تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

قتيبة الجنابي: كتبت مذكراتي بالصورة

قيس قاسم

«سبعة أيام مع الغجر» فيلم جديد للعراقي قتيبة الجنابي يعرض حالياً في امستردام. تجربة الجنابي توزعت بين التصوير والاخراج وهو يعتز بتجربته المشتركة مع «مؤسسة الذاكرة العراقية»، التي تأسست بعد سقوط صدام حسين. معه كان لـ«الأسبوعية» حوار.

·         لماذا هذا الفيلم البعيد عن الهم العراقي؟

انه، الى حد ما، فيلم عن تجربتي الشخصية. عشت أكثر من عشر سنوات في هنغاريا. هناك، وبسبب اختلاف لون بشرتي وأصولي، شعرت في أحيان كثيرة بالارتباك والحرج من نظرة بعض الناس إلي. أنه الإحساس بالإختلاف، وهكذا حال الغجر تقريبا. كانوا موضع استغراب الهنغار، ووجودهم الدائم في محطات القطارات والساحات كان يثير حفيظتهم. عن هذه النظرة الخاصة الى الغريب كان موضوع فيلمي. لقد أردت به الابتعاد قليلا عن الهم العراقي، ولو للحظات، لأذهب الى مساحة أخرى. والنتيجة التي خرج بها أسعدتني، لأنه اختير ضمن عروض مهرجان «السينما الهنغارية 40 سنة» الخاصة بالأفلام الهنغارية، وأدرج ضمن قسم الأفلام المثيرة للاهتمام.

·         تجمع بين المصور الفوتوغرافي والسينمائي لماذا وبعد كل هذه السنين بقيت وفيا للصورتين؟

هذا سؤال مهم، فأنا لا أستطيع تخيل نفسي يوما من دون كاميرا فوتوغرافية. ولا أشعر بجمال أي بلد أزوره من دون ان أصوره. وهذا ما ألتف إليه أحد نقاد مجلة «الفن الفوتوغرافي» عندما قال: «قتيبة الجنابي يصور بعينين: الأولى يصور بها فوتوغرافيا وبالثانية يصور سينمائيا». كانت الكاميرا الفوتوغرافية على الدوام، خصوصاً في منفاي، متنفسي الروحي، ولهذا ومع الوقت، صار عندي أرشيف ضخم يمكنني من كتابة يومياتي فوتوغرافيا. أما التصوير السينمائي فهو مختلف الى حد كبير، يحتاج الى جهد جماعي والإيحاءات الروحية فيه مختلفة أيضا. ولأني أجمع التصويريين، فاني وفي كل عمل سينمائي، أحاول وقبل كل شيء الاقتراب منه فوتوغرافيا، ثم بعد ذلك أشرع في تصويره سينمائيا. ولهذا أنا مع القائلين: من لا يجيد التقاط الصورة الفوتوغرافية الثابتة، لا يجيد التقاط الصورة المتحركة.

·         ما دمنا في التصوير الفوتوغرافي، ما هي أهم تجاربك فيه؟

من التجارب التي أعتز بها، تجربتي مع المقاومة الفلسطينية في لبنان. لقد ذهبت أوائل الثمانينيات، الى معسكرات المقاتلين والمخيمات وصورت حياة الناس فيها. الحصيلة كانت مدهشة على مستوى الشخصي والفني، لأني أقمت بعد عودتي معرضا في هنغاريا عن هذه التجربة/ المغامرة، والى جانبه أقمت العديد من المعارض في لندن وبرلين وفينيسيا، وآخرها في مهرجان المدى في بغداد. كما أصدرت كتابا بعنوان «بعيدا عن بغداد» ضم صورا لعدد كبير من الشخصيات العراقية: فنانون وكتاب وسياسيون وأخرى سجلت فيها اللحظات الأولى لعودتي الى بغداد.

·         وماذا بعد؟

أنا محاول وتجريبي على الدوام وباحث عن الجديد، ربما وفقت أحيانا في الوصول إليه، وفي أحايين أخرى لم أفلح، لكني كنت دوما مخلصا لمهنتي، محباً لها من الأعماق، وهذا ما يفسر حضوري الدائم.

·         ولك في السينما حضور مشهود...

توزع عملي في السينما بين التصوير والإخراج. صورت أفلاما روائية في بريطانيا منها: «اللعبة الحسية»، و«شتاء الحب»، الذي أحببته كثيرا، لكن للأسف لم يكن توزيعه التجاري في مستوى جودته. وأشعر بفخر خاص لتصويري الفيلم الكردي «جيان» وهو أول فيلم ينجز في كردستان قبل سقوط النظام، كما أظن. لقد حصل «جيان» على جوائز كثيرة وشارك في مهرجانات عالمية. هذا الى جانب عملي كمصور تلفزيوني في أعمال أوروبية الإنتاج. أما على مستوى أعمالي السينمائية فبدأت أول تجاربي مع فيلم تخرجي من معهد السينما الهنغارية «القطار/ المحطة» في العام 1985. يتحدث هذا الشريط بالأبيض والأسود عن مجموعة من البشر تنتظر في محطة مهجورة مجيء قطار ما. لكنه لم يصل إلا عبر الأحلام. محاولتي الثانية كانت مع «حياة ساكنة». شريط قصير عن مهاجر دخل غرفة فندق ولم يخرج منها أبدا. عرض الفيلم في مهرجان قرطاج وحصل على جائزة تقديرية في لندن. وفي الأجواء الغرائبية دارت أحداث فيلمي «أرض الحياد». تصورت مدينة فارغة، تبدأ الأشياء فيها بالتجمد، وبعد حين، تتوقف الحياة فيها تماما، فيما تظل الكاميرا تسجل تحولاتها العجيبة.

الهم العراقي

على مستوى الهم العراقي الخالص أنا أعتز بتجربتي المشتركة مع «مؤسسة الذاكرة العراقية» التي تأسست بعد سقوط صدام حسين. لقد كلفني وقتها مدير المؤسسة مصطفى الكاظمي بإعداد عشرين حلقة وثائقية أسجل فيها شهادات وتجارب الناس الذين عاشوا في ظل النظام القمعي. كانت تجربة مثيرة، وهي واحدة من أهم تجاربي المهنية وأعمقها. فشهادات الناس الذين التقيتهم كانت مشحونة بالصدق والعفوية، وهنا تكمن أهميتها. فالشهود في هذا العمل مناضلون وضحايا قمع منفلت، وقفوا أمام الكاميرا وقالوا ما مروا به من تجارب بكل صدق. لقد أحالتهم وقفتهم أمام الكاميرا، بعد سقوط صدام حسين مباشرة، الى كائنات حرة، عبرت لحظتها عن آلامها وعذاباتها بطريقة لن تتكرر ثانية. لقد كان لمصطفى الكاظمي وكنعان مكية تصور مستقبلي عندما شرعا في توثيق تجارب هؤلاء الناس. وأظن ان مراجعة هذه الشهادات مستقبلا سيزيد من قيمتها، فهي وثيقة إدانة حقيقية للنظام بالدرجة الأولى. وكل ما أتمناه هو ان تحفظ هذه الحلقات بشكل جيد، يجنبها مخاطر التلف والضياع. وعلى مستوى قريب من هذا العمل أنجزت لمؤسسة المدى فيلما وثائقيا عن الفنان التشكيلي محمود صبري، شارك فيه الفنان فيصل لعيبي، كمحاور عارف بشغل وأهمية صبري. وللتاريخ أقول ان هاتين المؤسستين، المدى والذاكرة العراقية، هما الوحيدتان اللتان قدمتا لي الدعم والمساندة. هذا الى جانب فيلمي «رجل لا يعرف السكون» عن الفنان خليل شوقي و«المراسل البغدادي» مراسل قناة العربية الذي تعرض لمحاولة اغتيال أثناء عمله كمراسل لها في بغداد، وفيلم عن الفنانة المسرحية ناهدة الرماح حمل اسم «أرض الخراب».

·     المنفى من أكثر الموضوعات التي عالجتها في منجزك الفوتوغرافي والسينمائي، ماذا تعني لك هذه الكلمة (المنفى) وبأي الطرق عبرت عنها؟

المنفى كان سمة عصرنا، وقد ذقنا عذاباته. كان المنفى صعبا علينا نحن العراقيين الذين لم نعرفه من قبل، كانت صعوبته مضاعفة علينا. تركنا العراق قبل ثلاثين عاما وفي قلوبنا حسرة عليه، ولهذا كنت حريصا على توثيق معاناته، فكتبت مذكراتي بالصورة. لقد أردت توثيق حياتنا في المهجر. ولأننا أمة لا تمتلك ذاكرة صورية فقد حرصت على إيقاظها بالكاميرا. وأزعم هنا أني الوحيد الذي وثق بشكل دائم هذه التجربة الجماعية. فما جمعته يكفي لإدانة الحكم الديكتاتوري على جرائمه التي أجبرتنا على الهروب من وطننا. ومن المفارقات في هذا المجال ان الغرب وبعض العرب اهتموا بما أنجزته في هذا المجال، لكن وللأسف العراق بلدي نفسه، والذي كرست له حياتي وأعمالي كلها له، ما زال غير مهتم بما أنجزناه. ومع هذا سأظل أشتغل لصالح وطني وسأظل فخورا على الدوام كوني أكثر من كرس وقته وجهده لتصوير تجربة المنفى وعذاباتها.

·         ألا تستحق التجربة منك فيلما روائيا؟

سأختتم منفاي بفيلم روائي عنها بعنوان مقترح «محطات صادق»، يحكي قصة عراقي هرب من جحيم صدام حسين، لكن كابوسا مخيفا ظل يلزمه أينما حل. كابوس يعاد فيه، كل ليلة، مشهد إعدام صديقه في بغداد. وبالمناسبة قصة الفيلم مستوحاة من شهادة أحد الأشخاص الذين أدلى بها ضمن حلقات «مشروع الذاكرة العراقية». الفيلم تم تصويره وهو الآن في مرحلة المونتاج.

·         هذه فرصة لأسألك عن السينما العراقية!

الشيء نفسه يمكنني قوله عن السينما. فالسينمائي العراقي ما زال من دون عون، وما زال يدفع من جيبه الخاص للكمال مشاريعه السينمائية. استثني من هذا السينما الكردية التي قطعت شوطا مهما وتوليها الجهات الكردية الرسمية عناية خاصة لها. عدا كردستان، أظن ان المؤسسات العراقية الرسمية المعنية بالثقافة ما زالت بعيدة عن هموم الفنان العراقي، ولا بد لها من الالتفات الى أهمية العمل السينمائي. ولا يعقل بعد كل ما قدمه الفنانون للعراق، ان يبخل عليهم بدعم يعود بالنفع عليه في خاتمة المطاف.

الأسبوعية العراقية في

22/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)