كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

رؤى نقدية

 
 
 
 
 

عبدالله الطايع سينمائيّ مثليّ من المغرب!

هوفيك حبشيان

 

كتب المغربي عبدالله الطايع تسع روايات بالفرنسية، قبل أن يتجه الى الاخراج السينمائي وينجز فيلمه الروائي الأول، "جيش الخلاص"، الذي عُرض في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية في قسم "أسبوع النقاد"، ثم في تورونتو. يؤفلم الشريط التأملي سيرته منذ مراهقته في مدينة سلا حتى وصوله الى جنيف في أواخر التسعينات بحثاً عن حياة أفضل. كان الطايع ذاع صيته في المغرب، حزيران 2007، بعدما أعلن مثليته ونشر لاحقاً رسالة مفتوحة الى أمه في احدى المطبوعات المغربية متحدثاً فيها عن ميوله الجنسية. فيلمه الذي يقول كلّ شيء عن معاناته بلغة نابضة بالأحاسيس، سيشكل، في حال عرضه داخل المغرب، صدمة للمحافظين.

"أنا مدرك تماماً ان هذا أول فيلم عربي يمنح شخصية مثليّ عربي البطولة المطلقة"، يقول الطايع بشيء من الاعتزاز. ويردف: "المثلية في بعض البلدان جريمة يحاسب عليها القانون، وإن كان لمغنّي فرقة "مشروع ليلى" في لبنان جرأة الاعتراف بمثليته. ينسى العرب ان بعض كبار الكتّاب والمثقفين والشعراء كانوا مثليين: أبو نواس والجاحظ وإبن عربي وعمر الخيام. يتصرفون بنكران شديد كأن هذا كله لم يشكل جزءاً من الثقافة العربية. لكن فيلمي لا يتكلم عن المثلية، بل كيف يمكن ان يتوغل مثليّ في الديناميكية المتناقضة للمجتمع المغربي. وايضاً كيف توصله هذه الحالة الى أن يلحق الضرر بالآخرين".

في لقائي معه، غداة عرض الفيلم في البندقية (أيلول 2013)، غمرته السعادة عندما علم ان صحافياً من العالم العربي على جزيرة الليدو، جاء يغطي "موسترا" البندقية. "يهمني جداً أن أتحدث الى وسائل الاعلام العربية"، اعترف لي قبل ان أشرح له أن النقاد العرب هاجروا المهرجان عاماً بعد عام بسبب الغلاء الفاحش وعدم قدرة صحفهم على تغطية النفقات. وجدته فخوراً وهو يحكي لي أن كتابه "يوم الملك" نشرته له في بيروت "دار الآداب"، بعد نقله الى العربية.
هذا الشاب الذي يبلغ الأربعين أصبح كاتباً، لكنه في الأصل كان يريد أن يصبح مخرجاً: "حتى عندما اكتب رواية، اشعر بأنني اكتب مشاهد من أفلام". اتخذ هذا القرار عندما كان في الثالثة عشرة؛ يومها فهم انه كي يمتهن الاخراج، عليه الذهاب الى باريس. وليذهب الى باريس، عليه أن يتقن لغتها. فدرس الأدب الفرنسي في جامعة محمد الخامس في الرباط، "كي لا اتعرض للاذلال في يوم من الأيام، من قبل الأغنياء المغاربة". الكتابة، بتعبيره، حررته من عقد كثيرة. أولاً كفرد، ثانياً كمثليّ عربي يعيش في مجتمع غير متسامح مع الذين يكسرون الثابت الاجتماعي.

سينما الفقراء

في حديثه عن طفولته، تعود كلمة "فقر" مراراً. فالطايع يأتي من أسفل المغرب، تلك البيئة المحرومة من أبسط الحقوق الانسانية. الأفلام المصرية أثّرت فيه كثيراً في صباه. "العار" أو "الحرام" من الأفلام التي صاغت ذائقته الفنية. يروي لي مطولاً تعلقه بممثلي تلك الشاشة، مخرجيها ورموزها الكبار. "هذه السينما كانت للفقراء. المفكرون المغاربة كانوا يشاهدون الأفلام الأجنبية. لكن الفقراء أمثالنا في الثمانينات في المغرب لم يكن لديهم الا المسلسلات والأفلام المصرية. هذا ما غذّاني من الداخل. كانت هناك فكرة حرية في هذه الأفلام، وإن رفض بعضهم الإقرار بهذه الحقيقة. كنت اجد فيها تجسيداً للمرأة الحرة في العالم العربي. لهذا السبب أشير الى أغنية "أنا لك على طول" لعبد الحليم حافظ في الفيلم، من خلال اطلالته في "أيام وليالي" لبركات. في داخلي، اجد أنني مسكون بالثقافة العربية. مرجعياتي مصرية. الى اليوم، عندما اعود واتفرج على هذه الأفلام، أجد أن حبي لها لا يزل قائماً. لذلك، أحبّ ان أعمّق صلتي بها، بدلاً من أن أدير ظهري لها، ذلك انها من الأشياء التي انقذتنا، نحن فقراء المغرب، في وقت من الأوقات. هذا جزء من الثقافة التي لا يعترف بها المفكرون العرب باعتبارها ثقافة، لكن بصراحة لا يهمّني رأيهم".

على الرغم من تأثره بالأفلام المصرية، فـ"جيش الخلاص" لا يشبه الارث المصري البتة، لا في المعالجة ولا في الجماليات، وهذا ما يقلق الطابع ويفاجئه. فهو يشبّهه بسينما أميركا الجنوبية، وتحديداً بأفلام الأرجنتينية لوكريسيا مارتيل. هناك سينمات اخرى تأثر بها، كتلك التي قدّمها المعلم الهندي ساتياجيت راي او الفرنسي روبير بروسون أو الألماني راينر فيرنير فاسبيندر، بيد انه لا يجد نفسه مخوّلاً لتبنيها، لأنها مرجعيات تسربت اليه لاحقاً. أما الممثلون الذين اختارهم الطايع للفيلم فليسوا مثليين. كان يريد أناساً يشبهون أيّ احد في المغرب، من أولئك الذين تصادفهم في الشارع ولا تسأل نفسك اذا كان الواحد منهم مثليّاً أم لا. لم يكن من الصعب اقناعهم بالانضمام الى هذه المغامرة السينمائية. معظمهم غير محترف. كانوا يتقبلون كل الأفكار التي تطرح عليهم، وهذا ما جعله يفاجأ مفاجأة ايجابية. فهؤلاء كونهم يعرفون الواقع، كانوا يؤكدون ما جاء في النصّ.

الأبواب المغلقة

أكثر ما ألهم الطايع، هو العودة الى السيرة المعذبة، الى ينبوع المآسي التي حولت حياته الى مأزق. بهذه الكلمات يتحدث عن تلك المرحلة، حين كان في قلب الوحدة والخوف: "كنت أشعر بأنني مثليّ، ولكن في الوقت نفسه كان عندي حبٌّ عظيم لأمي ولأخواتي. كنت معزولاً عنهن ومرتبطاً بهنّ في الحين نفسه. كان عندي احساس بأن حياتي كلها ستكون على هذا النحو. لم يكن هناك أيّ سبب كي اخرج من الوضع الذي انا فيه، وأن أتحول الى كاتب او مخرج. هذا كله كان من الأحلام البعيدة. كنتُ فقيراً ومثلياً، وكل الأبواب مغلقة في وجهي. فجأة يبدو لك العالم صغير الحجم، ولا تعرف كيف تنتقل الى عالم آخر. احلامي كانت كثيرة وأنا أدرك مسبقاً انها لن تتحقق أبداً. عندما نكون من المثقفين الذين طالعوا ابن خلدون ورولان بارت وميشال فوكو، نتسلح بذرائع تتيح لنا ان ندافع عن أنفسنا. لكن الصبي الأميّ والفقير، لا يملك شيئاً من هذا كله. هذا علّمني أشياء كثيرة: الحياة الحقيقية هي الحياة التي نكون فيها عزّلاً. يعني عندما نتصدى باللاشيء. وهذا ما كنت اريد اظهاره في الفيلم: مغاربة لا يملكون ايّ شيء، ويقاومون، ولكن في الحين نفسه يقمع الواحد منهم الآخر، ولا يريد دائماً الواحد منهم الخير لصديقه وزميله وجاره".

بالنسبة إلى الطايع، لا يتحرر الانسان مما عاشه من ذلّ وقمع. قد تكون كلمة "ذلّ" قوية، لكن لا بديل منها عندما يتعلق الأمر بناس يبصقون على الأرض عندما يرونك تمر أمامهم، ويلقّبونك بـ"الزامل"، ويصيحون تحت شبّاك بيتك "انزل يا عبدالله لنضاجعك"، على مرأى من الحيّ كله ومسمعه. "الأسوأ ان أحداً لا يستطيع انجادك"، يقول الطايع مانحاً الشعور بأن هذه التفاصيل صارت من حياة ماضية لكنها حاضرة.

المغرب الذي يصوّره الطايع ليس مغرب السياحة والفنادق الفاخرة. نظرته تحاجج الواقع وتعرّيه. هناك دائماً واحد يتحكم بالآخر، ويتنقل هذا من الأب الى الأم فالشقيق الأكبر. هناك طبقية واضحة حتى داخل مجتمع الفقراء. في وسط هذا كله، هناك شخصية المثلي، بطل الفيلم المضاد، لكن وجوده لا يلغي الآخرين. يقول الطايع: "كان مهماً لي ان أظهر الأمور على هذا النحو، كي لا يقال "انه مثليٌّ، اذاً هو في الهامش. لم أكن أريد هامشياً، بل شخصاً يجد فيه الجميع أنفسهم. المثلية ليست خياراً. انها طبيعة جنسية. ميول الشخص الجنسية لا تخص الا صاحبها، وعلى الآخرين ان يقيموا اعتباراً لها، الشيء الذي نفتقر اليه في العالم العربي. النفاق الاجتماعي موجود في المغرب، لكنه موجود أيضاً في كل مكان. يتغير شكله من بلد إلى آخر. لكن اللافت في المغرب هو الاصرار على جعل المجتمع مجتمعاً اعمى".

ليسقط كل شيء!

"جيش الخلاص" انتاجٌ فرنسي مئة في المئة. لم يبحث الطايع عن أيّ جهة انتاج مغربية. "كانت هذه لتكون مضيعة وقت"، يؤكد الطايع. "ولعل ما سيزعج الناس هو انني اقارب الموضوع مقاربة حسية. لو ادرجتُ بعض مشاهد الجنس في سياق الحكاية، لكان الفيلم تحوّل الى عمل فضائحي يفرغه من قيمته، وهذه التقنية أقل تأثيراً في الناس. كنت اريد ان اعرّي واقعاً سيجد فيه كل مغربي نفسه بطريقة أو بأخرى. أتمنى من كل قلبي أن يُعرض الفيلم في المغرب. في النهاية، هذا الفيلم يتكلم عنّا. وهو عن كائن مغربي يتصدى للواقع، على أمل أن يتحرر يوماً. طبعاً، أنا أنتقد المجتمع المغربي، وهذا واضح. لكن، لا يمكن ان ننجز عملاً فنياً من دون أن نشير بإصبعنا الى أشياء معينة ليست على ما يرام. ألقي نظرة سوداوية جداً على المغرب، على الرغم من أنني أبدو لطيفاً بشوش الوجه. نظرتي قاسية جداً. العلاقات بين الناس في المغرب ترتكز على القسوة؛ أحياناً عليك أن تكون مثل هرقل كي تتحمل ثقل الواقع على كتفيك. احد أسباب صعوبة الحياة يأتي من انك لا تفهم ما يريده الناس منك. في النهاية، تصل بنا الحال الى أن ننفجر من الداخل. أسأل: لماذا يجب عليّ أن أساير الآخرين؟ وسأساير مَن؟ الملك أم الدين؟ والدي ام الامام؟ وهؤلاء مَن يسايرون؟ لماذا الاستمرار في دعم هذا النظام حيث الكلّ يقمع الكلّ؟ الفيلم لا يقول هذا، لكنه يتيح لك رؤيته. اللافت في المغرب هو الاصرار على تعمية المجتمع، على الرغم من ان هناك مَن يعمل ضد هذه التعمية. "الربيع العربي" جاء ليلقننا فكرة تثوير العقليات. وأقول "يلقننا" لا أكثر. هذا يعني انه ازال الخوف الذي كان في داخلنا.

اليوم، الناس أقل خوفاً. قبل ثلاث سنوات، لم يكن الناس يتجرأون حتى على انتقاد الدين والقول انهم يرفضون خلط الدين بالسياسة. مَن كان يتجرأ على القول بأنه ملحد؟ أما الآن، فكثر يقولون هذا في مصر. الثورة العربية شيء سريع الانكسار والعطب. وهذا ما دفع بالمتطرفين الى مصادرتها. ودورنا هو أن نقاومهم!".

hauvick.habechian@annahar.com.lb

شيطنة "المختلف" في السينما المصرية

أجرى المصري شريف الرملي المقيم في بارس دراسة قيّمة عن المثلية في السينما المصرية ننشرها بالكامل على موقع "النهار" الالكتروني (فنون ومجتمع). في الآتي نبذة من هذه الدراسة.

المثليون أو كما اعتاد العرب تسميتهم بـ"الشواذ" كان لهم نصيب من التمثيل في الروايات السينمائية كغيرهم من الأقليات في مجتمعاتنا العربية. وقد عرفت صورتهم الذهنية في التاريخ السينمائي العربي- وتحديداً المصري - الكثير من التدهور عبر السنوات وندر تقديمها بشكل إيجابي، أو على الأقل بشكل واقعي، تحت ضغوطٍ من مجتمع أغلبه مسلم رافض لعادة قوم لوط المشينة بالنسبة له. لكن ثمة ضغوط أخرى سياسية ومجتمعية كان لها أيضاً دور كبير في تحجيم المساحة المخصصة للمثليين. وقد قدمت السينما الأشهر عربياً في كثير من رواياتها شخصيات مثلية كان لأغلبها نصيب الأسد من الشيطنة التي أدت بها في النهاية إلى الرفض الشعبي. تعاقبت الأفلام التي اهتمت بهذا النوع من الشخصيات وتقديمها بشكل سلبي، إلى أن تحول دور السينما من التحليل والتثقيف الى التحريض كنوع من عقاب للشخصية المثلية "الشريرة".
تاريخياً، لم تتعرض السينما المصرية للشخصية المثلية بشكل مباشر حتى بداية السبعينات، حيث كانت الرقابة ولا تزال تتشدد في السماح لها بالوجود، كما كانت تحرّم الإستخدام الواضح للقطات الحميمة بين المثليين أو حتى استخدام أيٍّ من اللفظين ("شاذ" أو "مثليّ"). وفي نصّ المادة الخامسة من القرار رقم 220 لسنة 1976 الذي لحق بقوانين سابقة من 1923 و1947 و1954، لا يجوز للرقابة على المصنفات الفنية في مصر، الترخيص بعرض أو إنتاج أيّ عمل إذا تضمن "تبريراً لأعمال "الرذيلة" على نحو يؤدي إلى العطف على مرتكبيها". يمنع القرار نفسه في المادة الثامنة، صراحةً، "المشاهد الجنسية المثيرة أو مشاهد "الشذوذ الجنسي" أو العبارات والحركات التي توحي بذلك. أما المادة الحادية عشرة منه، فتحرم "عدم مراعاة الحصافة والذوق عند استخدام الألفاظ المقترنة بالحياة الجنسية أو الخطيئة الجنسية". تالياً، أصبحت مناقشة الأمور الجنسية نقاشاً جادياً منذ منتصف السبعينات أمراً صعباً للغاية. لكن هذا لا يمنع أن هناك الكثير من المحاولات التي جاءت لمناقشة كل تلك المسائل، على الرغم من خضوعها في كثير من الأحيان لعمليات تشويه وتحجيم يتولاها مقص الرقيب.

اولى المحاولات التي هدفت إلى رصد حالة المختلفين جنسياً، جاءت من طريق بناء شخصيات متنكرة يتقبلها الجمهور في إطار كوميدي، كما هي الحال في "بنت الباشا المدير" (1938) و"الآنسة حنفي" (1954) و"سكر هانم" (1960) و"للرجال فقط" (1964). بعد ذلك بدأت الشخصيات الصريحة المثلية في الظهور الدرامي متزامنةً مع الشخصيات المتنكرة، كما في "بنت إسمها محمود" (1975)، "أذكياء لكن أغبياء" (1980)، "صاحب صاحبه" (2002)، "يا أنا يا خالتي" (2005). وبينما تأتي الشخصيات المتحولة دائماً في إطار كوميدي لا يقر بالضرورة بوجودها مجتمعياً، تأتي الشخصية المثلية غالباً في إطار درامي وفي أغلب الأحيان تراجيدي. قد يرجع ذلك إلى أن الجمهور العربي غالباً ما يهتم بالكوميديا أكثر من التراجيديا، تالياً يكون المتحولون أكثر جاذبية من المثليين، الأمر الذي يعود بشكل إيجابي على شبّاك التذاكر. ويمكن القول حتى ان المثليين من العنصر النسائي هم أكثر جاذبيةً من أقرانهم الذكور.

المدهش في أمر الشخصيات المتحولة أو المتنكرة، ان بداياتها في مصر كانت بإيعازٍ من القائمين على شأن السياسة المصرية وبمباركتهم. فبحسب الباحث غاراي مينيكوتشي في دراسته عن المثلية في السينما المصرية، فإن هناك بُعداً آخر لشخصية المتحول جنسياً، هو البُعد الإقتصادي القومي الذي كان له حضور قوي في حقبة الستينات ويهدف الى إيصال مفهوم العمل للجميع رجالاً ونساء من أجل التقدم بالمجتمع الناصري وتغيير الأفكار المسبقة عن الجنس اللطيف. وهذا ما يمكن لمسه في فيلم "للرجال فقط" (1966) لمحمود ذو الفقار، حيث تتنكر الحسناوان سعاد حسني ونادية لطفي في زي رجالي للعمل في أحد مواقع البترول في الصحراء.
تدريجاً، راحت الشخصية المثلية في الأفلام العاطفية والإجتماعية في الإزدهار، وبدأت تأخذ شكلاً أكثر جرأة عن سابقاتها. والإزدهار هنا هو تحديداً إزدهار كميّ، أي أنه لا يعني إطلاقاً تطوراً ملحوظاً في كيفية تقديمها وهو ما لا ينفي أيضاً تطوراً جزئياً. فحقاً كانت المعالجة أكثر جرأة في كل مرة، إلا أن تحليل الشخصيات يثبت أن البناء الدرامي يعامل المثليين في أغلب الأحوال على أنهم منحرفون يعانون عقداً نفسية، يشربون الخمر، عديمو الوازع الديني، ويقضون أوقاتهم في البحث عن ملذات قوم لوط! بدأت التلميحات الجدية إلى العلاقات المثلية بدءاً من السبعينات، واختلفت المعالجة كثيراً بين مخرج وآخر. فالمثلي في سينما المؤلف تختلف النظرة إليه كلياً عن المثلي في أغلب الأفلام التجارية. وليس من الغريب أن نلاحظ أن أهم الشخصيات المثلية كانت في أفلام صلاح أبو سيف ويوسف شاهين ومن بعدهما في أفلام سمير سيف ويسري نصرالله، قبل الوصول أخيراً الى المثلي في "عمارة يعقوبيان" لمروان حامد.

النهار اللبنانية في

09.01.2014

 
 

حجيج وقشمر وخريش والهاشم وشري...

وجوه السينما الجديدة في لبنان

نديم جرجورة 

لعلّ المقولة المتداولة في الوسط السينمائي اللبناني منذ أعوام قليلة لا تزال صالحة وحيوية: هناك مخرجون لبنانيون شباب يصنعون أفلاماً يُمكن اعتبارها بمثابة إضافة نوعية إلى البناء الإبداعي السليم. مقولة مُترجمة بأفعال حيّة، أي بأفلام تستحقّ المُشاهدة الدقيقة أولاً، لكنها تستحقّ نقاشاً مفتوحاّ على الاحتمالات كلّها ثانياً. الفعل العمليّ واضحٌ بفضل مزاياه الجمالية: مواضيع حسّاسة ومهمّة ودقيقة. معالجات سينمائية تضع الصورة ولغتها في واجهة العمل، من دون التخلّي عن القراءة الدرامية للمواد المختارة. محاولات جدّية لصنّاع الفيلم الوثائقي بهدف بلورة خطابه الجمالي والسينمائي، وتحريره من تقنية الريبورتاج التلفزيوني والنضالي الجماعي
التوقّف عند النتاج السينمائي الشبابيّ لا ينحصر بالأعمال الخاصّة بمتخرّجي الجامعات. هناك شبابٌ أنجزوا «الفيلم الأول» أو «الفيلم الثاني» بعد مثابرات ومحاولات متفرّقة، كشف (الفيلم الأول أو الثاني، أو الأول والثاني معاً) وجود نواة جمالية مهمّة، قابلة لتطوير أدواتها في الاتجاه الصحيح، إذا ارتأى صاحبها استكمال بداياته بما هو أفضل وأحسن وأجمل. هذا كلّه منسحبٌ على الأنواع المختلفة: الروائي الطويل والقصير، كما على الوثائقي. ففي الأسابيع القليلة الواقعة قبيل نهاية العام 2013 تحديداً، عُرضت مجموعة من الأفلام اللبنانية القابلة لنقاش تحليلي خارج إطار «العرض التجاريّ المحليّ»، علماً أن أحدها سيُعرض تجارياً بدءاً من 23 كانون الثاني 2014، وهو روائي طويل لمحمود حجيج بعنوان: «طالع نازل». ثاني هذه الأفلام روائي طويل أيضاً أنجزته مجموعة من طلاّب «جامعة سيّدة اللويزة» في تجربة أولى في مجال الإخراج الجماعي، وهو بعنوان: «وينن» (يُتوقّع إطلاق عرضه التجاري في نيسان 2014). إليهما، هناك الوثائقي الطويل الأول لديالا قشمر بعنوان: «أرق»، وثلاثة أفلام قصيرة: الروائيان «عكر» لتوفيق خريش و«7 ساعات» لفرح الهاشم، والوثائقي التجريبي المغاير للسائد «الارتباك» لعلي شري

الاختلاف المتنوّع حاضرٌ بين الأفلام كلّها. باستثناء الفيلم الجماعي، كل واحد من الأفلام الأخرى حمل في طياته أبعاداً جمالية متنوّعة. «وينن»، الذي أخرجه طارق قرقماز وزينة مكي وجاد بيروتي وكريستال اغنيادس وسليم الهبر وماريا عبد الكريم وناجي بشارة، وقع بين فكّي كماشة: الأول إيجابي، متمثّل باختياره مادة لا تزال حيوية في الاجتماع اللبناني وهي مسألة المخطوفين والمفقودين. الثاني سلبي، متمثّل بأسلوب المعالجة البصرية والدرامية. المتتاليات البصرية المعقودة على مجموعة قصص يُكتَشف لاحقاً أنها متكاملة لم تتوطّد في سياق درامي متكامل. كل متتالية بدت كأنها مستقلّة بحدّ ذاتها، وهذا أمر حسن بالمبدأ، لكنها محتاجة إلى خط درامي يربطها في سياق واحد متكامل. غير أن المضمون مُسطّح، بل عاديّ للغاية، ومليء بالندب والبكائيات، ولا يُقدّم جديداً لا على مستوى التحليل النفسي لأهالي المخطوفين/ المفقودين، ولا على مستوى الصراعات الداخلية، ولا على مستوى البُعد الاجتماعي/ السياسي/ الإعلامي للمسألة، ولا على مستوى الجماليات السينمائية. الأسماء التمثيلية كثيرة: أنطوان ولطيفة ملتقى، كارول عبود، كارمن لبّس، تقلا شمعون، ندى بو فرحات، طلال الجردي، ديامون بو عبّود، إيلي متري، رودريغ سليمان. فصول/ مقتطفات من الوجع والقهر والمواجهة. فصول/ مقتطفات من الألم والرغبة في الخلاص والصراخ من أجل كشف الحقيقة ومعرفة المآل التي بلغها هؤلاء المخطوفون/ المفقودون. لكنّ المضمون عادي للغاية، وتجربة الإخراج الجماعي محتاجة إلى براعة المخيّلة والإدارة الفنية في صنعها. أي أن القيمة الإنسانية للنصّ المكتوب لم تعثر على ترجمة بصرية تتوازن وإياه على المستوى الجمالي.

النقيض الروائي الطويل المباشر له كامنٌ في «طالع نازل». أساساً، لا تجوز المقارنة. «وينن» ثمرة عمل جماعي لطلاّب جامعيين. «طالع نازل» محطة في مسيرة مخرج ملتزم خطّاً تجديدياً في سينما تجريبية تستمدّ من الواقع الاجتماعي مادتها الاختبارية في استخدام الصورة واللغة البصرية والمونتاج والتفاصيل. عيادة نفسية، ومصابون باضطرابات نفسية يأتونها في اليوم الأخير من السنة، وتفكيك بيئة وذوات وحكايات إنسانية متنوّعة. أحد ممثلي الفيلم هو كميل سلامة في دور الطبيب/ المُعالج النفسي. إنها تجربته السينمائية الأولى، وإن أُطلقت العروض التجارية لفيلمه الثاني «غدي» لأمين درة أولاً. كميل سلامة مثّل أيضاً في «عكر» لخريش: الأب المتسلّط والقامع، والتمزّق العائلي والانهيارات النفسية، والهجرة المتحرّرة من سلطة الأب وبشاعة الحرب، أمورٌ انكشفت مع عودة الابن وعائلته إلى البلد، ولقاء الوالد الواقف على حافة الغياب، أو فيها. اشتغال سينمائي متماسك في رسم ملامح أناس محطّمين، وفي سرد حكاية الوجع الفردي في مقاربة ذكريات وحالات. العودة إلى البلد هنا تُقابلها عودة فرح الهاشم إلى بيروت في «7 ساعات». هذه مدّة زمنية متعلّقة بالمسافة بين لبنان وأميركا. بيروت وشارع الحمرا وحضور المخرجة في الدور الأول عناوين تعكس شيئاً من حيوية الارتباط العاطفي والانفعالي والإنساني للهاشم بمدينتها هذه. علي شرّي في «الارتباك» مهموم بتاريخ الزلازل في لبنان، بقدر ما هو مهموم بلعبة السينما التجريبية، المرتكزة على إبراز قوة الصورة وجمالياتها في التنقيب داخل الهواجس والأسئلة. السرد العلمي جزء من تلك اللعبة، أو مدخل إليها. شرّي «متورّط» جمالياً بابتكار صُور سينمائية مفتوحة على مزيج الغرائبي بالواقعي. صُوره مشحونة بنقاء نصّ سينمائي مفتوح على احتمالات شتّى، وقادر على إثارة العين ببهجة الانفتاح على ما هو وراء الصُور وفيها.

«أرق» حالة خاصّة بالمشهد السينمائي اللبناني الراهن. الوثائقي المتوغّل في بيئة اجتماعية داخل بيروت، يتابع مسارات شباب منتمين إلى الطائفة الشيعية، ومقيمين في «حي اللجا». إنهم شهود على وقائع لبنانية ممتدة من الاجتماعي ـ المذهبي الخاص بهم، إلى السياسي ـ الأمني المتعلّق بالوضع اللبناني أيضاً، من دون تناسي حكاياتهم الفردية الصغيرة التي هي أهمّ وأرقى من أي شيء آخر: الرغبة في الخروج من نفق حياة يومية مثقلة بألف ألم وسؤال معلّق. الاشتغال السينمائي متكامل في جوانبه: البحث العميق والمتابعة اليومية السابقة على تحقيق الفيلم واضحان تماماً في كيفية نبش ما يعتمل في نفوس الشباب وأرواحهم وهواجسهم. المونتاج امتدادٌ لقسوة حكاياتهم ومساراتهم. محاورتهم معاً أو كل واحد على حدة استكمال سينمائي للصورة الأساسية للبيئة وناسها.

هذه نماذج تعكس شيئاً من حيوية العمل السينمائي اللبناني وتنوّعه. التنوّع مفيد. التناقض بين النتاجات، سينمائياً ودرامياً وجمالياً، ضروريّ. الأهم كامنٌ في إتاحة الفرص المناسبة لهذه الأفلام لعرضها تجارياً، ولمناقشتها أيضاً.

السفير اللبنانية في

09.01.2014

 
 

"نوح" و"مريم- يسوع" يتصدران أفلام بداية موسم صالات العرض

موجة الأفلام الدينية تجتاح سينما هوليوود بـ2014

دبي ـ عبدالعزيز الدوسري 

مع بداية كل عام تبدأ سينما "هوليوود" برسم ملامح أفلامها، وتقوم بالترويج للأفلام التي باتت على مقربة من دور العرض وصالات السينما في أميركا أو أوروبا بشكل خاص.

السينما الأميركية مثل غيرها من الصناعات التي تخضع لسياسات معينة، قد يكون بعضها ظاهرا وبعضها الآخر يحرك خيوطها من يمتلكها في الأصل ويمتلك كبرى شركات صناعة الأفلام.

في عام 2013، امتزجت أفلام هوليوود بين الخيال والأنيميشن والأكشن وشيء من الكوميديا، عبر عدد كبير من الأعمال من أهم ما عرض في حينها مثل "غرافيتي" و"ثور و"وذا هوبيت" و"المميت6" و"فروزين" و"الكفاح الأميركى" و"12 عاماً من العبودية" الذي يحكي سيرة سليمان نورثوب، الذي تم اختطافه في واشنطن عام 1841 وتم بيعه كعبد، فعمل لـ12 عاما في مزارع ولاية لويزيانا، وغيرها من الكثير من الأعمال.

أما في العام الجديد، فيبدو أن ملامحه السينمائية ستكون مغايرة بشكل كبير، خصوصا في ظل الإعلان عن مجموعة جديدة من الأفلام التي تندرج تحت إطار الدراما الدينية.

ولم يخف الإعلام الإسرائيلي تباهيه بشأن نسج غالبية سيناريوهات أهم أفلام 2014 من كتاب التوراة، ومن أهم تلك الأفلام "نوح" و"الخروج من مصر" و"آلهة وملوك" و"قابيل وهابيل" و"مريم- يسوع"، وغيرها، وجميعها مبرمج لعرضه تباعاً من بداية فبراير المقبل.

بيد أن فيلم "نوح" هو الأضخم إنتاجا بين كل تلك السلسلة، حيث يجسد الدور النجم الأسترالي راسل كرو، والذي اشتهر في فيلم "غلادييتور- المحارب" وبجانبه في الفيلم النجمة إيما واتسون، التي تجسد دور ابنته في التبني، ويعتقد أنه سيتصدر شباك التذاكر بعد إنفاق عشرات الملايين على هذا العمل.

الفيلم الثاني الذى سيعرض قريباً هو "الخروج من مصر"، حيث سيجسد كريستيان بيل، الشهير بباتمان، دور النبي موسى، فيما ستجسد سيجورني ويفر شخصية زوجة فرعون.

فيلم "آلهة وملوك" يروي سيرة النبي موسى عليه السلام، بدءا من إبحاره في النهر وهو رضيع ومرورا بتبني فرعون له إلى أن تنتهي القصة بهلاك فرعون وجنوده في عرض البحر.

أما فيلم "مريم- يسوع" فيحكي سيرة السيدة مريم العذراء لكن من وجهة نظر يهودية، ووفقاً للرواية اليهودية في التوراة، وتوقع بعض النقاد أن يثير جدلا كبيرا خصوصا لدى رجال الكنيسة في العالم، تجسد شخصية السيدة مريم، ممثلة إسرائيلية لا يتجاوز عمرها 16 عاما، تدعى "أوديا راش" من مواليد حيفا.

لكن هذا لا يعني غياب النوع الآخر من الأعمال، حيث سبق وأعلن عن مجموعة من أفلام سينمائية جديدة، ستكون في انتظار دورها بصالات دور عرض السينما ومن بينها، "فندق غراند بودابست" ويشترك فيه ويس آندرسون مع سواريز رونان، تيلدا سوانتون، إدوارد نورتون.

و"الصمت" للمخرج مارتن سكورسيزي، ومن بطولة آندرو غارفيلد، كن واتانابي، وإيساي أوغاتا، بالإضافة إلى فيلم "لحن غروب الشمس" لتيرنس ديفيس مع بيتر مولان، آغنيس داين، وإيان بيري. و"ملكة الصحراء" للألماني وارنر هيرتروغ، مع جيمس فرانكو، نيكول كيدمان، وداميان لويس، والنجم السوري جهاد عبدو. و"خريطة النجوم" لديفيد كروننبرع، مع روبرت باتنسون وجوليان مور، غاري فيشر، وميا وازيكوسكوا.

العربية نت في

09.01.2014

 
 

فصل من حياة جامع خردة..

عن التهميش الذي تفرضه السلطة على غجر البوسنة والهرسك

كاظم مرشد السلوم  

دفق من الحزن يعتريك طيلة مدة مشاهدة هذا الفيلم ، إذ يأخذك مخرجه  " دانيس تانوفيتش " إلى مكان حقيقي ، يشهد عزلة غجر البوسنة ، ومدى الفاقة والحيف اللذين  يعانون ، مكان لم تتغير تضاريسه القاسية ، ويزيد البرد القارس والجليد المكان قسوة

أبطال الفيلم هم الأبطال الحقيقيون لهذه المأساة ، عرف تانوفيتش كيف يحركهم أمام كاميرته، ليروا معاناتهم وحجم العزلة التي يعيشون وآثار الحرب التي اجتاحت البلاد عليهم ، مدى التمييز الذي يمارس ضدهم . فقدانهم للضمان الصحي والاجتماعي ، العمل في أوضع المهن ، ومنها مهنة جمع الخردة وبيعها .

يستعيد تانوفيتش المأساة ، ليجسدها الزوج نازيف مويتش ، وسينادا البمانوفيتش ، براعة أداء نازيف جعلته يحصل على جائزة افضل ممثل في مهرجان برلين السينمائي لعام 2013 ، فعارف المأساة ومن عاشها يعرف بالتأكيد كيف يعيد سردها أمام الكاميرا ، وكانت سينادا اليمانوفيتش اكثر من بارعة ، وكأن الغجر يجيدون التمثيل مثلما يجيدون الرقص البهي الذي طالما أمتعوا الناس به

عائلة غجرية تعيش في فاقة كبيرة ، لم يجد الزوج إزاءها  إلا ان يعمل كجامع خردة ، يحصل عليها من مكب لنفايات السيارات القديمة ، المبلغ الذي يحصل عليه قد لا يكفيه كفاف يومه ، ومع ذلك يشعر هو وزوجته بالرضا ، فلا أمل بالحصول على دخل أفضل في هكذا مكان قصي .

الزوجة تتدبر حال العائلة وتربي بنتين لا تكفان عن الحركة واللعب في مساحة البيت الذي بلا مساحة ، يبدو عليها آثار وسامة قديمة ، وأوشام تزين ذراعها وتعلن عن مهنتها  كونها غجرية ، لكن الفاقة والعوز وانعدام فرص العمل جعلها تبدو وكأنها عجوز أكبر من عمرها ، وازداد وزنها ، لكنها صبورة وشكيمتها عالية ، لا تريد ان ترهق الزوج الذي تعرف حجم ما يعانيه .

مأساة العائلة تكتمل بمعرفة الزوجة موت جنينها في رحمها ، وأنها تحتاج إلى عملية إجهاض لإخراجه وإلا فسوف تموت ،، من هنا يبدأ المخرج تانوفيتش طرح موضوعة التهميش الكبير الذي يعيشه الغجر في البوسنة والهرسك ، حيث لا وجود للضمان الصحي للزوجة ، ولا وجود للمال المطلوب لإجراء العملية ، ولا يبقى سوى الموت هو مصير الزوجة المحتوم ، وهذا يعني موت عائلة بكاملها .

لم يرغب المخرج تلنوفيتش باستدرار عواطف المشاهدين ، لا بكاء ولا نواح يعتري احد اً، ولا شكوى على طريقة بعض الأفلام العربية الساذجة ، بل هدوء وكفاح لحل الأزمة ، التضامن بين الغجر ، حيث يعيش أخو الزوج ، والجيران الآخرون ، تماسك الزوجة وعدم شكواها .

تعاطف الطبيبة المشفى لا يفلح باستثناء الزوجة من تكاليف العملية ، رغم الاتصالات التي تجريها مع جهات أعلى ، وإخبارهم ان الموضوع ، موضوع حياة أو موت ، إنها الاستهانة بحياة الإنسان

اللاعدالة السائدة ضد هؤلاء البسطاء تدفعهم للاحتيال ، احتيال يجعلك كمشاهد تتعاطف معه وتؤيده وتتمنى ان يمر ، وكأنك أنت صاحب المشكلة ، المأساة ، بعد عدة محاولات وذهاب إلى المستشفى ترفض الزوجة  بشدة ذهابها ثانية  إلى أي مكان ، فالرحلة بين البيت وبين المستشفى هي رحلة شاقة وسط هذا البرد القارس ، والسيارة غير المكيفة .

يهتدي الزوج إلى فكرة أن يستعير الضمان الصحي لشقيقته ، ويدعي انه لزوجته ويقدمه في مستشفى آخر ، حتى يتمكن من إنقاذ زوجته .

بعد نجاحه في ذلك تعود الحياة إلى إيقاعها القديم ، إذن لا حلول في الأفق

تانوفيتش عمل الفيلم على طريق " الديكودراما " حيث عناصره وثائقية مأخوذة عن قصة حقيقية ،ووضعه في إطار روائي فني

عناصر اللغة السينمائية ،تعامل معها تانوفيتش ببساطة ، فموجودات المكان كانت تحاكي الأحداث ولها دلالتها الواضحة ، خردة السيارات ، طلاؤها البارد ، أصوات الطرق على حديدها ، المناشير الكهربائية التي تقطع أوصالها تمهيدا لبيعها ، كل منها يحمل دلالاته الخاصة تبعا لوجهة نظر المشاهد ، وهو يختلف بالتأكيد من مشاهد لآخر .

الحوارات ، الوجوه ، المناظر ، جاءت كلها باردة ، تحاكي برودة وقسوة المكان ، ليس ثمة حوار زائد ، وليس ثمة وجوه مقحمة يمكن ان تعطي أملا أو ان تجمل المكان ، لأن الحكاية حقيقية وهؤلاء أبطالها ، وهم هكذا سواء في الفيلم أم في الواقع .

تانوفيتش يقدم رصدا رائعا لحجم معاناة الإنسان في البوسنة والهرسك ، حيث التهميش الكبير ربما ليس للغجر وحدهم وإن كانت حكاية الفيلم تتناولهم تحديدا .

كذلك فان مثل هكذا حكاية قد نجد لها حكايا مشابهة في أماكن وبلدان عديدة أخرى ، خصوصا تلك البلدان التي لا يسلط احد الضوء على مأساتها . وهي حكاية لبلد ربما لا يعرف الكثير عنه، ويأتي الفيلم ليقول هذا ما يحصل في بلد اسمه البوسنة والهرسك...

الفيلم حصل على جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي ، وعرض في مهرجان أبو ظبي السينمائي السابع .

وسبق لمخرجه دانيس تانوفيتش أن حصل على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن فيلمه المهم " أرض محايدة " .وكذلك جائزة السيناريو في مهرجان كان السينمائي

من أفلامه أيضا ، سيرك كولومبيا ، الجحيم ، فرز .

فيلم فصل من حياة جامع خردة يؤكد أن السينما ،، لا تخضع لشرط التوفر على الإمكانات التقنية العالية ، والممثل النجم المحترف فقط ، بل إن حكاية حقيقية بمعالجة فنية وسرد صوري متميز ، قد تنجز فيلماً مهماً ، كما هو في هذا الفيلم .

المدى العراقية في

09.01.2014

 
 

ثيمته الصراع بين الأفكار القديمة والقيم الإنسانية

فيلم {قبل سقوط الثلج» لهشام زمان

كاظم مرشد السلوم  

من الأفلام السينمائية العراقية المهمة التي عرضت في مهرجان أبو ظبي السينمائي في دورته السابعة، وحاز جائزة أفضل فيلم من العالم العربي ضمن مسابقة آفاق جديدة هو فيلم المخرج الكردي هشام زمان " قبل سقوط الثلج ".  الفيلم يؤكد حرفية صانعه هشام زمان  ابن كركوك الذي خبر الأفكار القديمة وربما عاش تحت وطأتها، تلك الأفكار المنضوية تحت وطأة  أشد عتمة هي وطأة الدكتاتورية التي حرصت على أن تبقي الشعب العراقي أسير هذه الافكار، ونجحت في ذلك الى حد كبير، إذ لايزال الكثيرون يعيشون وفق ما تمليه عليهم هذه الافكار

وفق مقولة لايسلم الشرف الرفيع من الأذى، يبدأ هشام حكاية فيلم " قبل سقوط الثلج" العنوان له دلالته التي تمتد طيلة فترة  عرض الفيلم البالغة 105 دقائق. متخذا من احدى قرى كردستان العراق مكانا ومادة لحكايته.

هشام يؤكد هنا ان قرى كردستان لا تزال ترزح تحت وطأة تسلط الأغوات، ولم تنفع فترة الاستقرار الكبير الذي توفر في هذا  المكان منذ العام 1991 في تخفيف أو تجاوز سلطة الأفكار القديمة

"سيار" شاب يافع فلاح يعيل عائلته بعد وفاة والده، شكله يدل على عدم نضوجه فهو مازال في أوج مراهقته، وملامحه تدل على تعصب قروي سيظهر طيلة فترة الفيلم ولكن قبل سقوط الثلج !!

أحد الاغوات يخطب اخت سيار لابنه، لكن يبدو ان الفتاة لها علاقة بأحد شباب القرية، أكثر انفتاحا من غيره، بعد موافقته على الزواج يكتشف سيار هرب اخته مع احدهم، من هنا تبدأ رحلته، رحلة البحث عن شقيقته الهاربة لغرض قتلها غسلا للعار وفقا للعرف العشائري، وكذلك رحلة التغيرات الكبيرة التي ستطرأ على شخصيته فيما بعد نتيجة اطلاعه، بل اصطدامه بعوالم  لم يعشها، عوالم أكثر سعة تحتوي على كل ما يبهره، وهو الفلاح الذي لم يسبق ان مد بصره أبعد من الجبال المحيطة بقريته، ويطلع على عادات ربما تستوجب وفقا لنظام العشيرة وحكم الاغوات عقوبة القتل لمن يمارسها

مجازفة خطيرة كادت تودي بحياته، متمثلة بطريقة اجتيازه للحدود العراقية التركية، من خلال تهريبه بأحد صهاريج النفط الخام، ولف جسده كاملا بشريط لاصق، إذ يتوجب عليه النزول بكامل جسده داخل البترول، أثناء تفحص حرس الحدود للصهريج، واعتقد أن بناء هذا المشهد كان من الصعوبة بمكان على الممثل الشاب طاهر عبد الله طاهر، الذي لعب دور سيار بطل الحكاية

اجتيازه للحدود يمثل انتقالا لعالم آخر غير عالمه، عالم سيصادف فيه الكثير من المفارقات، تلك المفارقات التي ستغير الكثير من قناعاته فيما بعد .

ايفين هي الفتاة التركية المراهقة التي تختبىء بملابس الصبيان لتتمكن من العيش وسط اطفال الشوارع والعمل كصباغ احذية، ظهورها مصادفة في حياة سيار، هو الانهيار الاول لثوابت طالما آمن بها، اذ لايستطيع التخلي عنها الى نهاية حكايته.

يستطيع التوصل إلى مكان اخته وزوجها، بوشاية من الشاب القروي الذي سبق وان ساعدهما على الهروب من القرية، لكنهما يتمكنان من الهرب، ليعرف فيما بعد ان وجهتهما هذه المرة الى المانيا، التي ينجح في الوصول لها، بصبحة ايفين المراهقة التي تصر على مرافقته بحثا عن أبيها الذي تركها وأمها منذ فترة طويلة ليتزوج بأمرأة المانية.

إيقاع الحياة في المانيا مضافا الى ماشهده في تركيا، كان لهما التأثير الكبير في تغيير قناعاته، لكن المتبقي منها يجبره على مواصلة رحلة البحث واسترداد شرف العائلة الذي هتكته شقيقته

الشعور بالحب، وتقربه من ايفين، تشابه قصتهما، هدفهما في البحث، الضياع في المانيا وقبلها في تركيا، خذلان والد ايفين لها بعد ان وجدته حين يخبرها انها ليست ابنته، بل هي ابنة صديقته وادعى انها ابنته لسبب انساني ليس إلا، كل ذلك جعل منه "سيارا" جديدا غير سيار القروي، ولم يعد يعرف ماذا سيفعل حين يصل الى اخته .

يسافران الى اوسلو بمساعدة المهربين، هناك في احدى الغابات يلقى القبض على الجميع، ولا احد يرضى أن يعترف من هو المهرب، ولان التحقيق، ربما العنيف مع ايفين، جعله يعترف ليكمل رحلته الى اوسلو، هناك يعثر على عنوان اخته التي تعيش مع زوجها على أطراف المدينة، دون علمه ان ثمة أشخاصا يلاحقونه يريدون قتله بسبب اعترافه على المهربين

بيت منعزل يحيط به الثلج من كل جانب، رسم هشام هذا المشهد بدقة وحرفية عالية، سيار يطلب من ايفين التي اصبحت لا تعرف اي انسان غيره، رابطة كل مصيرها به، ان تنتظره في محطة باص ، حيث سينجز مهمة ما ويعود، يصل الى البيت يراقبه، يشاهد خروج اخته ذاهبة الى العمل، يفاجئها، يشهر سلاحه لقتلها، لكن ماشهده طيلة هذه الرحلة الطويلة، وتغير قناعاته وانهيار ثوابت طالما امن بها في داخلة، علاقته بايفين، يجعله يعفو عنها ويطلب منها الذهاب، لكنه لم يكن يعرف انه مراقب، ثمة احد ما يتربص له ، ليفاجئه ويطعنه بسكين، ويقتله، ويتركه ملقى على الثلج، الثلج المتراكم قبل سقوط الثلج الذي سيغطي جسده. والذي كان يتمنى ان ينهي مهمته قبل سقوطه.

ايفين وحدها تراقب الطريق الموحش الذي بدأ تساقط الثلج يزيد من وحشته، بانتظار من لايعود.....

قبل سقوط الثلج فيلم طريق لأبطال مجهولي المصير، أبطال غير ناضجين،  لم ينفع نضوجهم المتأخر من إنقاذهم من حتمية نهايتهم، تلك النهاية التي سببتها أعراف وتقاليد بالية مازالت تخيم على شعوب عدة، ربما لعقود قادمة ايضا .

في المشهد الأخير في الفيلم نسمع صوت زغاريد وتصفيق لنشاهد شقيقة سيار الصغرى تزف الى ابن الآغا، مشهد اراد هشام من خلاله ان يقول ان مايحكم هذا المكان والاماكن التي تشبهه باقية لاتتغير

ممثلو هشام زمان تعاملوا مع الموضوع ومع الكاميرا بعفوية المراهقين، طاهر عبد الله طاهر، سوزان ألير، بهرا اوزان، وبالتأكيد كان لهشام الفضل في تحريكهم.

هشام جعل كاميرته تتحرك بعفوية مشابهة لعفوية ابطاله، لذلك لم يكن فيها الكثير من التكلف، بعض المشاهد جاءت لتظهر جمال قرى كردستان، ووحشة جبالها ووعورة طريقها، وذلك متأت من الحالات النفسية لأبطاله، المكان يكون معاديا او اليفا تبعا للمعادل النفسي أو للمزاج من يعيش فيه .

هشام زمان طرح أسئلة وجودية، لكائن بسيط يقع تحت ضغط نفسي ، خاضع لشروط اجتماعية قاسية.

الوطن الجزائرية في

08.01.2014

 
 

السينما تستعيد محنة عمال المناجم في تشيلي 

في عمق منجم ملح رطب في كولومبيا يقوم فريق من مائتي شخص، من بينهم الممثل الاسباني انطونيو بانديراس بتصوير فيلم يستعيد في السينما، المحنة الكبيرة التي عاشها 33 عامل منجم علقوا مدة 69 يوما تحت الارض في عام 2010 في صحراء اتاكاما في تشيلي.

ووسط حرارة مرتفعة جدا يتمرن 33 ممثلا من عدة دول ويصورون مشاهد فيلم "ذي 33" الذي يستعيد القصة غير المعقولة لهؤلاء العمال الذين علقوا على عمق اكثر من 600 متر تحت الارض بعد انهيار منجم نحاس في سان خوسيه على بعد 500 كيلومتر شمال سانتياغو.

ويوضح غريغ بريان احد الناطقين باسم منتجي الفيلم الأمريكيين "الامر لا يتعلق بالتحدي الجسدي الذي عاناه الرجال الثلاثة والثلاثون، بل ايضا الطابع العاطفي وعدم معرفتهم ان كانوا سيموتون او سيعيشون او انهم سيصابون بالجنو".

واختار القائمون على الانتاج موقعين واقعين على بعد خمسين كيلومترا من بوغوتا، حيث لا يمنع طوق امني الفضوليين من التجمع املا برؤية احد النجوم. الا ان انتظارهم خاب.

في منجم نيموكون الواقع على ارتفاع 2600 متر تساهم الرطوبة والانغلاق وقلة الاوكسجين في استعادة الاجواء الضاغطة التي رافقت هذه الحادثة.

كبسولة خاصة

ويروي الفيلم عملية الانقاذ بفضل كبسولة خاصة، لمجموعة من عمال المناجم قادهم ماريو سيبولفيدا الذي يتمتع بشخصية كاريزماتية. ويؤدي دوره في الفيلم النجم الاسباني انطونيو بانديراس.

وتحت اشراف المخرجة المكسيكية باتريسيا ريغن، يتصبب الممثلون عرقا وعلى اختصاصية الماكياج قبل كل مشهد ان تقوم بجهود كبيرة.

ويقول لوي دايموند فيليبس، الذي يقوم بدور قائد مجموعة عمال المناجم دون لوتشو، الذي تمكن بفضل سلطته ان ينظم تقنين الاكل خلال معاناتهم الطويلة، الاجواء المسيطرة حقيقية ولا نحتاج الى ان نمثل، ومسألة الاكل طرحت احد التحديات الرئيسية امام المنتجين خلال التصوير، اذ ان عمال المناجم فقدوا الكثير من وزنهم خلال محنتهم، اذ اكتفوا باكل بضع علب التونة وبعض الحليب.

وتوضح انا لوزانو مسؤولة الماكياج "الاكثر تعقيدا كان اظهار فقدان الوزن هذا"، مشددة على انه رغم الحمية التي اتبعت لم يتمكن اي من الممثلين ان ينقص وزنه بقدر ما فقد عمال المناجم انفسهم.

مؤثرات الظل والنور

واضطر فريق الفيلم الى التصوير مع مؤثرات الظل والنور، وقد استعان ايضا باطراف اصطناعية خاصة لابراز عظام الوجه.

وقام المنتجون ايضا بعمل كبير يتعلق بالتوثيق، فثمة ما لا يقل عن 15 غيغابايت من المعلومات بما في ذلك التقارير الطبية لعمال المناجم هؤلاء.

وقد سمحت تجهيزات مصنوعة من المطاط بمحاكاة عمليات الاحمرار والحساسية التي انتشرت على جلدهم.

بعد هذه المحطة الكولومبية يتوجه فريق التصوير مطلع عام 2014 الى تشيلي لتصوير المناظر الخارجية في صحراء اتاكاما المهيبة، على ما اوضح غريغ بريان مشيرا الى ان التصوير سيتم في المواقع الاصلية.

ففي هذه المرحلة الثانية، يأتي دور الممثلة الفرنسية جولييت بينوش التي ستؤدي شخصية شقيقة العامل داريو سيغوفيا منظمة المخيم الذي اقيم قرب المنجم. وقد اطلق عليه اسم مخيم الاملوكان موقعا اتحدت فيه عائلات العمال الثلاثة والثلاثين.

ويختم بريان قائلا: الفيلم لا يكتفي بالاحداث فقط. فهو يعالج قضايا الناس في اعلى السلم واسفله الذين بقوا قرب احبائهم وحافظوا على الامل بمساعدتهم فيما كانت عملية الانقاذ تبدو مستحيلة.

الا ان الفيلم الطويل لن يروي ما حصل بعد نهاية القصة.

عين على السينما في

08.01.2014

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)