كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

رؤى نقدية

 
 
 
 
 

من تاريخ السينما العراقية الى ظهور (سعيد افندي)

ليث عبد الكريم الربيعي

 

يرى  كثير من الباحثين إن السينما العراقية تعد واحدة من ابرز سينمات الوطن  العربي، من حيث المضمون الفكري أولا ومن حيث عدد الأفلام المنتجة ثانيا،  هذا فوق إنها رابع اقدم صناعة سينمائية بعد المصرية والسورية والتونسية،  وبرغم كل ما مر بها من ظروف قاهرة جعلت من فترات صمتها تطول، إلا إنها كانت  بحق متميزة.

شهد العراق أول عرض سينمائي(سينما توغراف) ليلة الأحد 26 تموز 1909 في دار الشفاء في الكرخ، في مكان وسط بستان ملاصق للعبخانة، سمي فيما بعد بـ (سينما بلوكي) نسبة إلى تاجر مستورد للآلات كان معروفا في العراق. واصبحت أول دار عرض تفتح في بغداد وبعدها تعددت دور العرض السينمائية مثل (أولمبيا) و(سنترال سينما) و(السينما العراقي) و(السينما الوطني)، وعلى اثر اتساع العروض وتأثير دورها وزيادة اهتمام الصحافة بالسينما جرت عدة محاولات لانتاج أفلام في العراق، إحداها سنة 1930 إذ سافر حافظ القاضي بطيارة إلى إنكلترا لجلب أجهزة ولوازم السينما تمهيدا لانتاج فيلم في العام 1938 إلا أن هذه المحاولة قد أجهضت قبل أن يتمكن أصحابها من تصوير اللقطات الأولى لأفلامهم.

وفي الأربعينيات شرع أثرياء الحرب بتكوين الشركات السينمائية وكان أولها(شركة أفلام بغداد المحدودة) التي أجيزت في عام 1942 ولم توفق في إنتاج أي فيلم. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت صناعة الفيلم في العراق، ومنذ 1909 ظل القطاع الخاص المستورد والموزع للأفلام، ولم يحالفه الحظ في دخول الإنتاج إلا في الأربعينيات.

- البدايات:-

إذا كانت مصر قد أنتجت أول فيلم سينمائي (ليلى) عام 1927، فان السينمائيون العراقيون باشروا في العام 1946 بإنتاج أول فيلم عراقي من قبل مجموعة من الشبان المتحمسين للسينما الذين أسسوا (شركة أفلام الرشيد العراقية- المصرية)، وكان الفيلم (ابن الشرق) الذي أخرجه(إبراهيم حلمي) ومثل فيه عدد كبير من الفنانين العرب مثل بشارة واكيم ومديحه يسري ونورهان وآمال محمد، أما من العراق فقد شارك في الفيلم عادل عبد الوهاب، حضيري أبو عزيز وعزيز علي، وعرض فيلم (ابن الشرق) خلال أيام عيد الأضحى المبارك في20/11/ 1946 في سينما الملك غازي، دفع نجاح فيلم (ابن الشرق) إسماعيل شريف صاحب سينما الحمراء في بغداد بالتعاون مع اتحاد الفنانين في القاهرة الذي يضم المخرج احمد بدرخان, والمصور عبد الحليم نصر, والماكيير آنذاك حلمي رفله إلى إنتاج فيلم (القاهرة- بغداد) الذي قام ببطولته عميد المسرح العراقي حقي الشبلي أمام الفنانة مديحه يسري، وعرض الفيلم في بغداد لأول مرة في 10/3/1947 في سينما الحمراء. كان لنجاح هذين الفيلمين صداه عند عدد من المستثمرين الذي انشئوا أول أستديو سينمائي في العراق هو (أستوديو بغداد) وكان باكورة أعمالهم فيلم (علية وعصام) المستوحى من قصة روميو وجولييت ولكن بأسلوب بدوي، واشترك في التمثيل إبراهيم جلال وعزيمة توفيق وجعفر السعدي واخرجه المخرج الفرنسي اندريه شوتان، وصوره جاك لامار، وعرض الفيلم لأول مرة في 12/3/1949. في سينما روكسي، وحقق الفيلم نجاحاً هائلاً من خلال تدفق المئات من محبي السينما لمشاهدته نظراً لموضوعته الأثيرة وتناوله حياة البادية فضلا عن تقنيته المتميزة. وبعد نجاح فيلم (عليا وعصام) جاءت التجربة الثانية لأستوديو بغداد مخيبة للآمال حيث فشل فيلم ( ليلى في العراق) الذي قام ببطولته الفنان اللبناني محمد سلمان ونورهان، ومن العراق عفيفة اسكندر وإبراهيم جلال، واخرجه المخرج المصري أحمد كامل مرسي وعرض في سينما روكسي بتاريخ 15/12/1949، ويعود سبب فشل الفيلم إلى اعتماده على نجاح فيلم سابق للمطرب محمد سلمان بعنوان (لبناني في الجامعة) سنة 1947، والذي أخرجه حسين فوزي وشاركته البطولة المطربة صباح. إن هذه الأفلام جلبت بعض الشبان الذين اطلعوا على أسرار هذا الفن الجميل وامتلكوا بعض المؤهلات التي تساعدهم على قيادة هذه الصناعة الجديدة. لكن بعد عرض فيلم (ليلى في العراق) أصاب القطاع الخاص الخمول ولم يستطيع أحد إنتاج فيلم يستهل فيه الخمسينات

وفي العام 1953 استطاع ياس علي الناصر من تأسيس شركة دنيا الفن واعتمدت هذه الشركة على قدرات عراقية خالصة، وكان فيلمها الأول (فتنة وحسن) الذي أخرجه حيدر العمر وجرى عرضه في 20/6/1955، وأدى نجاح هذا الفيلم إلى تشجيع هواة السينما واصحاب رؤوس الأموال على تأسيس شركات سينمائية والشروع بإنتاج الأفلام، وكان أول هذه الأفلام فيلم ( وردة) إخراج وسيناريو يحيى فائق وهو فيلم عن (قصة يوميات نائب في الأرياف) لتوفيق الحكيم، وبعد إنتاج هذا الفيلم بدأت تظهر أفلام قليلة ذات مضامين رمزية وإنسانية مثل فيلم (ندم) الذي بدأ التصوير به عام 1955 وعرض في عام 1956 وهو من إنتاج شركة سامراء، وبطولة حسين السامرائي وعزيمة توفيق وقصة وسيناريو واخراج عبد الخالق السامرائي، وفيلم (من المسؤول) الذي بدأ التصوير به عام 1956 وعرض لأول مرة في أيلول 1957 وهو من إنتاج شركة سومر للسينما، كتب السيناريو له واخرجه المخرج عبد الجبار ولي توفيق عن قصة الكاتب العراقي أدمون صبري وحوار صفاء مصطفى وصوره المصور الهندي دفيجا ومثله كاظم المبارك وناهدة الرماح وسامي عبد الحميد وخليل شوقي وأخرين، ويعد هذا الفيلم واحداً من أهم الأفلام العراقية ونقطة مضيئة في تاريخها، لأنه أول فيلم تناول الواقع العراقي، بأسلوب واقعي، وتعرض للواقع الاجتماعي المنهار والمشاكل التي يرزح تحتها الإنسان المسحوق في الخمسينات.
وفي عام 1958 بدأ تصوير فيلم ( ارحموني) وهو من إنتاج شركة الحداد والشيخلي وسيناريو واخراج حيدر العمر وتمثيل المطربة المعروفة هيفاء حسين والمطرب والملحن رضا علي، مع بدري حسون فريد وكمل القيسي، عرض هذا الفيلم لأول مرة في آذار عام 1958 ولاقى إقبالا جماهيرياً هائلاً نظراً لميلودراميته وموضوعته التي تعاطف معها الجمهور. وقد سبق عرض هذا الفيلم، فيلم (سعيد أفندي) الذي يعد والى الآن علامة بارزة أخرى في السينما العراقية، وهو من إخراج كاميران حسني ومثل فيه يوسف العاني وزينب وجعفر السعدي وعرض في شباط 1957 وهو من إنتاج شركة اتحاد الفنانين لصاحبيها كاميران حسني وعبد الكريم هادي ومقتبس عن قصة شجار للكاتب العراقي ادمون صبري وسيناريو وحوار يوسف العاني، وقدم الفيلم أحوال الحواري البغدادية والعلاقات الاجتماعية والأزياء وألعاب الأطفال خلفية لدراما الفيلم الذي يتحدث عن خلاف ينشأ بين جارين بسبب مشكلة بسيطة تتطور ولكن في نهاية المطاف تسود روح التسامح والمحبة لأبناء الحي.

ومع بداية عام 1958 بدأ تصوير فيلم ( أدبته الحياة) للمخرج مهند الأنصاري وانتاج شركة مهند الصراف وتمثيل مهند الأنصاري ومديحه شوقي، وفي العام نفسه عرض فيلم (عروس الفرات)، من إنتاج شركة أفلام النسر قصة وسيناريو وحوار واخراج عبد الهادي مبارك، ويتحدث الفيلم عن فتاة تهرب من عائلتها من اجل أن تتعلم. وعرض في عام 1958 فيلم ( الدكتور حسن) وهو من إخراج محمد منير آل ياسين وانتاج أفلام ( دنيا الفن) ومثله ياس علي الناصر وخلود وهبي، وعرض أيضاً فيلم( تسواهن ) الذي أنتجته شركة سمير أميس وكتب القصة والسيناريو وأخرجه حسين السامرائي ومثل فيه حسين السامرائي ورمزية حميد. وفي عام 1959 قدم برهان الدين جاسم فيلمه (إرادة شعب ) تمثيل ابر أهيم العزاوي وأزهار أحمد، وأنتج الفيلم عبد الرزاق الاسدي.

المدى العراقية في

15.01.2014

 
 

لمحات من تاريخ سعيد أفندي

مجلة الفنون عاصرت كل مراحل   التجربة، وفي قبوها المظلم ولد (سعيد أفندي) فراسة نور صغيرة.. تدور مع   عجلات المطبعة.. وتطن في رؤوس محرريها.. وتطبع صفحاتها بالنور. و(الفنون)   أن تتحدث اليوم، فلن يكون حديثها مقالة فخر.. لقد كفاها الكل موؤنة ذلك..   ولكن حديثها سيكون من نوع آخر.. انه حديث عن الأم الولادة

كيف ولد سعيد أفندي؟ 

وذهبنا لنمسك بالخيط الأول في القصة، بالنغمة الاولى وغنوة العراق السخي باغنياته، وذهبنا الى كاميران واغلب ظننا ان القارئ لا يعرف كاميران. انه الوجه المختفي وراء كل الوجوه، وجه ساذج، منبسط الجبين، عريض القمة، وصاحبه يتعثر في حديثه، انه لا يجيد وصف الكلام وقد عرفنا أخيرا لماذا؟ 

عرفنا ذلك عندما حدثتنا الكاميرة في سعيد افندي، ولعل القارئ يدهش لقولنا: ذهبنا الى كاميران لأنه يعرف أن كاميران رئيس تحرير (الفنون)، ولكن القارئ لا يدري ان كاميران قد سرق منه، اختطفه سعيد افندي وستختطفه قصة اخرى غداً.. وبعد غد

·        استاذ كاميران، ان قارئ الفنون يطالبنا بالحرف الأول في قصة سعيد افندي. الحف الذي لم يصور في القصة المختفية وراء الشاشة ونحن نعرف ان الحرف الأول كان من عطاءك، عندما قررت ان تشتغل بالسينما؟ 

في سنة 1947، كنت قد أكملت دراستي الثانوية، وكانت فكرة الاشتغال بالسينما، تاكل في رأسي، وبحماس المراهق الصغير هددت ابي بالهرب اذا لم يوافق على إرسالي إلى أميركا لدراسة السينما، فوافق بعد إلحاح كبير وأخذت اتصل بمعاهد أميركا الفنية، انتم تعرفون ان العالم كان في ذلك الزمن يسترجع انفاسه بصعوبة بعد الحرب العالمية، وكانت اميركا وكل بلد محارب تستقبل أبناءها العائدين، وجامعات العالم مكتظة بطلابها، لذلك واجهتني كل المعاهد السينمائية بالرفض. ولكن خطيا من الأمل جاءني في رسالة من معهد شيكاغو يعلن فيها قبولي

·        ما هي نوع الدراسة في معهد شيكاغو؟ 

أن معهد شيكاغو يدرس التمثيل والمسرح فقط، ولكنني وافقت في الانتماء اليه املا ان اجد موطنا لقدومي في اميركا لاتصل بمعاهدها السينمائية

·        ومتى سافرت الى اميركا؟ 

في الايام الاخيرة من سنة 1947 غادرت بغداد، وانا احصل في جيبي صكا بالف دولار موعدا مع مواطن اميركي كنت أراسله قبل سفري على ان يساعدني هناك في التعرف على الاخرين وايجاد محل ملائم لسكني وما الى ذلك. وقد قضيت في الحر اربعة ايام قاسية لم اذق فيها طعاما لانني كنت اتقيا خلالها بصورة مستمرة

وسكت كاميران لحظة، ثم تفتحت أساريره عن ابتسامة ساذجة وألقى بخصلة من شعره إلى الخلف كما يفعل الصبيان الصغار، وتدفق بحديث الذكريات

عندها وصلت نيويورك فوجئنا بالصخب الذي يملا المدينة بان الناس كلهم يرقصون ويغنون في الشوارع، وقد فكرت في حينه بان هذه هي حياة الناس العادية في اميركا وكما يعرضونها لنا في افلامهم، لقد كنت لا احمل في جيبي سنتا واحدا عدا الصك الذي اخبرتكم عنه. وقد قبل سائق التاكسي بنقل أمتعتي بعد ان شاهد الصك، ثم ذهب بي لكي نصرفه، وبعد صعوبة كبيرة تمكنا من صرفه، وعندما اردت النزول من التاكسي سألت السائق عن اجرة الركوب فأشار الى الأوراق النقدية التي احملها وطلب اربعة منها، لقد احسست بانه يحاول استغفالي، لان أربعة أوراق تعني أربعين دولارا، وقد حاولت ان ارفض ذلك إلا أنني خفت، لقد تصورت انه سيسحب مسدسه ويفرغه في رأسي كما نشاهد في الأفلام. فألقيت ورقتين عليه، ثم انطلقت بأقصى سرعتي من السيارة.  وانطلق كاميران بضحكة مخنوقة، لا يمكنك إلا تحسسها إلا إذا حدقت في عينيه ثم استطرد في سرد ذكرى اليوم الأول من وصوله أميركا.

بعد ان وضعت أمتعتي في الفندق انطلقت إلى الخارج وسرت مشدوها في شوارع نيويورك الصاخبة أضواء النيون والناطحات المشتعلة بالنور، والناس الراقصين، وتفجر الموسيقى ودورتني جموع البشر، وفجأة وجدت نفسي في سينما – راديو سيتي - إن برنامج هذه السينما يستمر أربع ساعات ويحتوي على غناء ورقص وتابلوهات حية ومسرحيات، وفيلم سينمائي.. فأخذت مقعدا وعيناي تلهثان في رشرشات النور وصريخ الناس ورعونة النغم. وعلى حين عرة انطفأت الأنوار، وخيم صمت اسود كنت اسمع خلاله همسات محمومة، وفرقعات قبل قريبة، واهتزت جدران السينما بطرقات رهيبة، وادركت فجأة اننا في منتصف الليل من اليوم الاخير من سنة 1947. وان هذه الاحتفالات تقام عادة بمناسبة ما يسمونه بـ (نيويير) اي السنة الجديدة

ودخلت علينا زوجة كاميران وهي تحمل اكواب الشاب، وحيتنا بابتسامة طيبة كتلك التي شاهدناها على فم الخرساء في فيلم سعيد أفندي فالتفت إلى كاميران وسألته

·        هل أنجبتم أطفالا؟ 

* لقد قررنا ألا ننجب أطفالا من نوع سعيد أفندي

·        استاذ كاميران، كم قضيت في معهد شيكاغو؟ 

* لقد قضيت ثلاثة أشهر في المعهد ثم نفذت نقودي، فبدأت افتش عن عمل اعتاش منه، وقد ساعدتني صدفة حلوة فتعرفت على إنسان طيب ساعدني كثيرا، لقد كنت في حفلة طلابية ساهرة واقترب مني طالب اسمر الوجه، وحياني بان امتدح ربطة عنقي، فانتزعتها وقدمتها اليه، فدهش ورفض ان يأخذها، ولكنني اخبرته بأننا في العراق نتبع هذه الطريقة في الكرم وبعد ساعة كنا قد تعارفنا تماما، وفي اليوم التالي كنت اشتغل في معمل للصلب دلني عليه – زينو – ذلك الصديق الأسمر، لقد كان من المكسيك

·        وهل تركت المعهد؟ 

* لا كنت اقضي الصباح في المعهد كطالب مستمع ثم أستريح ساعتين لانطلق بعدها الى المعمل حيث اشتغل حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل

·        وهل استفدت من دوامك في المعهد كطالب مستمع؟ 

* لا.. لقد أدركت عندما أقبلت عطلة الصيف ان آخر ما تعلمته كان هو الفن.. لقد اتقنت إدارة الآلة. وأدركت كيف يأكل الإنسان حياته ليعيش، ولكنني لم اعرف شيئا من الفن، لذلك اتصلت بجامعة كاليفورنا وحصلت منها على القبول وبعد ان حصلت على ثمن دارنا التي باعها أبي في بغداد سافرت إلى لوس انجلوس والتحقت بالجامعة

·        ما هي الشهادة التي تمنحها الجامعة لطلابها؟ 

* انها تمنح شهادة بكالوريوس وهي غير اختصاصية، ولكنني هناك بدأت دراسة الفن بصورة حقيقية. لقد ادركت لاول مرة ان الفن معاناة متصلة ووظيفة حياتية قاسية. وأحسست بضعة وصفر امام هذا الكوم الهائل من التراث الانساني، مئات المراجع .. الاف الاعمال الفنية وما لا يحصى من المذاهب، لقد حدست نوع الصعوبة التي ستواجهني ما دمت قد اخترت حياتي ولكنني واقولها بصراحة، لم احسب حساب الصعوبات التي واجهتني هنا خلال عملي، انها اكثر بالف مرة من كل ما حدست واملت، واقسى ما واجهته هو عدم شعور الفرد عندنا بالمسؤولية وعدم صدق الناس في عملهم، والاختناق الذي.... 

·        استاذ كاميران كنا نتحدث عن جامعة كاليفورنيا؟ 

* نعم.. نعم لقد قضيت سنين في دراسة تمهيدية لمختلف فروع الفن، وفي السنة الثالثة درست المسرح،  وفي السنة الأخيرة عرفت السينما

·        لم أتيت إلى بغداد؟ 

* لا لقد ذهبت الى جامعة كاليفورنيا الجنوبية لاختص بالسينما وغادر كاميران الغرفة واتانان بصورة لجامعة كاليفورنيا الجنوبية وكتاب لم نعرف كنهه بعد ثم حدثنا عن الاستديو الكامل المعدات الملحق بالجامعة. والتجارب السينمائية التي يتحتم على الطالب اجراوءها. ان عليه ان يخرج مجموعة من الافلام القصيرة كجزء من دراسته العملية

* لقد حصلت بعد دراسة سنتين على شهادة الماجستير، وعلى طالب الماستر ان يحضر اطروحتين احداهما عملية والاخرى نظرية. اما الاولى فقد كانت فيلما ملونا عن الرقص الهندي اسميته – لورشيفا – 16 مليمتر ويستمر 13 دقيقة. ولوردشيفا هو آلة الرقص عند الهنود. وقد قام بتمثيله احد الطلبة الهنود الذي كان ابنا لاستاذ من اساتذة الرقص في الهند. لقد كان الفيلم يوصل الحركة الراقصة باللحظة المعبرة في الطبيعة، كان تتفتح زهرة اللوتس، ثم اصابع الراقص تعبر بحركة صامتة عن هذا التفتح، انتم تعرفون الرقص الهندي يعتمد على حركة الرأس والجفون والحواجب والعيون والاصابع، ان هذه الاعضاء الانسانية تحكي قصة مدهشة والهنود بارعون في منح اصابع اليد تفورا تسرد قصة شيقة اما الاطروحة النظرية فهذه. وقدم لنا كاميران ذلك الكتاب الذي اتانا به. انه يتكون من 110 صفحات من القطع الكبير، وعنوانه – دراسة ثاثير التقدم الالي على تطور اسلوب التمثيل – ويقول كاميران

ان فن التمثيل يلقي ضوءاً حقيقياً على تقدم الفن السينمائي كمجموع

·        استاذ كاميران، كم هي المادة التي قضيتها في اعداد هذا البحث؟ 

هذه طويلة، لان الاطروحة رفضت اربع مرات، للصعوبة الكبيرة التي تواجه الباحث عندما يحاول ان يمسك بتاثير التقدم الصناعي على السينما، ففي عصرنا كما تعملون ينطلق الزمن بسرعة صاروخية، وفي كل لحظة يقذف الفكر البشري باسطورة جديدة... دراسة السينما سكوب مثلاً، اضطرتني – لعدم وجود مراجع – الى ان اتصل باول مخرج سينما سكوبي وهو – هنري كوستد – مخرج فيلم – الرداء -، فذهبت اليه وانا احمل معي مسجلا لتسجيل اقواله، وقد اتخذت هذا الشريط الصوتي كمرجع ، ودليل امام هيئة الممتحنين.

ان الاطروحة تتكون من 110 صفحات من القطع الكبير – ويأمل كاميران في ان يجد مترجما جيدا ليترجمها الى اللغة العربية لنشرها، واما مضمونها فيتقسم الى خمسة فصول

الفصل الاول – تمهيد وتبرير للبحث كله، كان يلقي كاميران سوءالا معينا: لم اخترت هذا البحث؟ ثم يجيب على ذلك

الفصل الثاني: هو مركزة البعد الموضوعي للبحث في قطاع اول: دراسة تاثير مسرح القرن التاسع عشر على السينم وعلاقته بظهروها. ويذكر كاميران في اطروحته ان مسرح القرن الماضي وصل الى نقطة المستحيل في مساره نحو الواقع الطبيعي. مما تختم ايجاد طريقة اخرى تفتت هذه الاستحالة، فكانت السينما كنتيجة لحتمية التطور. وكرفض انساني لنقطة مستحيل اخرى، وهكذا ولدت طريقة جديد ةتقدم الواقع بامل تضحية به وقد تميزت اهمية هذه الطريقة بخلود نتاجها، فبعد هاتين من السنين – كما يقول كاميران سيشاهد احفادنا – سعيد افندي -، وسيحدثون عن اجدادهم وعن طريقة عيشهم وازقتهم المظلمة.. 

الفصل الثالث: دراسة الفلم الصامت مع بحث فن جريفت وشابلن باعتبارهم الرواد العمالقة للفن السينمائي، وهنا يذكر كاميران من افلام شابلن تقدم لنا حركة الموءشر في تاثير التكتيك الصناعي على التفكير السينمائي

الفصل الرابع: بحث الانقلاب الهائل في السينما عند ظهور الصور وتذكر الاطروحة هنا تقرب السينما نحو المسرح بتقديمها عنصرين من اهم عناصره، واهم بعد واقعي ايضا

الفصل الخامس: دراسة تأثير التقدم العلمي الحديث على السينما. وتأثير التكتيك السنمائي واسلوب التمثيل بجميع الاختراعات الحديثة، فظهور التلفزيون – مثلا – كمنافس خطر على الصعيد الفكري والتجاري، اضطرت السينما الى ان تدافع عن كيانها امام هذا الخطر المستحدث، امام هذه الالة التي دخلت البيوت كفرد من افرادها، وحققت اتصالا حبيا مع الانسان، ومن اجل ان تجر السينما الناس من غرفهم الدافئة تملقت عيونهم – وقدمت الشاشة العريضة وعدسة السينما سكوب التي تقترب من مدى الروءية النصف دائري للعين البشرية. ويقول كاميران ان الشاشة العريضة كانت موجودة قبل اخراج العدسة السكوبية، التي كلها عملته انها اختصرت النفقات، ثم قدم السينمائيون السينراما كتحقيق افضل للواقع، والصوت المجسم – ستروفونيكك ساوند – كخداع مذهل لاذن الانسان، ويؤكد كاميران اهيمة – الستروفونيك ساوند – كاروع تقدم في التكتيك السينمائي

ثم تنتهي الاطروحة، ويقول كاميران: ولكن الفكر البشري لم يكف عن تقديم اساطيره

·        نعم استاذ كاميران، اكملت دراستك وتوجهت الى بغداد. متى دراستك وتوجهت الى بغداد، متى كان ذلك؟ 

* في سنة 1955 جئت بغداد وانا احمل معي امالا كبيرة وزوجة طيبة

والان لنعرف ما تقوله الزوجة الطيبة.. السيدة لوسي اوسوسن كما يعرفها الكل، ولان الجمهور شاهد السيدة سوسن على الشاشة فلن نحتاج الى تقديم صورة عنها. ان صورتها في دور الخرساء تقدم فكرة حقيقية عن الطيبة التي نطفو حول وجهها. ولكننا عرفنا شيئا جديداً عنها، انها في البيت كاي زوجة عراقية اخرى نفس البساطة والحنان واكرام الضيف.. لقد ذابت تماما في محيطها الجديد، ورغم تعثرها بالكلمات العربية، الا انها تنتقي التعابير البغدادية المحببة وتلقيها بطريقة رائعة

·        هل درست السيدة سوسن التمثيل في احد معاهد اميركا؟ 

واجابت السيدة سوسن: لا.. لقد كانت امنيتي بعد اكمالي الدراسة الثانوية ان اصبح مصممة ازياء خاصة وانا اهوى الرسم، وفعلا انضممت الى جامعة كاليفورنيا، وهي نفس الجامعة التي كان كاميران يدرس فيها.. ثم عرفت كاميران هناك ثم.. ثم تزوجنا

·        هل عندك تجربة سابقة في التمثيل السينمائي او المسرحي؟ 

لا ابداً

·        ما هي الصعوبات التي واجهتك اثناء تمثيل دور الخرساء؟ 

في الحقيقة وجدت في البداية صعوبة في فهم القصة وفهم دوري على الاخص، الا ان كاميران ساعدني كثيراً، فهم الناس، خاصة وان القسم الاكبر من دوري يجري في الخارج. فكان الناس يبحلقون في وجهي ويتجمهرون حولي، واثناء ما كنت اركض في احد المشاهد اخذ الصغار يركضون ورائي ويرموني بالحجارة لظنهم انني مجنونة، وكدت اصاب لولا ان كاميران تلقفني ووضعني داخل السيارة

·        هل ستحاولين التمثيل مرة اخرى مع زوجك؟ 

المخرج كاميران هو الذي يقرر ذلك، طبعا، بعد ان يأخذ موافقة زوجي كاميران

·        ما هو رأيك بفيلم سعيد افندي كمتفرجة؟ 

عظيم.. – قالتها بالعربية-. 

·        سؤال اخير.. ما هو شعورك امام النجاح الذي حصل عليه زوجك؟ 

والتفتت السيدة لوسي نحو زوجها وحدقت في وجهه بحب وفخر، كانا اروح من كل جواب

واكتفينا من السيدة لوسي، بهذه الاسئلة

ولنرجع الان الى الاستاذ كاميران ولنسرد بقية القصة، قصة مع سعيد افندي

يقول الاستاذ كاميران انه عندما جاء الى بغداد كانت فكرة اصدار مجلة فنية تمثل البداية للعمل الذي يريد ان يقوم به، كان يريد ان يعرف الجمهور وان يعرف الجمهور على نفسه، وان يجعل الجمهور يتعرف على فن السينما فكانت مجلة السينما – التي انشقت منها الفنون – ويقول الاستاذ كاميران ان لمجلة السينما قصة طويلة ربما يرويها يوما ما احد الاصدقاء الذين ساهموا معي في انشاءها

·        استاذ كاميران.. متى فكرت في اخراج فيلم؟

لقد فكرت طبعا في اخراج فيلم قبل ان اذهب الى اميركا، ومن اجل هذا درست الفن السينمائي هناك، ولكنني عندما جئت الى بغداد كانت فكرة ما قد نبتت في ذهني. وهي اخراج فيلم عن مدرس ابتدائية هذا الجندي المجهول الذي يختفي وراء ركام ادران الصغار والطباشير والسبورة السوداء وبالمناسبة ان فكرة اصداء فيلم عن (اشقيائية بغداد) تتملكني الان، اريد ان اخترق بالكاميرا هذا العالم الرهيب لاقدم وثيقة تاريخية عن هذه الطبقات السفل التي تعيش في جوها المرعب الخاص، نصور الليل والخمر والبغايا.. والقتل والسرقة والمواقف والحديد والخطط الجهنمية، تصور فيلما يضم هذا الجو الصاخب العنيف ذا الخطوط الحادة القاسية... الزور خانات، وصراع الديكة وصراع الرجال.. والدم الذي يجري والجراوبات المتطايرة. والروؤس المنفصلة عن اجسادها.. والريس والكوميشن، والتلخانات والكراسي المتطايرة، الشجاعة الرهيبة بجانب الجبن الخبيث، الرأس المفكر خلف اليد الحديدية.. ان فيلما يفور في اعماق هذه الظلمة المخيفة ليمنح السينما العربية قوة وحيوية لا عهد لها به من قبل. (وهنا اضطررت الى ان اقف امام استطراد الاستاذ كاميران الحماسي وان راجعه الى موضوعنا الرئيس). 

·        استاذ كاميران، كيف بدأت العمل بالفيلم

لقد حاولت قبل كل شيء ان استقيد من اخطاء الآخرين، وكان اول شيء تعلمته من تجاربهم هو ان اتجنب التمويل المشترك، كي لا اقع فيما يقوله المثل (واحد يجر بالطول وواحد يجر بالعرض). 

·        اذن من اين جاء اسم (شركة اتحاد الفنانين)؟ 

ها!.. لقد فضل الاستاذ عبد الكريم هادي ان نترك في العمل معنا اكثر الذين تخرجوا من معهد الفنون والذين يشتغلون بالفرق الفنية، فانتقينا من كل فرقة جماعة تشاركنا في العمل. ومن هنا جاءت التسمية ( شركة اتحاد الفنانين)، وفي الحقيقة كان يجب ان يسمى سعيد افندي، (فيلم اتحاد الفنانين).

·        قلت انك تفكر في اخراج فيلم عن مدرس ابتدائية فكيف لقيت القصة؟ 

لقد كان الجميع يعرفون بانني افتش عن قصة تدور حوادثها حول مدرس ابتدائية ويومها جاءني عبد الواحد طه او (عزت افندي) واخبرني بوجود قصة (شجار) للاستاذ ادمون صبري، فقرات القصة، وتصورت سرعة من حادث الشجار، عقدة الرواية السنمائية، وبصورة طبيعية جدا كان يوسف العاني يدور في ذهني بملابس المدرس، وكنت قد شاهدت يوسف من قبل على المسرح واعجبت بفهمه العميق للشخوص الشعبية، وادركت الطاقات الفنية التي يمتلكها يوسف. لذلك عرضت عليه القصة، وسرعان ما صادفت فكرتها هوى في نفسه، فاندفع يصور الاجواء الشعبية ويمنح القصة قوة الحوار الرائع وحيوية الشخوص الشعبية الصميمية التي يدخلها الى القصة، وكنت اساعده في تنظيم السيناريو

- قلت لك انني اخترت يوسف ليقوم بدور سعيد افندي او الاصح من ذلك ان سعيد افندي قد اختار يوسف بالذات، ثم اشتركنا انا ويوسف وعبد الكريم في اختيار باقي الممثلين، وهنا واجهتنا المشكلة الابدية – التي ارجو ان يكون سعيد افندي قد اضعف حدتها -.. مشكلة ايجاد الوجوه النسائية، وبعد اتصالات كثيرة اعلنا في الصحف عن (حاجة سعيد افندي الى زوجة) وبعد مدة اتصلت السيدة زينب يوسف العاني واعلنت استعدادها للتمثيل

·        لم اخترتم الحيدرخانة بالذات لتكون مكانا للفيلم؟ 

ان اهم شيء في القصة السينمائية هو المكان والزمان، وقد حددنا زمن القصة منذ البداية وكان يجب ان نجد المكان. وما دمت قد قررت ان اشتغل خارج الاستوديو، فلن اصنع اي شيء، بل الشيء الذي في الشارع هو الذي سيصنعني، انك تعرف اهمية اللقطة السينمائية تصوير الحائط المحفر، والمنارة الشامخة والبيت المتداعي.. انك يجب ان تجد الشيء الملائم للقطة الممتازة.. لقد كان (ايزنشيتن) غالبا ما يدع هذه الجمادات تتحدث على الشاشة، تروي قصة ما تكمل السرد من الرواية، ان شخوص سعيد افندي من الطبقة المتوسطة ممن يعيشون حياتهم البسيطة الرتيبة الهادئة التي اهم توتر فيها هو ضربة حجر تصيب احد الصغار كنت اريد ان اجد تلك البيئة التي تمنحني الطابع الحقيقي لحياة الطبقة المتوسطة. وقضيت ثلاثة اشهر ادور ف بغداد وحدي او مع يوسف او على الاغلب مع الصديق صالح سلمان، وخايراً وجدنا الحيدرخانة.. نموذجا بيئويا ملائما جدا لجو القصة وبدأنا التصوير فعلاً

·        استاذ كاميران، هناك بعض الاسئلة الكلاسيكية نرجو ان نحصل على جوابها. ما هو رأيك بمستقبل السينما العراقية؟ 

هناك حقيقة يجب ان تفهمها وهي انه لم تتوفر لنا الاسواق الخارجية فلن تتفاءل بمستقبل حقيقي للسينما العراقية، ان السوق العراقية لا يمكنها سوى ان تسد تكاليف الفيلم ولكنها لا يمكن ان تقدم ربحا يساعد على ارساء دعامة اقتصادية للعمل السينمائي

لقد بدأنا فن السينما ولكننا يجب ان نخلق صناعة سينما، لقد سمعت ان بعض الناس يتحدثون عن الارباح الطائلة التي حققها فيلم – سعيد افندي – فليمسك هؤلاء الذين يتحدثون قلما وورقة وليحسبوا تكاليف الفيلم، ليحسبوا انني والمنتج بقينا نأكل سنتين من رأس مال الفيلم وليحسبوا الضريبة التي فرضت على الفيلم الخام 25 بالمائة والضريبة التي فرضت على شباك التذاكر وهي 25 بالمائة ايضا، ثم بعد ان يكملوا حسابهم ليهنئوننا بالارباح الخيالية..! 

(والشيء الذي نصدقه ان كاميران متعب الان.. منعب الى حد المرض لقد قال لي انه يشعر بشيء كالشكل الذي يكلبش رجله، ان الصعاب التي واجهها لا تنتهي، واخرها ان يقف على شباك التذاكر ليراقب عملية البيع.. كاميران متعبا حقا

ومجلة الفنون وقراوءها يجب ان يشعروا بذلك.. لذلك سنغادره فالساعة الان الثانية بعد منتصف الليل..). 

لقاء اجرته مجلة الفنون كانون الثاني 1958

صاحبها ومحررها كاميران حسني

المدى العراقية في

15.01.2014

 
 

 كاميران حسني يندب حظه العاثر

رياض العزاوي 

سنة 1966 من  القرن العشرين الماضي شهد الملف السينمائي العراقي حالة غير اعتيادية،  وحركة تحويل تصاعدي متنام نوعي مميز نحو آفاق ومديات تغير المساحات  والفضاءات، وفق نمط واسلوب منهجية العمل.

فشكلت اسهامة وانعطافة مهمة فاعلة باتجاه جدي حقيقي لتغيير مجرى مسار الفيلم الروائي العراقي الساعي نحو بلوغ مرحلة جديدة تعد انطلاقة جديدة تبغي محاكاة العالمية كهدف مستقبلي،وعدّ ايذاناً غير رسمي - بجهود شخصية فردية - لمشروع أريد له أن يكون عملا ميدانيا مشتركا، والمباشرة الفعلية الفورية بمد وتعميق جسور التعاون والصداقة وبناء علاقات صميمة لا تنفك عراها تتوخى مصداقية توثيق العلاقات الفنية وايصالها الى مستويات عليا بين البلدين الشقيقين: العراق، ولبنان، والمساهمة النشطة بتفعيل دورهما الفعلي في المجال السينمائي وصناعة السينما في البلدين الطموحين الساعيين بجد الى ترصين وترسيخ وتجذير واقع سينمائي مؤسس على رؤية علمية حديثة، وتطوير الواقع الحالي لصناعة السينما، بما فيه الخير والفلاح الذي يصب في خانة النجاح لدفع عجلة الانتاج والمساهمة الواعية في بلوغ أعلى مراتب الاستفادة القصوى في تبادل المعلومات والخبرات والتجارب التي تعد متقدمة نسبيا، والانفتاح على الطرف الآخر بروحية علمية تفاعلية، ليكون قادرا متمكنا مستوعبا مساهما مدركا في كيفية الموازنة الموضوعية لمواكبة وتسريع التطور المنجز في هذا الميدان الحيوي المهم،وتحقيق حلم الوصول المشروع في عملية التقدم والازدهار والارتقاء
 
واعتلاء سلم ترتيب وتصنيف الدول ذات المستويات العالية سينمائيا على الصعيدين العربي والعالمي. ولأهمية وضرورة الخطوة الطموح والتجربة الرائدة الاولى وتحقيق النجاح المطلوب والوصول بالفيلم الوليد الى المستوى المرضي والمقبول بعد المشورة والاستماع الى وجهة نظر الاخر والاخذ بمسؤولية النظر والاعتبار بأهمية توفير كافة المستلزمات المهمة والامكانيات الضرورية للوليد البكر ليكون قادرا نشطا على النهوض والوقوف على قدمين ثابتتين، وليأتي سليما معافى بالولادة الاعتيادية الطبيعية، مع مراعاة توخي الدقة في وضع وتوفير جملة المرتكزات والتكوينات والمشتركات التي كانت الغاية والهدف لرسم حدود الحد الفاصل لمكون مشترك الملامح والصفات ذات الخصوصية الاجتماعية، وبعد دراسة منهجية ملتزمة الجانب العلمي الموضوعي، فيها التوليفة الحيادية التي اتسمت بالمصداقية وانتهجت أسلوبا متأنيا وتفكيرا عميقا تخللتها حوارات ساخنة صريحة صادقة تارة ونقاشات حامية وسجالات ومناوشات كلامية استغرقت وقتا وجهدا طويلا شاقا اتعبت واستنزفتا لقائمين على تمويل حركة الانتاج والتسويق تارة اخرى لحساب هامش الربح بعيدا عن الخسارة في طروحاتها، وكانت تقف عائقا وحاجزا امام اي انفراج يؤدي الى الاسراع والمباشرة بإنجاز العمل الطموح. بعد استراحة من عناء المباحثات المتعبة لكل الفرقاء للتقاط الانفاس وانعاش ذاكرة المجتمعين واسترداد عافية البدن والجسد الحامي والعودة السريعة بنشاط وحيوية لمسلسل الاجتماعات الماراثونية والاهتداء للتوصل الى حل يرضي جميع الاطراف ويفضي لفض الاشكالات وايجاد مخرج من المأزق والنفق المسدود الذي وضعوا انفسهم فيه في الوصول الى شاطئ النجاة والسلامة والامن والاطمئنان وهم يعون ويدركون انهم مكلفون ومخططون ومنفذون لعمل وبناء حضاري اساسة المتين المرونة المعبرة عن حالات الفرح والسرور المقترن بالوصول لإنجاز وتحقيق عمل ضخم كبير سيكون دالة وعلامة مضيئة وقياسا على رقي وتقدم البلد في المجالات كافة، ومنها ميدان حيوي مهم وفاعل هو حقل السينما. وما ان عادوا واتخذوا اماكنهم وتحلقوا حول الطاولة المعدة لاجتماعهم حتى قدم الفرج وتراقص امام اعينهم وانفرجت اساريرهم بعد عبوس، بعد ايام تداولت واستعرضت مجموعة من الاسماء البارزة من النخبة المطروحة على جدول الاعمال ضمن مهمة الاخراج، وقعت اعين المعنيين على الانتاج وتوصلت بعد بحث مضني ودراسة مستفيضة ونقاشات جادة اتعبت الحاضرين الى اختيار المخرج العراقي الكبير والشهير في الميدان كاميران حسني شفيق الذي نال حظا وتقديرا وامتيازا علميا عالميا في مجال صناعة الفيلم من عاصمة السينما العالمية هوليوود بالولايات المتحدة الامريكية، وله تجربة سينمائية محلية اقليمية حازت تقديرا واعجابا وحققت نجاحا كبيرا على الصعيدين العربي والدولي هو انتاجه وإخراجه الفيلم العراقي الصميم (سعيد افندي) الاكثر حظا ونجاحا بين حزمة الافلام الروائية العراقية لعقود طويلة،إضافة الى امتلاكه الطاقات وتسلحه بالكفاءة العلمية وتمتعه بالمواهب والطاقات الغزيرة واتصافه بإمكانيات كبيرة في مجال صناعة الفيلم السينمائي،
 
وله رؤية متقدمة، علاوة على نيله ارفع وارقى الشهادات المتخصصة والمتفردة بين مخرجي العالم العربي، وهو يشكل بصمة وعلامة واضحة في صناعة السينما العراقية المتطلعة والطامحة لاحتلال موقع عربي متميز. وتم تسمية الفيلم الاول المشترك بين لبنان والعراق بـ(الغرفة رقم 7)، وحشد له المخرج كاميران حسني نخبة طيبة من نجوم السينما في البلدين الشقيقين، وعرض الفيلم في آن واحد بداري عرض سينمائيتين كبيرتين ببغداد وبيروت، ولم يحقق الفيلم النجاح والاقبال المطلوب والمقبول، ما شكل صدمة وخيبة أمل للقائمين بالإنتاج، وتهجمت الصحافة والنقاد على الفيلم الذي كان من المتوقع ان يشهد نجاحا باهرا بحسب ما كان متوقعا ومخططا له. ويبدو ان السبب الذي وقف وراء اخفاق الفيلم وعدم تحقيقه المستوى المطلوب يكمن بجملة العوامل والمبررات والمسببات وفي مقدمتها ظروف الانتاج والاحداث السياسية التي شهدتها المنطقة،خصوصا العراق ولبنان، إضافة الى عوامل اخرى بقيت خافية وغير معروفة لدى الوسط السينمائي والفني في البلدين. والطريف في مسألة فيلم (الغرفة رقم 7) ان مخرج الفيلم كاميران حسني شفيق قد ابتعد عن الحقل السينمائي، ولم نعد نسمع أو نشاهد له عملا جديدا.

هذا الفشل لم يثن القائمين على الإنتاج المشترك في الاقدام على عمل فيلم روائي مشترك يعد الثاني مع الاخوة اللبنانيين وهو فيلم (وداعا لبنان) وهو من اخراج المخرج العراقي حكمت لبيب مخرج فيلم (بصرة ساعة 11) ،وقد تم عرض الفيلم المشترك الثاني لأول مرة في 9 /9 /1968 أي في سنة إنتاجه نفسها في صالة سينما النصر ببغداد، والفيلم يتناول موضوعة الهجرة والتباين الثقافي ومسألة اشكالية الاغتراب الانساني.

ويعرض مجموعة من الشباب الذين تضطرهم الظروف للهجرة فيواجهون ضغوطا اجتماعية قاسية واحساسهم بصعوبة الانتماء والتأقلم في البلاد التي هاجروا اليها. الفيلم عن قصة وحوار الفنان الكبير الرائد يوسف العاني ووضع موسيقى الفيلم الموسيقار اللبناني الكبير الياس رحباني أحد الموسيقيين اللامعين والمبدعين الذين وضعوا وصاغوا أجمل ألحان واغاني سفيرة الغناء العربي فيروز، وصور الفيلم المصور المشهور عربيا وعالميا برونو سالفي، وأبدع مونتاجه المونتير العراقي الكبير صاحب حداد مخرج فيلم (الحدود الملتهبة)، وفيلم (اليوم الآخر) الذي يعد واحدا من الافلام العراقية الجيدة، حيث انه يختلف عن الافلام السابقة التي انتجتها المؤسسة العامة لسينما والمسرح اختلافا واضحا، فقد تلافى كثيرا الاخطاء التي وقعت فيها الافلام السابقة، مستفيدا في ذلك من خبرته التي تجاوزت الثلاثين عاما في مجال العمل السينمائي، فقد استطاع أن يقدم فيلما روائيا متكاملا الى حد بعيد، وانتج الفيلم المشترك (كيروز فيلم) وهي شركة معروفة على مستوى المنطقة، وقام ببطولة الفيلم الفنان الممثل اللبناني منير معاصري، والفنانة اللبنانية مارلين شميدات، ومن الجانب العراقي الفنان يوسف العاني في دور مميز ،إضافة الى الراقصة نادية جمال، والفنان رشيد علامة، والفنان ايلي صفير، وايفت سرسق، وخميس. وبهذا الفيلم كانت الخاتمة والنهاية للإنتاج المشترك مع لبنان مع وجود مشاركات فردية في افلام لبنانية، مثل مشاركة الفنان يوسف العاني في فيلم (بياع الخواتم) الى جانب المطربة فيروز، واضطلاع المطرب ناظم الغزالي بدور غنائي في فيلم (مرحبا ايها الحب) الذي عرض في سينما الوطني ببغداد ودام عرضه مدة سنة، ومشاركة الفنان صاحب حداد في عدد من الافلام اللبنانية، ومساهمته في وضع المونتاج. وبهذا ينتهي مسلسل التعاون الفني بين الجانبين العراقي واللبناني ،الذي لم يستمر طويلا، ولم يحالفه النجاح.

المدى العراقية في

15.01.2014

 
 

 من ذكريات (سعد افندي)

احمد مطر ـ شاعر عراقي 

في سيرته السينمائية (استذكارات  بين الظلام والضوء) الصادرة حديثاً عن دار الفارابي، يستعرض الفنان  العراقي المعروف يوسف العاني التجارب السينمائية في العراق منذ أواخر  أربعينيات القرن الماضي. ومن خلال الحديث عن دوره الشخصي في تلك التجارب،  يركز بصفة خاصة على فيلم (سعيد أفندي) الذي يُعدّ، بالنسبة للكثيرين،  أيقونة السينما العراقية.

وقد استوقفتني، في ذلك الحديث، لمحة إنسانية عابرة، قد لا يلتفت إليها البعض في خضم المادة الأساسية المكونة للسيرة، لكنها، على بساطتها وعفويتها، تترك في النفس أثراً كبيراً من حيث كونها تلخيصاً لجوهر كينونة الفنان، في صلابته أمام إغراءات اللحظة، وقدرته المبدئية على الانتصاف من نفسه حتى للنظام الزائل الذي كان يناوئه. لم يكن (سعيد أفندي) أول فيلم عراقي، فقد سبقه بثماني سنوات فيلم (عليا وعصام) الذي أدى الدور الأول فيه الفنان الراحل إبراهيم جلال، لكنه كان أول فيلم عراقي خالص بطاقمه الفني وقصته وإخراجه وتصويره، وبتبنيه أسلوب (الواقعية الجديدة) الذي برع فيه المخرج الإيطالي (دي سيكا) بالخروج من الاستوديو إلى الشارع، وإشراك الناس العاديين في تمثيل أحداث الفيلم.

وقد قُدّر ليوسف العاني أن يتحمل القسط الأوفر من مسؤولية هذا الفيلم المأخوذ عن قصة (شجار) للكاتب العراقي أدمون صبري، وذلك بإعداده القصة سينمائياً، وكتابته السيناريو والحوار، وأدائه الدور الأول فيه.

عرض (سعيد أفندي) عام 1957م، أي قبل عام واحد من ثورة 14 تموز التي أنهت العهد الملكي. وقد بلغ من شدة صدقه الفني أن الناس الذين تفاعلوا معه وأحبوه قد تخيلوا مشاهد لم تكن موجودة فيه، وأوهموا أنفسهم بأن الرقابة قد حذفتها!

وحتى هذا اليوم، تجد كثيراً من العراقيين يحدثونك - عندما تذكر فيلم سعيد أفندي - عن مشهد ذهب فيه الأستاذ سعيد ليشتري سمكة، وقال للبائع إن (السمكة جايفة من الرأس).. ويعدّون ذلك أبلغ تعريض بالحكومة في ذلك الوقت.

الطريف في الأمر أن مشهداً كهذا غير موجود في الفيلم أصلاً، والأطرف منه أن يوسف العاني نفسه، صانع الفيلم وبطله، كان قد هُزم في نقاش مع متفرج عراقي - قابله في الخارج - حين ألح الأخير على وجود هذا المشهد وأنه رآه في النسخة الأصلية قبل أن تقتطعه الرقابة.. بل وأضاف مشاهد أخرى غير موجودة وزعم أن الرقابة حذفتها. وعبثاً حاول العاني إقناعه بعدم صحة ذلك!

وفي تحليله لهذا الأمر يقول العاني إنه أدرك أن الفيلم قد خاطب ضمير الناس وإحساسهم، وأن مشاهده قد غطت أو عبّرت عن حاجة في النفس، لكنها لم تَفِ بكل الحاجة، أي أن الناس كانوا يريدون المزيد من الكشف عن حالات جديرة بأن يكشف عنها.

وهكذا تجمعت قضايا كثيرة غير موجودة في الفيلم ظنوا أنها كانت موجودة لكن الرقيب حذفها.

وبعد عودة يوسف العاني إلى بغداد كان النظام الملكي قد سقط وقام مكانه النظام الجمهوري، وذات ليلة من ليالي الترحيب به طرحت عليه فكرة بدت له غريبة أول الأمر، بل حسبها دعابة، وذكرته حالاً بالرجل العراقي الذي ناقشه حول الفيلم عندما كان في الخارج.

يقول العاني: إن الفكرة كانت تتمثل في أن نضيف مشاهد جديدة تشبع حاجة المتفرّج، وبعد أن أُمثّلها تضاف إلى الفيلم الذي عرض على الناس.. ولكن بعد أن نعلن ونقول يعرض سعيد أفندي بعد أن أعيدت إليه اللقطات التي حذفها الرقيب.

ويضيف: هنا كان لي موقف حاسم وعنيف.. أن أرفض باستنكار وصلابة هذه الطروحات، وأن أبذل الجهد لكي ألتقي بالأستاذ (ممتاز العمري) الذي كان مدير الداخلية العامة، الرجل الفذ الذي أجاز الفيلم بكامل مشاهده ولقطاته وحواره بعد قصة طويلة ومثيرة، وذلك لكي أشكره وأعبّر له عن احترامي لموقفه. وقد تحقّق لي ذلك بعد أشهر.

هي لمحة بسيطة، لكنها جميلة جداً ومؤثرة جداً، لأنها تمثّل نجاحاً للجوهر الإنساني عند وضعه أمام اختبار الإنصاف، وهو مدرّع بكل إغراءات القوة والقدرة وسنوح الفرصة.

المدى العراقية في

15.01.2014

 
 

 قصة سعيد أفندي

كمال لطيف سالم 

اول فيلم عراقي كان بعنوان ابن  الشرق وعرض في سينما الملك غازيفي العشرين من تشرين الأول عام 1946 وهو من  سيناريو إبراهيم حلمي واخراج نيازي مصطفى وتمثيل عادل عبدالوهاب ومديحة  يسري وبشارة واكيم ونورهان، وأنتج في مصر من قبل الفنان العراقي عادل عبد  الوهاب وشركة أفلام الرشيد.

في حين يعد البعض فيلم عليا وعصام الذي عرض في 12/ 3/ 1949 في سينما روكسي ببغداد أول فيلم عراقي كونه أنتج بالكامل في العراق في ستوديو بغداد، وعلى هذا الأساس اعتمد تاريخ عرضه 12 آذار مارس من كل عام عيدا للسينما العراقية، وهو من إخراج اندريه شاتان قصة وسيناريو وحوار أنور شاؤول وتمثيل إبراهيم جلال وعزيمة توفيق وسليمة مراد وجعفر السعدي وعبد الله العزاوي

وفيلم (سعيد افندي) انتج عام 1957 وهو من اخراج المخرج العراقي كاميران حسني وبطولة الفنان يوسف العاني والفنانة الراحلة زينب (فخرية عبد الكريم) اضافة الى الفنانون ابراهيم جلال ، جعفر السعدي، عبد الواحد طه، وعبد الكريم هادي. نال الفيلم شهرة واسعة في حينها لكونه تقريبا اول فيلم عراقي نقل صورة واقعية عن الحالة الاجتماعية الموجودة في الشارع العراقي في فترة الحكم الملكي. وقد اقتبست قصة الفيلم من رواية «شجار» للكاتب العراقي ادمون صبري, والتي تدور عن قصة شجار يقع بين اطفال المعلم سعيد افندي ذوي التربية الجيدة والاخلاق الحسنة مع اطفال الاسكافي المشاكسين الذين يفتقدون للتربية نتيجة قلة الوعي الاجتماعي لوالدهم الاسكافي الفقير الذي لم يتمكن من ادخالهم الى المدارس بسبب فقره. وقد ركز الفيلم على ابراز الحياة اليومية للمعلم سعيد افندي وما يحيطه من شخصيات مختلفة كشخصية السقا, بائع المرطبات, البقال, الاسكافي, الحوذي, بائعة القيمر وغيرها من الشخصيات المرتبطة بالحياة اليومية لمن يعيش في محلات بغداد. تم تصوير الفيلم في شوارع واحياء بغداد بلا ديكورات, وقامت الشخصيات بالتمثيل بدون تزويق, كما قام الفيلم باظهار وشوارع ازقة بغداد الشعبيةالقديمة مبتعدا عن اظهار الشوارع الحديثة والجميلة والديكورات المصطنعة. فقد عرض الفيلم البيت البغدادي الحقيقي الاصيل مثل بيت سعيد افندي وبيت جاره الاسكافي والمحلة والزقاق والشوارع التي تظهر بها الامانة (الحافلة) ومن خلفها الحمار مما يدل على واقعية المشهد وبدون تصنع. ان الاسباب الحقيقية وراء الاتجاه الى الواقعية والتصوير في الاماكن على حقيقتها هو عدم توفر الاستوديوهات والالات الحديثة والديكورات والأدوات الفنية كما صرح مخرج الفيلم كاميران حسني .

فقد بين المخرج بان اغلب الممثلين كانوا غير محترفين بل كانوا في بداية حياتهم الفنية بسبب عدم وجود حركة مسرحية وسينمائية كبيرة في العراق في ذلك الوقت مما ادى الى استخدام بعض الممثلين لاول مرة في هذا الفيلم مثل (زينب زوجة سعيد افندي والاسكافي والفتاة البكماء والاطفال).

المدى العراقية في

15.01.2014

 
 

 سعيد أفندي من القصة إلى الفيلم 

الأدب والسينما،الأثر المتبادل  رغم ان العلاقة بين السينما والادب تعود الى بدايات الفن السينمائي،الا انه  من غير المنصف القول بأن الادب قد استنفد نفسه في السينما، أو حتى مجرد  الادعاء بأن السينما، عبر تعاطيها المتواصل مع الادب(الرواية،  المسرحية،القصة)،قد استنفدت سبل تأثير النصوص الادبية في ذائقة المتلقين.

كما ليس من مصلحة أحد اندثار جنس أدبي أو فني لصالح بقاء نوع آخر .

لكن في الأدبيات السينمائية يمكن القول،ان جدلا فنيا وفكريا كبيرا ترك أثره العميق على مجمل العلاقة بين (الادب والسينما) بشكل صاغ على نحو تاريخي/ فني أطر هذه العلاقة،ويمكن تتبع أولى خيوطها مع بدايات السينما التي افادت بقوة من الأدب عامة، والرواية بشكل خاص، لتظهر بعد انقضاء سنوات زاخرة بالاقتباسات الفنية علامات جديدة ذات دلالة عميقة، تشير إلى الاثر العكسي لهذه العلاقة حيث تأثرت الكتابة الادبية ذاتها بآلية العمل السينمائي وحداثة اساليبه، خاصة مع رواج الموجة الطليعية وتيار الرواية الجديدة في فرنسا اواسط القرن العشرين. فيما كان الاتجاه الجديد الذي تبلور خلال هاتين المرحلتين،يمتص الخبرات الفنية المتراكمة ويستلهم خصائص الجنسين في نشاط فني يمزج تقنيات السينما بحداثة الرواية، وهو الاتجاه الأهم الذي تبناه جيل من الكتاب السينمائيين في أمريكا وأوربا ،من الذين اخذوا يكتبون للسينما بتصميم وعزم مسبق، إلى جوار السينمائيين الذين حاولوا طرح أفكارهم عبر المدونة الروائية بوصفها شكلا تعبيريا أصيلا لرؤية العالم والتعبير عنه

في تلك المناخات لم يعد الجهد النقدي مقتصرا على قراءة الفن الأكثر انتشارا وتأثيرا، بل ذهب ابعد من ذلك نحو قراءة التباينات البنيوية بين الادب والسينما(الاقتباس والرؤية الفنية وطرق المعالجة) وكشف طبيعة الاستقلالية الجمالية للخطاب السينمائي في عمل ما،وهو ما أصبح تاليا ميدانا تأويليا مرجحا لعمل الناقد . لتلك الأسباب مجتمعة أصبحت صورة هذا الجدل العميق معبرة بشكل جلي عن الميل المبدئي إلى الإقرار بتقارب هذين الجنسين رغم استقلاليتهما النسبية من النواحي الجمالية، وهو ما يمكن فهمه ضمن مناخ فكري عام،أشاع النقد الجديد فيه فكرة تداخل الأجناس الفنية والأدبية تحت مسميات إبداعية متقاربة ومبحث نظري بات معروفا بـ الايقونولوجيا

وبسبب أصالة العلاقة بين الرواية والفيلم وتداخلها،يصعب على المتلقي لدى مشاهدته فيلما سينمائيا مأخوذا عن عمل أدبي التخلص من رغبته الملحة في المقارنة بين النسختين الفنيتين لاستخراج حكم يتأسس غالبا على سؤال وحيد ومحدد يختزل بعجالة تاريخا نظريا وفنيا متشعبا: أيهما كان الأفضل بالنسبة لنا، الرواية أم الفيلم ؟ وكما السؤال قد لا يبدو الجواب موفقا دائما.

***

بعيدا عن فرضيات الأغراض التجارية تعد السينما منذ ظهورها قبل أكثر من قرن منجذبة للادب بقدر انجذاب الأخير للسينما. بل يمكن القول ان ثمة عشق دائم بينهما ، تواصل من نوع فريد بين الغريمين الابداعيين المهيمنين على ذائقة العصر. ورغم الخصام الذي يتسيد المشهد الفني من حين إلى آخر ، جذوة العلاقة تلك لا يمكن أن تنطفئ

كثيرا ما يقال في الأدبيات السينمائية ان السينما تكون بارعة في ما تعجز عنه الرواية والعكس صحيح . مع ان هذه الفرضيات الكلاسيكية ما عادت تصمد أمام بعض المحاولات الإخراجية المجددة في سينما اليوم ، فقد باتت هناك حلولا ونقاط التقاء عدة يمكن أن تضمن النجاح للطرفين والأمثلة عديدة على ذلك،خاصة في الأفلام التي يسعى مخرجوها إلى خلق نسخهم الإبداعية المقتبسة عن الأدب بحس تجريبي يبعدهم عن النقل الحرفي للنص الادبي عبر تقديم كتابة سينمائية تأويلية للأدب بالصوت والصورة . اعتبر النقاد ان أسلوب التجريب في السينما يعزز لدى المخرج حريته في طرح تصوره الخاص للنص الأدبي محطما إلى أقصى حد هيمنة السرد الوصفي واستطراداته عبر معالجة بصرية للسيناريو تذيب المحكي الروائي في المحكي الفيلمي وتمنح الأخير طاقته التعبيرية المنشودة، وذلك باستخدام طرائق عدة بين الحذف والتقطيع والإضافة والاستعارة وزاويا التصوير ومدة اللقطات والمشاهد . فنكون بذلك امام صورة من نوع آخر تنتظم فيها كل عناصر الفيلم السينمائي.صورة مؤثرة تتكلم لغة مغايرة وتخلق نسختها المقترحة من النص الادبي،على اعتبار ان السينما لا تتكلم إلا لغتها الخاصة – بتعبير رولان بارت

سعيد أفندي: في ظلال الواقعية

منذ بدايتها تعاطت السينما العراقية مع الادب المحلي،وحاول عدد من المخرجين العراقيين في سنوات مختلفة معالجة بعض النصوص الروائية والقصصية والمسرحية على الشاشة وكانت مستويات نجاح تلك المحاولات متفاوتة بحسب رؤية كل مخرج ومستوى خبرته الفنية.

يعد فيلم(سعيد افندي) للمخرج كاميران حسني انتاج عام 1957 احدى المحاولات المبكرة للتعامل مع النص الادبي.الفيلم مأخوذ عن قصة(شجار) للكاتب ادمون صبري،كتب الحوار لها الفنان يوسف العاني،فيما تبنى المخرج كتابة سيناريو الفيلم.

بالنظر للموجات السينمائية العالمية التي كانت سائدة انذاك كان فيلم سعيد افندي متاثرا الى حد كبير باسلوب الواقعية الايطالية الجديدة التي كان من ابرز سماتها التصوير في الاماكن والاحياء الشعبية الحقيقية واظهار هموم الناس الفقراء ومعاناتهم والتركيز على ابراز الامكنة الواقعية للاحداث والتقشف في الديكورات والازياء ، فضلا عن تقليل الاعتماد على الممثلين المحترفين وتوظيف مواهب الناس العاديين.

يمكن القول ان التأثير الكبير الذي خلقته افلام الواقعية الايطالية لدى معظم المخرجين العرب آنذاك ترك بصمة واضحة على افلام تلك المرحلة وعد الطريقة الامثل للتعبير عن معالجة هموم الواقع العربي الذي كان يكافح من اجل نيل استقلاله واستعادة هويته وخلق حياة ذات شروط انسانية افضل. من هنا يمكن اعتبار محاولة المخرج كاميران حسني لتحويل قصة ادمون صبري الى فيلم سينمائي استجابة لذاك الميل الذي خلقته الموجة الايطالية التي يجد ظالتها في قصص ذات منحى شديد الواقعية اكثر منها محاولة لدخول مغامرة تحويل النص الادبي الى صورة سينمائية.

استهل ادمون صبري احداث قصته المعنونة(شجار) باعلان صاحب الملك عزمه على القاء اثاث سعيد افندي في الشارع في حال لم يخل الاخير المنزل الذي يستأجره باقرب وقت ممكن.وبهذا حاولت القصة منذ بدايتها التركيز على معاناة سعيد افندي من خلال عدة محاور،ابرزها البحث عن مكان ملائم للسكن يكون ملاذا آمنا له ولعائلته،ومواجهة مشكلة تدني مستواه المعيشي،فضلا عن اليأس الناجم عن الاوضاع الرتيبة التي فرضت عليه حالة من عدم الانسجام مع بيئته التي تعاني افات الجهل والمرض والتخلف.

عمد الفيلم الى اجراء بعض التعديلات والاضافات على الاصل الادبي،كان ابرزها على مستوى مساحة الشخصيات المشاركة في الحدث مثل شخصية(عزت افندي) زميل سعيد في المدرسة وحسيبة الخرسة ابنة عبد الله الاسكافي،الفتاة التي ترتبط مشاعرها بعزيز اصغر اطفال سعيد افندي والذي يتعرض في المشاهد الاخيرة من الفيلم الى ضربة موجعة على رأسه من قبل احد ابناء الاسكافي،بشكل يتسبب باشعال الخلاف بين العائلتين ثانية بعد ان ساد السلام المؤقت بين الجارين المتخاصمين،فضلا عن ابدال بعض الاسماء( اولاد سعيد افندي).

في القصة يبدو سعيد افندي ضجرا وناقما على اوضاعه الحياتية سواء ما تعلق منها بزوجته او بوضع المحلة الشعبية التي اضطر للسكن فيها.وبدا سعيد في النص القصصي شخصية شبه مهزومة تتستر بنواياها الحسنة،رغم انه يبدو في بعض الاحيان مهادنا الى اقصى حد امام زوجته نصف المتعلمة(فهيمة) التي تريد رد الصاع صاعين لكل من يعتدي على ابنائها.

في النص القصصي تقول فهيمة وهي تخاطب زوجها سعيد افندي الذي يريد ادامة السلام والتفاهم مع جاره "سعيد افندي يخفي احاسيسه بالملل والقرف من رتابة حياته الزوجية ومن اهمال زوجته لنفسها جراء انشغالها المبالغ فيه باعمال المنزل،حتى انه يعقد مقارنة بين راقصة جميلة ذات قوام ممشوق يشاهدها في الملهى وبين زوجته التي ازدادت سمنة ولم تعد تعتني بنفسها كونها تقضي معظم الوقت في المطبخ وتهمل العناية بنفسها.

في النص القصصي يذهب سعيد افندي الى الملهى بعد تازم الامور في المحلة،وتحديدا عقب الشجار الذي ينشب بين ابنائه وابناء عبد الله الاسكافي لكنه في الفيلم يذهب الى الملهى قبل وقوع تلك الاحداث برفقة زميله عزت افندي.

اما حسيبة الخرسة فجاءت اضافتها لنسيج الشخصيات الفاعلة في الحدث لصالح دفع التطور الدرامي للفيلم حيث مثل وجودها الصامت نقطة وصل ايجابية وعنوان نوايا حسنة بين العائلتين يسهم لاحقا في التئام الصلح بين العائلتين ثانية.

وبالطبع يحق للفيلم ان يعيد صياغة النص الاصلي بما يراه مناسبا لرسم اطار الاحداث في السيناريو وتحديد مسار تطورها بشكل يخدم التاثير الدرامي في المشاهدين.خاصة اذا ما كان النص متمحورا على تتبع مصائر شخصيات محدودة غير متفاعلة فيما بينها.ولكن محاولة توسيع مساحة الاحداث في الفيلم واضافة لمسات طفيفة هنا وهناك على سلوك الشخصية وحوراتها له غايات يرسمها مخرج الفيلم وتخدم الرسالة التي يريد ايصالها الى المشاهد،وهو ما بدا واضحا في فيلم سعيد افندي الذي حاول المخرج جعل بطله شخصية ايجابية تترفع عن الاذى الذي يلحقه الاخرون بها،لانها شخصية متعلمة ترمز الى مستقبل المجتمع العراقي الناهض.بمعنى اخر ان الاعمال الانسانية المتحضرة اذا ما اريد لها ان تتجذر في مجتمع مغلق وأمي عليها ان تتقبل دفع ثمن باهض احيانا.

اجمالا يمكن القول ان سعيد افندي في نص ادمون صبري كان شخصية عراقية اشد اقناعا وواقعية،بسلبياتها وانفعالاتها ونقاط ضعفها.في المقابل بدت تلك الشخصية في الفيلم طامحة وخيرة بما ترمز اليه من تنوير وحراك اجتماعي.وهو ما جعل القصة والفيلم على حد سواء يشتركان في رسم صورة حية للمجتمع العراقي في عقد الخمسينيات.

* ورقة قدمت في الحلقة الدراسية الخاصة بالأديب الراحل ادمون صبري ضمن فعاليات مؤتمر(دور السريان في الثقافة العراقية)الذي أقيم في بلدة عنكاوا باربيل.

المدى العراقية في

15.01.2014

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)