كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

في ابو ظبي افلام تبحث عن زبيب

بقلم: طارق الشناوي

مهرجان أبوظبي السينمائي الرابع

أبوظبي للثقافة والتراث
   
 
 
 
 

في العديد من اللقاءات التي تجمع بين صناع الأعمال الفنية والنقاد يحدث نوع من إعادة قراءة العمل الفني.. الناقد لديه زاوية رؤية قد تتوافق أو تتناقض من المخرج والبعض يضيف من عنده الكثير تبعاً أحياناً لما يريد أن يراه في الفيلم أو ربما تفرض قناعاته السياسية والفكرية عليه تلك الرؤية.. ايضاً بعض المخرجين عندما يحللون أعمالهم هم الذين يضعون من عندهم قراءات أخري للعمل الفني اتذكر في مهرجان ابوظبي الذي انتهت فعالياته الجمعة الماضية أن بعض المخرجين مثل »مورالي نايير« مخرج الفيلم الهندي »عنزة عذراء« عندما سألوه عن فيلمه الساخر الذي يقدم في إطار رؤية فانتازيا خيالية علاقة تجمع بين بطل الفيلم وعنزة عذراء لايقترب منها أي »جدي«، أجاب بأن الفيلم يناقش فكرة التوحد التي يعيشها البعض حيث انه لايري التواصل في معناه  العميق إلا في هذه العنزة والحقيقة أن الفيلم ربما انطلق من هذه النقطة التي أشار إليها المخرج إلا انه سبح إلي آفاق أخري جمع بين البسمة وأيضاً الدمعة، في أكثر من لقطة كان لديه رؤية لم تصل إلي حدود تناول قضية التوحد بل هذا المزج المغلف بخفة الظل كان له كل ذلك الحضور.. ايضاً »سيرك كولومبيا« الفيلم البوسني للمخرج »دانيس تانوفيتش« قدم هذا التقابل بين أب وابنه.. أب سافر إلي ألمانيا هروباً من سيطرة الشيوعيين إبان حكم »تيتو« ولكنه يعود بعد ان تقطعت أواصر يوغوسلافيا وتفرقت بين عدة دول دينياً وعرقياً.. بينما ابنه عند نهاية الفيلم يقرر الهرب إلي ألمانيا بعد أن صارت يوغوسلافيا علي شفا حرب أهلية، الأب يتمسك بالأرض رغم انها مهددة بالدمار والأبن يفر منها.. في المؤتمر الصحفي الذي عقده المخرج بعد نهاية عرض الفيلم مباشرة قال له أحد الحاضرين أن الابن قام بهجرة عكسية رداً علي هجرة أبيه أجابهم لم أحسبها هكذا ولكنه استحسن الفكرة.. هذا المرة أضاف له الناقد معني ربما قدمه لاشعورياً.. اما فيلم »دعني أدخل« الذي عرض في مسابقة »عروض عالمية« وهو فيلم عن مصاصي الدماء وإعادة لفيلم سويدي عنوانه »دع الشخص المناسب يمر«.. الفيلم في النهاية يقدم هذا الإطار الدموي الذي تتميز به هذه النوعيات من الأفلام وغالباً ما نري علاقة حب بين فتي أو فتاة من عالم البشر وآخرين من مصامي الدماء ولكن المخرج الامريكي »مات ريفز« عند تحليله لفيلمه في المؤتمر الصحفي الذي اعقب العرض يضيف ابعاداً اخري عن المشهد السياسي وكيف ان القرار العالمي الذي طرح بدوره رؤية اجتماعية كان هو الدافع الخفي لتقديم هذا الفيلم وانه لم يسع لبناء فيلم عن مصاصي الدماء لمجرد اللعب بورقة الرعب والعنف ولكن هناك هم فكري وعقائدي يحركه ولكن الشاشة لم تكن  تقدم أي شيء مما ذكره المخرج!!

عرض ايضاً فيلم »رسائل بحر« في المسابقة الرسمية للمخرج »داود عبدالسيد« هذه المرة أضاف أكثر من ناقد زميل الكثير من اللمحات.. احياناً يلعب عدد من النقاد دوراً في تحلية البضاعة الأدبية والفنية ويضيفون تفسيرات خارج النص لم تخطر علي بال مبدع العمل.. البعض يجد هذه الإضافات تعلي من شأن عمله الإبداعي ولايكتفي بإظهار سعادته بهذا التفسير الذي لم يخطر له علي باله بل ويتعمد التأكيد بانه كان عامداً متعمداً وأن علي النقاد أن يغوصوا اكثر ليحصلوا علي دور أكثر.. قرأت مؤخراً سيرة حياة الكاتب »أرنست هيمنجواي« صاحب الرواية  الأشهر »العجوز والبحر« عندما بدأ النقاد في البحث عن تفسير لتلك الرواية التي اصبحت واحدة من أشهر وأخلد الروايات في الأدب العالمي اعتبروها تقدم رؤية فلسفية للحياة لان العجوز يبدأ رحلته في الصيد وعندما يعثر علي سمكة كبيرة يمسك بها بقوة وفي نفس الوقت يتحرك قاربه الصغير في اتجاه الشاطئ وعندما وصل كانت أسماك القرش قد التهمت سمكته الكبيرة ولم يبقي منها إلا هيكل عظمي.. قالوا ان الموقف يشبه رحلة الإنسان في الحياة عندما تبدأ وهو يعتقد انه يمسك كل متع الحياة بيديه ثم ينتهي الأمر بنهايته كهيكل عظمي مثل بقايا سمكة »هيمنجواي«.. التشبيه يضفي الكثير من الزخم الفكري والفني علي رائعة الأديب العالمي ورغم ذلك فإن هذا الثناء لم يرضه ولم يجعله يشعر بأنه قد صار طاووساً بين أقرانه الأدباء بل أزعجه كثيراً وقال انه لم يتعمد أي من هذه الرموز وأضاف ان هذه التفسيرات تشبه وضع الزبيب علي الخبز من أجل تحسين الطعم وان كثيراً من الكتاب يهزمون أنفسهم بأنفسهم عندما يستسلمون للزبيب!!

في فيلم »داود عبدالسيد« مثلاً أثار قارب مكتوب عليه اسم »القدس« في نهاية فيلم »رسائل البحر« الكثير من التفسيرات حيث رأينا في المشهد الأخير بطلي الفيلم »بسمة« و»آسر ياسين« وسط البحر وحولهما الأسماك النافقة واسم »القدس« يتصدر الرؤية لم يكن »داود« يقصد شيئاً هو فقط استأجر قارباً وكل القوارب مكتوب عليها أسماء مثل »ماتبصليش بعين رضية بص للي اندفع فيا« أو »الحلوة دي من العتبة« و»بعيد عنك حياتي عذاب« و»رمش عينه اللي جرحني«.. سيل منهمر من التفسيرات السياسية ذات الصلة بالطبع بمدينة القدس بما تحمله من قيمة روحية لأصحاب الديانات الثلاث انهالت علي »داود« سواء في القاهرة أو عند عرض الفيلم في ابوظبي اضافوا زبيباً وجوز هند ومكسرات وكان »داود« منضبطاً ومدركاً لتلك الخطورة حتي لاينساق وراء إضافات فارغة تحطم رؤيته للفيلم كان أول المعترضين علي مكسبات الطعم واللون والمعاني التي اضافها بعض النقاد.. وظل »رسائل البحر« خبز ممتع بلا »زبيب« الفيلم السينمائي يملك ابعاداً متعددة عند قراءته ولكن البعض منها قد يضيف أو يتمني أشياء لم تحدث فقط إلا في خياله وبعض مبدعي الأعمال الفنية ايضاً يطيب لهم ذلك!!

أخبار النحوم المصرية في

28/10/2010

# # # #

ابو ظبي تطفي الشمعة الرابعة في عيدها السينمائي

إعداد:  محمد كمال 

اختتمت السبت الماضي فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان أبوظبي السينمائي الدولي التي أقيمت علي مدار 0١ أيام  شهدت عرض ما يقرب من ٠٧١ فيلماً في المسابقات المختلفة وتنافسات الأفلام من أجل الحصول علي اللؤلؤة السوداء، وشهدت الدورة حضورا مصريا وعربيا ودوليا كبيرا.

بالرغم من أن حفل ختام المهرجان أقيم يوم الجمعة الموافق ٢٢ أكتوبر إلا أن فعاليات المهرجان كانت ممتدة لليوم التالي حيث أقيم ظهر السبت لقاء حواري مع ضيفة المهرجان النجمة الأمريكية الشهيرة »أوما ثورمان« التي تحدثت فيه مباشرة مع الجمهور في اللقاء الختامي لبرنامج اللقاءات الحوارية المباشرة مع النجوم التي أقامها المهرجان للمرة الأولي وضمت أسماء كبيرة ولامعة مثل النجمة الأمريكية »جوليان مور« والممثل الأمريكي »ادريان برودي« والإنجليزي »كليف اوين« ومن مصر يحيي الفخراني ويسرا ولبلبة وخالد أبوالنجا.

وبعد هذا اللقاء تم عرض الفيلم الأمريكي »اللعبة العادلة« في أول عرض له في الشرق الأوسط والذي يشارك في بطولته الممثل المصري خالد النبوي، ويجسد فيه دور عالم ذرة عراقي.. حضر النبوي عرض الفيلم في المهرجان واستقبل من الجمهور بحفاوة كبيرة، وبعد الفيلم قام الحضور بتحيته والتصفيق له وكان معه المخرج دوج ليمان.. والفيلم من بطولة شون بين الحاصل علي جائزة الأوسكار، وناعومي واتس.

وفي المساء تم عرض الفيلم الأمريكي الشهير »ميرال« للمخرج جوليان شنابل وبطولة فريدا بنتيو والممثلتين الفلسطينتين هيام عباس وياسمين المصري.

أما حفل الختام الذي حضره النجوم العالميون أوما ثورمان وجوناثان ريس ميريس وخالد النبوي وبسمة وسولاف فواخرجي وبسام كوسا ورشيد عساف، ومن فلسطين ياسمين المصري قد بدأ بالوقوف دقيقة حداد علي وفاة الفنان الكويتي غانم الصالح، وتبعه توزيع جوائز المسابقات المختلفة، وقد بدأت بتوزيع جوائز المسابقة الرسمية لأفضل فيلم روائي طويل التي حصل فيها علي اللؤلؤة السوداء..وهو الفيلم الروسي »أرواح صامتة« إخراج اليكس فيدورتشنكو وقام الفنان المصري خالد النبوي والنجمة العالمية أوما ثورمان بتقديم هذه الجائزة لمخرج الفيلم، وكان معظم الفنانين الذين حضروا فعاليات المهرجان توقعوا حصول هذا الفيلم علي اللؤلؤة السوداء.. أما أفضل فيلم روائي طويل من الوطن العربي فحصل عليها الفيلم اللبناني »شتي يا دني« للمخرج اللبناني بهيج حجيج، وجائزة أفضل ممثل حصل عليها الممثل الأمريكي »اندروا جارفيلد« عن دوره في فيلم »لا تتخلي عني« إخراج مارك رومانك، وجائزة أفضل ممثلة حصلت عليها المغربية الأصل البلجيكية الجنسية »لبني ازابال« عن دورهافي الفيلم الكندي الفرنسي »حرائق« إخراج داني فيلنوف، وحصل الفيلم الأرجنتيني »كارلوس« علي جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة فقد تقاسم جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل فيلمان هما الفيلم  الشيلي »حنين إلي الضوء« للمخرج باريشيو جوزمن، والفيلم الهندي »ساري زهري« للمخرجة كيم لونجنوتو.. أما جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل من الوطن العربي تقاسم فيها فيلمان أيضاً هما »شيوعيين كنا« للمخرج اللبناني ماهر ابي سمرا وهو إنتاج لبناني فرنسي إماراتي مشترك، والفيلم الهولندي »وطن« للمخرج جورج سلاوزر وهو حصل علي هذه الجائزة لأنه يتناول قضية الشتات الفلسطيني.. أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة ذهبت إلي فيلمين أيضاً هما النرويجي »دموع غزة« للمخرجة النرويجية فيبكة لوكنيبرج، والفيلم اللبناني الإماراتي »بحبك يا وحش« من إخراج محمد سويد.

وفي مسابقة »آفاق جديدة« فقد حصل علي جائزة أفضل فيلم روائي لمخرج جديد الفيلم الإيراني »جيشير« للمخرج الإيراني »وحيد وكيليفار«، وحصل علي جائزة أفضل فيلم روائي لمخرج جديد من الوطن العربي الفيلم اللبناني »طيب خلاص يالا« من إخراج اللبنانية »رانيا عطية« و»دانيال جارسيا«.. أما جائزة أفضل فيلم وثائقي لمخرج جديد فقد تقاسمها فيلمين الأول الأمريكي »بيل كانينجهام  نيويورك« للمخرج ريتشارد برس، والفيلم الثاني هو الأرجنتيني »المتجول« الذي شارك في إخراجه ثلاثة مخرجين هم إدواردو دي لاسيرنا ولوكاس مارفيانو وادريانا يوركوفيتش، وجائزة أفضل فيلم وثائقي لمخرج جديد من الوطن العربي حصل عليها الفيلم المصري »جلد حي« للمخرج فوزي صالح، وهذا الفيلم من إنتاج محمود حميدة.. أما الجائزة الخاصة بالجمهور فقد حصل عليها فيلم »الغرب غرباً« للمخرج الإنجليزي اندي دي ايموني الذي أثار إعلان منتجته »لسيلي وودوين« علي أنها تحمل الجنسية الإسرائيلية ضجة كبيرة فقد قالت في ندوة قبل ختام المهرجان عن فيلمها وتحدثت عن كيفية تعامل الفيلم مع الاختلافات بين الشرق والغرب، وقبل انتهاء الندوة بقليل أعلنت عن جنسيتها وقالت إنها تفتخر بأصلها الإسرائيلي وأنها أرادت أن تعلم جميع من بالمهرجان بأصولها الإسرائيلية حتي يعلم الجميع أنها هي منتجة الفيلم بغض النظر عن أين ولدت أو من أين جاءت.. بصرف النظر عما إذا كانت هذه الحقيقة تهمهم أولاً في شيء لكن لم يلتفت أحد إلي هذه المفاجأة في البداية ربما لأن الندوة كانت باللغة الإنجليزية وحينما أعلنت المترجمة هذا الأمر ساد القاعة صمت وسكون، وارتسمت الدهشة علي الجميع.. إلا أن هناك عدداً من الحضور تركوا الجلسة بينما شكرها آخرون في أعقاب المؤتمر علي ذكرها هذه المعلومة المهمة وقالوا لها: »لا يهم من أي بلد تكونين فكلنا أخوة نعيش في عالم واحد« وقالت إنها غير مسئولة عن تصرفات الدولة التي جاءت منها، وأضافت أن مثل هذا التفكير الذي يحمل الأشخاص أخطاء ويزيد من معاناة الشعب الإسرائيلي بسبب عزلته عن شعوب دول الجوار.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة فقد فاز بجائزة أفضل فيلم روائي قصير الفيلم التونسي »الألبوم« للمخرجة التونسية شيراز فرادي، وجائزة لجنة التحكيم كانت للفيلم الايطالي »ريتا« للمخرجين فابيو جراسادونيا وانطونيو بيازا.. أما جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير فقد كانت مناصفة بين الفيلم الإنجليزي »المدينة ذات الوجه القذر« للمخرج بيتر كينج، والفيلم الإيراني »سينما ازادي« للمخرج الإيراني مهدي تورفي.. أما جائزة أفضل فيلم روائي عربي فقد حصل عليها الفيلم الجزائري القصير »العابر الأخير«.

وفي مسابقة جوائز الطلبة فقد حصل علي الجائزة الأولي الفيلم اللبناني الروائي القصير »العمود الخامس« للمخرجة فاتشيه بولفورجيان، ونال الجائزة الثانية الفيلم الروماني »عيد الميلاد« للمخرجة لويزا بارفواما، والجائزة الثالثة فكانت نصيب المخرج الروماني كريستيان باسكاريو عن فيلمه القصير »روك ورول للصم« وحصل الفيلم السويدي »تورد وتورد« علي جائزة أفضل فيلم تحريك قصير.

وفي مسابقة أفلام الإمارات لأفضل الأفلام الروائية والتسجيلية القصيرة فقد حصل علي الجائزة الأولي الفيلم الروائي القصير »غيمة شروق« للمخرج أحمد الزين، وحصل علي الجائزة الثانية الفيلم البحريني القصير »يومك« للمخرج شاكر بن أحمد.. وذهبت جائزة الفيلم التسجيلي الأولي إلي الفيلم الإماراتي »الملكة« للمخرج هادي شعيب.

وبعد توزيع الجوائز قدمت إدارة المهرجان التهنئة للفائزين والشكر للحضور، وقامت بعرض فيلم الختام وهو الفيلم الصيني »المحقق دي وسر الشعلة الوهمية« للمخرج الصيني تشووي هارك.

أخبار النحوم المصرية في

28/10/2010

# # # #

رسائل البحر يخسر بسبب السياسة

كتب مها متبولى 

تمر السينما المصرية بمرحلة هبوط اضطراري.. لأن مؤسسات الدولة الرسمية قد نفضت يدها من محاولة إنقاذ الفن السابع أو حتي التحمس له، ما أدي إلي فقر الإنتاج السينمائي وتراجعه، بينما يشهد هذا الفن ازدهاراً كبيراً في الشرق الأوسط، ويكفي أن نعرف أن ميزانية مهرجان أبوظبي تصل إلي 40 مليون دولار، بينما ميزانية مهرجان عريق مثل «مهرجان القاهرة السينمائي»، تبلغ مليون دولار فقط، لدرجة أنه يخرج دائما بصورة هزيلة، تفتقر إلي النجوم العالميين والعروض الأولي.

كل ذلك لأننا نرفع دائما شعار «ضعف الامكانات» وهو شعار واهٍ ليست له أية مصداقية، بدليل أن وزارة الثقافة أنفقت 3 ملايين دولار لإنتاج فيلم واحد، هو فيلم «المسافر»، ولم يحقق أي صدي، كما أن وزارة الإعلام ممثلة في «قطاع الإنتاج» تنفق ملايين الدولارات لتقديم ثلاثة مسلسلات أو أكثر، بل يدفعون باليورو لتذليل عقبات الإنتاج، وحشد أكبر عدد من العروض الحصرية، ما يؤكد أن شعار «ضعف الامكانات» صار سخيفا، وغير مقبول، فالإمكانات متاحة سواء في تبني الدولة للفن أو في حضور رجال الأعمال.

أما بالنسبة للمهرجانات السينمائية الخليجية، فإنها نجحت إداريا في توظيف الأموال، وجعلها وسيلة لخدمة الثقافة، وزرع الفن السينمائي في أرض الواقع بشكل صحيح.

علي الدولة ومؤسساتها الثقافية والإعلامية أن تعي الدور الذي تقوم به السينما في تشكيل الوعي العربي، فلابد من تدخل جدي لمؤسسات الدولة لإنقاذ «مهرجان القاهرة السينمائي» من السقوط، ودعم فعالياته، وتبني عملية الإنتاج بشكل مكثف، بعد أن صارت الأفلام الجديدة كل عام محدودة العدد، بينما السينما الهندية تنتج أكثر من 1000 فيلم في العام الواحد، وتدعمها الدولة الهندية بنحو 500 ألف دولار، أما نحن فلا نجيد إلا «لطم الخدود»، و«شق الجيوب»، «والبكاء علي اللبن المسكوب»، بعد كل مهرجان، بل ونعلن أننا نحاول حفظ ماء الوجه بما لدينا من دعم قليل، مع أننا في واقع الأمر نمتلك الامكانات ما يسهم في إنجاح أي مهرجان.

في «مهرجان أبوظبي» لم يفز من مصر في المسابقة إلا فيلم «جلد حي» وهو فيلم وثائقي للمخرج الواعد فوزي صالح، الذي لم تتحمس له إلا شركة إنتاج «محمود حميدة».

وسافر محمود حميدة مع فريق العمل بالفيلم إلي المهرجان، ولم يبخل بأي دعم مادي ومعنوي ليخرج العمل بالصورة التي أبهرت الجميع، إذ يسرد الفيلم قصة 2000 طفل يعملون خلف سور مجري العيون، في دباغة الجلود، وما يحيط بهم من مخاطر ومآس وظروف معيشية صعبة، هذا الفيلم نموذج لتجربة فنية ناجحة، تتوافر فيها جميع المقومات اللازمة للنجاح، إ

وعلي الرغم من هذه الأجواء القاتمة التي فرضت نفسها علي مستقبل السينما المصرية، فإن هناك بوادر أمل، تشرق دائما ولا تغيب.

ففيلم «رسائل البحر» حظي بنسبة مشاهدة كبيرة، ولقي نجومه بسمة وآسر ياسين ومحمد لطفي حفاوة وتقديرا كبيرين، سواء من الجمهور أو النقاد، إضافة إلي المخرج داود عبدالسيد، ولولا توجهات المهرجان السياسية وحرصه علي دعم القضية الفلسطينية لفاز «رسائل البحر» بجائزة أفضل فيلم، لأنه يفوق الفيلم اللبناني «شتي يا دنيا» في جماليات الصورة، وروح وشاعرية الحوار، وكذلك الإيقاع السينمائي العميق.

لكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أن مهرجان أبوظبي، وإن كان ينطلق من دولة عربية، إلا أن لجان التحكيم الخاصة به، لا تدور في نفس السياق، بل تضع النموذج الغربي للسينما كإطار تقيس عليه باقي الأعمال، دون النظر إلي خصوصية السينما العربية في التعبير عن نفسها، من خلال أعمال جديرة بالاحترام، حيث تؤكد هويتها ورؤيتها عبر قناعات مخرجها، وهذا ما حاول داود عبدالسيد توصيله للجمهور والنقاد في فيلمه، وظهر بوضوح خلال الندوة التي أدارها «انتشال التميمي» حول الفيلم.

روز اليوسف اليومية في

28/10/2010

# # # #

«جعفر بناهي» يعّري النظام الإيراني

كتب مها متبولى 

إذا كانت الأفلام التي تدور حول القضية الفلسطينية لا تأخذ اهتماما يذكر في مهرجانات مثل «كان» و«الأوسكار» و«البندقية».. فإن «مهرجان أبوظبي» يتبني هذا التوجه، ويقدر كل الأعمال الفنية التي ينتظرها العالم الحر، ويشجعها بلا قيود.

لذلك فإن جوائز المهرجان قد ذهب معظمها في هذا الطريق، ليفوز الفيلم الروسي «أرواح صامتة» بأفضل فيلم في المهرجان، حيث يؤكد أن كل شيء إلي زوال ما عدا الحب الذي لا يعرف الموت من خلال سرد حياة قبائل المريان الذين لا يؤمنون بالموت قبل الأوان، بل يصارعون من أجل البقاء رافضين تعرض ثقافتهم للانقراض.

وبنظرة سريعة علي الأفلام الحائزة علي جوائز المهرجان سنجد أنها تدور في نفس الإطار بدءًا من الفيلم الروائي «شتي يا دنيا» للمخرج بهيج حجيج الذي يتناول قضية المخطوفين منذ زمن الحرب في لبنان، وتأثير ذلك علي الفرد والمجتمع وأبعاد هذه المأساة، حتي أفضل ممثلة تم اختيارها من فيلم «حرائق» الذي تدور أحداثه عن الحرب الأهلية في لبنان وانعكاسات ذلك علي الواقع.

ووصلت درجة التأثير السياسي إلي حد أن لجان التحكيم في المهرجان نوهت بأفلام مثل «دموع غزة» لتؤكد دور الفن في كشف فظائع الاحتلال الإسرائيلي، وقد أضاف هذا البعد إلي المهرجان روحا جديدة لم تكن متوافرة في دوراته السابقة، إذ جعل من دعم القضية الفلسطينية أطروحته الأساسية مساندا جميع الأعمال الفنية التي تنطلق من هذا التوجه أو تستند إليه، ليشير إلي أن العرب أولي بقضيتهم وأن حرية الفلسطينيين يجب أن تكون علي جدول الاهتمامات والأولويات، بعد أن حاولت إيران أن تحقق حضورا سياسيا علي حساب القضية الفلسطينية كأنها تستأثر بهذا الأمر دون الجميع، ولكن مهرجان أبوظبي قد أعاد الأمور إلي نصابها ليؤكد أن العرب أولي بالدفاع عن هويتهم وأن السينما ومهرجاناتها هي البوابة لهذا الدفاع.

لقد تبني المهرجان قضية المخرج الإيراني جعفر بناهي الذي أدت به معارضته للنظام في طهران إلي أن يقبع في السجن، لذلك تم عرض فيلمه الأخير كجزء من مشروع دولي لدعم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومساهمة من المهرجان في تعرية النظام الإيراني الذي يتشدق بالحرية بينما يعمل جاهدًا علي خنق الإبداع.

إن التوتر السياسي بين إيران والإمارات يقفز علي السطح فلا يمكن أن تمر مشكلة النزاع علي الجزر في الخليج مرور الكرام، بل تنعكس حساسية الأمور علي المنعطف الثقافي.

روز اليوسف اليومية في

28/10/2010

# # # #

العرب يواجهون الفرس في موقعة أبوظبي السينمائية

كتب مها متبولى 

استطاع مهرجان أبوظبي أن يخترق الخطوط الحمراء ويقتحم حدود القضايا السياسية الشائكة التي يتهرب منها بعض المهرجانات العالمية، فقد وضع مهرجان أبوظبي العالم كله أمام القضية الفلسطينية وما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي من تجاوزات، بالإضافة إلي إحراج الإدارة الأمريكية ومطالبتها بوضع حد لما يحدث في العراق، ما جعل المهرجان يقدم رؤية بديلة لثقافة التسلية الهوليوودية ويفتح الأعين العربية علي حقائق الأشياء. فرضت السياسة نفسها علي أجواء الأفلام المشاركة في مهرجان أبوظبي السينمائي ومثلت حضورا طاغيا.. إذ قدم معظم الأفلام أخطر القضايا التي تمس مصائر الشعوب سواء في العالم الثالث الذي يضم فلسطين والعراق ولبنان، أو دول أخري تعرضت لتحولات وصدمات سياسية أثرت علي مسيرتها في جميع الأحوال.

ولا يمكن التعرض لأفلام المهرجان دون التطرق لتيمة «الحرب» التي سيطرت بقوة علي أفكار المخرجين، وجعلتهم يستخدمون السينما كورقة عمل وجدل وإثبات ضد جميع التجاوزات التي ارتكبت في حق البشرية، فمثلا فيلم «اللعبة العادلة» للمخرج دوج ليمان هو فيلم يكشف بوضوح أبعاد فضيحة «بلايم جيت» وأهم خيوط الأكذوبة التي نسجتها الإدارة الأمريكية لإقناع العالم بأن العراق يمتلك أسلحة نووية، لكن سفير أمريكا في النيجر «جوزف ولسون» يكشف زيف هذا الادعاء.

الفيلم صرخة سياسية تم إبداعها بعناية من أجل إدراك أسرار اللعبة السياسية التي ينتهجها السياسيون لخداع الشعوب وتدبير المؤامرات، ومفاجأة الفيلم أنه صدي حقيقي لموقف صناعه من الإدارة الأمريكية بدءاً من المخرج «دوج ليمان»، والممثل «شون بين» المناهض لسياسية «جورج بوش» الابن منذ توليه مقاليد الحكم في أمريكا، وقد شارك «خالد النبوي» في الفيلم وأدي دور «حامد» وهو عالم نووي اضطرته الظروف إلي التعامل مع عملية «السي أي إيه» التي حاولت انتزاع اعترافات منه بتورط العراق في إنتاج أسلحة نووية مقابل تأمين خروجه من العراق قبل الهجوم علي بغداد.

وقد نال الفيلم قدرا كبيرا من الاهتمام، لدرجة أن سفير مصر في الإمارات حضر العرض الخاص به وظل متواجدا في القاعة ليتعرف عن قرب علي ردود فعل المشاهدين وآراء النقاد، وأجمل ما في الفيلم هو جرأته غير المعهودة، فهو محاكمة علنية لجريمة حرب تم ارتكابها في حق شعب العراق الذي ذاق مرارة القصف بآلاف الأطنان من اليورانيوم المشع، والفيلم لا يقدم تقارير سياسية صماء، أو سرداً وثائقياً وإنما يقدم ردود الفعل الإنسانية تجاه ما كان دون استدراج الأحداث إلي التحليلات السياسية الفجة، وإنما تتكشف خيوط اللعبة السياسية شيئا فشيئا لنصل في النهاية إلي حجم المأساة.

أما بالنسبة لدور خالد النبوي فقد تم بتره، لأنك تظل تترقب ظهوره طوال الفيلم فلا تجده، وأغلب الظن أن مشاهده قرب النهاية تم استبعادها في المونتاج، وبغض النظر عن الجزء الأول من الفيلم الذي تسيطر عليه الايقاعات البطيئة فإن الفيلم سرعان ما يزودنا بحقائق متلاحقة ومواقف صادمة تثري الأحداث.

ولم يكن ذلك هو الفيلم الوحيد عن العراق بل هناك فيلم «كرنتينه» الذي يعكس بروحه الوثائقية آلية صناعة الدمار والخراب علي أرض العراق نتيجة الاحتلال الأمريكي الذي بدأ عام 2003، والظروف السيئة التي تواجه أبناء العراق، وهذا الفيلم الوثائقي للمخرج «عدي رشيد» يعد مكملا لفيلم «اللعبة العادلة» لأن رشيد نفسه عمل مصورا للفيلم الثاني مع «دوج ليمان».

«شتي يا دنيا».. عندما يتقاتل الأشقاء طائفيًا في لبنان

ومن العراق إلي لبنان.. تقف الحرب حاضرة علي شاشة السينما في عدة أفلام، بدءا من فيلم «مملكة النساء» الذي يرصد معاناة اللبنانيين والفلسطينيين من الاجتياح الإسرائيلي للبنان واعتقال جميع الرجال في مخيم «عين الحلوة» لتعيد النساء بناء المخيم وزراعة الأشجار، والفيلم يفيض بالمرارة التي حرصت علي تقديمها المخرجة اللبنانية «دانا أبورحمة»، فهو يقدم شهادات حية علي الروح الصلبة التي تمتلكها المرأة العربية في مواجهة الاحتلال، ومن هذا الفيلم إلي فيلم آخر هو «شتي يا دنيا»، الذي يتعرض لفظائع الحرب الأهلية في لبنان وجرائم البشر ضد بعضهم بعضا حسب الأهواء الطائفية، وانعكاس ذلك سينمائيا بمنتهي الاتقان.

النرويجية «فيبكة لوتبرج» تبكي الفلسطينيين في «دموع غزة»

وعلي نفس الخط السياسي تقدم المخرجة «سوزان بيير» فيلم «في عالم أفضل»، بينما فيلم «دموع في غزة» للمخرجة النرويجية «فيبكة لوتبرج» هو إدانة صريحة بالصوت والصورة لممارسات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة من خلال مجموعة من الأطفال يحكون آلامهم ومشاعرهم من جراء القصف، وتسجل المخرجة صرخة احتجاج قوية ضد جميع الانتهاكات، وتعتبر ما يحدث جنوناً كاملاً.

محاكمة سينمائية لضمير العالم السياسي

السياسة استطاعت أن تضفي علي المهرجان نوعا من الحراك والجدل الذي يعيد تقييم الأمور وينقل الفيلم السينمائي إلي حدود الثورة، بل وتسليط سهام الانتقاد في محاولة لإعادة وتصحيح مسار البشرية برؤي جديدة، تمتلك الكثير من الثراء، ومن الواضح أن هذا التوجه السياسي الرامي لخدمة القضايا القومية وتأييد الشعوب العربية في نضالها من أجل التحرر كان هدفاً واضحاً للجنة إعداد المهرجان، ويرجع الفضل في اختيار هذه الافلام للسينمائي انتشال التميمي.

الفن يؤدي دورًا سياسياً فاعلاً في الحياة، إذ تواجه به الشعوب العربية موجات الاحتلال وتسريبات القوي الطامعة -ومنها إيران- في إثبات دورها السياسي في المنطقة علي حساب العرب.

روز اليوسف اليومية في

28/10/2010

# # # #

 

خارج الكادر

أبو ظبي - من هوفيك حبشيان

غرور

يضرب الغرور معظم الجسم الثقافي العربي. ولأن السينما جزء من هذا الجسم، فهو يضرب تالياً هذا الفنّ ايضاً، ممثلين وسينمائيين ونقاداً، سواء أكانوا أصيلين أو زائفين. تراهم يتنقلون على غيم من البخار، غير مدركين أن الزمن لن يبقى زمنهم الى الأبد. هؤلاء تناسوا المثل الذي يقول وحدها السنبلة الفارغة يبقى رأسها مرفوعاً على الدوام.

هذه التصرفات الناجمة عن عنجهية فارغة، يشهد عليها، على نحو شبه يومي، المشارك الدائم في المهرجانات السينمائية الغربية أو العربية. نراها ونتداولها بين بعضنا البعض ثم نضحك في سرّنا، كشياطين خرس. ما العمل، ما دام لا أحد طلب منا تغيير العالم والمساواة بين البشر، خصوصاً ان ثمة آخر دائماً قد يرانا مثلما نراه، بعين ناقدة ومسائلة وخائفة.

بيد أن ثمة حالات شاذة لا يستطيع ضمير المرء السكوت عليها وتطبيق منطق التساهل الذي سيترك بلا شك المزيد من المظالم والتمييز، وخصوصاً اذا جاءت الإهانة من أشخاص نحبهم ونقدّر ما ينجزونه. يُحزِن فعلاً أن يكون صاحب هذا السلوك المخزي سينمائياً كبيراً، يشي عمله بذكاء حاد. كان ذلك اذاً في مهرجان ابو ظبي، ولسبب مجهول، رفض هذا الفنان الطليعي أن يمدّ "يده الالهية" الى ناقد أراد إلقاء التحية عليه، فطلب تدخل الحرس حين أراد زميلنا الاقتراب منه والاستفسار عن حركته الغبية. بدا الفنان أشبه بسياسي مهدد، يخاف على امنه الشخصي.

لمخرجنا الكبير طباع خاصة، وهو لا يخفي نفوره من أشياء كثيرة وأناس كثيرين. تدعو أفلامه الى مقارعة الظلم، لكنه لا يتوانى أحياناً عن اللجوء الى أساليب فوقية في تعاطيه مع من يقدّره، متعاملاً مع الناس باستخفاف وتعالٍ لا يلتقيان مع الرسالة الانسانية السامية التي تُكتب في سينماه بصور بديعة.

اعتدنا على القول ان السلوك الشخصي لا يُنقص من قيمة عمل الفنان، وخصوصاً اذا كان من النوع الذي يبحث عن تقمص كاراكتير. ماذا لو كان هذا النوع من السلوك يُنقص، في بعض الحالات القصوى، من أهمية العمل؟ ذلك لأنه لا يمكن عزل القلب عن العقل خلال مشاهدة فيلم. حتى ما نأكله قبل الدخول الى الصالة، يلعب دوراً في تقويمنا للفيلم، كما قال مرة أمبرتو أيكو.

لا نريد إعطاء درس في السلوك الآدمي لمهرجنا الحزين وأمثاله من العباقرة، فهم أحرار في فعل ما يريدون وتقليد أسوأ النماذج في الغرب (غاس فان سانت وبولانسكي؟)، فهذا عمل المرشد الاجتماعي. لكننا، من هذا المقال، نثير هذه المعضلة الأخلاقية لنفكر معاً في الهوة الموجودة بين خطاب المخرج، كل مخرج، وأفعاله. الواحد لا ينسجم مع الآخر. يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. القاموس واضح في تعريفه لهذا السلوك: نفاق. فهل وصلنا الى مرحلة بات الخطاب فيها مجرد سلعة، وحبراً على ورق، قلة يأبهون لضرورة تطبيقها في الحياة العامة، لمزيد من الصدقية والنزاهة؟!

بعضهم يؤمنون ايماناً أعمى بأنهم اذا مشوا على البساط الأحمر في كانّ، فقد أصبح في امكانهم أن يستفزوا الناس ويتعاملوا معهم بمنطق التحجيم. هؤلاء أنفسهم يعتبرون انهم اذا تلقّوا دعماً صغيراً من الصحافة الأجنبية وصارت اسماؤهم متداولة في المهرجانات الكبرى، لم يعودوا في حاجة الى أحد في بلدانهم وجوارها. هذا اذا لم يأت الواحد منهم وفي يديه عدد من مجلة فرنسية ليقول لك: انظر ماذا كُتب عن فيملي، أنت لا تفهم بالسينما!

الحرب بين النقاد والمخرجين لن تقع. لكن هناك من ينبغي تذكيره ببديهيات مخجلة في زمن مثل الزمن الذي نعيش فيه: العبقرية لا تلغي احترام الآخرين وآراءهم، والغرور بداية سلوك طريق اللاعودة.

هـ. ح.

النهار اللبنانية في

28/10/2010

# # # #

«الحفرة» لوانغ بينغ في مهرجان أبو ظبي السينمائي

كـاميـرا الجحيـم

نديم جرجورة/ أبو ظبي 

إنها أقسى أنواع الواقعية، مجسَّدة على شاشة كبيرة. فيلم «الحفرة» للصيني وانغ بينغ، المُشارك في المسابقة الرسمية الخاصّة بالأفلام الروائية في الدورة الرابعة (14 ـ 23 تشرين الأول 2010) لـ«مهرجان أبو ظبي السينمائي»، تأكيدٌ على قوّة الكاميرا في الانمحاء شبه المطلق، لصالح الواقع. على قدرتها على إدخال المُشاهد في اللعبة السينمائية، المستلّة من الواقع نفسه. كأن الحدود السينمائية أُلغيت، وبات على المُشاهد أن يكون إحدى شخصيات الفيلم. قسوة الواقع وجدت في قوّة الكاميرا طريقاً إلى قلب المُشاهد وروحه وانفعاله. بدت القسوة والقوة معاً ثنائياً متكاملاً في قراءة لحظة تاريخية، ومسألة إنسانية، وسؤال أخلاقي.

شاهدٌ

القصّة واقعية. أحداثها عالقة في أذهان كثيرين. بعض هؤلاء مُصنّف في خانة «الناجين». أي إنه شاهدٌ على ما جرى. وندوب ما جرى عالقة في جسده وروحه وعقله وانفعاله. هذا ما اختاره وانغ بينغ. لكن المخرج الصيني (مواليد إقليم شانكسي، 1967) لم يفعل شيئاً كثيراً، عندما قرّر نقل التجربة المرّة إلى الشاشة الكبيرة. لم يفعل شيئاً كثيراً؟ يكفي أنه التقط بكاميراه وقائع العيش اليومي داخل بؤرة الموت، بعد استعادته تلك القصّة المريرة التي وسمت تاريخ بلد ومجتمع بإحدى موبقات العصر الديكتاتوري الفظيع. في العام 1960، اعتقلت السلطة الصينية آلاف المواطنين، بتهمة كونهم «يمينيين منشقّين»، لأسباب متعلّقة بأنشطة قاموا بها سابقاً، منها «انتقادهم الحزب الشيوعي الحاكم»، أو لـ«تحدّرهم من الطبقة الوسطى». هذا يحدث في أنظمة ديكتاتورية مختلفة، هنا وهناك. في الأزمنة كلّها. لكن التجربة الصينية في هذا الإطار، كما أعاد رسمها «الحفرة»، بدت عصيّة على الوصف الكتابي، ومتلائمة والوصف السينمائي. لم تبقَ التجربة في التاريخ، ولم تُطوَ صفحتها في أذهان العارفين أو الناجين منها، لأنها وجدت في كاميرا لو شنغ مدى أوسع لاستعادتها وتوثيقها وجعلها صورة حسّية قاسية، كادت تلامس حقيقة التجربة نفسها إلى درجة الذهول. لم يفعل وانغ بينغ شيئاً كثيراً؟ يكفي أنه أعاد رسم الملامح الجغرافية والتاريخية والإنسانية لتلك الأشهر الثلاثة التي عاناها «منشقّون يمينيون» في حُفَر مخيم «مينغشوي» لـ«إعادة التأهيل والتثقيف» في وسط صحراء «جوبي». أعاد رسمها كما لو أنها هي نفسها. الدليل على ذلك؟ تأثيرها المباشر في نفوس مُشاهدين وعقولهم وانفعالاتهم. في الصالة السينمائية في مجمّع «مارينا مول» في أبو ظبي، صُدم مشاهدون إزاء فظاعة الحدث ووحشية الواقع وبراعة السينما في حماية التجربة من الاندثار. ولعلّ هذا، وحده، كاف للقول إن «الحفرة» (إنتاج صيني بلجيكي فرنسي مشترك، 2010) مرآة شفّافة عكست فداحة البشاعة الأخلاقية للطبقة الحاكمة، التي جرّدت بشراً من إنسانيتهم بقذارة لا تُحتمل.

عن رواية ليانغ شيانهوي وشهادات ومقابلات أُجريت مع ناجين من الحُفَر الصينية هذه، بنى المخرج الوثائقي وانغ بينغ فيلمه الروائي الطويل الأول هذا. الركيزة الدرامية متينة: إنها قصّة إنسانية حقيقية، مكتوبة في سيناريو سينمائي حادّ ومترابط. المدماك الجمالي متماسك: الدخول إلى عوالم أولئك المعتقلين، والعيش اليومي معهم، من دون زيادة أو نقصان. أي إخفاء الكاميرا في البلاتوه، وتحويل البلاتوه إلى حُفَر أقام فيها آلاف المنشقّين اليمينيين بانتظار حتفهم. كأن الممثلين لا يمثّلون. كأن وانغ بينغ لا يصنع فيلماً، بل يُعيد النبض إلى حياة انقرضت في الصحراء، فبثّ فيها روحاً متمرّدة لإنقاذ التجربة من النسيان. شخصيات «الحفرة» عادت من الموت لإحياء الجثث، ودفعها إلى سرد حكاياتها. والسرد، هنا، لم يتّخذ جانباً وثائقياً (المجال الذي برع فيه وانغ بينغ، خصوصاً في فيلمه «غرب السكك الحديدية»، الذي أنجزه في العام 2003، عن حيّ صناعي أريد هدمه في إطار إصلاح قامت به البلدية)، ولم يتحوّل إلى نصّ وحوار سينمائيين، بل ظلّ على هامش الحدث المتصاعد شيئاً فشيئاً باتجاه ذروة الانكسار الإنساني. أي إن حكايات المعتقلين الذاهبين إلى موتهم سُردت بشكل موارب، عبر الصُوَر السينمائية. بعض الشخصيات قال أسباب زجّه في نفق النهاية هذا. فالأهمّ، بالنسبة إلى وانغ بينغ، كامنٌ في مكان آخر: تصوير الحكايات المُعاشة، بدلاً من سردها المباشر. أي إعادة الحياة إلى المخيّم نفسه، وتقديم صورته وفضائه وتفاصيله وناسه ومساره كما هي. غير أن تصويراً واقعياً كهذا يفتح مجالاً واسعاً جداً أمام إعمال المخيّلة: سرد الحكاية من دون كلمات، مثلاً.

قسوة

أبدى عددٌ من النقّاد والصحافيين السينمائيين استغرابه من تغييب «الحفرة» لوانغ بينغ عن جائزة «الأسد الذهبي» في الدورة السابعة والستين (1 ـ 11 أيلول 2010) لـ«مهرجان البندقية السينمائي». انزعج هؤلاء من منح «في مكان ما» لصوفيا كوبولا تلك الجائزة الأولى على حسابه، في واحد من أبرز المهرجانات السينمائية الدولية الثلاث وأهمها. في أبو ظبي، لم يُعلّق كثيرون على تغييبه ثانيةً. فالفيلم الفائز بالجائزة الأولى («اللؤلؤة الذهبية» في فئة أفضل فيلم، وقيمتها المالية مئة ألف دولار أميركي)، أي «أرواح صامتة» للروسي أليكسي فيدورتشنكو، يستحقّ فوزاً وجائزة. لم تعد المقارنة سهلة. في البندقية، لم يلق «الحفرة» إعجاب لجنة تحكيم برئاسة سينمائي أميركي مشاغب يُدعى كوانتين تارانتينو. في أبو ظبي، اختارت لجنة تحكيم برئاسة الأرجنتيني لويس بيونزو الفيلم الروسي «أرواح صامتة». مع هذا، حافظ «الحفرة» على جمالياته كلّها. لم يؤثّر عدم فوزه عليه بأي شيء. تماماً كما لم يؤثّر فوز «أرواح صامتة» بالجائزة بشيء يُذكر على تحفة مخرجه. الفيلمان جميلان ومهمّان. متماسكان في سرد حكاية الحبّ والمواجهة والخراب. لكن «الحفرة» مائلٌ إلى واقعية فجّة في مقاربتها اختباراً أخلاقياً سقطت فيه الحكومة الصينية، وفي معاينتها واقعاً إنسانياً انتصرت فيه السينما لصالح فصل من فصول الموت البشري القاسي.

مشاهد عدّة ابتكرها وانغ بينغ في «الحفرة»، مستلّة من حقائق العيش في الموت، أثارت صدمة قاسية إثر ظهورها على الشاشة الكبيرة. أقساها مشهدان اثنان لا يُمكن للكلمات أن تعيد رسمهما بسهولة. ذهبت الكاميرا إلى الأقسى. غاصت في مسام تجريد الفرد من الإنسانيّ فيه، وامتهان كرامته. أولها: مشهد مطاردة سجين لفأر، ساعياً إلى طهوه وأكله، في ظلّ تقليص عدد الوجبات، تماشياً مع مجاعة ضربت الصين في تلك الفترة. ثانيها: سجين يلتقط حبوباً للأكل من تقيوء سجين آخر. مشهدان قاسيان (الثاني أعنف) جعلا «الحفرة» أكثر واقعية من مجرّد سرد حكايات بكائية مسطّحة. لكن الفيلم برمّته متجانس في جعل الحكايات المصوَّرة متتاليات حادّة في التعبير عن مجزرة أخلاقية، ارتكبتها سلطة ديكتاتورية بحقّ مواطنين أفراد قالوا رأياً وأعلنوا موقفاً، بحجّة «إعادة التأهيل».

اغلب الظنّ أن كل كلام نقدي عن «الحفرة» يظلّ أعجز من قوة الصُّوَر في البوح.  

كلاكيت

موسم العنفوان

نديم جرجورة

أسوأ أنواع التعامل مع الإبداع، كامنٌ في إحالته إلى جنسية صانعه. هذا أمر حاصلٌ في أنحاء شتّى من العالمين العربي والغربي. غير أن شيوعه لا يفرض تعاطياً إيجابياً معه. أمر واقعٌ، لكنه مغال في شوفينية محلية، تجد صداها الأوسع في دول عربية تحديداً، خصوصاً في لبنان. إذا كانت دول غربية تشارك في إنتاج أو تمويل صناعة أفلام مُنجزة فيها، يُمكن، عندها، تبرير الأمر الواقع هذا. لكن المأزق حاصلٌ عندما تتخلّى الدولة عن مهامها كافّة إزاء مواطنيها (وليس إزاء مبدعيها فقط)، ثم تجد من يَسِم النتاج الإبداعي بجنسية محلية ضيّقة، فيتباهى الجميع، عند فوز العمل الإبداعي بجائزة أو تكريم غربيين، بهذه الجنسية التي يلعنونها طوال أيام السنة، لألف سبب وسبب.

هناك أمثلة كثيرة. في مصر، يُدافعون عن الانتماء الجغرافي للنتاج الإبداعي بشدّة أمام الآخرين. يحيلون كل شيء على تلك المقولة الراسخة في الوجدان والعقل: «مصر أم الدنيا». لكنهم لا يتوانون عن مهاجمة أي عمل مصري جدّي، يعتبرونه «إساءة إلى سمعة مصر». الدولة قبل النتاج الإبداعي. لكن النتاج الإبداعي يحتلّ مكانة مرموقة، عندما يعثر لنفسه على موقع ما في المشهد الغربي. في لبنان، المسألة أخطر: هذا الفساد كلّه الذي ينخر جسد الدولة ومؤسّساتها والمجتمع وأبناءه، يختفي فجأة لصالح الهوية اللبنانية والعنفوان اللبناني، عندما يُصيب لبنانيٌ ما انتصاراً ما في بلد ما. ليست الدولة وحدها مسؤولة عن الأمر الواقع هذا. هناك مثقفون وإعلاميون وسياسيون واقتصاديون ورجال دين وغيرهم، يذهبون إلى الهوية اللبنانية عندما يرون أن فلاناً حقّق نجاحاً في الخارج، من دون أن يسألوا عمّا إذا كان فلان نفسه مقتنع بانتمائه الجغرافي هذا. أما في المجال السينمائي، فالطامة أكبر: ما من أحد يبالي بالمحاولات الفردية الدؤوبة لصناعة أفلام لبنانية. ما من أحد يكترث بعرضها التجاري. ما من أحد يُقدّم مساعدة أو دعماً أو استثماراً أو تمويلاً او إنتاجاً، إلاّ بصعوبة بالغة. لكن الجميع ينشدون انتماءً لبنانياً لأنفسهم ولصناعة الفيلم اللبناني، عندما يفوز هذا الأخير بجائزة أجنبية، أو يحظى بتكريم خارجي، أو يحصل على احتفاء غربيّ.

لا أتعاطى مع الصنيع الإبداعي انطلاقاً من هوية ملتبسة، أو جنسية مُعرّضة لنقاش نقدي يومي. الأهمّ كامنٌ في الصنيع نفسه. في مدى استيفائه شرطه الإبداعي ومقوّماته الفنية والتقنية. في حيويته وحراكه وقدرته على إثارة الأسئلة والتحريض على إعادة مناقشة العناوين الحياتية كلّها. أو على إثارة متعة بصرية حقيقية، غير مسطّحة أو ساذجة. لا تعنيني جنسيته. لا أكترث بهويته الجغرافية الضيّقة. الصنيع الإبداعي، خصوصاً السينما، أوسع من الجغرافيا، وأكبر من التاريخ، وأجمل من الانتماءات المحلية. أما الجوائز والتكريم والاحتفاء خارج لبنان وداخله، فلا تضيف شيئاً.

الصنيع هو الأهمّ. فلنحرّره من أكذوبة الانتماءات الجغرافية الملتبسة.

السفير اللبنانية في

28/10/2010

# # # #

 

رياح التطبيع تهب علي مهرجان أبوظبي

جائزة الجمهور لمخرجة يهودية يثير غضب الشارع العربي

قدري الحجار

تفاءل النقاد والصحفيين بالخطوة التي اتخذتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بتغيير اسم المهرجان من مهرجان الشرق الأوسط إلي مهرجان أبوظبي بعد أن شاهد المهرجان عاصفة من الهجوم والانتقادات من الفنانين العرب واتهامهم للمهرجان بالترويج للتطبيع مع اسرائيل. وقوبلت تلك الظاهرة برفض قاطع من الفنانين الذين تمسكوا بموقفهم الرافض للتطبيع مع اسرائيل وكان الموقف غريبا حينما علم الجميع ان الشركة التي قامت بانتاج الفيلمي الأمريكي fair game أو "اللعبة العادلة" الذي تم عرضه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته التي انتهت منذ شهور الذي شاركت في بطولته الممثلة الإسرائيلية ليزار شارهي هيئة أبوظبي للثقافة والتراث والمشرفة علي مهرجان أبوظبي كما قامت بعرضه في المهرجان بعد ان قررت ان تأخذ لنفسها موقفا وان تغرد وحدها خارج السرب العربي بسبب استخدام اجانب للاشراف علي المهرجان "يهود" وهما بيتر سكارليت يهودي ومتزوج من يهودية ايرانية والمعروف عنه مواقفه المساندة إلي إسرائيل وقد تم طرده من لبنان إلي روسيا اوائل الثمانينيات بتهمة شبهة التخابر لصالح جهات معلومة فحاولوا ان يكون المهرجان حصان طروادة لعبور الفن الإسرائيلي لداخل الوطن العربي وقد كان لهم ذلك بمنح جائزة للمنتجة الإسرائيلية "ليسلي وودوين" التي قالت انها تفتخر بأصلها الإسرائيلي وانها ارادت ان تعلم جميع من بالمهرجان بأصولها الإسرائيلية حتي يعلم الجميع بأنها هي منتجة الفيلم والتي كانت لها محاولات كثيرة وكانت المحاولة الاولي لعرض فيلم "زيارة الفرقة الموسيقية" ودعوة المخرج الإسرائيلي عيران كولين للمشاركة في المهرجان وهي الدعوة الموقعة باسم نانسي كوليت مدير البرامج في المهرجان.

أما الغريب في الامر هو مشاركة المخرج والصحفي أحمد عاطف في هذه المهزلة الذي كان له موقف من مهرجان الصورة الحرة السادس الذي ينظمه المركز الثقافي الفرنسي حينما اشرك فيلم "شبه طبيعي" للمخرجة الإسرائيلية كيرين بن رفاييل التي عملت من قبل مونتيرة بالجيش الإسرائيلي وان الفيلم ناطق بالعبرية واحداثه كلها تدور في تل أبيب وارادت إدارة المهرجان ان يكون هذا الفيلم هو المدخل الثقافي والفني لتمرير إسرائيل لقلب الوطن العربي فاعتذر عن المشاركة كعضو في لجنة التحكيم.

ممدوح الليثي رئيس اتحاد النقابات الفنية فيقول إن قرارات الراحل سعد الدين وهبة ومجلس النقابات الفنية الثلاث "التمثيلية والسينمائية والموسيقية" عام 1981 هو نفسه قرار المجلس الحالي والقادم وهي ثوابت لن تتغير مادامت إسرائيل تنتهك حقوق الفلسطينيين. وتستمر في اعلانها ان دولة إسرائيل من النيل إلي الفرات.

اكد الليثي ان عقوبة الداعين إلي التطبيع مع إسرائيل بأي شكل من الأشكال تصل إلي شطب عضويته.. أول ما سنفعله ضد أي فرد يدعو للتطبيع تجميد عضويته. والتحقيق معه. ان الموقف واضح لمن تسول له نفسه التفكير في التطبيع بأي شكل من الأشكال مع إسرائيل مهددا بالفصل من العضوية وان هناك قراراً بعدم التعامل مع إسرائيل بجلسته المنعقدة في 19/1/1981 بحظر التعامل علي اعضاء النقابات الفنية السفر أو التعامل مع إسرائيل وإلا عرض العضو نفسه إلي الفصل.

اضاف انني متعجب من موقف النجوم والصحفيين لماذا لم ينسحبوا من المهرجان حينما علموا ذلك واعلنوا هذا الانسحاب للصحافة والتليفزيون انني عاتب عليهم.. وانني سوف ادعو مجلس ادارة الاتحاد للانعقاد في جلسة طارئة لاتخاذ موقف وحاسم تجاه مهرجان أبوظبي.

يضيف خالد شوكات رئيس مهرجان الفيلم العربي بروتردام ان إدارة مهرجان أبوظبي السينمائي. لم تخبر أيا من ضيوف الدورة العرب بأن المنتجة الإسرائيلية "ليسلي وودوين" ستكون بصحبتهم طيلة أيام المهرجان. وأنها ستختال بين الجميع لتعطيهم دروسا في "كيفية تحطيم جدران السجون التي يعيشون فيها وتعلمهم قيم التعايش والتسامح". ناسية أو متناسية أنها قادمة من بلد السجون والجدران الأول في العالم. بلد لا يمكن لإنسان سوي نفسيا وعقليا وثقافيا ان يفخر بالانتماء إليه. ناهيك ان يعلم غيره معاني الحرية والإخاء والانسانية.

ان المفترض في اعضاء ادارة مهرجان بحجم مهرجان أبوظبي. ان لا يخدعوا ضيوفهم وان لا يحرجوهم بوضعهم في مواقف امام شعوبهم يخجلون منها. الغريب في الأمر ان بعض ضيوف الدورة الرابعة لمهرجان أبوظبي كان جريئا في سحب فيلمه من مهرجان "مونس" البلجيكي قبل سنتين عندما علم بوجود إسرائيليين فيه. بينما لم ينبس ببنت شفة عندما علم بالإسرائيلية تسرح وتمرح في قصر الامارات. وبعض الضيوف سارع بارجاع جوائز مهرجان وهران لمجرد شغب صاحب مباراة لكرة القدم. فيما اظهر غبطة وسرورا وهو يزاحم "ابنة العم" الصهيونية علي منصة حفل اختتام مهرجان أبوظبي. فهل كان علي بلجيكا برأي هؤلاء ان تكون اكثر عروبة من دار الشيخ زايد. وهل اصبح شغب الاشقاء الجزائريين في مباراة رياضية أكثر استحقاقا للاعتراض من عسف الصهاينة وجبروتهم وجرائمهم التي لا تنتهي.

أما سهير عبدالقادر نائب رئيس مهرجان القاهرة السينمائي فتقول إن موقف مهرجان القاهرة من التطبيع مع إسرائيل معروف للجميع منذ رئاسة سعد الدين وهبة وحتي اليوم هو الرفض التام لمشاركة أي افلام إسرائيلية أو ذات اصول اسرائيلية أو فنانيين اسرائيليين في مختلف اقسام أو مسابقات أو تظاهرات المهرجان وحول فوز المنتجة الإسرائيلية بجائزة الجمهور قالت ان كل مهرجان يملك الحرية في اتخاذ قراراته بمشاركة الأعمال الإسرائيلية في اقسامه من عدمها وكذلك جوائزه وعليه ان يتحمل مسئوليات ذلك.

تضيف الناقدة خيرية البشلاوي إذا كان المسئولون عن ادارة المهرجان يهودا فماذا تنتظر منهم ان يفعلوا بمهرجان عربي مثل مهرجان أبوظبي. إن ما حدث يعد انحطاطا ثقافيا وضربا تحت الحزام لكل ما هو عربي وخرق واضح للموقف السينمائي والثقافي العربي الموحد من قضية التطبيع وإذا كانت ادارة المهرجان تريد ان تغرد بعيدا عن السرب العربي فليس من المعقول ان تبحث في الاختلاف من خلال منح مثل هذه الجائزة التي اتصور انها لا يمكن ان تحمل هوية أو لفظة "جائزة عربية" وكنت اتمني ان تكون هذه الجائزة من لجنة التحكيم لأنها تعبر عن وجهة نظر اعضاء لجنة التحكيم لكن ان تعبر عن رأي الجمهور فاتصور ان الجمهور العربي برئ منها وخاصة جمهور ابوظبي ودولة الامارات الشقيقة الذي من المؤكد أنه تم سوء استغلال اسمه لمثل هذه الجائزة وعلي مسئولي أبوظبي ان يدركوا ما اوقعتهم ادارة المهرجان اليهودية فيه.

الجمهورية المصرية في

30/10/2010

# # # #

فيلمان

بقلم: كمال رمزي

سينما آزادى» و«آش» أو «الرماد» فيلمان جميلان، مهمان، هى من وعن منطقة تقترن، تاريخيا وجغرافيا بالمعارك الحربية، ذلك أنها تقع بين شقى رحى العراق وإيران «عربستان» حسب اللغة العربية و«خوزستان» وفقا للتسمية الفارسية.. الفيلمان المتمتعان بنزعة تسجيلية تشع بالصدق يبددان شيئا من ضباب يحيط بهؤلاء الاهالى الذين يعرفوننا أكثر مما نعرفهم.

«سينما آزادى» اسم دار العرض التى نشهد حكايتها، كاتب السيناريو، المخرج مهدى توفى، استفاد من قدراته كقصاص وشاعر فى بناء فيلمه حيث نسمع صوت الراوى من خارج الصورة، يسرد علينا تاريخ سينما يمتزج بتاريخ المدينة ولا ينفصل عن تاريخه الشخصى، يبدأ الفيلم بجنازة وندرك انها لصاحب دار العرض يتهادى صوته المبلل بالوهن مع دخول الكاميرا إلى بيته الخاوى، صالة كبيرة، تشغلها أكوام مقاعد، سينما مهجورة.

تصعد الكاميرا إلى الدور العلوى، تطالعنا بقايا حياة ومنها صورة الرجل وعليها شريط رفيع أسود..

مع صوت الرجل تتدفق المشاهد من الماضى إلى الحاضر، يخطرنا أن يوم زواجه توافق مع افتتاح دار العرض، وذلك في العام ١٩٤٧ يعود الفيلم إلى الوراء ليرصد على نحو حميمى، وجوه الجمهور المندمجة تماما مع ما يدور على الشاشة، عيون منبهرة موحدة الانفعالات تتابع بنشوة، شارلى شابلن، وآخرين من بينهم منير مراد فى احد استعراضاته، ولاحقا يتحدث أحد كبار السن عن عشق الأهالى لفريد الاطرش وعبدالحليم حافظ، كان الذهاب للسينما جزءا من تقاليد العيد، هكذا يقول الراوى مع صور رقيقة لآباء يضعون أولادهم على ارجلهم وبنات بوجوه نضرة وعيون متعاطفة لكن تلك الايام لا تدوم ودار العرض لا تبقى، الرجل يدخل السجن ويخرج منه قعيدا، وسينما آزادى تحترق إما بسبب غارة جوية أو بفعل من يظن انها حرام.. وينتهى الفيلم بانتهاء مراسم الجنازة.. انه مرثية لا تمس شغاف القلب وحسب، بل تنعش العقل وتجعله ينتبه الى من يحبنا فى بلاد قد تبدو بعيدة.

أما الفيلم الثانى فإن عنوانه المكتوب بالانجليزية هو «ASH» ومعناه رماد، وربما كانت الكلمة مجرد تعبير عن كلمة «ايش» العامية ولكن بلهجة «العربستانيين»، الفيلم اقرب للتحقيق، يتعرض بشمول وعمق لهؤلاء المنسيين بين التاريخ والجغرافيا، فالمنطقة تخضع فى حقبة للحكم الايرانى، ثم العراقى ثم الايرانى، لكن المشكلة، أو المأساة، الابعد غورا ــ كما يقول احد مبتورى الاطراف ــ ان الايرانيين يعتبرونهم خونة والعراقيون أيضا ينظرون لهم كمشروع خيانة، «آش» يعشق وجوه الاطفال، ذات الطابع الملائكى ويشير بقلب يقظ إلى حرمانهم من المدارس والمستشفيات ولا يفوته بصدد دبابات محترقة وقذائف لم تنفجر بسبب تلك الحرب العبثية بين ايران والعراق.

انه عرض حال بالغ الثراء للتاريخ والجغرافيا وفى المحل الاول للبشر بأمانيهم وهمومهم واغانيهم.. والاهم: اصرارهم على مواصلة الحياة وانتزاع لحظات بهيجة خلال افراح الزواج.

مخرج هذا الفيلم حبيب ساجد، شاب نحيل، مهذب، منحنى الفيلمين اثناء مهرجان أبوظبى، وقال إنهم يتابعون الفن المصرى خاصة السينما لكننا لا نعرفهم، وتمنى لو أشاهدهما وأكتب عنهما.. ووعدته بأن أفعل.

الشروق المصرية في

30/10/2010

# # # #

لبنان المتلألئ في أبو ظبي

إبراهيم حاج عبدي 

سيتذكر السينمائيون وجمهور السينما، طويلاً، الدورة الرابعة من مهرجان أبو ظبي السينمائي، لا بسبب حضور جيرار ديبارديو وجوليان مور وأوما ثورمان...، ولا بسبب مخرجين أثاروا جدلاً، أو نتيجة لأفلام أحدثت انقساماً، بل لأن اسم لبنان تلألأ مبهراً في سماء العاصمة الإماراتية حيث نالت السينما اللبنانية النصيب الأكبر من جوائز «اللؤلؤة السوداء» ضمن المسابقات المختلفة للمهرجان الذي يمنح جوائز مالية تعد الأغلى بين المهرجانات السينمائية على مستوى العالم (تصل قيمتها الى نحو مليون دولار أميركي).

هذه المرة، لم تكن صورة السينما اللبنانية ملتبسة (وفق تعبير الناقد السينمائي ابراهيم العريس، وإنْ قصد بالالتباس معنى إيجابياً)، بل بدت شديدة الوضوح، جلية في استحضار المشهد اللبناني على أكثر من صعيد، وعبر زوايا وإيقاعات حفرت في الذاكرة عميقاً، فجاءت الآن كومضة خيال متقنة؛ بالغة الثراء والإيحاء. المخرج بهيج حجيج قطف جائزة «اللؤلؤة السوداء» لأفضل فيلم روائي طويل من العالم العربي (100 ألف دولار) عن فيلمه «شتي يا دني» متفوقاً بذلك على صاحب «كيت كات» داوود عبدالسيد الذي حضر مع فيلمه الجديد «رسائل البحر»، وعلى صاحب «تحت السقف» نضال الدبس وجديده «روداج». في هذا الفيلم، يسلط حجيج الضوء من جديد على قضية المفقودين، ليسرد حكاية معتقل عائد الى الحرية بعد عشرين سنة من العتمة، إذ يخفق في التآلف مع موسيقى الحياة.

في مسابقة «آفاق جديدة»، نال فيلم «طيب، خلص، يللا» للبنانية رانيا عطية والاميركي دانييل غارسيا، جائزة «اللؤلؤة السوداء» لأفضل فيلم روائي لمخرج جديد من العالم العربي (100 ألف دولار)، مناصفة مع الفيلم الإيراني «غيشير»، للمخرج وحيد وكيليفار. هذا الفيلم يسبر جغرافية النفس الإنسانية عبر حكاية شاب يتلمس الحياة الصاخبة في مدينة طرابلس بعد سنوات من العزلة. أما جائزة «اللؤلؤة السوداء» لأفضل فيلم وثائقي من العالم العربي أو حول العالم العربي (قيمتها المادية كالسابقة)، فذهبت مناصفة، كذلك، الى فيلم «شيوعيين كنّا» للمخرج ماهر أبي سمرا، وفيلم «وطن» للمخرج الهولندي المعروف بتأييده القضية الفلسطينية جورج سلاوزر (ولعل ابي سمرا فرح بهذه المناصفة التي أتاحت له مكاناً الى جانب مخرج بارز، ومخضرم مثل سلاوزر الذي اعتبر أحد النقاد حضوره في المهرجان الحدث الأهم)، في حين حظي فيلم «بحبك يا وحش» للمخرج محمد سويد بتنويه خاص من لجنة التحكيم ضمن هذه الفئة.

ربما لم يسبق لبلد أن نال هذا الكم من الجوائز في مهرجان واحد، ويجب ألا يغيب عن البال ان هذا البلد هو لبنان الذي تعصف به المحن، فلا يكاد يخرج من كارثة حتى تطل أخرى. في هذا البلد الوديع، الراقد على حافة القلق والامل، ثمة من وجد متسعاً من الوقت، وراح يرصد الاضطراب والتحولات والآلام بأكثر الأشكال التعبيرية سمواً وتأثيراً، ألا وهي السينما. قد تكون محطة «أبو ظبي» مؤشراً على «نهضة سينمائية» في لبنان كي ينضم الى دول شقيقات حققت بعض النجاح في هذا الحقل: مصر، المغرب، سورية. ولئن جاء التمويل، أحياناً، من خارج لبنان، فالأهم، هنا، هو أن من يقف خلف الكاميرا، ويضع البصمة الخاصة على الشاشة الكبرى، هم مبدعون لبنانيون... أما الحجة القائلة بأن الجوائز ذهبت الى بعض الأفلام اللبنانية المذكورة لأنها انتجت بمنحة «سند» (صندوق أطلقه مهرجان أبو ظبي لدعم المشاريع السينمائية العربية وتطويرها)، فهي حجة واهية، ذلك أن أفلاماً أخرى دعمها صندوق «سند» ولم تحظ بجوائز، فضلاً عن أن فيلمي «شتي يا دني»، و «طيب، خلص، يللا»، هما من إنتاج لبناني، بحسب كتالوغ المهرجان.

وثمة تشكيك آخر في هذا الانتصار السينمائي اللبناني (هذا البلد الخاسر، أبداً، في حلبات المعارك السياسية والطائفية...) يتمثل في أن الجوائز لا تشكل معياراً لتقويم الفيلم، ولكن ذلك لا يلغي طموح السينمائيين إلى نيلها، فضلاً عن ان هذا التشكيك ليس صحيحاً بالمطلق. فغالبية الافلام التي نالت جوائز هي التي تُخلّد في الارشيف السينمائي، لأنها تنطوي على قيمة جمالية وفنية هي التي جلبت الجائزة، لا العكس. لن نغفل هنا عن بعض الجوائز التي تمنح لاعتبارات غير سينمائية، كالاعتبارات السياسية، مثلاً، (وقد قيل هذا الكلام عن جوائز «أبو ظبي» التي احتفت بلبنان)، لكن يصعب العثور على مؤشر من هذا النوع في العلاقة الإماراتية - اللبنانية، فباستثناء زرقة المياه في «الخليج» و «المتوسط»، ولغة الضاد، فإن لا شيء آخر يدعم «التأويل السياسي» المزعوم، لا سيما بوجود أعضاء لجان تحكيم لهم مكانتهم السينمائية التي يصعب التقليل من شأنها من أمثال صاحب «سجل اختفاء» ايليا سليمان، وأسامة محمد والأرجنتيني لويس بيونزو والتونسي نوري بوزيد... وغيرهم. لبنان، إذاً، هو بلد الكاميرا والقلم والريشة... لا بلد الكلاشنيكوف والـ «آر بي جي»، بهذه اللغة الثقافية - الجمالية ينبغي أن يُخاطب ويحتفى به، لا بلغة الرصاص والنزاعات الطائشة.

الحياة اللندنية في

29/10/2010

# # # #

دموع على أطراف غابة من الندى

أبوظبي - من عدنان حسين أحمد 

بيلما باش في فيلمها الجديد 'زفير' تبرع في تسليط كاميرتها على واقع تركي مسحور يسلب شغاف القلوب.

إشترك فيلم "زفير" للمخرجة التركية بيلما باش في مسابقة "آفاق جديدة" في الدورة الرابعة لمهرجان أبوظبي السينمائي الدولي لهذا العام. وقد ضمت المسابقة (17) فيلماً من بلدان عربية وعالمية مختلفة. غير أن هذا الفيلم على وجه التحديد كان من بين الأفلام التي لفتت أنظار النقاد والمشاهدين على حد سواء وذلك لسويته الفنية، وجمالية خطابه البصري، ومعالجته الذكية لسؤال الموت الفلسفي، وتعاطيه مع فكرة الوجود والعدم التي تهيمن على أذهان الجميع تقريباً.

لابد من الإشارة الى أن كاتبة السيناريو هي مخرجة الفيلم نفسها. وهذا يعني أنها تريد، مع سبق الأصرار، أن تحقق رؤية إخراجية تدور في ذهنها عن قصة محددة، تقع في مكان محدد سلفاً. يمكن إختصار القصة السينمائية بجُمل محدودة أيضاً عن صبية صغيرة تدعى (زفير) عمرها (11) سنة، تركتها والدتها خلال العطلة الصيفية عند جدّيها الطاعنين في السن واللذين يسكنان في منطقة ريفية نائية أخّاذة الجمال، لكنها كانت تتحرّق شوقاً للقاء والدتها الجوّابة التي تعمل ناشطة متطوعة في مناطق بعيدة بحيث يصبح التواصل معها صعباً أو شبه مستحيل. وحينما تأتي الأم لزيارة ابنتها لمرة واحدة يحدث ما لا تُحمد عقباه، إذ تقرر هذه الفتاة أن تغادر مع أمها لأنها متعلقة بها جداً، ويبدو أن هذا المكان النائي على الرغم من جماليته وسحره الخلاب لم يرق لفتاة مدينية في مثل سنها. ثم تبدأ الأم (آي) الحوار مع ابنتها النزقة (زفير) ويختلفان على فكرة البقاء أو الرحيل. وحينما ترتفع الأصوات مجدداً وهما يقفان على حافة جبل عالية تدفع (زفير) أمها فتهوي الأخيرة من قمة الجبل الشاهق الى هوّة الوادي السحيق.

تفاصيل القصة السينمائية

لا يمكن اختصار أحداث القصة السينمائية ببضعة جمل لأن التفاصيل التي تؤثث متن الموضوع لابد أن تأخذ حصتها أيضاً، كما أن الاحالات والاشارات والتنويهات تفعل فعلها سواء في بناء الأحداث الجانبية، أو في بناء كل مشهد على حدة. ولابد من الأخذ بعين الاعتبار جمالية الطبيعة التركية التي تسحر الألباب في كل مكان. خصوصاً وأن المخرجة قد إختارت المنطقة الشرقية الجبلية الواقعة على البحر الأسود والتابعة لمقاطعة (أوردو) حيث تتكاثف أشجار الغابات، وتخترق الأنهار العذبة الأراضي الزراعية التي تنبسط على مدّ النظر. يا تُرى، ما الذي تفعله هذه الصبية الصغيرة (زفير)، جسّدت الدور (شيماء أوزنلر) في هذا المكان القروي الساحر، وكيف تقضي أوقاتها الطويلة في هذه العطلة الصيفية التي يبدو أنها لا تنتهي؟.

وبما أن عدد سكان هذه القرية محدود جداً فإن فرص اللعب من أقرانها من البنين والبنات محدودة أيضاً. فلا غرابة أن نراها تخرج مع جدها (أو. رشتو باش) الى الأرض الزراعية في الغابة لتبدد بعضاً من وقتها الطويل.

وفي أثناء تجوالهم في الغابة تصادف (زفير) حيواناً ميتاً أكلت الديدان الجزء الأكبر منه. وحينما ينتبه الجد الى بقايا هذا الحيوان الميت يدفنه في حفرة، ويغطّيه بالتراب وأغصان الأشجار. وقد أثار موت هذا الحيوان البري سؤال الموت لدى هذه الصبية الصغيرة وأخذت تسأل جدها عدداً من الاسئلة من بينها: أين ستدفَن حينما تموت؟ فقال: أنا سأُدفن الى جوار زوجتي؟ ثم تساءلت عن المكان الذي سوف تُدفن فيه أمها. فقال الجد بأنه لا يعرف على وجه الدقة أين ستدفن أمها. لكن (زفير) أردفت قائلة بأنها ستُدفن الى جوار أمها. وحينما تضايق الجد من أسئلة الموت طلب منها أن تفكر بشيء آخر.

الأم والموت الفاجع

لم يكن أمامها سوى بعض الأمكنة المتاحة، فإما أن تذهب الى المرتفع الصخري وتظل تنظر الى الطريق علّ أمها تعود ذات يوم، أو تلعب مع صبيان القرية الذين لا تستطيع أن تنسجم معهم فتغادرهم حينما يضايقونها. وحينما تيأس من مجئ أمها تخرج الى الحقل إما مع جدها (رشتو باش) لجمع الفطر، أو مع جدتها (سفنيتش باش) حيث يجنيان الفراولة ثم يعودان الى البيت الريفي الذي لا يخلو من حميمية.

من الواضح أن (زفير) هي شخصية إنطوائية تعيش عالمها الخاص، ولذلك لم تنفتح على الصبي الذي كان يشاكسها أو يريد أن يقترب منها في الأقل، لكنها سرعان ما كانت تغادره لتلج الى عزلتها الخاصة وأحلامها التي كانت تدور في مخيلتها.

لا يخفى على المشاهد الحصيف أن (زفير) كانت لها علاقة وطيدة بالطبيعة، وببعض الحيوانات الصغيرة مثل الحلازن والعظاءتين الميتتين اللتين دفنتهما بطريقة جنائزية وكأنها تؤبّن هذين الكائنين اللذين فارقا الحياة. كانت اللقطات المقرّبة للحلازن والزهور هي الأكثر شعرية على مدار الفيلم. كما أن جمال الطبيعة في معظم تفاصيلها قد أمدت الفيلم بقوة بصرية ساعدت في تقريبه من المتلقي الذي كان مسترخياً ومستأنساً على مدار المدة الزمنية للفيلم التي تجاوزت الساعة ونصف الساعة ببضع دقائق.

العلاقة المتشنجة

لا شك في أن العلاقة بين الأم (آي) والبنت (زفير) هي علاقة قلقة ومتشنجة في أفضل الأحوال. صحيح أن الأم حينما عادت الى هذه القرية النائية أخذت ابنتها بالأحضان، لكنها كانت تعترض على أغلب تصرفاتها داخل المنزل فحينما جلست الى مائدة الإفطار طلبت منها أن تغيّر منامتها، وحينما عادت ثانية طلبت منها أن تغسل وجهها فيما كان الجدان يتململان من هذه النمط الاستبدادي في العلاقة التي يفترض أن تكون سلسة وحميمة من دون أن يعتورها هذا الطابع الاستبدادي. وذات مرة وجدتها تستمع الى بعض الأغاني ففقدت أعصابها الأمر الذي دفعها لأن تجرد آلة التسجيل من البطاريات وترمي بها من النافذة الى خارج المنزل على الرغم من ولع هذه الأخيرة بالغناء والموسيقي فذات مرة رأيناها تطلب من عازف الغيتار في القرية أن يسمح لها بسماع موسيقاه وأغانيه. ثمة توتر ملحوظ في سلوك الأم التي جاءت لا لكي تلتقي بإبنتها أو بأبويها، وإنما جاءت لكي تودعهما من جديد. إذ أخبرت (زفير) بأنها ستنقلها الى مدرسة جديدة في هذه القرية النائية. وحينما غادرت الأم في اليوم الثاني كانت (زفير) تتطلع إليها من وراء النافذة. لذلك تسللت من المنفذ السري وخرجت وراء والداتها. فلقد حسمت هذه الفتاة أمرها لأنها لا تستطيع العيش في هذا المكان النائي الذي لا يستجيب لطموحاتها وأحلامها. فهي تحب الموسيقى والغناء، كما أن لديها إنشغالات أخرى ذات طابع فني وثقافي. فوجئت الأم حينما شاهدت (زفير) خلفها، وحاولت بشتى الوسائل أن تقنعها، لكن الصبية الصغيرة رفضت العودة وقررت الذهاب مع والدتها. حاولت الأم في خاتمة المطاف أن تقنع إبنتها العنيدة، لكن هذه الأخيرة رفضت بشدة، وأكثر من ذلك فقد دفعت أمها وأسقطتها من ذلك المكان الشاهق الذي إعتادت أن تجلس فيه لتواجه مصيرها المحتوم. ونتيجة للخبرات الكثيرة التي تراكمت لدى الصبية عن الموت قامت بغسل وجه أمها من الأتربة التي تراكمت عليها جرّاء السقوط، ودثرتها ببعض الملابس التي وضعتها الأم في حقيبتها الجلدية، ثم غطتها بالأحجار وأغصان الاشجار في مشهد تراجيدي محزن. إتكأت (زفير) على قبر والدتها وفي يدها زهرة عبّاد شمس، وفيما هي تتطلع الى الجهة الأخرى من النهر شاهدت البقرة السوداء التي ضلت الطريق في ليلة ضبابية فيما خرج العديد من رجال القرية يبحثون عنها فهي التي كانت تزودهم بأفضل أنواع الحليب وتغذي أطفالهم كل يوم.

لابد من الاشارة الى دور النجمة التركية ذات الأصول اليونانية (وحيدة غوردم) في تعزيز أهمية هذا الفيلم من الناحية الفنية. فهي نجمة معروفة في السينما والتلفاز التركيين وسبق لها قبل (زفير) أن اشتركت بأربعة أفلام مهمة وهي (عربات الثورة، قفل، الحب الأول وحكايات إستانبول) كما إشتركت في عدد كبير من المسلسلات التلفازية التركية التي حققت لها شهرة واسعة في أوساط الجمهورين التركي والعربي، خصوصاً بعد دبلجة هذه المسلسلات الى اللغة العربية وعرضها من خلال قناة أبوظبي الفضائية. سبق للفنانة وحيدة غوردوم أن نالت جائزة (الشرنقة الذهبية) عن دورها المميز في فيلم (الحب الأول) عام 2007.

ريح الشمال

سبق لبيلما باش أن أخرجت عام 2006 فيلماً وثائقياً قصيراً مدته (13.30) دقيقة حمل عنوان (ريح الشمال). والغريب أن هذا الفيلم الوثائقي يعالج ثيمة مشابهة تقريباً لثيمة فيلم (زفير). فثمة صبية صغيرة هي نفسها (شيماء أوزنلر) تعيش مع أقربائها الطاعنين في السن في بيت معزول في المنطقة الجبلية النائية التابعة لمقاطعة (أوردو). لا تفعل هذه الصبية الصغيرة شيئاً سوى أنها تراقب بهدوء الحياة الروتينية للناس الذين يعيشون في هذه المنطقة النائية من العالم، فيما تنهمك هي بأسرار الحياة والموت. وبسبب جمالية الخطاب البصري الذي يتوفر عليه هذا الفيلم فقد رشح في حينه لجائزة السعفة الذهبية في مهرجان (كان) عام 2006. الملاحظ أن المحرجة بيلما باش قد اعتمدت بعض الممثلين في كلا الفيلمين مثل شيماء أوزنلر وسفينتش باش، و أو. رستو باش.

وفي الختام لابد من إحاطة القارئ الكريم علماً بالسيرة الذاتية والابداعية للمخرجة التركية بيلما باش. فهي من مواليد مدينة (أوردو) عام 1969. درست اللغة الإنكليزية وآدابها في جامعة إسطنبول وتخرجت عام 1992. عملت بين الأعوام 1991-1998 منسقة لعدد من شركات الأفلام. كما كانت عضواً في اللجنة التي قدّمت الأفلام التركية في مهرجاني (كان) و(مونتريال) السينمائيين. ترجمت بيلما باش العديد من الكتب الى اللغة التركية من بينها (لا أحد) لجوناثان ليثِم، (السيد أركادي) لأورسون ويلز، و (الاجهاض) لريتشارد بروتيغان. شاركت باش في أكثر من خمسين مهرجاناً عالمياً، ورشحت لجائزة السعفة الذهبية في الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان (كان) السينمائي الدولي.

ميدل إيست أنلاين في

28/10/2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)