جديد الموقع

 
 
 
 
 
 
 
 

لاحق

<<

31

<<<

25

24

23

22

21

>>

سابق

 
 
 
 
 
 
 

وعن عطيات الأبنودي كتب مهندس الصوت جاسر خورشيد فى شهادته عنها هذه السطور... بعنوان "أنا مختلف"

 
 
 
 
 
 
 
 

"البداية" الفصل الأول

كانت بداية معرفتى بعطيات الأبنودي عام 1997، عندما استدعتنى صديقتنا المشتركة المخرجة نادية كامل للاستعانة بي فى مهمة صعبة على حد قول نادية وقتها لم أكن أعرف عطيات الأبنودي الفنانة ولا الإنسانة قبل ذلك الوقت، وكانت المهمة بالتحديد هى حل مشاكل شريط الصوت فى فيلم راوية وعمل ميكساج الفيلم الذى قام بتسجيله شخص آخر فى ظروف ما أدت إلى حدوث العديد من المشاكل فى الحوار والتعليق الخاص بالفيلم ولم أقم أنا بتسجيله أثناء التصوير والميكساج يعنى (خلط جميع عناصر شريط الصوت بشكل فنى ودرامى)، وبالفعل ذهبت إلى مكان المونتاج الذى تعمل به عطيات الأبنودي وكان فى شركة "كيميت" فى شارع بيروت فى مصر الجديدة، ذهبت فى البداية لمشاهدة الفيلم والوقوف على حالته وحجم المشاكل وتحديد سبل حلها، كانت جلسة مونتاج عادية بالنسبة لعطيات وباقى فريق عملها المكون من نادية كامل التى تساعدها فى الإخراج والمونتير العبقرى تامر عزت الذى أصبح مخرجا فيما بعد والذي ربطتني به علاقة صداقة قوية منذ ذلك الحين، وأوقفت عطيات جلسة المونتاج لتعرض لي الفيلم بحالته غير المكتملة التى نسميها فى مهنتنا "نسخة العمل" لكى أتعرف على المشاكل المتعلقة بما تم تسجيله بالفعل وتحديد احتياجات شريط الصوت والميكساج، وما بين عرض الفيلم وتوقف العرض لعدة مرات للمناقشة فيما بيننا وأنا أمسك فى يدى مفكرة صغيرة وقلم مدونا ملاحظاتى. أنجزت المطلوب وتم تحديد موعد بداية العمل الفعلى، ورغم أن المناقشات كانت مناقشات مهنية تتعلق بطبيعة التسجيل ومشاكله والميكساج فإن جلسة العمل لم تخلُ من روح المرح والدعابة من جانب عطيات خفيفة الظل المرحة أو من تامر عزت المونتير الشاب ابن الناس الراقى أو من جانبى رغم إنى كنت أبدو مثل "ماكجيفر" أو رجل المستحيل أو الذي أتى من أجل إحدى المهمات الصعبة، ولكن يبدو أن المقدمة التى كانت نادية كامل قد أعطتها فى حقى لعطيات وتامر عزت عن مدى شطارتى فى مهنتى بجانب إننى شخص خفيف الظل خاصة أثناء العمل كان لها أكبر الأثر فى كسر الحاجز الأول بيننا كلنا منذ اللحظات الأولى، وما أذكره وقتها إن هذا الفيلم كان ملئ بمشاكل العمل وكانت أجواء العمل متوترة بعض الشيء من قبل قدومى إلى الفيلم نظرا لأن طبيعة إخراج الفيلم التسجيلى تختلف كثيرا عن الفيلم الروائي ومن أهم أوجه هذه الاختلافات إن أغلب تقنيات إخراج الفيلم التسجيلى تتم أثناء مراحل المونتاج وبالتالى فإن وقت المونتاج والميكساج يكون طويلا نسبيا مقارنة بوقت التصوير، بالإضافة إلى أن الحالة المثالية فى الفيلم التسجيلى هى أن يتعامل المخرج مع فريق عمل فنى بينهم قدر كبير من التفاهم، خاصة علاقة المخرج ومدير التصوير تأتى فى المرتبة الأولى يليها علاقة المخرج والمونتير، وفيما يبدو أن هذا كان هو التعاون الأول بين عطيات والمونتير تامر عزت نضيف إلى ذلك مشاكل العمل والنقاش حولها خاصة ان عطيات كانت تستخدم فى هذا الفيلم ولأول مرة فى تاريخها تقنيات المونتاج الرقمى "الديجيتال" أو ما يعرف بالـ "non linear" وربما كانت هذه هي المرة الأولى فى تاريخ الفيلم التسجيلى المصرى بالتزامن مع فيلم "صبيان وبنات" للمخرج "يسري نصرالله" الذي يتم عمل المونتاج للفيلمين باستخدام  التقنية الرقمية  الجديدة فى ذلك الوقت، وكان هذا هو سبب تواجدها فى شركة "كيميت" كمكان للمونتاج والتى كانت هى الشركة الوكيل لهذا النوع من أجهزة المونتاج، وكان تامر عزت يعمل لهذه الشركة وكان لقدومى وانضمامى لفريق العمل أكبر الأثر فى تلطيف هذه الأجواء ...

"النهاية" الفصل الأخير

كانت نادية كامل هى بطلة الفصل الأول فى قصة لقائى ومعرفتى بالمخرجة الجميلة صاحبة الضحكة الرائعة والابتسامة الجميلة "عطيات الأبنودي"، ولم أكن أعلم أن القدر يكتب لنا أن تكون نادية هى أيضا بطلة الفصل الأخير فى قصة حياة عطيات الأبنودي، فكما بدأ لقائي الأول بعطيات فى غرفة تجمعنى بها والمخرجة نادية كامل كانت في الفصل الاول هى غرفة المونتاج فى شركة "كيميت" فى شارع بيروت فى حى مصر الجديدة، كانت نادية كامل ايضا هى البطل الرئيسى والمحورى فى فصل النهاية الذي جمعنى بها اللقاء مرة اخرى مع الجميلة عطيات الأبنودي بعد مرور 21 عاما من الزمان تخللتها العديد من الاحداث والافلام وبالتالى الكثير من الاشخاص ولكن هذه المرة فى غرفة  بمستشفى العاصمة بحي المهندسين وعطيات طريحة الفراش لاتقوى على الحركة او حتى الكلام ، هى بالكاد تستطيع منحنا ابتسامة جميلة استطيع اان اسرقها منها ببعض الدعابة تعيدنا بها الى الماضي.

استيقظت يوم 24 سبتمبر عام 2018 لاجد رسالة نصية على "موبايلى"  كان نص الرسالة "جاسر صباح الخير ... ممكن لما تصحى تكلمنى ضروري ... ماما حتعمل عملية وكنت محتاجة  تخليص تجديد اشتراكات ماما فى النقابة النهاردة قبل بكرة لانها لازم تدخل عملية عاجلة تكاليفها مرتفعة جدا .. وده عايز علاقة كويسة بالنقابة لتخليص الورق النهاردة .. لو ممكن تعمل ده كلمنى ارجوك" ، من نص الرسالة فهمت انها من "اسماء يحي الطاهر عبدالله" ابنة المخرجة عطيات الأبنودي ، بالفعل لم اتاخر ثانية واحدة ، اتصلت باسماء وسالتها انتى فين النهاردة ، قالتلى انا بلف النهاردة بماما فى على معامل التحاليل ومراكز الاشعة لعمل الفحوصات النهائية قبل العملية لان حالتها حرجة ولازم تدخل العمليات بعد بكرة بالكتير، فهمت منها باختصار تطورات الحالة ومدى تدهورها، و سالتها انتى فين حالا ، قالتلى انا مع ماما فى عربية اسعاف في الطريق لمركز للاشعة بشارع مصدق لانها مش بتقدر تتحرك خالص عندها رجل فيها جلطات وانسداد فى الشريان الاورطى اسفل البطن والرجل التانية كانت عاملة فيها عملية مفصل صناعى منذ عدة سنوات وجزء من المفصل اتكسر وحدث خلع فى الرجل،  كنت انا بالفعل اجريت اتصالاتى بالنقابة ورتبت ماسوف يجب عمله لتحريك الامور وكنت محتاج صورة شخصية لعطيات, وقالت لي  اسماء ان الصورة معاها فى الشنطة وبالفعل توجهت على الفور الى شارع مصدق لالحق باسماء وعطيات  هناك، وتزامن وصولى مع وصول عربية الاسعاف ، ودخلت العمارة لاجد عطيات فى مدخل العمارة على التروللى الخاص بسيارة الاسعاف فى انتظار المسعفين لنقلها الى الطابق الثالث حيث يقع مركز الاشعة، توجهت اليها وامسكت بييدها ونظرت لى نظرة اطمئنان لن انساها ابدا وابتسمت لي ابتسامتها الحلوة بتاعة زمان، سالتها مداعبا يللا بفى عشان تقوليلنا المشهد الجاى اللى حنصوره ايه، فاتسعت ابتسامتها محاولة الضحك رغم الالم، لم يكن ايا منا يعلم ماهو المشهد القادم...

وقابلتنى نادية كامل اعلى السلم كانت بانتظار عطيات واسماء فى معمل التحاليل، اخذت الصورة من اسماء وانتظرت معهم بجوار عطيات لبعض الوقت ثم انصرفت لانجاز المهمة المطلوبة منى، ومابين حالة عطيات الحالية وماتعانيه من الام، وابتسامتها الجميلة التى اعادتنى الى الماضى تذكرت رحلة 21 عاما من العمل والصداقة والعلاقة الاسرية بينى وبين عطيات واسرتها الجميلة ....

فلاش باك "عودة الى الماضي"

انا مختلف...

اعود الى اللقاء الاول فى اول فصول علاقتى بعطيات الأبنودي فى فيلم راوية ومشاكل العمل التى كان اغلبها يتلخص فى انه اللقاء الاول الذى يجمع اغلب اطراف فريق العمل ، وكما ذكرت كان لوجودى الاثر الطيب فى اضفاء روح المرح والدعابة.، وكانت تلازمنى عبارة وقتها دائما ما اكررها اثناء العمل سواء اثناء المشاهدة الاولية او اثناء جلسات مونتاج الصوت والميكساج النهائي للفيلم وهى عبارة  "انا مختلف" اطلقها بالطبع عن نفسي لكسر رتابة العمل واضفاء القليل من روح الدعابة، ولم اكن اعرف انها التقطت منى هذه العبارة وكيف لا فهى مخرجة الواقع والتفاصيل تلتقط من الواقع وتسجل فى راسها العبارات والاصوات والصور وحين تكتمل الافكار تخرج الافلام ...

التقطت منى هذه العبارة وظلت تداعبنى بها على مدار 21 عام، حتى لو انا نسيت هى عمرها مانسيتها، سواء فى التصوير او اثناء المونتاج او حتى فى العزومات فى بيتها وفى اجواء الاحتفالات ، تنتهز الفرصة والوقت المناسب وتقول للجميع اصل جاسر مختلف او تقوللى انت مختلف، حتى لما تكون متعصبة منى بسبب الشغل كانت تنتهز الفرصة لتلطيف الجو وتداعبنى بقولها ماهو انت اصلك مختلف وحتى اللحظات الاخيرة قبل وفاتها كانت تنظر لى فى المستشفى وتقول بصوت ضعيف نسمعه بصعوبة "اصل جاسر مختلف"

اتذكر مدى حيويتها اثناء العمل والى اى مدى كانت تتفاعل مع العمل وتنفعل وتتناقش وتجادل ، ولكنها كانت موضوعية للغاية فكانت اما ان تقنعك بوجهة نظر تستحق الاقتناع او تقتنع بوجهة نظرك وتضحك ضحكتها الحلوة اعلانا على الموافقة ، كانت تعشق وجوه الناس  وهذا يظهر فى كل افلامها ، كنت بسمعها تقول لمحمد شفيق "هاتلي الوشوش شايف ضحكات الناس حلوة ازاى"، او تشاورله فى صمت ناحية وش راجل عجوز او سيدة او طفل صغير ، ايضا كنت بسمعها تقول للمونتير "عاوزة لقطات وشوش الناس"، كانت بتحب الواقع كما هو بلا اى تدخل بتحب الاصوات على طبيعتها، بتحب الزحمة والمؤثرات الصوتية، كانت بتحب الموسيقى من الواقع وده ايضا كان باين فى اعمالها، كانت على طول تقوللى سجللي الناس وهما بيطبلوا ويصقفوا ويغنوا ويامحمد صورهم وهما بيرقصوا، كان فيه موسيقى ذاتية من جوة اعمالها بتطلع على العمل، كانت بتعشق الموسيقى لدرجة انها لو تفاعلت مع عزف او غناء اثناء التصوير او المونتاج ممكن ترقص، انتهت تجربة راوية بالكثير من الايجابيات وبعض السلبيات التى لايخلو منها اى عمل، كانت اهم ايجابيات تجربة راوية من ناحيتى هو خروجى بعطيات الأبنودي على المستوى الشخصى كصديقة وانسانة وعلى المستوى الفنى كمخرجة عظيمة كان لي شرف العمل معها، كما كانت اهم الايجابيات هى خروجى بصداقة المونتير تامر عزت وعلاقتى المهنية به ، بالاضافة الى روح الفريق التى زرعتها عطيات الأبنودي باعلانها عن تكوينها لفريق عملها المكون من صديق الدراسة ورفيق عمرى مدير التصوير الدكتور محمد شفيق الاستاذ بالمعهد العالى للسينما والذى كان قد سبقنى بخطوات فى علاقته بعطيات الأبنودي وكان هو من قام بتصوير فيلم راوية اما نادية كامل فتربطنى بها وباسرتها علاقة قوية منذ عام 93 بجانب علاقة العمل، واعلنت عطيات الأبنودي عن تفاهمها التام مع محمد شفيق وانه مصور مبدع ويفهم جيدا مايدور فى راسها حتى قبل ان تقوله لذلك فهى تعتمده معها فى فريق عملها وبالفعل ظل هو مدير التصوير معها حتى الافلام الاخيرة فى حياتها وجاء من بعده تامر عزت كمونتير فريق عملها ، ثم جئت انا كمهندس للصوت منذ فيلم راوية وحتى الافلام الاخيرة فى حياة عطيات الأبنودي، وكانت هذه هى اهم ايجابيات تجربة فيلم راوية من ناحية عطيات...

يخرج فيلم راوية الى النور وتدعونا عطيات الأبنودي الى العرض الاول للفيلم وكعادتها دائما تتباهي عطيات بفريق عملها مما يزيد من قيمتنا رغم صغر اعمارنا وقتها.

وتستمر علاقة الصداقة مع عطيات الأبنودي بعد فيلم راوية ولا تنقطع ابدا وتدعونا عطيات الى منزلها احتفالا بخروج الفيلم ومن بعدها فى مناسبات ومواسم عديدة كانت دائما تحرص فيها على تجميع اصدقائها المقربين واللذين اصبحنا جزء منهم، وتحرص عطيات دائما على وجود اصدقائها حولها اثناء تصوير اعمالها مثل علاء سويف، دينا كامل، وغيرهم من الاصدقاء، عرفت من خلالها اشخاص للمرة الاولى فى حياتى من خلال العمل فتعرفت للمرة الاولى على السيناريست والكاتب الصحفى بلال فضل، الذى استعانت به عطيات الأبنودي من اجل تفريغ المادة المسجلة وتحويلها الى نص مكتوب فى افلام مثل ايام الديمقراطية

وبعدها بحوالى عام تعلن لنا عطيات عن نيتها عن عمل فيلم احلام البنات وكان هذا هو لقائي الثانى فى العمل معها والذى جمعنى بالطبع مع باقى فريق العمل مدير التصوير د.محمد شفيق ، والمونتير تامر عزت وباقى كتيبة العمل نادية كامل وعزة شعبان وتبدء تجربة احلام البنات لنعيش اجواء رائعة اثناء التصوير تعقبها اجواء دافئة اثناء المونتاج واعداد شريط الصوت للفيلم، ويتخللها اجواء اسرية وزيارات عائلية وتجمعات للاصدقاء من جانب عطيات ثم دعوة للاحتفال بنهاية الفيلم ومشاركة الفرحة مع الاصدقاء كعادة عطيات.

وفى العام التالى 1999 تعلن لنا عطيات مرة اخرى عن عزمها خوض تجربة فنية جديدة مثيرة تجمعنى بالصديق محمد شفيق مرة اخري ، وكانت "ايام الديمقراطية" وهو فيلمها عن المشاركة النسائية في انتخابات مجلس الشعب وبالفعل انتقلت كتيبة تصوير عطيات الابنودي لتجوب محافظات الجمهورية خلف المرشحات من مكان الى مكان من راس سدر الى طنطا الى الاسكندرية الى الاقصر الى اسوان الى السويس وبورسعيد وغيرها من محافظات الجمهورية، وانتهت تجربة تصوير ايام الديمقراطية واعقبها مونتاج الفيلم لتخرج تجربة جديدة وفريدة من نوعها، اتبعتها عطيات الأبنودي بكتابها بنفس العنوان.

كنا دائما ما نذهب الي التصوير بسيارة تجمعنا مع باقي فريق العمل وكنت احرص داما على توصيل عطيات الى باب المنزل وكانت في الكثير من الاوقات تمنحنى فرصة ذهبية للعودة في فلاش باك سحرى الى الماضى من خلال حكاياتها عن الزمن الجميل وعصر الاحلام والرومانسية "زمن عبد الحليم حافظ والخال عبد الرحمن الأبنودي" وقت زواجهما، كانت بالنسبة لى حكايات مثيرة وممتعة...

وفى نفس العام تطلب منا عطيات الأبنودي الاجتماع لمناقشة مشروع جديد للعمل وهو مجموعة من الافلام التسجيلية القصيرة عن محو الامية، وسرعان ما بدئنا فى التصوير الذى كان رحلة ممتعة بالنسبة لنا ولعطيات لان التصوير يتعلق باطفال صغار واشخاص اكبر قليلا حرمتهم ظروفهم من التعليم، وكانت عطيات تعشق هذه الوجوه البسيطة، وينتهى التصوير واعقبه المونتاج لتخرج الافلام الى النور

وتأتى فى عام 2000 تجربة اخرى من نوع جديد مع عطيات الأبنودي وهى فيلم"القاهرة 1000 القاهرة 2000" والتى ترصد فيه عطيات المتغيرات التى طرات على القاهرة حتى الالفية، ومن غير عطيات الأبنودي مخرجة التفاصيل يستطيع عمل فيلم كهذا،اتذكر ملاحظاتها اثناء مونتاج الفيلم، ومشاهدها التى حرصت على التقاطها من اسطح العمارات التى اصبحت غابات لاطباق الدش .

وفى عام 2002 تجتمع بنا عطيات مرة اخرى للتحضير لتصوير فيلمها "قطار النوبة" عن رحلة سنوية شهيرة لقطار يخرج فى العيد الكبير من محافظة الاسكندرية يحمل على متنه ابناء الجاليات النوبية بقراها المختلفة المقيمين في الاسكندرية للعودة الى قراهم فى النوبة لقضاء اجازة عيد الاضحى مع اهلهم وذويهم ثم العودة، تجربة مثل فيلم قطار النوبة كانت مليئة بالاصوات والمؤثرات الصوتية والموسيقى والاغانى النوبية الحية وكانت تجربة هذا الفيلم ممتعة ومختلفة رغم ما تحمله من صعوبات، كانت اهم تلك الصعوبات هى الحالة الامنية التى فرضت وقتها عقب حادثة القطار المحترق الذى راح ضحيته اكثر من الف شخص، وتصادف تحديد موعد تصوير فيلم قطار النوبة بعد الحادثة بايام قليلة لنتلقى على الهواء اغلب ردود الافعال والقرارات المفروضة وقتها

وعندما دعوتها الى حفل زواجى وكان فى اواخر عام 2002 كانت اول الحاضرين، اتذكرها جيدا بزيها المميز وابتسامتها الرائعة فرحا بى وبفرحى، وعبرت عن فرحها بى كعادة المصريين بالرقص فى فرحى، وهذا من المشاهد الكبيرة التى تاتى صورتها دائما امام عينى، كانت عطيات حريصة دائما على وجود اصدقائها من حولها فكانت تحرص على وجودنا انا و زوجتى فى كل المناسبات والمواسم وتدعونا الى منزلها وعندما كنا ندعوها هي واسماء الى منزلنا كانت تلبى الدعوة بكل الحب.

وتتوالى تجاربي في العمل مع عطيات بعدها ففى عام 2004 تقوم بإخراج فيلمها عن مكتبة الاسكندرية، وسافرنا الى الاسكندرية لنقضى اجمل الايام في اجواء رائغة واحتفاء كبير بنا ... بالطبع من خلال عطيات ولحقت بي زوجتى ووالدتى وطفلتى امينة ورحبت بهم عطيات اشد الترحيب وقضينا معا رحلة ممتعة من العمل والمرح، هكذا كانت اجواء العمل مع عطيات عمل بجد لكن مع الاصدقاء فى جو من الحب والتفاهم، فاقل ما توصف به عطيات الأبنودي هو انها بنت بلد، قمة فى الكرم والجدعنة فى بيتها وخارج بيتها، متفتحة ومستنيرة، فنانة قديرة ، انسانة جميلة وام عظيمة.

ومن بعده فى عام 2005 تقدم فيلم صنع فى مصر عن نموذج جديدة من نماذج النجاح النسائية التى كانت عطيات تعشقها ولكن المختلف هذه المرة ان التجربة تتعلق بواحدة من اعز اصدقاء عطيات الأبنودي بل هى الصديقة المقربة والمحببة الى قلبها مصممة الحلى الفنانة "عزة فهمى"

كان هذا هو اخر تعاون بينى وبين عطيات الأبنودي على المستوى الفنى برغم انها قامت بالاتصال بى وقت اعدادها لفيلمها عن منابع النيل ولكن ظروف الفيلم الانتاجية وظروف ارتباطى باعمال اخرى حالت وقتها دون وجودى بهذا الفيلم ولكن العلاقة الانسانية والاسرية والصداقة لم تنقطع بيننا اطلاقا، وقامت عطيات بدعوتى انا وزوجتى فى زفاف ابنتها اسماء، وحضرت معهم سبوع حفيدتها دليلة ابنة اسماء ومحمود حمدي عام 2008.حدثت فقط فترة هدوء نسبي منذ عام 2011 وحتى عام 2015 وقت سفر اسماء في بعثتها الي الولايات المتحدة  للحصول على درجة الدكتوراة وانشغالنا فى احداث الثورة، وفى يوم 26 اكتوبر من عام 2015 اجتمع اصدقاء عطيات مرة اخرى فى منزل عطيات الأبنودي والتففنا حولها يوم عيد ميلادها كعادتنا دائما، كانت مفاجأة سارة لها ان نجتمع مرة اخرى

ظل مشهد عطيات وهى بكامل صحتها وعافيتها وهى ترقص لى فى فرحى يلازمنى مع مشاهد عطيات المفعمة بالحيوية والانطلاق اثناء التصوير تمرح وتضحك وترقص بل وتركب معنا المراجيح اثناء تصوير فيلم ايام الديمقراطية او وهي ممسكة بالكاميرا تصورنا واحنا بنلعب ونتشاقي حواليها، اتذكرها اثناء جلسات المونتاج ومشاهد تفاعلها مع اعمالها وخصوصا قبيل انتهاء احد افلامها وتفاعلها مع الموسيقى الخاصة به لتقوم وترقص اعلانا عن رضاها عن العمل ومشاهدها اثناء الاحتفال الذى تقيمه فى منزلها عقب الانتهاء من فيلم جديد لتحتفل وتفرح وسط اصحابها وحبايبها كل هذه المشاهد كانت تاتى سريعة امام عينى وقلبى يعتصره الحزن خاصة عندما رايتها على تروللى سيارة الاسعاف قبل العملية بايام وهى لا تقوى على الحركة او حتى الكلام، وعلى مدار رحلة مرضها فى الايام الاخيرة من حياتها التف فيها اصدقائها وحبايبها حولها على راسهم ابنتها اسماء يحي، وزوجها الفنان التشكيلى محمود حمدى، وشقيقتها بالاختيار الفنانة عزة فهمى، ونيللى فهمى، وعلاء سويف، ونادية كامل، ومحمد شفيق، ولكن هذه المرة كان التجمع في غرفتها بالمستشقى مش في بيتها زى ما عودتنا دايما، اتذكر في هذه الايام كلمات نادية كامل جيدا حين قالت لى ده شكله الفصل الاخير يا جاسر فصل النهاية، ومفيش فى ايدينا غير اننا نكون جنبها ونحاول نخفف عنها، كان وقع هذه الكلمات مؤلما للغاية وبعد وفاة عطيات الأبنودي اجتمعنا مع اسرتها فى المستشفى للاعداد لمراسم الدفن والعزاء وكان الحاضرين هم ابنتها اسماء وزوجها محمود واحمد سعيد ابن شقيق عطيات الأبنودي ونيللى فهمى، وعندما طرحت اسماء ان عطيات اوصت بدفنها مع شقيقها سعيد وباقى اخوتها فى مدافن العائلة بالعاشر من رمضان على طريق الاسماعيلية، قاطعها احمد سعيد ابن شقيقها قائلا، بس عمتى عطيات وصتنى فى مرة تانية بعدها وقالت انا عاوزة اتدفن مع عزة فهمى، فاضافت نيللى فهمى ابنة عم عزة بان المدفن غير جاهز حاليا، وكان الفيصل فى هذا الامر هو عزة فهمى شخصيا التى كانت فى لندن وقت حدوث الوفاة ، فقمنا بالاتصال بها هاتفيا والتى اكدت معلومة عدم جاهزية المدفن، فكان الاختيار الالهى بان تذهب عطيات مع اخوتها الى مدافن العائلة، "ولا تدرى نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس باى ارض تموت صدق الله العظيم"

استرجعت فلاش باك سريع للايام الماضية باحداثها السريعة المتلاحقة ورحلة المرض الشاقة.. بقى فى عينى من كل هذه المشاهد صورتين فقط لعطيات الأبنودي الاولى هى صورة عطيات الجميلة المبتسمة رغم الالم والمرض والثانية هى صورتها قبل الوفاة بساعات عندما كنت اقف بجوارها مع نيللى فهمى صديقة عطيات وابنة عم الفنانة عزة فهمى فى الغرفة رقم 707 فى مستشفى العاصمة عقب اجراء العملية وقبل نقلها للعناية المركزة للمرة الاخيرة وكانت تنظر لى فى استغراب شديد وانا ممسكا فى يدى بالملف الخاص بها والذى يحتوى على شهاداتها الطبية وتقارير الاطباء والمستشفى ظلت تنظر لى باستغراب وتتسائل بلغة الاشارة عن الملف الذى احمله فى يدى، ولما اخبرتها انه الملف الخاص بها ، اشارت لى بالاقتراب منها ونظرت الى الاوراق كمن يقرء وبفحص الاوراق بطريقة سينمائية واشاحت بوجهها لتعلن بلغة الاشارة بوجهها ويدها ايضا بانه خلاص مفيش فايدة،  كنت ممسكا فى يدى بالاوراق الخاصة بها تمهيدا لارسالها لمكتب الدكتورة غادة والى وزيرة التضامن الاجتماعى والتى كانت على اتصال مع الفنانة عزة فهمى من اجل الترتيب لخروج عطيات من مستشفى العاصمة يوم السبت الموافق 6 اكتوبر 2018 لتنتقل الى المركز الطبي العالمى بطريق الاسماعيلية لتقضى مرحلة النقاهة والعلاج الطبيعى بعد العملية على نفقة الدولة تكريما لها، ولكن القدر سبقنا اليها فخرجت فى نفس يومها المقرر للخروج والى طريق الاسماعيلية ايضا ولكن الى مدافن الاسرة بالعاشر من رمضان، وتذكرت عندما اتى محمد شفيق الى غرفة العناية المركزة بعد الوفاة ليطل على عطيات للمرة الاخيرة وكانت لاتزال معلقة على اجهزة الغرفة .. صفق لها محمد شفيق مرددا "برافو عطيات عملتي رحلة ناجحة بكل المقاييس .. منقدرش نقول غير برافو".

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004