جديد الموقع

 
 
 
 
 
 
 
 

لاحق

<<

31

<<<

10

09

08

07

06

>>

سابق

 
 
 
 
 
 
 

قطار النوبة.. توثيق سينمائى متميز لعالم المهمشين

بقلم: د. نادر رفاعى

 
 
 
 
 
 
 
 

فى الخامس من أكتوبر عام 2018 رحلت عن عالمنا المخرجة التسجيلية المتميزة "عطيات الأبنودى"، تحررت عطيات الأبنودي من حصار مرض طويل، منعها من الحركة والعمل سنوات، لكنها واجهته بصلابة وقوة تليق بها وبتاريخها.. رحلت المخرجة التسجيلية عطيات الأبنودي (79 عاما) بعد أن أتمت واجباتها كاملة 25 فيلما تسجيليا و3 كتب، وشركة إنتاج (أبنود فيلم) قدمت من خلالها معظم أفلامها، المناصرة لحرية وحقوق المرأة ومناهضة التميز والعنف والدفاع عن البسطاء وقضايا العالم الثالث.. رحلت عطيات تاركة الكثير من الزرع والأرض الخضراء والأوراق الوارفة والثمار والسيرة الطيبة (وأجمل ما يعمل إنسان في حياته يا ولدي.. يزرع ضل) جاءت عطيات من السنبلاوين دقهلية إلي القاهرة، عملت في وظائف صغيرة بالسكك الحديدية ومسرح العرائس حتي تتمكن من استكمال دراستها وتتخرج من كلية الحقوق (1963) لكنها لم تشتغل بالمحاماة، بعد أن جذبتها السينما وعالم الفن، وبالفعل التحقت بمعهد السينما وتخرجت عام 1971.

عطيات الأبنودى وقضايا المهمشون

المهمش بشكل عام هو من يقصى بشكل متعمد من نسق إنساني اجتماعي وثقافي غالب، ومهمين على الفضاء المكاني والزماني الذي يتحرك فيه الفرد، ولنلاحظ أن المهمش يختلف عن المنفي، فالمنفي قد يكون اختار المنفى، فهو منفي باختياره الإنساني المحض، لكن المهمش هو معزول عن قصدية تقف خلف هذا الغياب. والمهمش هو حاضر ولكنه يغيب عن ذهن المجتمع لأسباب عدة، وهي عدم الإحساس بأهمية هذا الفرد، وهذا أهون هذه الأسباب، وأما بقية الأسباب فهي تتدرج بين الحسد والغيرة والتنافس على مركز معين، والخوف من سلطة المهمش المعرفية والإنسانية، فيقصى كي لا يزيح المتن، أو قد يكون التهميش ناتجا عن الاختلاف، فالمختلف غير مرغوب بالجماعات الإنسانية. وليكن أمام أعينا مبدأ واضح، إنه لا يهمش إلا من يخاف خطره وقوته في التأثير، فالوعي لايعزل إلا المهم الذي يرى إنه له قوة تزلزل هذه الذات الثابتة، إلا في حالات إبداعية ضعيفة وركيكة فإنها تصارح بموقعها ولا تعزل.

والمهمشون وفق تعريف الأمم المتحدة هم الأشخاص الذين يتم تجاهلهم أو إقصاؤهم أو معاملتهم كأنهم غير مهمين، ورغم أن أغلب أنواع التهميش وأكثرها انتشارا هو الاقتصادي فإن ثمة تهميشا اجتماعيا يعتمد اللون أو الأصل العرقي أو الدين أو السلوك معيارا لتهميش الفرد أو المجموعة.

بهذا الفهم لمعني التهميش والمهمشين نكتشف أنه – أي التهميش – لم يكن أبدا ظاهرة جديدة لكن المصطلح هو الجديد والجديد أيضا هو التمييز والاهتمام الذي أولته السينما لهؤلاء المهمشين حديثا في كتاباتها النقدية وأفلامها التوثيقية وإن ظهر المهمشون (طبقا للمفهوم السابق) في الأفلام السينمائية باعتبارهم أحيانا ضرورة لاستكمال فكرة الصراع الدرامي.

والواقع أن العلاقة بين المهمشين والفيلم الوثائقي اتخذت منذ سنوات قليلة منحى آخر  يصب في مصلحة الاثنين معا ويمنح الفيلم الوثائقي اعتبارا جديدا ويفعل من قدرة الهامش على التحول إلى فضح المركز بقدر اكبر.

ولقد ظلت السينما التسجيلية المصرية (حتى أواخر الستينيات من القرن العشرين) تقدم أفلاماً تقتصر أو تكاد - على الأحداث المهمة والاحتفالات الوطنية والدينية والشعبية، وتقديم الشخصيات القيادية وملاحقة الإنجازات الحكومية، والآثار والفنون التشكيلية وما شابه ذلك، بعيدة كل البُعد عن أحوال الناس وهمومهم، حتى جاءت عطيات الأبنودي لتقدم فيلم «حصان الطين»1971، الفيلم الذي يحمل رؤيتها الذاتية بعد أن كان المخرج يعبر عن رؤية ممول الفيلم. في هذا الفيلم قدمت الأبنودي موضوعها الأساسي حول الطبقة الدنيا من فقراء الناس المُهمشين. وكان ذلك عبر نظرة تحمل وجهة نظر نقدية لأوضاع المجتمع الطبقية، وهي أتبعت «حصان الطين» بأفلام مماثلة خلقت بها تيارًا جديدًا غير مسبوق في السينما التسجيلية المصرية، ما جعلها رائدة لهذا التيار، الذي يمكن تسميته «تيار سينما الغضب التسجيلية» أو «تيار السينما التسجيلية النقدية»، وفيه تكشف عن الأوضاع المهينة التي يعيشها الفقراء والمهمشون في المجتمع المصري. وما يؤكد ريادتها لهذا التيار أن مخرجين آخرين أخذوا عنها هذا الاتجاه، الذي سرعان ما أصبح أحد التيارات البارزة في مسار السينما التسجيلية المصرية.

ويعد فيلم "قطار النوبة" بمصابة امتداد لأعمال "عطيات الأبنودى" السابقة، إذ تتعاون مع الأديب النوبى الكبير "حجاج أدول" فى كتابة سيناريو هذا الفيلم لتحقيق أكبر قدر من المصداقية، وتفتتح "عطيات الأبنودى" فيلمها المتميز بمجموعة من الأشخاص يجلسون أمام البحر لصيد السمك، بينما تبتعد الكاميرا عنهم فيظهر هؤلاء الأشخاص كنقاط صغيرة داخل الكادر، وتعد هذه اللقطات بمثابة تجسيد رائع لعلاقة النوبيين المهمشين بمحافظة الإسكندرية، فهؤلاء النوبيين يبحثون عن رزقهم داخل هذه المحافظة الضخمة التى ابتلعتهم تماماً وسط سكانها، وعلى امتداد العمل تقدم "عطيات الأبنودى" علاقة المهمشين النوبيين بالمكان، على أكثر من مستوى، فهناك الأماكن الحميمية المفتوحة، وهى أماكن اللقاء التى يجتمع خلال المواطنون النوبيون مع أصدقائهم وجيرانهم وزملائهم مثل (رصيف القطار) الذى استغلته المخرجة استغلالاً متميزاً لتجسيد المقابلات العفوية التى تتم داخل المحطة بين الأصدقاء، فقد تحول رصيف القطار إلى مكان تجمع للضحك والاحتفال والتواصل، إذ نتابع داخل الفيلم لقطات لعروس من أسرة نوبية تستعد لإتمام زفافها داخل بلدتها، وكذلك عدة لقطات متتالية تجسد فكرة الحميمية التى تجمع بين المواطنين النوبيين وهم يتبادلون التحية و القبلات، وتدفعنا المخرجة من خلال هذه اللقطات إلى التأكد من أن انغماس هؤلاء المواطنون فى العمل خارج موطنهم الأصلى قد أجبرهم على عدم التواصل مع أصدقائهم، وهو الأمر الذى جسدته المخرجة من خلال مجموعة اللقطات التى تكشف عن مدى المعاناة التى يشعر بها النوبيون خارج موطنهم، وتقدم المواطنون داخل محطة القطار وهم يحملون متعلقاتهم الضخمة داخل الحقائب والعلب المصنوعة من الكرتون، والتى تعد معادلاً للأحمال الثقيلة التى أجبروا على حملها وتحملها خارج وطنهم الأصلى.

وتعد الكتابات من التفاصيل الأساسية التى تركز عليها المخرجة "عطيات الأبنودى"، فثمة مجموعة من اللافتات تنتشر داخل محطة القطار ترصدها المخرجة بمهارة، وتتصل هذه اللافتات بتوجيه اللجنة الدائمة لقطار النوبة السنوى عبارات الشكر إلى كل من (وزير النقل - رئيس منطقة غرب الدلتا للسكك الحديدية - السادة أعضاء مجلسى الشعب والشورى - محافظ  الإسكندرية)، وتلخص هذه اللافتات المعلقة علاقة النوبيين بالسلطة الرسمية، فى هذا التوقيت، فالمواطنون يعبرون عن تقديرهم لتقديم الدولة أبسط الخدمات لهم (توفير قطار يقودهم إلى موطنهم)، بينما الدولة ذاتها عجزت عن حل أزمة النوبيين وإعادتهم إلى موطنهم، وتلتقط المخرجة تفصيلة بارعة تؤكد عن تحول الإسكندرية إلى وطن ثانى للمواطنين النوبيين، من خلال تركيزها على العبارات التى تتضمنها الأوراق المعلقة على القطار من الخارج  مثل (هتوحشينا قوى يا إسكندرية - إن شاء الله راجعين يا إسكندرية).

فيلم المراقبة الوثائقى

يوضح "ناصر مختار" (رئيس جمعية قرية العلاقي) أن فكرة "قطار النوبة" لم تنقطع منذ عام1966 بعد تهجير أهل النوبة تتوارثها الأجيال كل عام, كما أن وزارة النقل وهيئة السكة الحديد تحرصان علي توفير القطارات اللازمة, في الوقت الذي يكون لكل جمعية عربة قطار مخصصة, وهي رحلات ذهاب وعودة بالسعر الرسمي.

ويبدأ التجهيز لرحلة القطار السنوية عقب عيد الفطر مباشرة من خلال مخاطبة لجنة مختصة بجميع الجمعيات, وبعد ورود الأسماء ومراجعتها تقوم اللجنة المنظمة بترتيب الحجز وتخصيص العربات في كل من محطتي القاهرة والإسكندرية, ثم الإعلان عن بدء انطلاق الرحلات التي غالبا ما تكون قبل وقفة عرفات بيوم واحد.

وقد اختارت المخرجة "عطيات الأبنودى" أسلوب "فيلم المراقبة الوثائقى" لتقديم علاقة المواطنين المهمشين بقطار النوبة، وتتصف صيغة "فيلم المراقبة الوثائقى" بعدم تدخل المخرج فى الأحداث المصورة، فهو يهدف إلى تسجيل ومراقبة الأحداث أثناء حدوثها، وتؤسس صيغة فيلم المراقبة علاقة حميمة مع الأحداث المصورة كما ترسخ إحساساً بالمكان يرفض التلاعب بالأحداث أو تشويهها، فصانع فيلم "المراقبة" يحرص على أن يكون حيادياً ولا يطلق أحكاماً، ويتضح ذلك فى فيلم "قطار النوبة"، فبجانب تركيز المخرجة على واقع المهمشين النوبيين (بداية من مشهد الإجتماع الواقعى الذى تصوره المخرجة داخل الموقع الحقيقى الخاص باللجنة الدائمة لقطار النوبة، مروراً بلقطات تواجدهم أمام وداخل القطار المتجه إلى موطنهم، وانتهاء باللقطات التى تجسد وصول كل مجموعة إلى الموطن الخاص به)، فإن الكاميرا ترصد عدد من الأشخاص الذى يدخلون تحت فئة الشخصيات المهمشة على الرغم من عدم انتمائهم إلى المجتمع النوبى، مثل الموظف البسيط الذى يعمل بمحطة القطار، وبائع الشاى الفقير الذى يحاول أن يحصل على مورد رزق من خلال العمل داخل قطار النوبة، ويتصل بإسلوب فيلم المراقبة المستخدم داخل العمل، اختيار المخرجة أن يتم تصوير اللقطات الخاصة بالمناطق التى يمر عليها قطار النوبة من داخل القطار ذاته، من خلال وضع آلة التصوير بجوار النوافذ وداخل الكابينة الخاصة بسائق القطار.

وتوظف المخرجة "عطيات الأبنودى" شريط الصوت على نحو يدعم الاتجاه الواقعى للعمل، بداية من أصوات النوبيون المتداخلة أثناء حديثهم داخل الاجتماع، مروراً بالعناصر الصوتية المختلفة داخل المكان الواقعى (محطة القطار) مثل (الأصوات البشرية - أصوات القطارات - صوت الإذاعة الداخلية). وانتهاء بالأغانى النوبية التى تنتشر على مدار الفيلم والتى تكشف الكلمات الخاصة بها عن علاقة النوبيون بوطنهم مثل العبارات الموجودة داخل الأغنية المصاحبة لمشاهد تواجد النوبيون داخل القطار ليلاً (إجرى يا قلبى إجرى.. إفرح على طول وارتاح.. ده الحلوة بترقصلى.. وبتملا دنيتى أفراح) فكلمة "الحلوة" الموجودة فى الأغنية تشير إلى موطنهم الأساسى.. النوبة.

لقد شهد العام 2002 عدد من الأفلام الروائية الطويلة التى اختفت من ذاكرة المتلقى عقب المشاهدة الأولى مثل (اللمبى - للمخرج / وائل إحسان)، (عودة مدرسة المشاغبين، إخراج / جمال التابعى)، (فلاح فى الكونجرس - إخراج / فهمى الشرقاوى)، إذ بحث صناع هذه الأعمال عن الرواج التجارى، بينما اختارات المخرجة الكبيرة "عطيات الأبنودى" تقديم أحد الأعمال التى ستظل خالدة فى تاريخ السينما الوثائقية وهو فيلم "قطار النوبة".

 

مراجع المقال

·     أسامة صفار: السينما.. ذاكرة المنسيين في الأرض، مقال منشور بمجلة الجزيرة الوثائقية

·     عطيات الأبنودي رائدة السينما التسجيلية النقدية، مقال منشور بجريدة الحياة اللندنية

·     سعاد العنزي: المهمشون في الأدب، مقال منشور بموقع ثقافات.

·     وارن بكلاند: فهم دراسات الأفلام من هيتشكوك إلى تارنتينو، ترجمة / محمد منير الأصبحى (دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 2012).

·     عبلة الروينى: سفيرة السينما التسجيلية، مقال منشور بجريدة الأخبار، 7/10/2018.

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004