تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

شوب شوب .. الحياة ثقيلة دائماً

ايمان قاسم

احمد و اليخاندرو و صبيان كادحان براعمهما على وشك التفتح في عالم تلوثه المفاسد من كل مفاصله و امثالهما كثير في شتى مدن العالم .

لكن هل نعلم مايدور في خلدهم او مايعتريهم من احساس بالعوز و الفاقة او حتى ما يدفعهم للجنوح والعنف ؟ لاشك في ان فيلم (شوب شوب) قال عنهم الكثير .

فالذين شاهدوا فيلمه الاول (مان بوش غارت) في عام 2006 ، عرفوا حتماً الطابع السينمائي الخاص للمخرج الامريكي (رامين بهراني) سيما فيلمه الأخير (شوب شوب) وهو طابع ناجم عن فكرة واحدة مفادها : لم الحياة ثقيلة هكذا ؟ ..

وبينما كانت عربة الفيلم الاول بسيطة و مسحوبة صباحاً ومساءاً في الشوارع الرئيسية لمدينة (منهاتن) على يد احمد البائع الباكستاني الجوال ، ظهرت هنا فارغة و مركونة في زوايا احد المرائب ذات السقوف المصفحة في حي المثلث الحديدي ويقع الاخير في احدى الضواحي البائسة لمدينة كوينس المعدة لتصليح السيارات المستهلكة و تجارة قطع غيار السيارات المسروقة.

وهذا مايشير اليه مصطلح (شوب شوب) أي تفكيك السيارات وبيعها.

بطل الفيلم فتى هزيل ذو اصول اسبانية يدعى اليخاندروا يتجول يومياً بين مراب السيارات طارقاً كل ابوابها بغية الحصول على القليل من النقود . هناك حيث لا يظهر التداخل بين مئات السيارات و جالبي الزبائن و الزبائن الا احياناً وفي عالم تشوبه صفقات تجارية سريعة و منبهات السيارات وهياكلها ، فضلا عن الغبار و بشاعة الممرات التي لاتخلو تماماً من الوحل ورواسب الطين . وابدع المخرج في نقله لصورة ذات مكان ساحر تتوازن فيه حركة المرور البرية المليئة بالفوضى مع انتظام اوقات اقلاع الطائرات والملاحة الجوية حيث تسمع بالكاد الاصوات من المرآب جراء تزاحم عمل المحركات . بينما لايسود قانون الاعمال الحرة الا في ساعات العمل.  و لابد من الوقوف على المشاهد المؤثرة كتلك التي تصف العمليات غير الشرعية وتهديدات الشرطة و قيامها بهجمات عنيفة ضد المهربين وكان للبغاء نصيبه الخاص ، فقد امسى يمارس في سيارات الشحن في منأى عن انظار الزبائن.

كان اليخاندرو شديد التيقظ ومنتبهاً لكل واردة وشاردة و مستفيداً من النصائح التي يسديها اليه احد العمال كما كان ملماً بعمله من عمليات الصقل او التلميع او التفكيك .و عكف على تنفيذ اوامر سيده الزعيم (روب) والتفكير بمصير اخته الكبيرة  والوحيدة (ايسمار) التي ماانفك يعتني بها منسياً اياها الفقر و الحياة المضنية حتى اكتشف أنها تحصل على المال من ممارسة البغاء .

و الجدير بالذكر ان قوة التأثير السينمائية للمخرج (بهراني) تنبع من اسلوبه المتقن في ربط المادة الوثائقية مع العلاقات الحيوية المرنة للمجتمع مراقباً عن كثب الاماكن التي يصورها و مظهراً الفترات المظلمة و المراحل القاسية جميعها . فالقصة في غاية البساطة : غلام فقير يدخر نقوده التي يحصل عليها يومياً في علبة قديمة لحفظ الاغذية ليشتري منزلاً متواضعاً يفتقر الى وسائل الراحة له ولاخته حيث يستطيع العيش بكرامة معها . ولا نتفاجأ عندما نعلم بأن مشروعه قد فشل حتى قبل ان يبدأ .

ونستطيع ان نقرأ الحكاية بطريقة اخرى و من منظور مختلف الا وهو كساد تجارة قطع الغيار . فالرأسمالية تكون شبه مستحيلة لأن الاموال العائدة تقود الى شراء قطع اخرى و هكذا .و برزت هذه الفكرة بخلاف الحلم الامريكي الذي عقد امالاً على هذه التجارة الى حد ظهور تكتلات سرية وخطرة في الوقت الراهن . مع ذلك ، ادرك بطلنا أنه سيتخلى في يوم ما عن نقل قطع السيارات من كراج لآخر او يستخرجها من سيارات قديمة ليضعها في اخرى حديثة او يبتعد عن العمل في تفريغ البضائع و تصريفها .

وقال (بهراني) في مقابلة له أن القصة اتخذت منحنى آخر عندما اكتشف البطل صحيفة ملونة من الاعلانات بالقرب من ملعب البيسبول الواقع على الجانب الآخر من الشارع كتب على تلك الصحيفة (اجعل احلامك حقيقة) حيث لاينطبق هذا الشعار في حي (ويلتس بوان) لأن الخطر يكمن في مزج الاحلام مع الحقيقة ، حتى بات المخرج يتساءل عن ماهية الاحلام التي يمكن لهؤلاء الصبية تحقيقها.

ولم يتوقف الفيلم امام حتمية البؤس هذه بل يجيب عنها بطريقتين : الاولى باستخدام المكابدة و التبصر على غرار افلام (ناروس) المميزة: فاليخاندرو لم يأمل الاعتماد للحظة على اخته او على عمته القادمة من فلوريد التي وعدت بأن تدخله افضل المدارس و انما الاعتماد على عزيمته و شطارته و قدرته على تصليح أي شئ و ترتيب المعدات التي يستخدمها و آمن في قرارة نفسه بأنه متساو مع اولئك المحيطين به. وفي خضم حياتة العصيبة ، ابرزت ثقته الزائدة بنفسه حالتين نفسيتين دفعتا به الى الغوص في المفاسد : أولهما البحث و بأقصى وقت ممكن عن مبلغ قدره اربعة الالاف و خمسمئة دولار عبر سرقة متجر للكماليات عندما اكتشف بغاء اخته اوبالاحرى عندما اخبرته هي بذلك و تمثل الثاني في اللحظة التي ادرك فيها بخس ثمن العربات التي اشتراها لكونها كومة من الخردة . فعكف على السرقة و النشل لدرجة انه طلب من اخته امتهانها. وفي كل مرة يقوم بهذا العمل كان يتحمل اعباء و هموم عمله المشين اكثر من التفكير بمنغصات فقره.

اما الطريقة الثانية للأجابة على هذه الحتمية فتكمن بحبكة الفيلم التي ترتكز على قدرات البطل . فعبر عشرات من قطع الغيار التي تمر امام أنظارنا من بداية الفيلم حتى نهايته يمكن القول بأنه نجح في اعادة تشكيل شئ ما. وهو من دون شك لم ينقل الينا حياة واقعية بالكامل لكنه صور في الاقل احداثاً متماسكة و مترابطة خالية من الامال المزيفة و الانحطاط النفسي و اليأس غير المعقول. كما اشار (بهراني) الى ذلك في اللقاء نفسه حيث قال : (( لقد استندت نظرية الفيلم إلى حقيقة قوية  و خيال متقد.كان هذان العاملان كفيلين بتكوين قصة قابلة للتصديق . حيث منحنى التواصل مع العمال و صبية المرآب و مراقبتهم عن كثب عزيمة جامحة دفعتني الى تصوير الفيلم مهما كانت النتائج)).

عن مجلة كاية دوسينما الفرنسية

المدى العراقية في

17/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)