زائفة لكنها كانت تتصرف بشموخ.

ويضيف: كان أداؤها يتسم بالقدرة على التجديد والتجسيد والإقناع وكانت تضع نفسها فى قالب الدور بحيث أنك لا تستطيع ان تفرق بينها كهانم وبين شخصيتها فى الافلام سواء كانت فقيرة أو فلاحة أو حتى شريرة، وكان لديها اداء مختلف فى كل مرة بعكس كثير من نجمات السينما اللاتى لا يستطعن التقمص وتشعر فى كل مرة انها ممثلة جديدة، كما أنها كانت تملك بوصلة حقيقية لمشاكل الناس وهو ما ساعدها على الاستمرار والتفرد.

الصدق والبساطة

الناقد رءوف توفيق يرى ان الصدق هو اهم اسلحتها الحقيقية ويقول: أداء فاتن حمامة كان يتسم بالصدق فى الأداء والبساطة فى التعبير مع الالتزام بالنص والكلمة واحترام عمل المخرج والمؤلف، وفى نفس الوقت لا تحاول ان تخرج عن النص مهما كبرت نجوميتها وكانت تراهن على وعيها بدور الفنان، وكانت هى الإضاءة الحقيقية لدور الممثل نحو مجتمعه والمشاكل التى تدور حوله، وفى نفس الوقت كانت عاملا مهما فى طرح ازمات حقيقية عن المجتمع مثل فيلم اريد حلا ويوم حر ويوم مر، فقد كانت ملهمة لحلول حقيقية فى المجتمع. وفى امبراطورية ميم طرحت وجهة نظر عن التربية الحقيقية والديمقراطية التى يجب أن تبدأ من الاسرة، وقدمت مع خيرى بشارة دورا مهما فى فيلم يوم حلو ويوم مر، طرحت فيه عذابات الأم فى الطبقة الفقيرة وكيف تحافظ على حياة أبنائها.

ويضيف رؤوف توفيق: كان هناك بعد اخر فى حياة فاتن حمامة، وهو انها كانت مثقفة حقيقية وكانت تقرأ كثيرا حتى الصحف والمجلات الاسبوعية، وهو ما ساعدها على تكوين شخصيتها الفنية وتستطيع من خلال حصيلتها الثقافية ان تختار فيلما مثل الحرام أو دعاء الكروان وهى اختيارات صعبة لأى ممثل، وفاتن حمامة استحقت بالفعل لقب سيدة الشاشة فهى تاريخ من البقاء والفن والإنسانية، استطاعت أن تظل على قمة الفن بموهبة حقيقية.

مواقع أجنبية: فاتن حمامة «نهر الحب»

كتبت ــ منة عصام:

لم يكن لرحيل سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة صدى فى مصر فقط ولكن فى الخارج أيضا، حيث تناول عدد من الصحف والمجلات والمواقع ووكالات الانباء العالمية نبأ وفاتها، وكان أكثر شىء جمع بينها هو وصفها لها بـ«أيقونة السينما العربية».

كانت البداية من الـBBC التى لقبتها بـ«أيقونة السينما العربية»، وتناولت نبأ وفاتها عن عمر يناهز 84 عاما، وكان أكثر ما ركزت عليه هو تناول خلفيتها التاريخية وخصوصا زواجها من عمر الشريف ووصفه لها فى إحدى المرات بأنها «حب حياته».

فيما تناول الموقع الالكترونى ABC خبر وفاتها مركزا أيضا على زواجها من عمر الشريف لمدة 20 عاما وطلاقهما عام 1974، وركز على البيان الذى صدر من رئاسة الجمهورية ينعى سيدة الشاشة ووصفه لها بموهبة مبدعة آثرت الحياة الفنية فى مصر.

وأيضا تناول الديلى ميل نبأ الوفاة بوصف فاتن حمامة بأنها أيقونة السينما التى رحلت عن عمر يناهز 84 عاما وزواجها من عمر الشريف، وقصة فيلم «نهر الحب» الذى جمع بينهما والمأخوذ عن رواية الأديب تولستوى، وقالت الديلى ميل إن حمامة بلغت ذروة مجدها الفنى فى الأربعينيات والخمسينيات.

وتعرض العديد من المواقع والمجلات الفرنسية والألمانية لخبر وفاتها، ومن أبرزها موقعا سبوسا نيوز الألمانى و24 ساعة الفرنسى، واصفين إياها ايضا بالأيقونة، التى رحلت بعد صراع مع المرض، وتناولا بالتفصيل الأسباب التى أدت لوفاتها، حيث ذكر أنها تعرضت لوعكة صحية قبل نحو شهر من رحيلها ودخلت المستشفى على إثر ذلك، ولكنها تحسنت بشكل ما مما استدعى خروجها، ولكن مؤخرا تدهورت حالتها بشكل ملحوظ وتعرضت لوعكة صحية مفاجئة وهو ما أودى بحياتها وغيرها من المواقع اللاتينية والفرنسية والجزائرية والكويتية التى نعت ببالغ الأسى خبر وفاتها الذى جاء بشكل مفاجئ مساء يوم السبت الماضى.

الشروق المصرية في

20.01.2015

 
 

حلم الفراشات

وفاء عطية

ملأن حياتنا رقة وعذوبة، منحَنَنا دروسا فى الحب، حلقن فى سماء لم يرين إلا صفاءها. ورغم المعاناة ومحطات الخفقان التى استوقفتهن مرات ومرات نحتن الحياة لنا صورة مفعمة بالحب والبهجة.

لم تكن حياتهن باليسر الذى تصوره كثيرون عنهن، بل ظل طريقهن للبحث عن الحب طريقا معبّدا بالمعاناة والحرمان والدموع.

لكن بقى دوما شىء واحد هو قدرتهن على إسعادنا وإشاعة البهجة فى حياتنا وإقناعنا بالحب سبيلا، وتظل رسالتهن.. الحب.

هكذا تتلخص حياة جيل من فناناتنا ومبدعاتنا.

جيل أهم مرحلة من عمر وطن، مجتمع أنهكته السنون، لكن لم يتوقف أفراده جيلا بعد جيل من الذوبان معهن فى أحلام الحب... والبحث عنه.

من دون إعلان قدن عمليا مسيرة كل النساء فى مجتمعنا، للتحرر من الرق للرقة، من الحرمان للأنوثة، أعلن حقهن فى الحياة والحب، وانطلقن بأحلامهن فى فضاء رحب. حلم المرأة أن تعيش أنوثتها ورقتها، عاشقة فى فضاء من الحب.

نساء عاشت صراعا بين من يدين الحلم.

ومن يحصره فى مجرد شريط سينما.. وبين من وجد فيه الحقيقة التى تلخص ذاتنا. لم يكُنّ مؤديات.. ممثلات، بل مجسدات لأدوار تمنينها بكل ما تتضمن من معاناة وحرمان، ببراءة وأمل، صَدَقن وصدّقن.

فاتن وصباح وليلى مراد ومريم وسعاد وهند ووردة وغيرهن رحمهن الله، شادية ونادية وماجدة ولبنى وليلى طاهر وشويكار ومديحة وغيرهن أطال الله أعمارهن.

رحلن عن الأضواء ليتركونا نحلق بأحلامٍ دسوها فى قلوبنا وروحنا.

نساء يبحثن عن ذاتهن وحبهن وأحلامهن، منهن من حققت ولو جزءا من الحلم فى حياتها، وكثيرات عشنه وفقط على الشاشة، ومثل كثيرات منا تماهين معه.. وحلُمّنَ.

اخترن، ولاقين من اللوم ما لا طاقة لهن به، فالاختيار حق حصرى للطرف الآخر.. يختارها هو. الأنوثة عيب والاختيار حرام.

المرأة العاشقة، الأنثى اللعوب.. كلها لعنات.

شكلن وجداننا.. نساء عُجِنّ بالحب والعذوبة، القوة والرقة، الكسر والصمود، بكين لكن لم يستسلمن.

امتلكن ذاتهن، وبعثن فى نفوسنا طاقة. الحب قرار وليس استسلاما.. نبحث عنه العمر كله.. التشبث بالحلم الذى منحنه هو سر البقاء.

الحب يملأ جوارحنا تسبح فيه أرواحنا.. مهما طال العمر يظل الحب سبيلا للبقاء.. أقوى من كل حسيات.. الحب هو الرغبة فوق كل رغبة، هو قيمة القيم.

العشق والحب والصوفية.. رحلة الروح للبحث عن الحب فى مسيرة الحياة.. بحث لا يتوقف حتى نلقى وجه الحب.

رحلت فاتن ولا يزال نهر الحب على تدفقه.

وفى لحظة الحب ولحظة الموت، نسمع دعاء الكروان.. أترينه كان يُرَجِعُ صوته هذا الترجيع حين صرعت هنادى فى ذلك الفضاء العريض… .

التحرير المصرية في

20.01.2015

 
 

شاشة السينما العربية تودع سيدتها فاتن حمامة

عزيزأمعي

في غضون الأيام القليلة الماضية وبالضبط يوم17 يناير من هذه السنة ، رحلت إلى دار البقاء سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة .الممثلة التي كانت موهبة فذة في مجال التمثيل التلفزيوني والسينمائي ،استحقت بفضل قدرتها على تجسيد كل الأدوار والإبداع في أدائها حق لقب :سيدة الشاشة العربية دون منازع .

من هي فاتن حمامة ؟

ولدت الراحلة يوم 27مايو سنة1931 في السنبلاوين أحد مدن الدهقلية بمصر ،حسب ما هو وارد في سجلها المدني . لكن في إحدى حواراتها أكدت أنها ولدت في حي عابدين بالقاهرة .والدها كان ينتمي إلى سلك التعليم .ولعل هذا الوالد هو من كان السبب في ولعها بدنيا السينما حين أخدها معه وهي لم تتجاوز سن السادسة إلى أحد دور السينما لتشاهد فيلما تلعب فيه" أسيا داغر" دور البطولة .وقد تأثرت بجماهيرية هذه الفنانة حيث أخبرت والدها بأنها شعرت بأن الجمهور الذي كان يصفق لأسيا داغر ، كان كأنه يصفق لها ، ومنذ تلك اللحظة الفريدة ، التي امتزجت فيها الحقيقة بالخيال ، انبجس حب السينما في قلب الصبية الصغيرة التي قرر القدر أن يدخلها مبكرا إلى العالم الذي عشقته منذ نعومة أظفارها .وقد تحقق ذلك عندما اختيرت كأجمل طفلة في مصر.أرسل والدها صورها إلى المخرج محمد كريم الذي كان يبحث عن طفلة تمثل إلى جوار الفنان الكبير الموسيقار محمد عبد الوهاب في فيلم "يوم سعيد "،وهكذا شاركت في الفيلم الذي ظهر في دور السينما سنة 1940ليقتنع المخرج ،أنه أمام موهبة فذة سيكون لها شأن كبير في مجال السينما ،فقام بإبرام عقد مع والد فاتن حمامة ليضمن مشاركتها في الأفلام السينمائية المقبلة . وبالفعل مثلت مرة أخرى مع محمد عبد الوهاب في فيلم "رصاصة في القلب "سنة 1944وفيلم "دنيا" سنة 1946وبهذه الأفلام الثلاثة استطاعت أن تضع لها موقع قدم متميز في السينما المصرية ، لتنتقل بعد ذلك إلى القاهرة وبتشجيع من أهلها دخلت الحمامة المعهد العالي للتمثيل سنة 1946لتزاوج ما بين ما تختزنه من موهبة متميزة ،والتحصيل العلمي الأكاديمي في مجال التمثيل.

بعد منتصف القرن الماضي ، انطلقت النجمة تتألق في عالم الفن السابع ، كإحدى أهم الممثلات التي يضمن حضورها في أي عمل درامي نجاحا مسبقا لهذا العمل .موهبتها النادرة جعلت أعلام السينما حينئذ يتهافتون عليها لتمثل معهم . وإذا كان اسم الممثل القدير "يوسف وهبي" مثلا قد لا يعني أي شيء بالنسبة للشباب اليوم ، فليعلم هؤلاء الشباب أن هذا الاسم كانت كل ممثلات تلك الفترة يحلمن بالوقوف أمامه على بلاتو التصوير ، لأنه كان من أهم نجوم السينما المصرية في أواسط القرن الماضي .هذا النجم وأمام نبوغ فاتن حمامة ،كان هو من يتهافت على أن تمثل معه ، وبالفعل فقد أنجزت عدة أعمال مع هذا الهرم السينمائي وهي لا تتجاوز من العمر خمسة عشرة سنة ،نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر "ملاك الرحمة "و"كرسي الاعتراف "و"ست البيت "وغيرها كثير .

تزوجت الراحلة ثلاث مرات ، المرة الأولى سنة1947من الخرج عزالين ذو الفقار أثناء تصوير فيلم أبو زيد الهلالي ،وأسسا معا شركة سينمائية أنتجت العديد من الأفلام ،على رأسها فيلم" مو عد مع الحياة "سنة 1954وهذا العمل السينمائي هو من كان وراء تسميتها بسيدة الشاشة العربية . ثم المرة الثانية تزوجت من النجم العربي والعالمي عمر الشريف .هذا الأخير كان اسمه ميشيل شلهوب لأنه ذو أصول عربية يهودية .وقد كان سبب زواج فاتن وعمر ، أن الممثلة كانت ترفض رفضا باتا أن تصور أي مشهد فيه ولو قبلة واحدة ، لكن وأمام استغراب الجميع وافقت على تقديم المشهد في الفيلم "صراع في الوادي " الذي يمثل فيه الممثل الشاب عمر الشريف .طبعا ما كاد الفيلم ينتهي حتى كان عمر الشريف قد أشهر إسلامه وأصبح زوجا لفاتن حمامة . لكن الزواج انتهى بعد مدة ،وحسب تصريحها فإن غيرتها الشديدة على زوجها عمر الشريف كانت وراء انفصالهما .تزوجت بعد سنة واحدة من انفصالها عن عمر بطبيب الأشعة الدكتور محمد عبد الوهاب سنة 1975 ، وظلت تعيش معه في هدوء إلى أن وافتها المنية خلال هذه السنة .

عاشت سيدة الشاشة العربية ، العديد من الأحداث السياسية الهامة ، والتي عانت بدورها خلالها عدة مشاكل . فالمرحومة ولدت في عهد المملكة المصرية ،ثم عاشت مرحلة الثورة التي قادها جمال عبد الناصر ، ثم حقبة السادات ومبارك . ليمهلها القدر إلى أن ترى الربيع العربي، الذي أنهى حكم مبارك ليتولى الإسلاميون فترة قصيرة .ثم عودة العسكر عبر انقلاب ناعم إلى سدة الحكم .السيدة فاتن حمامة ، عاشت في عهد جمال عبد الناصر مضايقات سياسية مما أضرها إلى الهجرة ما بين سنة 1966و1971إلى الخارج متنقلة بين بيروت ولندن احتجاجا على ظلم الناس وترهيبهم وأخذهم من بيوتهم إلى السجون دون محاكمة ،أو تقديم دليل على تورطهم في عمل ضد الدولة . كما أنها تعرضت لمضايقات المخابرات التي طلبت منها وبإلحاح أن تتعاون معهم ،وهو الأمر الذي رفضته وبقيت تقيم في لندن .وعلى الرغم من أن جمال عبد الناصر حاول من خلال العديد من النقاد والأصدقاء في عالم السينما من إقناعها بالعودة إلى مصر معتبرا إياها "ثروة وطنية " مانحا إياها وساما فخريا لإرضائها .لكنها فاتن حمامة ظلت على موقفها ولم تعد إلى مصر إلا بعد وفاة عبد الناصر سنة 1971.

الحقيقة إن الحديث عن الفنانة الراحلة لا يكفيه مقال واحد ، لكن نختم بالقول أن هذه السيدة التي ستبقى نجمة لا يأفل نورها في عالم الفن السينمائي.وقد بقيت ملتزمة بالبدل والعطاء إلى أخر حياتها ، وكان آخر عمل لها هو وجه القمر سنة 2000، لتحظى بأخر شهادة تقديرية سنة 2013وهي دكتورة فخرية من الجامعة الأمريكية ببيروت ..

هسبريس المغربية في

20.01.2015

 
 

فنانون ومبدعون ينعون سيدة الشاشة العربية

محمود ياسين: فاتن ستبقى خالدة في ذاكرة الجمهور

القاهرة - أحمد الجندي - حسن أحمد

مازالت ردود الفعل تتوالى عقب وفاة سيدة الشاشة العربية وتشييعها أول من أمس إلى مثواها الأخير، ففور تأكيد الخبر نعتها رئاسة الجمهورية في بيان جاء فيه: إن مصر والعالم العربي فقدا قامة وقيمة فنية مبدعة، طالما أثرت الفن المصري بأعمالها الفنية الراقية، وستظل الفقيدة التي أضفت السعادة على قلوب جموع المصريين والمواطنين العرب بإطلالتها الفنية وعطائها الممتد وأعمالها الإبداعية، رمزاً للفن المصري الأصيل وللالتزام بآدابه وأخلاقه.

كما أعلن د.جابر عصفور وزير الثقافة المصرية، الحداد يومي الأحد والاثنين، في كل ما يتصل بقطاع الثقافة وكل ما يتصل بالدولة، حزنا على رحيل سيدة الشاشة.

وقالت الفنانة الكبيرة سميرة عبدالعزيز إحدى أقرب صديقاتها لـ النهار: وفاة فاتن خسارة كبيرة للفن العربي، فبرحيلها نودع رمزا من رموز الزمن الجميل، وممثلة من الصعب أن يأتي مثلها مرة أخرى، سواء على مستوى الموهبة أو الوعي بما يجب أن تقدمه، وعلى المستوى الشخصي فقدت صديقة عزيزة لن يستطيع أحد أن يملأ فراغها .

وأضافت سميرة : من اقترب من فاتن حمامة سيدرك بسهولة أنه كان أمام إمرأة استثنائية في كل شيء، فموهبتها الكبيرة كممثلة لم يمنحها الله لأي ممثلة أخرى، وهي لم تكتف بتلك المنحة الإلهية، بل كانت أيضا إنسانة استثنائية على مستوى السلوك والأخلاق، فلم أسمع منها طوال فترة صداقتنا التي بدأت أثناء تصوير مسلسل ضمير أبلة حكمت سنة 1991 إلا كل ما يعبر عن قلب أبيض لا يعرف الحقد أو الكراهية

وأكد الفنان الكبير محمود ياسين أن فاتن حمامة جزء مهم من تاريخ السينما المصرية، ولا يمكن قراءة المشهد السينمائي بدون أن تكون هي في الصدارة، موضحا أن أفلامها ستبقى خالدة في ذاكرة الجمهور العربي مهما مرت السنوات.

وقال ياسين : كنت محظوظا لأنني شاركت معها في ثلاثة أفلام هي الخيط الرفيع وأفواه وأرانب وحبيبتي، والفيلم الأخير قمنا بتصويره بالكامل في بيروت، فالعمل مع هذه الفنانة الرائعة كان ممتعا بالنسبة لي.

بينما أشارت المخرجة أنعام محمد علي إلى أن فاتن حمامة كانت نموذجا للفنانة العاشقة لعملها، موضحة أنها كمخرجة استمتعت بالعمل معها في مسلسل ضمير أبلة حكمت .

وقالت أنعام : لا يمكن أن أصف مدى انضباطها والتزامها وكأنها كانت ممثلة في بداية مشوارها الفني، كما أنها كانت تحتضن الجميع بحب وخاصة الممثلين الشباب الذين كانوا يشاركون في البطولة .

وأكدت أن الفن المصري والعربي خسر كثيرا برحيل فاتن حمامة، لأنها كانت تمثل بالنسبة للملايين جزءا مهما من زمن السينما الجميل، كما أنها رمز للرومانسية والفن المحترم والجاد، مشددة على فاتن حمامة ستبقى في قلوب كل عشاقها لأن الفنان الحقيقي لا يغادر الذاكرة

أما الفنانة يسرا فقالت: كنت أعتقد انها شائعة ، كانت بمثابة امي الروحية ، كانت إنسانة حلوة و سعيدة و تحب العطاء. ولم تتمكن يسرا من السيطرة على دموعها وبكت على الهواء في مداخلة هاتفية وأضافت: بحب كل أفلامها كنت بحب أتكلم معاها، إنسانة ناعمة وحقيقية.

كما عبرت الفنانة ليلى علوي عن حزنها الشديد و قالت: البقاء لله وحده كانت مثل أعلى لنا جميعاً

بدوره، أكد الفنان أشرف عبدالغفور، نقيب المهن التمثيلية أن فاتن حمامة أوصت بعدم إقامة عزاء لها، وأضاف: يكفي أن نقول إن فاتن حمامة تعبر عن تاريخ السينما المصرية، وأمجادها وما حققته في كل المنطقة العربية، وفي العالم كله، فلا يوجد أي أحد لا يعرف فاتن حمامة، فهي رمز السينما المصرية منذ البداية وحتى الآن، فهي كما النسمة الطائرة الرقيقة رحلت عنا مثلما عاشت طوال حياتها وسيكتب فيها مجلدات ومؤلفات على مدى السنوات الطويلة وربنا يرحمها بقدر ما أسعدتنا.

من جهته قال الفنان عزت العلايلي في مداخلة هاتفية مع برنامج هنا العاصمة: عندما ننطق ونقول كلمة صروح فنحن هنا نقصد الفنانة فاتن حمامة فهي مثل عبدالوهاب وسيد درويش وكل من كان على الدرب ليست في مصر فقط بل في العالم العربي كله وقال أداؤها كان بديعاً في كل أدوارها ولايمكن ان تعوض فهي مثل طابع البريد محفورة في وجدان العالم العربي.

وقالت الفنانة الكبيرة نادية لطفي - في مداخلة هاتفية مع نفس البرنامج - ان لحظة وداع سيدة الشاشة العربية لحظة فارقة ومؤلمة لنا جميعًا لان فاتن حمامة تمثل عمري كله منذ ان كنت صغيرة فهي مثل أعلى وقدوة كبيرة وأدعو لها بالرحمة فهي اسعدت العالم العربي وهي ليست سيدة الشاشة فقط بل سيدة القلوب والحب الكبيرة وأدعو الله أن يلهمنا الصبر والسلوان فصداقتنا كبيرة وكانت دائماً مرتكزة على الاحترام فهي مثال للبساطة والاناقة وعدم الابتذال والاداء الراقي فهي مثل حقيقي للفتاة والمرأة المصرية.

من ناحيته، قال الناقد الكبير طارق الشناوي إن الفنانة فاتن حمامة عاصرت كل العصور منذ أن كانت في نعومة أظفارها وهي بنت الثمانية سنوات.

وأشار إلى أنها فنانة كانت تملك موهبة مصحوبة بعقل يوجه البوصلة للاتجاه الصحيح فباتت تختار كبار المؤلفين والكتاب والنقاد، مشيراً إلى أنها لم تعتزل بل انتظرت حتى تختار أنسب الأعمال لها فهي موهبة وعقل جيد اختارات أفضل الأعمال وتبنت القضايا الاجتماعية ولم تركن يوماً للابتذال.

بدوره قال الفنان سامح الصريطي، وكيل نقابة المهن التمثيلية، إن الفنانة الراحلة فاتن حمامة قيمة أخلاقية وفنية احترمت كل المراحل العمرية التي عاشتها، مضيفا: كانت دائما في المقدمة، ومشوارها سار على نهجه الكثير من الفنانات.

وتابع: سيدة الشاشة العربية تخطت حدود مصر إلى العالم العربي كله، ووصلت لأبعد نقطة في العالم العربي، وشكلت وجدان أمة.

بينما بكى الإعلامي عمرو أديب، على الهواء مباشرة وقال إن غيابها يعني غياب الاحترام عن جيل كامل، فهي سيدة الشاشة العربية، وغيابها يعني غياب لون كامل مضيفاً: أنا كان عندي الحظ إني شفت فاتن حمامة، والفيلم الوحيد الذي أنتجه أبي كان بطولتها وتم تصويره في بيروت، وما استطيع أن أقوله أنه ماتت الهانم.

وقدّم الفنان أحمد بدير عزاءه للشعب المصري والعربي في وفاة الفنانة فاتن حمامة وقال إن اليوم يوم حزن كاليوم الذي توفيت فيه أم كلثوم وعبدالوهاب وغيرها من قمم وقامات مصر.

وأضاف بدير خلال برنامج الشارع المصري: فقدت اليوم قدوة فنية وقيمة علمتنا الكثير من القيم والأخلاق السامية ولا نقول إلا إنا لله وإنا إليه راجعون وعزاؤنا أنها في مكان أجمل إن شاء الله.

جدارة اللقب

وبعد هذا الاستعراض لردود الفعل حول وفاة سيدة الشاشة العربية لابد من الإشارة إلى نقاط مهمة جعلت فاتن حمامة تحوز هذا اللقب بجداره واستحقاق. فالناقد السينمائي د.أحمد شوقي عبدالفتاح والناقد حليم ذكري يشيران في كتابهما المهم نجوم الرومانسية في السينما المصرية إلى أن فاتن تعد واحدة من الممثلات والنجمات القليلات اللاتي تعاملن مع التمثيل كعمل في المقام الأول والثاني والثالث ثم تأتي الأشياء الأخرى كالشهرة والمال والمكانة الاجتماعية وربما الحب والسعادة، ويعود هذا المفهوم وهذه القناعة إلى عملها الفني المبكر فقد بدأت التمثيل في سن صغيرة جداً، إضافة إلى ذكائها الموروث وتنشئتها المستقلة وقد أدى هذا إلى أن تدرك معنى الاحتراف مبكراً دون أن تمر بمرحلة الطفولة المنطلقة أو المراهقة المغامرة.

وبالطبع وفق هذا التكوين لفاتن حمامة كان طبيعياً أن تدرس التمثيل دراسة أكاديمية ولم تكتف بالنجاح الذي حققته والتحقت بالفعل بـ المعهد العالي للتمثيل العربي وكانت من أوائل الدفعات التي تخرجت منه، وذلك حتى تتعرف على أصول المهنة التي تمارسها بدقة وتلم بكل مفرداتها، وهذا ما تعمدت أن لا أشير إليه في بداية استعراضنا لنشأتها وخطواتها الأولى وفضلت أن أشير إليه هنا مع استعراضنا لتركيبتها الفنية والإنسانية، وقد مكنتها هذه التركيبة الاحترافية الذكية إضافة إلى موهبتها المتفردة القدرة على أداء جميع الأدوار ومختلف الشخصيات وهي تضمن النجاح الجماهيري لما تقدمه إلى جانب النجاح الفني والنقدي.

ورغم أن فاتن قدمت تقريباً المرأة في جميع أحوالها وتركيباتها ومختلف مراحل عمرها وطبقتها إلى الحد الذي قال عنه أحد النقاد لا أعتقد أن هناك امرأة عربية مهما كانت مكانتها الاجتماعية أو العمرية أو الثقافية لم تعبر عنها فاتن في أفلامها، ورغم ذلك ستظل الرومانسية لها المساحة الأكبر التي قدمت خلالها أروع أفلامها والتي جعلتها نموذجاً للرومانسية على مدى عصوراً عديدة متوالية وجعلتها تتبوأ هذه المكانة التي احتلتها في قلوب وعقول الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، كما لم تحظى فنانة أو نجمة ربما في تاريخ السينما بالإشادة النقدية مثلما حظيت فاتن فهي كانت صاحبة أداء خاص، أطلق عليه النقاد التقمص الداخلي للشخصية وهذا ما جعلها عندما تقف أمام الكاميرات تبدو أنها بلا ذاكرة غير ذاكرة الشخصية التي تجسدها ولا شيء آخر غيرها.

تكريم

وأخيرا نشير إلى أن أفلامها شاركت في مهرجانات سينمائية عالمية وحظيت بالجوائز والتقدير، أما الجوائز والتكريمات والأوسمة التي حصلت عليها فهي كثيرة وعديدة، نذكر منها الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأميركية في القاهرة عام 1999 وجائزة نجمة القرن عام 2000 و3 جوائز من مهرجان القاهرة السينمائي بينهما تكريمان عن مجمل أعمالها عام 1991 و1996، وجائزة أفضل ممثلة عن فيلمها أفواه وأرانب عام 1977 وتكريم من مهرجان الإسكندرية السينمائي عام 2001، كما شاركت في لجان تحكيم 7 مهرجانات سينمائية دولية كبرى هي: موسكو وكان وبرلين والقاهرة وطهران وفينيسيا والإسكندرية وجاكرتا.

وحصلت أيضاً على 3 أوسمة من لبنان منها وسام الأرز مرتين عام 1953, و2000 إلى جانب ميدالية الشرف من الرئيس إميل لحود ووسام الشرف من الرئيس رفيق الحريري، جائزة المرأة العربية عام 2001 وميدالية الشرف من الرئيس السادات، وميدالية الاستحقاق من الحسن الثاني ملك المغرب، و3 جوائز من مهرجان طهران السينمائي أعوام 1972 و1974 و1977 عن أفلامها الخيط الرفيع، أريد حلاً، أفواه وأرانب، هذا بالإضافة إلى حصولها على لقب أفضل ممثلة طوال 27 عاماً متتالية حسب استفتاء مجلة الموعد التي كانت تقيمه سنوياً لقرائها مما جعل فاتن تطلب من المجلة- على استحياء- رفع اسمها من الاستفتاء حتى تعطي الفرصة لممثلات أخريات.

النهار الكويتية في

20.01.2015

 
 

تحدث عنها في مذكراته كأفضل بطلة لأفلامه

فاتن حمامة وهنري بركات: 12 فيلماً من روائع السينما

أحمد عدلي

تحدث المخرج السينمائي الشهير هنري بركات في مذكراته عن موهبة الفنانة الراحلة فاتن حمامة وقدرتها التمثيلية التي جعلته يفكر فيها لبطولة أعماله. علماً أنه تعاون معها في 12 فيلماً سينمائياً شكلت علامات  فارقة بتاريخ السينما المصرية.

القاهرةقدمت الفنانة الراحلة فاتن حمامة 12 فيلماً سينمائياً مع المخرج العالمي هنري بركات التي جمعتها به علاقة طيبة وخاصة جداً. وكانت هذه الأفلام من أنجح وأروع الأعمال السينمائية التي قدمتها في مسيرتها الفنية، وأبرزها "لحن الخلود"، "إرحم دموعي"، "دعاء الكروان"، "الحرام"، "حين نلتقي"، "موعد غرام"، الباب المفتوح"، "الخيط الرفيع"، و"ليلة القبض على فاطمة".

وبحسب ما ذُكِرَ عن بركات في الكتاب الصادر عن سيرته الفنية خلال تكريمه بمهرجان القاهرة في منتصف التسعينات، فإن التعاون بينه وبين سيدة الشاشة العربية بدأ عندما اشتركت معه في فيلم "الهانم 1946" بدورٍ صغير لمدة يومين أو ثلاثة، ولم يكن ذلك كافياً لتوطيد المعرفة بينهما، إلا أن علاقتهما الطيبة بدأت تتوطد بفيلم "العقاب عام 1948 حتى جاء فيلم "لحن الخلود" عام 1952 ليرسخ التعاون بينهما ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضا على المستوى الشخصي حيث صار التعاون بينهما يشعرهما بالراحة المتبادلة. ولقد تعززت هذه العلاقة مع استمرار التعاون بحيث أصبحت خبرتهما بالعمل معاً تشكل دافعاً لاستمرار هذا التعاون، الأمر الذي كان يدفعه للتفكير بـ"حمامة" دوماً كبطلة أفلامه ويدفعها هي لاختياره مخرجاً لأفلامها

ويشرح "بركات"  أن "أداء فاتن حمامة بفيلم لحن الخلود في دور فتاة تعيش مع أختها وهي مريضة بالقلب وتقع في حب فريد الأطرش، كان دوراً من نوع سندريللا، لكن ليست كل أدوار سندريللا قادرة على الوصول للجمهور، إلا أن هذا الفيلم قد وصل بشكلٍ مميّز بسبب تميّزها  هي بأداء الدور"، ويتابع: "بعد هذا الدور أصبحت بدون  تعمد كلما قرأت رواية لفيلم، أجد نفسي أفكر بفاتن حمامة باعتبارها بطلة الفيلم، لأني أدركت أنني أستطيع أن أحصل منها على نتائج مؤثرة، وأشعر وأنا أعمل معها بأني سعيد، ومش أبقى متنكد!!". ويكمل شارحاً: "لذة العمل هي أفضل ما يجنيه الفنان من عمله. في فيلم "الحرام" طلعت روحي في الشغل إنما كنت سعيداً. أروح البيت بالتراب على جسمي إنما أبقى سعيدا، وفاتن نفس الشيء اتفرجت عليه من يومين اتخضيت من حركة المجاميع عملتها إزاي معرفش".

وحين يستذكر "بركات" اللحظات عند إعادة عرض فيلم "الحرام" في أوائل التسعينات في مهرجان "مونبليه" ضمن برنامج تكريم لأعماله مع الراحلة،  يقول أنه اتفق معها على الحضور في بداية العرض من باب الذوق. ويضيف أنهما عند بدء عرض الفيلم انجذبا بدورهما لمشاهدته حتى النهاية مع الجمهور، وعندما انتهى العرض فوجئِا بكثافة التصفيق للفيلم بقدر لم يخطر على بالهما إطلاقاً، علماً أنهما خرجا من قاعة العرض حتى خارج منطقة المهرجان بزفة تصفيق بفضل الإعجاب، الأمر الذي دفع "حمامة" لتسند رأسها على كتفه وتبكي من شدة التأثر، بينما في مصر لم يستقبلوا فيلم "الحرام" بهذا الإعجاب ! في المقابل، يوضح "بركات" أن فيلمهما "دعاء الكروان" لم ينل الإعجاب نفسه في الخارج نظراً لأن الأوروبيين لا يتقبلون فكرة قتل العم للفتاة بسبب علاقة جنسية مع رجل، على العكس من فيلم "الحرام" الذي نقل كمية الصدق في تصوير واقع الفلاح.

ويذكر أيضاً أن المشهد في فيلم "الباب المفتوح" الذي ظهرت فيه "حمامة" بين الأب والأستاذ الجامعي لتبدو كما لو كانت محاصرة بينهما، قد تم تصميمه مسبقاً بالذهن، ولم يأتِ تلقائياً بالإحساس، لكن تأثيره وصل للمشاهد. ويقول: "هذا الفيلم منح فاتن حمامة فرصة واسعة للتعبير عن معاني القهر التي تواجه المرأة في علاقتها بالرجل، وذلك من خلال علاقتها بالأب المتسلط المتمسك بالتقاليد القديمة أو الحبيب الذي يعشق فيها الجسد أو الاستاذ الذي يطلب يدها لأنه يرى فيها الطاعة، وفي كل مرة كان وجه فاتن ينقل إلينا التعبير الدقيق عما يدور بداخل الشخصية من صراع. فكان وجهها هو الكلمة، الشعر والموسيقى، بل كان هو نفسه الذي لا مثيل له أو بديل عنه للتعبير عن المعنى في كل مشهد".

إيلاف في

20.01.2015

 
 
 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)