سينماتك

 

السينما الروسية  بين الماضي والحاضر

محمد عبيدو

 

 

 

سينماتك

كانت هنالك ارهاصات قليلة لتناول السينما تناولاً فنياً قبل الثورة البلشفية بروسيا. ففي 1913 قدمت مجموعة من الفنانين المستقبليين، من بينهم الشاعر فلاديمير مايكوفسكي، قبيل وفاته في 1917 الذي حاول ان يجرب معالجة موضوعات واقعية معاصرة، في حدود الإطار التجاري لاستوديوهات خانجنكوف التي كان يعمل بها.

وفي العام نفسه أيضاً استغل ياكوف بروتا زانوف (1881 ـ 1945)، وهو مخرج متمرس، حالة الاسترخاء في الرقابة ليقدم فيلماً عن رواية تولستوي «الأب سيرجيوس»، وجاء الفيلم متجاوزاً بكثير لنمط الانتاج الروسي المألوف وقتها من حيث نضج الأداء التمثيلي والمناظر والمعالجة النفسية وأسلوب الحكي.

وكان عمل هذين الرجلين، إنما كان يشير الى الاتجاه الذي ستأخذه الأفلام في روسيا السوفييتية فيما بعد. فزيفليود ميير خولد (1874 ـ 1940)، أكثر شخصيات عصره إبداعاً وإثارة للجدل في المسرح الروسي، فجأة يتراجع عن تصريحاته القديمة أن السينما لن تصبح فناً على الاطلاق ويقوم بعمل فيلمين لمؤسسة ثايمان ورينهارت: «صورة دوريان جراي» (1915)، و«الرجل القوي» (1915).

لقد فُقد الفيلمان كلاهما فيما بعد، ولكنهما تركا أثراً قوياً في السينما من خلال تأثير مفهوم ميير هولد الشديد التفرد عن الإخراج السينمائي على الفنانين الذين شاهدوا الفيلمين آنذاك،

وكان لدروسه التي نقلها لتلاميذه في الاستوديو في بداية العشرينيات آثار بعيدة المدى على تشكيل وتطور السينما السوفييتية.

بعد ذلك بقليل جاء ليف كوليشوف (1899 ـ 1970) الذي كان آنذاك مجرد مصمم مناظر شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة، وقام بنشر سلسلة مقالات عن نظرية الفيلم وكان لكوليشوف ونظريته عن السينما، السابقين لعصرهما بكثير، ان يلعبا دوراً تكوينياً مهماً بعد سنوات قلائل.

أعطت ثورة أكتوبر 1917 للسينما دوراً جديداً كلية باعتبارها طاقة اجتماعية تربوية ضخمة. قال لينين «إن السينما هي أهم الفنون جميعاً بالنسبة لنا».

كماظهر المخرج فزيفولد بودوفكين 1893 ـ 1953. هو احد الأربعة الكبار للسينما  السوفييتية في العصر الصامت.. مع ايزينشتاين ودوفيجنيكو وفيرتوف. ومن روائعه ثلاثة افلام صامتة اتخذ لها موضوعاً واحداً هو نشوء الوعي ويقظة الضمير: عند عاملة عجوز في فيلم «الام» 1925، عن قصة جوركي الشهيرة، وعند فلاح شاب اصبح جندياً في فيلم «نهاية بطرسبورج» 1927.

وعند بدوى آسيوي في فيلم «ابن جانكيزخان ـ او عاصفة على آسيا» 1928. وفي نفس تلك الفترة وضع عدداً من الاسس النظرية الهامة لفن الفيلم، مبتدئاً على الخصوص من تعاليم استاذه كوليشوف.. وقد جمعت فيما بعد في كتاب بعنوان «حرفية الفيلم». ومع ظهور الفيلم الناطق لم يقدم بودوفكين شيئاً يوازي في القيمة افلامه الصامتة الرائعة، فيما عدا فيلم «الحصاد» 1953. وقد عمل بودوفكين ممثلاً في عدد من الافلام من بينها فيلم «ايفان الرهيب» ـ اخراج ايزنيشتاين عام 1945.

والكسندر دوفجينكو 1894 ـ 1956. هو أعظم شاعر ملحمي ظهر في السينما. انه يمزج التيمات الخالدة للحب والموت والخصوبة في سلسلة من الاناشيد الغنائية يكرسها لبلده.. كان رساماً وكاتباً حينما هجر كل شيء وهو في الثلاثين ليصبح سينمائياً. من روائع أفلامه الصامتة: «رفينيجورا ـ 1928»، «الترسانة» ـ 1929، «الأرض» ـ 1930، «الناطقة»: «ايروجراد» ـ 1935، «القائد شتشور ـ 1939، «ميتشورين».

وسيرغي غراسيموف 1905 -1985 وهو ممثل ومخرج سينمائي روسي بارز حاز على جائزة لينين وجائزة الدولة , وفنان الشعب في الاتحاد السوفياتي السابق، وترتبط باسمه صفحات عديدة من تاريخ السينما السوفيتية التي وهب لها أكثر من 60 عاما من نشاطه الابداعي.. وكان غراسيموف منظرا ساهمت ابحاثه وكتبه بقسط كبير في علم السينما واسس الاخراج السينمائي.

وقدم مجموعة من الأفلام الهامةالتي تعتبر بصمات في السينما السوفييتية ابتداء من "الشجعان السبعة" و"كومسمولك"و"المعلم". و"الحارسة الشابة".. وفي عام 1985, انهى غيراسيموف ثلاثية طويلة مقتبسا رواية "الدون الهادئ".

كما قدمت السينما السوفييتية مخرجين بارزين أصبحوا علامات في السينما العالمية واثروااللغة السينمائية بافلام متميزة  مثل اندريه تاركوفسكي ونيكيتا ميخالكوف.

منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي خرجت السينما الروسية من حلبة المنافسة في ظل غياب التمويل، والأفكار البناءة وفد جاءت التحولات الجديدة بعد البيروستريكا على بنية تحتية قوية بالنسبة لعدد الاستوديوهات ودور العرض السينمائي والميزانيات المالية الضخمة مما ساهم في انتشار الموجات السينمائية الاستهلاكية في السنوات الأولى للبيرويسترويكا.

قال رئيس تحرير مجلة الفيلم السوفيتي سايقا والاستاذ في معهد السينما أرمين مدفيدين: "لقد تقلص الانتاج السينمائي من 170 فيلما سنويا في آخر سنوات ما قبل البيسترويكا الى 30 فيلما فقط في السنة.. وبالرغم من ان هذا العدد لايمثل 20 % من الانتاج السابق الا أن الدولة ترصد له مبلغا ضئيلا لايتعدى 10 ملايين دولار".

واضاف "لقد انتظرنا الرأسمال الوطني للمساهمة في استمرار مسيرة السينما الا أننا فوجئنا بأنهم يريدون سينما خاصة بهم, وسريعة الكسب, بل اشترى العديد منهم بعض دور العرض على ألا يحولوها الى مؤسسات تجارية, ولكننهم نجحو في التحايل على القانون".

 كانت صالات روسيا السينمائية تعرض أفلام هوليود في الوقت الذي تم فيه في عام 1997 إنتاج 12 فيلما وطنيا فقط.

ويعزي المدير العام لاتحاد شركات "موسفيلم" الروسية كارين شاهنزاروف هذه الحال إلى عدة أسباب موضوعية منها: عدم حماية السوق المحلية حيث لا توجد هناك حصص معينة لعرض الأفلام الأجنبية. والأفلام الروسية لا تستطيع في الوقت الحاضر منافسة مثيلاتها الأمريكية خاصة وأن المشاهدين من الشباب الذين يواظبون على ارتياد دور السينما يتجهون، أصلا، إلى مشاهدة الأفلام الأمريكية.

تسعى ستوديوهات “موسفيلم” الروسية التي تعد واحدة من اكبر المدن السينمائية المعاصرة في اوروبا الى تجديد شبابها والدخول في معترك الابداع السينمائي العالمي.

وتشتمل مدينة “موسفيلم” الواقعة في واحدة من ارقى وأغلى المناطق في العاصمة الروسية على مجسم بالحجم الطبيعي لوسط موسكو في الثلاثينات حيث تتوافر الامكانية للمخرجين السينمائيين لتصوير افلام تاريخية وسياسية من دون الكثير من العناء اوالديكورات الاضافية.

ولا يكمن الانجاز الاهم بالنسبة لموسفيلم في تطوير الجانب الفني والقدرات التكنولوجية في هذه المؤسسة بقدر ما يكمن في الحفاظ على هذه القلعة الثقافية الابداعية في زمن الخصخصة حيث امتدت ايدي اخطبوط المال الى جميع المرافق.

ويعود الفضل في ذلك الى مدير مؤسسة موسفيلم المخرج السينمائي كارين شاهنازاروف الذي اصر على وضع المؤسسة تحت اشراف الدولة وضمن الاملاك الفيدرالية بالرغم من تخلي الدولة منذ سنين طويلة عن تمويلها وتركها تواجه مصاعب الحياة بقدراتها الذاتية.

ان موسفيلم قدمت للسينما العالمية ابداعات فنية مثل فيلم “الحرب والسلام” وفيلم “موسكو لا تصدق الدموع” الذي حصل على جائزة اوسكار.

وكانت السينما الروسية قد عانت ازمة مالية وأدبية شديدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وغياب الافلام التي كانت تستمد من الايديولوجية الاشتراكية قوة وأغرق المنتجون التجاريون الاسواق بأفلام رخيصة ليس فقط من الناحية المادية بل والادبية وحصروا موضوعاتها في الخلاعة والجريمة والمخدرات مما جعل الافلام الامريكية لعقد من الزمان هي الافلام المفضلة في السوق الروسية سواء في دور العرض او الفيديو.

وحاول بعض عمالقة الاخراج الروس الانقاذ من خلال اعمال سينمائية جادة لكنها ظلت يتيمة مثل فيلم نيكيتا ميخالكوف “حلاق سيبيريا” و”فارس الموت” للمخرج كارين شاهنزاروف.

ولكن مع بداية 2001 بدأت دور السينما الروسية في العودة الى وظيفتها الساسية في عرض الأفلام السينمائية بدلا من عرض الملابس المستوردة والاثاث, ووفقا للاحصائيات كان عام 2003 هو بداية الانطلاق الحقبقبة على مستوى الانتاج, اذ تم انتاج أكثر من 75 فيلما. وتميز هذا العام ايضا بأنه دشن مرحلة تكامل روسيا مع المجال السينمائي العالمي . حيث برزت النجاحات الملموسة فقد حصدت الأفلام الروسية العديد من الجوائز الدولية في السنوات الأخيرة ومنها: أفلام "العودة" للمخرج أندري زفياغينتسيف، و"منزل الحمقى" للمخرج أندري كونتشالوفسكي، و"العشيق" للمخرج فاليري تودوروفسكي، و "الحرب" للمخرج الكسي بالابانوف. و"بارك الله المرأة" الحاصل علي جائزة الهرم الفضي في مهرجان القاهرة.

كما ظهر الكثير من المخرجين الموهوبين الذين أبدعوا الكثير من الأفلام الخاصة بالشباب. فقد اهتمت الصحافة الأمريكية بفيلم "بومير" للمخرج بيوتر بوسلوف البالغ الثامنة والعشرين من عمره بينما كتبت الصحافة الأوروبية عن المخرج الشاب ذي الـ 34 عاما اندري بروشكين مخرج فيلم "ألعاب الفراشات".

ويعتقد المراقبون ان فترة السبات في السينما الروسية الحديثة قد انتهت وان احد الاسباب المشجعة على ذلك عودة المشاهد الروسي الى دور السينما ورغبته في مشاهدة افلام جادة تعالج او تناقش على الاقل قضايا الساعة الملحة.. وتخطط الدولةالروسية لحل مشكلة انتاج 100 فيلم روائي طويل مع حلول عام 2006, رغم أنها مهمة صعبة في ظل المشكلات القاثمة. 

obado@scs-net.org

شاعر وناقد سينمائي سوري

1 مايو 2006

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سينماتك