تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

في فيلم 'تسوتسي' لغافن هود:

شاب سفّاح يثأر لطفولته المستباحة في زمن التمييز العنصري

عدنان حسين أحمد/ لندن

لا يمكن مشاهدة فيلم 'تسوتسي' للمخرج الجنوب أفريقي غافن هود بمعزل عن سياسة الفصل العنصري ' apartheid' على الرغم من أن موضوع الفيلم الأساسي يعالج قضية السفّاح الشاب 'تسوتسي' الذي يجد نفسه متورطاً في عملية خطف غير مقصودة لطفل رضيع لم يجتز شهره الثالث بعد أن ضرب أمه بباب السيارة التي خطفها وانطلق بها الى مشارف الحي العشوائي الذي يسكنه بالقرب من جوهانسبيرغ، أكبر المدن الجنوب أفريقية قاطبة والتي يقترب عدد سكانها من المليوني نسمة. قد يقول قائل: طالما أن الفيلم يتناول قضايا مثل الخطف والسرقة والقتل فما علاقته بسياسة التمييز العنصري التي أوجدها البيض من أصول أوروبية بين الأعوام 1948 و 1994؟ والجواب ببساطة هو أن أغلب المشكلات المستعصية التي يعاني منها الشعب الجنوب الأفريقي ما هي إلا تداعيات طبيعية لتلك السياسة القذرة التي جعلت البلاد ' جنةً للأقلية، وجحيماً للأكثرية ' كما كان يصفها السكان المحليون الذين ينتمون لقبائل البانتو الذين يصل عددهم الى '24' مليون مواطن. أما إذا أضفنا لهم '4' ملايين أخرى للملونين والآسيويين فإن العدد سيصل الى '28' مليون مواطن ينتمون للأغلبية المستباحة من السكان الأصليين. أما الوافدون الجدد فهم البيض القادمون من أربع دول أوروبية تحديداً وهم 'الهولنديون والألمان والبريطانيون والإنكليز' إذ أسسوا ما يُشبه 'الأمة البيضاء' في جنوبي القارة السمراء، تلك المنطقة التي تتوفر على الكثير من الموارد الطبيعية الغنية التي تم الاستيلاء عليها من قبل البيض والذين يؤازرونهم من القبائل الجنوب أفريقية المتنفذة فيما تركوا الناس البسطاء من عامة الشعب يعانون من الفقر والجوع والمرض والتشرد مما دفع الكثير منهم للسكن في المدن والأحياء العشوائية مثل مدينة ' Swoweto ' التي وقعت فيها أغلب أحداث الفيلم وهي اختصار لـ ' South western township ' المنطقة العشوائية التابعة لمدينة جوهانسبيرغ، أي أن تحويل البلاد كلها الى ' قلعة للتمييز العنصري ' لا بد أن ينجم عنه مثل هذه المشكلات التي نحن بصدد قراءتها وتحليلها تحليلاً نقدياً يستهدف الغوص في جوهر القضية الإشكالية ولا يكتفي بملامسة قشورها الخارجية.

اللعبة الاستذكارية

لا بد من الإقرار بأن البطل تسوتسي 'بيرسلي جوينياغي'، والذي يعني باللهجة الجنوب أفريقية السفّاح أو القاتل أو عضو في عصابة، قد عاش منذ بداية الفيلم لحظات صحوة متواصلة، أي أن بذرة الحُب لم تمت في داخله، كما أن المشاعر الانسانية لم تنفصل عنه تماماً، بخلاف زميله بُوجَر 'زنزو نغّوبي' الشخصية الأكثر تعطشاً للدم في عصابة تسوتسي، بل انه الكائن الوحيد الذي كان يتمتع بتعذيب الآخرين وإيلامهم. والأغرب من ذلك كله أنه لم يشعر بلحظة حُب واحدة طوال حياته، ولم تكن لديه أية رغبة في التخلص من خطاياه وذنوبه الكبيرة التي كان يقترفها بحق الآخرين من أبناء جلدته. هذه النماذج المريضة لم تنبثق من فراغ، وإنما هي نتاج للمناخ العنصري الذي يولّد الشعور بالقمع والقهر وينمّي الاحساس بعقدة الاضطهاد. وعبر اللعبة الاستذكارية التي تعتمد على تقنية الاستعادة الذهنية نكتشف الومضة الانسانية في روح تسوتسي، هذا الشاب الذي أجبرته ظروفه الشاذة والقاسية لأن يعيش على الهامش وكأنه كائن منبوذ لا مكان له في قلب الحياة الطبيعية التي يحياها الناس في جوهانسبيرغ أو أية مدينة جنوب أفريقية. تبدأ اللقطة الافتتاحية للفيلم بوصول القطار الأرضي 'الأندرغراوند' الى المحطة حيث تترجل العصابة التي يقودها تسوتسي الى المحطة المركزية بينهم كل من 'بوجر دي آب و كينيث نكوسي' ويقع بصر تسوتسي على رجل ثري، حسن الهندام يحمل في جيبه محفظة مليئة بالنقود. يتابعونه في الأندرغراوند، ويتحلقون حوله، ثم يطعنه بُوجَر بسفّوده المدبب، وحينما يغادر الناس الأندرغراوند يتركونه يسقط على أرضية العربة ويفرون على أمل البحث عن ضحية جديدة.

يجتمعون في أحد البارات الليلية حيث يشربون ويعربدون وينفسّون عن همومهم المكبوتة. كان بوستن 'موثيوسي مغانو' وهو أذكى شخصية في العصابة، يكره العنف، ويشمئز من المشاهد الدموية، بل انه الشخص الوحيد الذي تقيأ حينما طعن بُوجَر الشخص الثري في عربة الأندرغراوند. وحينما يأخذ السكر منه مأخذاً كبيراً يفقد السيطرة على نفسه، ويتحدث بكثير من الاحتقار والدونية لأصدقائه الذين يعتقد أنهم أقل ذكاء منه. وحينما يتمادى في حديثة عن الشرف والحشمة والكرامة الانسانية ينقض عليه تسوتسي ضارباً إياه ضرباً مبرحاً سوف يتركه طريح الفراش لمدة طويلة للزمن إثر تفاقم جروحه وتلوثها. ثم يهرب الى الحي العشوائي في واحد من المشاهد الجميلة التي تحثّه على الاستذكار، إذ يتداخل مشهد هربه الحالي بمشهد هروبه من أبيه الذي ضرب الكلب وأقعده. ومما يعزز جمالية هذه الصورة هو مشهد المطر الغزير والجو العاصف. فحينما يقف تسوتسي تحت إحدى الأشجار الضخمة يكتشف أن ظاهر يده مجروح بسبب القوة الكبيرة التي استعملها في ضرب زميله بُوجَر. هنا يعود في بعض اللقطات الاسترجاعية الى طفولته حينما كان يسكن في الأنابيب الكونكريتية مع عدد من الأطفال المشردين، لكنه يعود الى وضعه الراهن حينما يرى سيارة وثيرة تخرج منها سيدة ميسورة الحال تنادي جون عبر 'الإنتركوم' أن يفتح لها بوابة القصر الرئيسية، غير أن تسوتسي يفاجئها حينما يلج الى السيارة، ثم يعاجلها بضربة قوية بباب السيارة حينما أرادت أن تفتح الباب فتسقط أرضاً بينما ينطلق هو في الشارع المقفر الذي تغرقه أمطار غزيرة تحد من مدى الرؤية. وحينما يصل الى مشارف الحي العشوائي يترك السيارة مفتوحة الأبواب، لكنه فجأة يسمع بكاء طفل رضيع فيسقط في الحيرة والذهول. لم يطل التفكير في الأمر إذ قرر على عجل أن يأخذ الطفل معه الى البيت. وسوف يلعب هذا الطفل دوراً مهماً في إيقاظ ذكرياته الخاصة يوم كان طفلاً صغيراً محروماً من كل شيء تقريباً. يصل الكابتن سمت 'إيان روبرت' المكلف بالبحث عن الطفل المخطوف ونراه يهاتف أحد عناصره الأمنية. تبدأ المتاعب الحقيقية التي لم يفكر بها تسوتسي فهو لا يعرف كيف يعتني بالطفل الذي يحتاج الى منْ يرضعه وينظفه يومياً أكثر من مرة. وحينما تتفاقم عليه الظروف يفتح النافذة يرى مريام 'تيري فيتو ' الأم الشابة التي جاءت لكي تجلب الماء الى منزلها من حنفية عمومية وكانت تربط على ظهرها طفلاً صغيراً الأمر الذي حفزه على متابعتها الى المنزل لكي يجبرها على إرضاع الطفل المخطوف. ثمة مشهد مُستفِز فعلاً حينما نرى النمل قد تجمع على وجه الرضيع لأن تسوتسي نسي أن يمسح الحليب الثقيل من فم الطفل كما ترك العلبة الى جواره في الكيس مما جعله هدفاً للنمل الذي يملأ المنازل في الأحياء العشوائية.

مواقف محرجة

يتعرض تسوتسي الى عدد من المواقف المحرجة فرائحة غائط الطفل تفوح من أرجاء المنزل كما أن صوت بكائه لا بد أن يثير الأسئلة خصوصاً وأن زميله داي آب سمعه ذات مرة، لكن هذا الأخير شخص مطيع لتسوتسي ولا يفشي له سراً. في المستشفى الذي ترقد فيه الأم بوملا ديوب 'نامبيثا بوملوانا' تطالب الكابتن أن يعثر على ابنها ويعيده الى أحضانها. ثالث مشهد عدائي لتسوتسي يحدث حينما يصطدم بموريس 'جيري موفوكنك' وهو شخص مُعاق، رث المظهر، عصبي المزاج حيث يبصق على حذاء تسوتسي لأن الأخير رفض الاعتذار منه. وكما أشرنا سلفاً فإن تسوتسي يشعر بعقدٍ كثيرة مثل الاضطهاد والحرمان وفقدان الحنان الأبوي، فقد مات أبواه لأنهما كانا مصابين بمرض الإيدز (نقص المناعة) وقد اضطرته هذه الظروف الشاذة لأن يهرب خصوصاً حينما رأى والده يضرب الكلب ضرباً مبرحاً الى الدرجة التي أفقده فيها القدرة على الوقوف فظل الكلب يزحف أمام عيني تسوتسي الباكيتين. لذلك فقد ترك تسوتسي المنزل واتخذ من أنابيب تصريف المياه غير المستعملة مأوىً له شأنه شأن الكثير من الأطفال المشردين الذين لا يجدون سقفاً يحميهم من حر الصيف وقرّ الشتاء. ظل تسوتسي يتابع ضحيته الثانية الذي صادف أن كان مُقعداً ويتخذ من أسفل بناية كبيرة مأوىً له. وحينما يصل المُقعد الى هناك تحدث بينهما مشادة مؤثرة لكن تسوتسي يستمع الى المُقعد الذي مرّ بتجارب مريرة من بينها تجربة سقوط عارضة حديدية على ساقيه التي أقعدته مدى الحياة وجعلته يستجدي. ثمة حوار مطول يدور بين تسوتسي والمُقعد حيث يبين هذا الأخير أنه يخرج ليس للاستجداء فقط وإنما لكي يرى الناس في الشوارع والشمس التي تبسط أشعتها في كل مكان، ولولا العوق الذي أصابه لما اضطر للاستجداء لانه يكره أن يكون محل عطف الآخرين عليه. حاول تسوتسي في لحظة توتر أن يطلق عليه النار، لكنه سرعان ما تراجع إثر سماعه المُقعد وهو يسرد قصة حياته المأساوية. يعود تسوتسي الى الحي العشوائي ويجبر مريام على إرضاع الطفل غير مرة حيث تدور أحاديث مطولة بينه وبين مريام التي تخبرنا بأنها فقدت زوجها الشتاء الماضي حيث ذهب الى العمل ولم يعد، ويبدو أنه ذهب ضحية لأعمال العنف والتمييز العنصري، لكنها قررت الاعتماد على نفسها، إذ بدأت بالخياطة وترميم الملابس وصناعة بعض الأشياء اليدوية التي تعينها على العناية بنفسها وبطفلها الرضيع.

ربما التجربة الأكثر تأثيراً في لقاء مريام أنها كانت تذكِّره بطفولته حينما تُرضع الطفل وتنظفه، بل انه اقترح عليها أن تناديه باسمه ديفيد. تلتمس من تسوتسي أن يعطيها هذا الطفل وتقترح عليه أن يأتي ليراه متى شاء، لكنه يرفض هذه الفكرة مذكراً إياها بأنه ملكه الخاص. لا شك في أن تسوتسي قد تعلق بهذا الطفل لأسباب كثيرة أولها أن شعوره الانساني لا يزال متوهجاً، وأنه لم يفقد إنسانيته على الرغم من الجرائم التي ارتكبها. أحد الرسامين الشرطة رسم صورة مقربة لتسوتسي نشرتها إحدى الصحف لتسهيل عملية القبض عليه. وقد وصلت هذه الصورة الى الجميع من بينهم أفراد العصابة المقربين منه، والأهم من كل ذلك أنها وصلت الى مريام التي عرفت الحقيقة، وأدركت أن النقود التي رفضتها إنما كان مصدرها من سرقة أموال وسيارات هذه العائلة المترفة التي فقدت الطفل الرضيع الذي كانت تعتني به والتي أرادت الاحتفاظ به تأكيداً لنزعتها الأمومية. تسهم مريام في تحريك مشاعره وأحاسيسه الداخلية لكنه لم يذعن لها أول الأمر. يتذكر أمه أكثر من مرة ولأنها كانت مصابة بالايدز فإن الأب يخاف أن ينتقل المرض الى ابنه لذلك أمره بالخروج من الغرفة التي تتواجد فيها أمه غير أن تسوتسي يهرب الى الأنابيب الكونكريتية. يرفض تسوتسي العودة الى عصابة فيلا نودلوفا 'زولا' وذلك بسبب الوضع الجديد الذي يعيشه مع الطفل الرضيع. يتردد في إرجاع الطفل الى ذويه. فذات مرة يأخذه الى المدينة، لكنه يتوقف في الحي العشوائي حيث يجتمع حوله الأطفال الصغار الذين يسألونه أسئلة كثيرة لكنه يعود الى منزله.

عملية الدهم الأخيرة

قبل أن يقرر تسوتسي إرجاع الرضيع الى ذويه يجتمع أفراد العصابة الثلاثة دي آب وبُوجَر وتسوتسي على مقربة من بيت الرجل الثري 'جون ديوب' وحينما يرون سيارته تدخل بوابة القصر يدلفون خلسة وراءه ثم يشهر تسوتسي المسدس عليه ويقتاده الى داخل المنزل حيث يسرق بُوجر أشياء ثمينة كثيرة، فيما ينشغل تسوتسي بمتعلقات الطفل الرضيع حيث يأخذ قنينة الحليب الجاف والرضّاعة الاصطناعية وبعض الأشياء الأخرى التي يحتاجها الطفل. أما داي آب فينشغل بمعدته حيث يشرب النبيذ ويسأل الطعام المتوفر في الثلاجة، غير أن الامور لا تسير على ما يرام فحينما يضغط جون ديوب على جهاز الانذار يشهر بُوجَر مسدسه ويحاول إطلاق النار عليه غير أن المسدس كان خالياً من الطلقات النارية فيعاجله تسوتسي بطلقة تفجر رأسه وترشق الدماء على رأس جون في مشهد مرعب حقاً. يخرج تسوتسي مع داي آب بسيارة جون ديوب الى مكان تفكيك السيارات المسروقة حيث يبيعها هناك ويعطي داي آب حقه من السيارة المسروقة على الرغم من أن هذا الأخير كان يخشى من أن الدور قد يأتي عليه لاحقاً. يعود تسوتسي الى مريام ويعطيها بعض النقود، لكنها ترفضها لأنها تعرف مصدرها لأنها رأت الجريدة وعرفت كل شيء. وتنصحه بأن يُرجع الطفل الى أمه. وبالفعل يرجع تسوتسي الرضيع الى ذويه في المشهد الأخير. يقترب تسوتسي من البوابة الكبيرة ثم يضغط على الزر غير أن سيارات الشرطة تدهم المكان، لكن الأب يطلب منهم الهدوء جميعاً واخفاض الأسلحة المصوبة على تسوتسي. يفتح البوابة، ويأخذ طفله بين يديه ثم يعود مُسلَّماً إياه الى أمه التي تحتضنه وتضمه الى صدرها. ثم يطلب البوليس من تسوتسي أن يرفع ذراعيه فوق رأسه لتنتهي هذه القصة بالقبض عليه في المشهد الأخير من الفيلم.

خاتمة

فاز فيلم 'تسوتسي' لغافن هود بعدد غير قليل من الجوائز نذكر منها جائزة الجمهور لمهرجان لوس أنجليس لعام 2005، وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي لعام 2006. كما فاز بجائزة التحكيم لأفضل فيلم روائي في مهرجان بان أفريكان فيلم لعام 2006. وجوائز أخرى لا مجال لذكرها الآن. أما المخرج غافن هود فهو من مواليد جوهانسبيرغ عام 1963.

درس في معهد الفيلم بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس بعد أن درس القانون في أكثر من جامعة جنوب أفريقية.

من أفلامه المهمة 'اللعبة'، 'صاحب الدكان'، 'الرجل العاقل' و 'الصحراء والبرية'. في عام 2005 أسمته مجلة 'فرايتي' بأنه واحد من عشرة مخرجين يجب أن تُشاهد أفلامهم.

القدس العربي في

17/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)