ما كتبه حسن حداد

 
 
 
 
قهوة المواردي

1982

Almawardi Coffee

 
 
 
نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 27 يوليو 1994
 
 
 

بطاقة الفيلم

 
 

نبيلة عبيد + فاروق الفيشاوي + يوسف شعبان + ممدوح عبد العليم + فريد شوقي

اخراج: هشام أبو النصر ـ تصوير: عبد المنعم بهنسي ـ  سيناريو وحوار: محسن زايد ـ مناظر: نهاد بهجت ـ موسيقى: علي سعد ـ مونتاج: فتحي داوود ـ إنتاج: هشام أبو النصر

 
 
 

شاهد ألبوم صور كامل للفيلم

 
       

قهوة المواردي

مهرجان الصور
       
 
 
 
 
 
 
 
 

رؤية

 
 
 
 
 

فيلم (قهوة المواردي ـ 1982) من بين أوائل الأفلام المهمة التي تناولت سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر.. قام ببطولة الفيلم حشد كبير من الممثلين والممثلات، من بينهم: فريد شوقي، يوسف شعبان، نبيلة عبيد، فاروق الفيشاوي، ممدوح عبد العليم، وغيرهم كثيرون ممن قاموا بالأدوار الثانوية.

و(قهوة المواردي) هو الفيلم الثاني لمخرجه الدكتور "هشام أبو النصر" الذي سبق وقدم فيلمه الأول (الأقمر ـ 1977 )، عن قصة لـ "إسماعيل ولي الدين"، وبطولة "نادية لطفي" و"نورالشريف".. وقد حصل هذا الفيلم، بعد عرضه عام 1978، على شهادة تقدير من جمعية كتّاب ونقاد السينما، حيث قدم فيه "هشام أبو النصر" تشريحاً لقاع المجتمع المصري، من خلال رصده لـ"جامع الأقمر" والجموع التي تحيا في ظله.. كما تحدث الفيلم عن القيم الأخلاقية عندما يتهددها الزوال، وعن الأحلام التي تجهض وهي ما زالت في دور التكوين.

ففي (الأقمر) نشاهد النشال الذي يخدع خادمة عرجاء في غياب أسيادها، وأمه العجوز المتسولة التي تعيش في خوف دائم علي مالها، وتحتفظ به لكفنها.. والراقصة العاهرة التي تنفق على قوادها الطبال، والذي يخونها مع زوجة عسكري البوليس.. وسائق التاكسي الذي يعول أمه وإخوته، ويرفض العمل في توزيع المخدرات.. وصاحب المصنع المستغل.. وأسماء كثيرة أخرى نجدها في حيّ الأقمر.. وبين كل هذا الحشد، نجد "بسيمة" بائعة الفاكهة التي أستشهد زوجها في حرب أكتوبر 1973، وهي الوحيدة التي ما زالت تحتفظ بروحها وقيمها الأخلاقية والاجتماعية.. وتبدو في الفيلم كرمز لمصر التي احتفظت بكبريائها وكرامتها رغم مرارة الحرب والهزيمة.. ثم هناك رمز آخر في الفيلم، وهو جامع الأقمر المتداعي للسقوط، والذي تحاول الحكومة هدمه، ثم تعدل عن ذلك.

بعد فيلمه الأول، توقف "هشام أبو النصر" عن الإخراج لفترة طويلة، كان خلالها يواصل دراسته، وهو خريج المعهد العالي للسينما بالقاهرة، واستطاع أن يحصل على درجة الدكتوراه في فن الإخراج السينمائي، من جامعة كاليفورنيا بـ"لوس أنجلوس" الأمريكية.

ويعود "أبو النصر" ليخرج فيلمه الثاني (قهوة المواردي)، المأخوذ عن قصة للكاتب الصحفي "محمد جلال" رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون القاهرية.. أما كاتب السيناريو والحوار فكان السيناريست المتميز "محسن زايد".

يحكي الفيلم عن حارة المواردي وأهلها، الذين يعيشون حالة خوف بعد أن علموا بأن حسنين أبو سنة (يوسف شعبان) سيخرج من السجن، حيث قضى عشر سنوات نزيلاً فيه، بعد أن تسبب في سقوط أحد السكان من على سلم العمارة التي يملكها وأرداه قتيلاً.. و"أبو سنة" هذا لا يتورع عن عمل أي شيء، فهو إضافة إلى استغلاله لسكان العمارة، كان يتاجر بالسموم المخدرة.. وبعد خروجه من السجن هذه المرة، ويصطدم بأهل الحارة، يجد بأن هناك متغيرات كثيرة حدثت واستجدت في الحارة، فيحاول السيطرة عليها بذكاء، ومسايرة التيار وعدم السباحة ضده، فيبدأ بلعبة البوتيكات والشقق المفروشة.. ويرى إبراهيم المواردي (فريد شوقي)، صاحب المقهى المشهور والسند القوي لأهل الحارة، كل هذا التغييرات التي تطرأ على الحارة من جراء ما يفعله "أبو سنة"، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فهو لم يتعد الحدود، إذ أن الورقة التي يلعب بها ويربحها ترتبط برغبة أهل الحارة الذين تبرقهم المادة ويبيعون كل شيء بالدولارات والإسترليني، وهذه القيم من أهم سلبيات عصر الانفتاح.

أما بالنسبة للشخصيات الأخرى فهي كثيرة.. فهناك فراولة (نبيلة عبيد) ابنة المعلم "إبراهيم المواردي"، جميلة الحارة التي تعيش مع مربيتها بعد وفاة والدتها.. وهناك أحمد (فاروق الفيشاوي) الصحفي الشاب، والذي يقوم برصد كافة الأحداث والتغيرات التي تستجد في الحارة، ويقطن إحدى الغرف في منزل "المواردي"، يحب "فراولة" لكنه لا يستطيع الارتباط بها لضيق ذات اليد.. وشعبان (ممدوح عبد العليم) طالب الطب الذي يعيش الخوف وهو يرى التغيير القادم مع خروج "أبوسنة" من السجن، فنراه مهزوزاً متلعثماً لا يقوى على المواجهة.. وكذلك صديق الاثنين محمود (فريد محمود) طالب الهندسة الذي يهوى السينما والسجائر الأمريكية، ويرغب بالسفر إلى أمريكا، رغم الحياة التي يعيشها في كنف والده الموظف البسيط.. ثم هناك سفروت (عبد السلام محمد) صبي المقهى الذي يهيم حباً بابنة المواردي، بل ويحاول النيل منها، لكنها توقفه عند حده، هذا الـ"سفروت" الذي يصبح فجأة متيسر الحال يمتلك سيارة فارهة ويبعثر أمواله هنا وهناك، بعد أن لجأ إلى التجارة ومشاركة أحد الأثرياء في بورسعيد.. وشخصيات أخرى كثيرة تؤثر وتتأثر في أحداث الفيلم.

فيلم (قهوة المواردي) زاخر بالأحداث والمفارقات الكثيرة، والتي تؤكد على ذلك التغيير الحاصل في الحارة على جميع الأصعدة، الأخلاقية والاجتماعية والنفسية وحتى السياسية.. أما النهاية، فتكون مع نهاية "أبوسنة"، الذي يقتل عن طريق شابين ملتحين لم نراهما طوال الفيلم، فجأة نراهما يتهامسان وأنظارهما موجهة صوب "أبوسنة"، ومن ثم نسمع صوت طلقات الرصاص.. لتعلن نهاية الطاغية وسط أفراح الجميع، وانطلاقة المتلعثم "شعبان"، وصدور كتاب الصحفي "أحمد"، وتعم الأفراح وتنطلق الزغاريد، وتأتي الأناشيد الوطنية.

في فيلمه الثاني (قهوة المواردي) يواصل "هشام أبو النصر تحذيره من انهيار القيم.. فإذا كان في فيلمه الأول قد حذر من احتمال هدم جامع الأقمر، فإنه في فيلمه الثاني يعلي من صوته ويجعله واضحاً، حتى ولو كان ذلك على حساب تقديم قيم فنية وجمالية.. لقد زادت جرعة الفساد كثيراً في (قهوة المواردي)، وبالتالي كان يجب زيادة جرعة الدواء.. لقد مرت خمسة أعوام بين الفيلمين، تغيرت فيها مصر كثيراً، وامتدت الأذرع الأخطبوطية، محاولة تكسير كل شيء ينبض بالأصالة والتراث.. مرت خمسة أعوام نضجت فيها شخصيات فيلم (الأقمر) بعضها أصبح أكثر قدرة على المطالبة بالتغيير، وبعضها أصبح يملك تطلعات أكثر وطموحات أكثر.. وقد جاء رد الفعل للأحداث والمستجدات أكثر وضوحاً وأكثر إيجابية.

لقد تقدم "هشام أبو النصر ـ بالطبع ـ من الناحية الفنية والتقنية، عن فيلمه الأول، إلا أن (قهوة الواردي) جاء مشحوناً بالحوار الكثيف، مما أضعف من قيمة الصورة التعبيرية.. هذا إضافة إلى تشعب الشخصيات وكثرتها، فبالرغم من ترابطها، إلا أنها قد ساهمت في عدم الترابط الواضح بين أفكار الفيلم.. وبالتالي فإن السيناريست "محسن زايد" قد أرهق نفسه كثيراً بطول الحوار وتنوعه، وفي تشكيل هذا الكم الهائل من الشخصيات.

هناك أيضاً بعض الأشياء التي لم ينجح الفيلم في إظهارها، وكانت عبئاً ثقيلاً على الفيلم.. فمثلاً عندما يظهر الثري العربي في كل لقطة، لابد وأن تصاحبه أغنية عربية، وكأن المتفرج غبي لهذه الدرجة.. كذلك نهاية الفيلم، والتي جاءت مباشرة وساذجة جداً.. حيث أن من مساوئ أي عمل فني هو لجوئه إلى المباشرة.. نشاهد في المشهد الختامي "شعبان" الذي أخذ على عاتقه طبع كتاب "أحمد" الصحفي وهو يتقدم ويعطي "فراولة" وشاحاً أخضر، كرمز للعلم المصري، قائلاً: إن الحياة لابد وأن تبدأ من جديد وإن علينا أن نفتح النوافذ.. فإذا بنوافذ الحارة كلها تفتح، تتبعها موسيقى "سيد درويش" وتردد الأناشيد الوطنية، وكأن ما شاهدناه إنما هو ثورة سياسية على أوضاع معينة.. فالجميع يردد ( قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك)، مع مانشيت عريض هذا الفيلم صناعة مصرية.

وختاماً.. لابد من الإشارة إلى أن فيلم (قهوة المواردي) يبقى من الأفلام الجريئة الهامة التي تناولت مساوئ عصر الانفتاح الاقتصادي في مصر، بصرف النضر عن أسلوب معالجته للأحداث.. وقد عرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي السادس عام 1982، وحصل على جائزتين، الأولى جائرة أفضل ممثلة لـ"نبيلة عبيد" والثانية جائزة أفضل ديكور لـ"نهاد بهجت".

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004