حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

سينماتك في مهرجان أبوظبي السينمائي

فيلم "القصص موجودة حين نتذكرها":

حين تكون الرواية –في فيلم روائي- مجرد عنصر من عناصر الفيلم

بقلم: محسن الهذيلي

 

Stories Only Exist When Remembered

القصص موجودة حين نتذكرها

إخراج جوليا موراتشي

البرازيل, الأرجنتين, فرنسا | 98 دقيقة | البرتغالية

أمام لغته السينمائية الناضجة وشعريته العالية وتماسك عناصره المختلفة يصعب أن نصدّق أنه الفيلم الأول لمخرجته الشابة جوليا مورات (32 عاماً). تقدّم لنا مراد حكاية بسيطة، قليلة الأحداث، بل تقوم أحياناً على التكرار الرتيب لأحداث عادية، ومع ذلك فإن الفروقات البسيطة التي تنسجها في كل مشهد، ومع كلّ تكرار، تمنح الحكاية المزيد من العمق والدلالات، لنجد أنفسنا في النهاية أمام حكاية كبرى من حكايات الحياة والموت والخيط الرفيع بينهما.

 

يصور الفيلم الطويل الأول لمخرجته البرازيلية "جوليا مورات" موضوعة الموت، ويصف لنا زمانا-مكانا أو زمكانا رأينا فيه (رغم "حيوية الكائنات") الموت في كل صفاته وأسمائه. وقد وظف الفيلم كل العناصر والبهارات التي تجعلنا لا نفكر إلا في هذا الموت وننسى الحياة وكل ما يربطنا بها حتى ونحن نرى بعض كائناتها وشخوصها في الفيلم نفسه، وتمثلت تلك العناصر والبهارات في التالي: الممثلين الذين كانوا كلهم شيوخا وعجائز ذوي وجوه مجعدة وحركات مرتعشة ونصف متوازنة، الأماكن ذوات الألواح المشققة الكالحة المرسلة أصواتا مبحوحة، الفراغات التي تحيط بالمكان بحيث نراه شاغرا إلا من بعض الوجوه المعدودة التي لا تصنع عمرانا، الظلام الذي كان يحيط بتلك الأماكن والكائنات والوجوه طيلة نصف وقت الفيلم، الموسيقى الكلاسيكية أو الدينية الحزينة التي كانت تملؤ فراغ المكان الفارغ رهبة، صوت المكان الذي عبرت عنه الفتاة الشابة الوحيدة في الفيلم بأنه صمت لم تعرفه ولم تسمعه في حياتها، الصور (التي أخذتها الشابة المصورة نفسها) وقد بدت رغم أنها في الأسود والأبيض كالحة مثل الزمن المنصرم، أصوات الممثلين وخاصة حين يجلسون للأكل وقيامهم بالدعاء في همس مبحوح كان دليلا على عالم الموت، الكنيسة التي كتب على جدرانها أسماء الأشخاص الذين مروا بها والحاضرين فيها بتاريخ ولاداتهم ووفياتهم، بعض تفاصيل الحوار التي تمت الإشارة فيها إلى الموت أو إلى الماضي المنصرم الذي لا يعود وموت الصغار فيه والكبار، هناك مسألة أخرى: انعدام الحركة في المحيط القريب متمثلة خاصة في تلك السكة الحديد المعطلة التي كانت بطلتنا العجوز تمشي عليها تأدة وهي تعرج مطمئة، فلا قطار يمر من هناك، وهنا نشعر بانقطاع عالم شخوصنا عن عالم الخارج، القطار رأيناه في مشهد لاحق مع "الصبية الوحيدة في الفيلم" معطلا لا يتحرك، هو الآخر في تصدئه تفوح منه رائحة الموت. إن الموت والإشراف عليه كنا نراه خاصة في اجتماع تلك القلة القليلة من العجائز والشيوخ وانتظارهم ساعة النهاية، وكنا نبحث كلما توغلنا في الفيلم عمن طاب قطاف ثمرته، وبما أن العجوز هي الأقرب إلينا من بين شخوص الفيلم جميعا فإن أول من فكرنا في موته هي، ثم عندما تحدثت وقالت أنها خائفة من الموت، كان ذلك بمثابة أنها اختيرت له وأنها ترفضه، ولكنه مصيرها، ليس الطبيعي وحسب وإنما التراجيدي أيضا، وذلك حسب تراجيديا الفيلم ذاته وتطورها، هذا الفيلم الذي نجح سلفا في رمي كل شخوصه بداء الموت بما فيهم تلك الصبية الوحيدة، المصورة التي مرت "صدفة" بالمكان فأعجبتها فرادته وأرادت أن تصوره، ولكن المكان الذي وجدته جميلا قابلا لصور جميلة ليس صورا وحسب، لذا "مع الوقت" بدأ المكان بكل عبقه للموت يجثم على صدرها وبدأت تضيق بهدوئه ورتابة موته ضرعا، وكانت لاتزال تأمل بما أنها شابة ومصورة وشاهدة على المكان أنها ليست ميتة مثل الآخرين، ولكن فكرة الموت ليست بالأمر الذي لا نلقاه إلا ونحن كبارا، كما أنها فكرة يمكن أن تطرح لدينا فلسفيا حتى وإن كنا صغارا، وكي لا تسقط فتاتنا تحت هذا الشعور والأفكار الغليظة هربت من هدوء المكان إلى الموسيقى الصاخبة (التي اصطحبتها معها) والرقص عليها وكذلك إلى الخمرة، في آخر عهدها مع العجوز التي استضافتها في بيتها وعلمتها كيف تصنع الخبز وجدت الصبية نفسها تصورها عارية جثة هامدة، وقد جاءت صورة العجوز المتوفاة مثل شبح اختلطت قسماته بخطوط المكان القديم الصامت صمت الصورة بعد أن كان صامتا صمت السينما في الفيلم.

تقنيا صورت المخرجة نصف فيلمها كما قلنا في الليل وفي الظلام، حيث كنا نرى -دون المكان- الشخوص والأشياء والكائنات التي تسلط عليها الأضواء المثبتة، والمخرجة كانت تقوم في أحيان كثيرة (بتوفيق كبير) باختصار الإضاءة على الشخوص وخاصة وجه العجوز بطلة الفيلم فترينا تفاصيل أحاسيسها، وكانت الإضاءة تميل إلى لون حار وهو البرتقالي الذي يرمز في الحقيقة إلى الغروب والنهاية، واللون البرتقالي حين يتعلق بوجه الإنسان يكون قريبا من الأصفر لون موتنا.

نصف الفيلم الآخر الذي صور في النهار، على عكس نصف الليل، أرانا التفاصيل ولكنها تفاصيل الألوان الكالحة والخدوش القديمة على الجدران والأبواب والأعشاب الطفيلية النابتة في غير مكانها والأبواب المصدوءة الموصدة أغلاقها مثل المقبرة في الفيلم.

تقنيا أيضا نجح الفيلم في عمله الصوتي بحيث تكامل مع ما كنا نشاهد من صوره الحسنة جدا، فالأبواب القديمة كانت ترسل أصوات أبواب قديمة والأماكن الخالية كان يمكننا أن نسمع فيها كل صوت مهما كان خافتا وخاصة صوت الطبيعة الغائب في الأماكن العامرة، لأن العمران والحياة يخمدان أصوات الكائنات الضعيفة.

بالنسبة لأداء الممثلين فإن الإختيار كان موفقا، اعتمد الكاستينغ على أربع ممثلين محترفين فقط ولكن على شخصيات كلها شيوخ وعجائز هرمين حقا، فكانت حركاتهم تلقائيا حركات عجائز (وهو ما أعطى إيقاع الفيلم) وكانت أصواتهم تلقائيا أصوات عجائز وكانت أنفاسهم تخرج حرجة مثل أنفاس العجائز. ولعل رجل الدين كان أصغر هؤلاء العجائز عمرا فكانت لحيته الكثة البيضاء تعبيرا عن خريف العمر، كما أن قلة حديثه وإطراقه أثناء دعاء ما قبل الأكل كان يشير إلى أنه مع الكل على سبيل موت، نظرته كانت أكثر نظرات جماعته تيها، لأن الانتظار للموت واستقبال الموت بوعي ديني وفلسفي ليس أمرا هينا.

بعد كل هذا التوفيق والنجاح في تصوير علامات الموت والنهاية والزوال والقدم (إبتداء)، جاءت الحكاية التي أخرجت الفيلم من أن يكون فيلما وثائقيا لتسجله كفيلم روائي.

الحكاية كانت أيضا من أجل إبعاد بعض الملل وربما الضيق الذان يمكن أن يتولدا عند المتفرج الذي ربما ينفر من كل هذا الحضور القوي للزوال.

صورت الحكاية علاقات إنسانية، خاصة بين البطل والبطلة العجوزين وبين تلك الصبية وتلك العجوز التي احتضنتها واستقبلتها في بيتها ثم بين الصبية وذاك الشيخ الأسود، اعتمدت القصة كثيرا من النكتة والفكاهة، الهدف من ذلك كان أيضا الترويح وشد المتفرج.

ولكن الحكاية وخاصة الحوارات المقتضبة والمتفرقة على طول الفيلم لم تطرح نفسها على أنها الرواية التي تهيكل جسم الفيلم، أبدا، فالفيلم مكتمل تقريبا بجوه للموت الذي يفوح في كل تفاصيله، هدف الحكاية كان مختصرا جدا، كان يريد أن يساعد على أن يبقى الجمهور مشدودا للفيلم أكثر ما يمكن حتى ينغمس بهدوء ورضا ودون ممانعة في عالم الموت الرهيب.

في آخر الفيلم وعندما ماتت العجوز التي كانت المسؤولة عن إحضار الخبز، (وهي التي علمت الشابة هذه الحرفة) اجتمع الشيوخ والعجائز آخر الفيلم أول اليوم (وقت الإنبعاث) أمام البيت وحين أرادت الصبية المغادرة وقفوا دونها ليخبروها أنها لم تعد قادرة على "الرجعة" لأنها الوحيدة القادرة على إعداد الخبز للمجموعة. مع هذه النهاية ومع رمزية الخبز في الدين المسيحي يترسخ لدينا إحساس لم يكن بعيدا عنا طوال مشاهدتنا للفيلم وهو الآتي: الوقت الذي صوره الفيلم لم يكن في الحقيقة وقت الإنتظار وإنما هو وقت الزمن الماضي، كل ما كنا نراه في المكان، من الأشياء التي فيه إلى كائناته وبشره، كل الذين كانوا يشبهون في حياتهم ظاهريا حياتنا وشخوصهم ظاهريا شخوصنا إنما كانوا موتى مثل المكان وجزء من الماضي الغابر، وتؤكد هذه الفكرة تلك المقبرة المغلقة ذات الباب الموصد والقفل المصدوء، فالموت هو الأرسخ وجودا في حيوات شخوص الفيلم الذين كان مستقبلهم ماضيهم، الصبية كانت قد انتبهت إلى ذلك حين انزعجت رغم شبابها وهربت من ذلك العالم إلى الرقص على أنغام غناء صاخب كانت تسمعه وحدها (من خلال السماعات في أذنيها)، ولكنها لم تكن قادرة رغم هذا أن تغادره، لقد كانت محاطة بالموت أو حاصرها الموت ولا يمكنها الخروج منه، وبعد أن وجد لها هذا العالم وظيفة مهمة وهي وظيفة صانعة الخبز، حينئذ لا مفر. قلنا أن الفتاة علمت سلفا كونها في هذا العالم للموت بكل غرابته وفرادته حين أعلنت (أمام ذلك الشيخ الأسود الذي كان لا يظهر لها إلا في ليل الفيلم) أن صوت المكان هو صوت لم تسمعه في حياتها... هي إذن في مماتها...

إن هذا الذي ذهبنا إليه توافقنا عليه تلك المذكرة التي كانت تدون خلال الفيلم وعنوانه: "القصص موجودة حين نتذكرها".

سينماتك في 11 نوفمبر 2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)