حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

«البابا» يتمرد على «البابا»!

طارق الشناوي

الإنسان هو الإنسان حتى لو أصبح فى منصب البابا بكل ما يحمله هذا التوصيف الدينى من تقديس وإجلال.. المخرج والسيناريست والممثل الإيطالى الشهير نانى موريتى نراه فى كل أفلامه وهو يبحث عن خريطة الإنسان داخلنا مهما وضعت على جسدها أغطية وارتدت أقنعة. الأمر ليس له علاقة بدين محدد، فرغم أن رجل الدين فى الفيلم الذى عرضه مهرجان أبو ظبى هو بابا الكاثوليك فإن الرؤية البانورامية فى السيناريو تحيله إلى رجل دين بعيدًا عن أسوار الفاتيكان حيث تجرى أحداث الفيلم الإيطالى «لدينا بابا». النقطة الساخنة هى اللحظة التى يموت فيها البابا ويودعه شعب الكنيسة ويجتمع الكرادلة لاختيار البابا الجديد. المخرج يبحر فى هذا العالم المسكوت عنه لرجال الدين، حيث نرى أنهم جميعا يتوجهون بالدعوة إلى الله أن لا يقع عليهم الاختيار لكى يصبحوا هم البابا!

الاختيار لا يعبر فقط عن إرادة بشرية، حيث إن دائرة محدودة من رجال الدين وهم الكرادلة هم الذين يرشحون مَن يعتلى كرسى البابوية. إن المفهوم الدينى الذى يحيط بهذا الاختيار يسبغ عليه إرادة إلهية تجعل من يقع عليه الاختيار لهذا المنصب يتمتع بمكانة استثنائية. المخرج نانى موريتى حرص على أن تبدأ اللقطات الأولى بوداع البابا ليتأهب الجمهور لرؤية حفل تنصيب البابا الجديد الذى أدى دوره ميشيل بيكولى، ولكن بعد لحظات تعطلت لغة الكلام لأن البابا ومنذ البداية لا يريد أن يصبح بابا. استتبع هذا الأمر تدخُّل الدولة ممثلة فى الطبيب النفسى «نانى موريتى» الذى يكشف لنا لا حالة البابا فقط ولكن وجوده فى الفاتيكان يفضح تفاصيل خاصة عن هذا العالم الذى يخفى الكثير تحت هذه الملابس الدينية، ومثل كل الأديان نحن ننسى مع رجال الدين أننا نتعامل مع بشر يحملون أيضا ضعفهم الإنسانى، هم لا يملكون الخروج ببساطة من تلك القيود، حيث يتردد بداخلهم أحيانا نداء خفى يدعوهم إلى التمرد، وهكذا تصبح عين وأُذن الطبيب النفسى أيضا عينا وأُذنا لنا جميعا.. إنهم يمارسون الحياة بكل تفاصيلها التى يثير بعضها الضحك وهدف المخرج ليس السخرية من رجال الدين بقدر ما هو البحث عن الإنسان الكامن فى أعماقهم. يذهب البابا تحت حراسة مشددة إلى طبيبة نفسية تسأله عن طفولته وعلاقته بالمرأة إلا أن البابا يختفى عن أنظار مرافقيه ليصبح فى مواجهة مع الحياة بكل عفويتها وبساطتها، وهكذا نتابع البابا فى الشارع والفندق والمقهى بينما نحن نشاهد عن طريق القطع المتوازى ما يجرى فى الكنيسة حيث إن الكرادلة يعيشون فى عالم آخر، يستمتعون بلعبة يمارسها أحدهم هى العزف على أوتار الوهم، يعتقدون أن روح البابا قد عاد إلى مقره، أحدهم هو الذى يلعب هذا الدور ويصدقونه لأنهم يريدون تصديقه!

البابا أيضًا كان يريد فى شبابه أن يصبح ممثلا، نكتشف من خلال حوار الطبيبة النفسية مع البابا أنه قبل أن يأخذ طريق الرهبنة ويصعد درجات فى السلم اللاهوتى، كان المسرح هو عشقه الأثير وبالفعل لعب فى شبابه بطولة مسرحية وكان تصفيق الجمهور له أعظم مكافأة حصل عليها فى حياته، وجاءت النهاية أيضا وهو يستمع إلى تصفيق الجماهير عندما يشاهد نفس المسرحية التى كان بطلها فى شبابه.

الفيلم يدعونا إلى التحرر فى اختيار حياتنا، يريدنا أن نملك حرية اختيار الحرية، ومن الممكن أن تلمح تعبيريًّا لجوء المخرج كثيرا إلى استخدام اللقطات العامة التى تبتلع فيها المدينة البابا وتكرارها لكسر الحاجز بين أسوار الفاتيكان وحياة الناس.

هل من الممكن أن يعرض هذا الفيلم تجاريًّا فى مصر أو حتى فى إطار مهرجان سينمائى مثلما حدث فى أبو ظبى؟ مع الأسف لن يُسمح بتداوله.

ذكّرنى فيلم «لدينا بابا» بفيلم «شفرة دافنشى» الذى تحفظت مصر قبل أربع سنوات على عرضه بحجة أنه ينتقد الديانة المسيحية رغم أنه لم يحمل أبدا انتقادا للعقيدة. الكنيسة المصرية طالبت بمصادرته وانتقل الأمر إلى مجلس الشعب الذى لم يكتف بهذا القدر بل صادر أيضا الكتاب المأخوذ عنه الفيلم. لقد ازدادت مساحة الحساسية الدينية على أرض الواقع فأصبحنا رهن هذه المعادلة.. المجتمع يركض على صفيح ساخن والرقابة ليس أمامها سوى أن تنفخ فى الزبادى!

التحرير المصرية في

23/10/2011

 

من مارلون براندو إلى أحمد زكى!

طارق الشناوي

أتذكر جيدا قبل عشر سنوات عندما كنت أقابل المخرج التونسى الكبير رضا الباهى فى المهرجانات السينمائية، كم كان سعيدا وهو يتحدث عن فيلمه القادم «ديما براندو» وديما بالتونسية تعنى دائما.. البعض كان يتشكك فى جدية المشروع متسائلا وربما ساخرا كيف أن النجم الأسطورى الكبير مارلون براندو يقبل أن يشارك فى فيلم ميزانيته محدودة ومخرجه عربى.. كانت فكرة الفيلم تتناول حكاية شاب صار متيما بحب مارلون براندو، لأن ملامحه تتشابه معه والناس تطلق عليه براندو، وأكد لى وقتها المخرج أن براندو اختار السيناريو من بين عشرات الأفكار التى تعرض عليه، وأن الباهى سعى لبراندو ليس فقط لقيمته الفنية، ولكن لأن هذا الفنان كانت له مواقفه السياسية التى لا يستطيع أحد أن يزايد عليه فيها، مثل مناصرته الهنود الحمر ودفاعه عن حقوق الفلسطينيين.. كان هذا المشروع هو حلم عمر رضا الباهى وهو واحد من أفضل المخرجين فى تونس، الذى سبق وأن شاهدت له عديدا من أفلامه التى كثيرا ما أثارت إعجابى، حيث تشغله دائمة تيمة العلاقة بالآخر مثل «شمس الضباع» و«السنونو لا يموت فى القدس» و«صندوق عجب»، وفيلمه الأخير ترى فيه أيضا هذا الجانب، لكن القدر كان له رأى آخر مات براندو قبل سبع سنوات فقرر الباهى أن يتحدى القدر.. صحيح أن براندو كان دوره محدودا على المستوى الزمنى فى السيناريو، مثلما شاهدناه من قبل فى الفيلم الشهير «سفر الرؤية الآن»، إخراج فرنسيس فورد كوبولا. لكن المشاهد التى شارك فيها براندو لمدة 15 دقيقة هى التى منحت الفيلم الأمريكى عمقه، وتلك هى المشكلة التى عاشها الباهى أنه لا يملك شيئا مصورا لبراندو قدمه مباشرة للفيلم، صحيح أنه كان فى المشاهد الأخيرة لفيلمه «ديما براندو» يمسك بأشرطة يؤكد أنها تحوى تسجيلات صوتية لبراندو، إلا أنه فى الفيلم كان يروى عما بحوزته من لقاءات ولا يقدم الوثيقة بصوت براندو.. هل هو يكتب بكائية مصورة عن الفيلم الذى حالت الأقدار دون تقديمه.. فلقد كان المخرج يبدو فى كثير من الأحيان مثل من عثر على زرار وقرر أن يصنع له بدلة.. الفيلم يتخبط على مستوى السيناريو فيقدم كل شىء من الأرشيف، لا أعنى فقط لقطات أرشيفية ولكن مشاهد مرت علينا من قبل فى كل الأفلام المشابهة.. البطل الذى يشبه براندو يقدم تنازلات أخلاقية من أجل أن يحقق حلمه بالسفر إلى أمريكا، ونرى خطيبته تُقدم نفسها إلى رجل ثرى لكى توفر له مصاريف الهجرة، ولكنه بدلا من السفر إلى هوليوود يقرر الرحيل إلى إيطاليا فيلقى حتفه فى البحر.. المكان الرئيسى للأحداث فى قرية تونسية، فنرى كواليس الفيلم الأمريكى ويقدم شخصيات القرية التونسية لنرى بعضهم يبيع شرفه زهاء بضعة دولارات.

ما الذى يتبقى فى الذاكرة من «ديما براندو»؟ سننسى كل شىء ونتذكر فقط أن الذى استحوذ على المخرج رضا الباهى هو إصراره على تحدى الأقدار التى خطفت منه فى اللحظات الحاسمة نجمه الأثير براندو، فلم تكن قضية الفيلم هى تحليل مشاعر البسطاء مثلا عندما يجدون الأضواء والدولارات فيستسلمون لها.. الشاشة لم تقل سوى إن هناك إحساسا بالمرارة لدى المخرج بعد أن فقد مشروع عمره الذى كان سيصعد به من خلال اسم مارلون براندو إلى العالمية.. أراد الباهى أن يبنى بيتا فى الهواء بعد أن فشل فى تحقيقه على شريط سينمائى!

تذكرت ما حدث -مع الفارق بالطبع- فى فيلم «حليم» عندما وجد صناع الفيلم أن لديهم نحو 15 دقيقة صورها أحمد زكى قبل رحيله مجسدا فيها شخصية عبد الحليم، فقرروا أن يستثمروا هذه الدقائق فى صناعة فيلم.. هذه المرة كان الأمر أصعب، لأن الباهى لم يكن يملك شيئا سوى الأفلام السينمائية القديمة لبراندو فقرر تركيب مشاهد عليها.. مات براندو قبل التصوير بسبع سنوات ومات فيلم «ديما براندو» فى أثناء مشاهدته.. إنها مرثية مخرج يبكى سوء حظه بعد أن فقد بطله فقرر أن يصنع من هذه الحالة فيلما.. وليته لم يفعل!

التحرير المصرية في

22/10/2011

 

حيرة يسرا مِن «كان» إلى «أبو ظبى»!

طارق الشناوي

النصيحة التى ينبغى أن يأخذ بها الفنان العربى وفى العادة لا يأخذ بها هى أن لا يتورط فى الإدلاء بأى تصريح سياسى، فهم فى العادة يضعون فى المعادلة قبل اتخاذ أى موقف مصالحهم الشخصية ومكانتهم الفنية، ولهذا يتقربون ويبايعون دائما الحاكم الذى كانوا يراهنون على أبديته، وذلك قبل أن تفاجئهم ثورات الربيع العربى وتطيح بثلاثة رؤساء جمهورية، وفى الطريق اثنان آخران. لجأ بعض النجوم إلى الخطة رقم 2 بالمراهنة على الثوار حتى يضمن لنفسه مكانا على الخريطة الفنية القادمة.

أغلب النجوم المصريين فعلوا ذلك، مثلا يسرا كانت أول فنانة من جيلها تسارع بتقديم فيلم سينمائى روائى قصير ضمن الأفلام التى عُرضت تحت اسم «18 يوم» فى مهرجان كان شهر مايو الماضى فى إطار تكريم الثورة المصرية. لم تكتفِ يسرا بهذا القدر بل ذهبت إلى المهرجان وصعدت على سلم قاعة لوميير فى إطار تكريم الثورة المصرية رغم اعتراض الكثيرين لأن يسرا كانت من أقرب -إن لم تكن أقرب- النجمات إلى بيت حسنى مبارك. كانت فى السنوات الخمس عشرة الأخيرة هى حلقة الوصل بين النجوم وبيت الرئيس، وكان من المعروف أن التوريث ينتظر جيوشا من النجوم والمثقفين تم إعدادها لساعة الصفر لولا أن الثورة غيرت كل الحسابات!

يسرا سارعت بإعلان تأييد الثورة من خلال هذا الفيلم الذى حمل عنوان «داخلى/ خارجى» إخراج يسرى نصر الله، وهى تتابعه من مهرجان إلى آخر، ولهذا كانت أيضا الحريصة قبل أيام على تلبية دعوة مهرجان أبو ظبى لتشارك فى احتفال المهرجان بعرضه.

الغريب أنها تؤكد الآن رفضها الاتجار بالثورة وتعتبر أن كل هذه الأعمال التى قُدمت عنها اتجار بها.. فقط تستثنى فيلمها باعتباره قصيرا وتستثنى دورها لأنه لم يزد على مشهدين، ولا أدرى هل الموقف السياسى يفرق بين دور أو فيلم قصير أم طويل، وإن كان هذا لم يمنعها من ترديد تلك المقولة التى صارت أكليشيه يردده أغلب النجوم وهى أن أعمالهم الفنية هى التى مهدت للثورة.. وهكذا أصبحت يسرا إحدى المواد التى أشعلت ثورة 25 يناير!

الحقيقة إنها لا تدرى أين تقف ومع مَن وضد مَن، هى لا يعنيها فقط سوى أن تظل فى دائرة الضوء. أعتقد أن يسرا سارعت فى البداية بالتأييد لأنها فوجئت بأن صورتها تصدرت فى الأيام الأولى للثورة المصرية القائمة السوداء، إلا أنها بعد ذلك اكتشفت أن الناس لم تنسَ مواقفها السابقة كما أنها صارت من بين المتحولين فلم تستطع أن تكسب تعاطف أى طرف سواء الثوار والفلول!

الفنانون ليس لديهم موقف سياسى، أتحدث بالطبع عن الأغلبية فى ظل نظام سياسى يفتح الباب أمام الفنان بقدر ما يقدم الفنان من ولاء وخضوع للسلطة الحاكمة.

أغلب النجوم لا يعنيهم سوى أن لا يفقدوا جماهيريتهم خصوصا بعد سقوط تلك الزعامات أو ما تصوروا أنه كذلك، وعاد للشارع قوّته وقدرته على تحديد قيمة الفنان. لقد اقتربوا للحاكم طمعا فى الحفاظ على مكاسبهم، وهم مع الثورة الآن للحفاظ عليها أيضا. لو سألت أغلب النجوم فى مصر لمن تعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية القادمة فإن الإجابة المتوقعة هى «حتى الآن لم أقرأ برامج المرشحين لكى أختار بينها». الواقع أن أفكار كل المرشحين عبر برامج التوك شو صارت معروفة ومعلنة للجميع، ولكن النجم يخشى مثلا إذا أعلن حماسه لمحمد البرادعى مرشحا للرئاسة أن يخسر الجمهور الذى ربما كان مؤيدا لعمرو موسى أو العوا أو حمدين رئيسا.. هم يتعاملون مع السياسة على طريقة فريقى الكرة الأهلى والزمالك، وكان من المعروف أن النجم لا يكشف عن هويته الكروية حتى لا يفقد جمهور النادى الآخر، إلا أن الناس ليسوا سُذّجا، فلم يعودوا يصدقون النجوم فى لعبة السياسة وهم يغيرون مواقفهم حسب الرايجة. هل صدّق الناس يسرا عندما شاركت فى فيلم قصير يؤيد الثورة وظلت تتابعه من مهرجان إلى آخر؟ وهل يصدقونها الآن عندما تعلن أن الأعمال الفنية التى تناولت الثورة كانت مجرد استثمار تجارى وأن أفلامها السابقة على الثورة أشعلت الثورة؟ الفنان الساذج هو فقط الذى يتخيل أن الجمهور ساذج!

التحرير المصرية في

21/10/2011

 

ممنوع الاقتراب!

طارق الشناوي

هل ضبطتَ نفسك غير قادر على النظر إلى صورة منشورة فى الجريدة تشير إلى وجه تنضح عليه مثلاً البثور؟! حزنت وأشفقت نعم، ولكنك أيضا على الأقل لا شعوريا كنت تخشى العدوى أن تنتقل إليك رغم أننا نتعامل مع صورة.. أتصور أن تلك هى المعضلة التى واجهت الفيلم الروائى «أسماء» للمخرج عمرو سلامة الذى يشارك فى مهرجان أبو ظبى السينمائى الدولى لأنه يتناول حياة امرأة فى منتصف العقد الخامس من عمرها مصابة بالإيدز، أى أنه من البداية صنع مساحة من التباعد بين الشاشة والجمهور. ما معاناة مريض الإيدز فى العالم؟ إنها فى تلك النظرة المحمَّلة بالإشفاق التى ترفع راية للطرفين، الناس والمريض، مكتوبا عليها «ممنوع الاقتراب».. لا يزال الرعب يسيطر على الجميع عندما نُضطر إلى التعامل مع مريض الإيدز، وهو أيضا يتعامل معنا كمنبوذ، وربما لهذا السبب شاهدنا فى اللقطة الأخيرة هند صبرى وهى تنزع القفاز عن يديها وتسلم على مقدم البرامج الذى أدى دوره ماجد الكدوانى، إنها تفصيلة دقيقة ولكنها تعنى أن الطرفين كل منهما عبر إلى الضفة الأخرى للثانى.

المعاناة فى وجهها الأقسى لمريض الإيدز تستطيع أن تلمحها فى المجتمع الشرقى من خلال تلك النظرة التى تحمل اتهاما أخلاقيا لكل من يحمل الفيروس. الفيلم يتوقف أمام تلك القضية، وهى أن الناس يسيطر عليهم فى العادة اتهام بالانحلال الخلقى قبل أن يحددوا موقفهم من المريض، هل يمنحونه نظرة شفقة أم ازدراء، هم يريدون أولا شهادة البراءة. لو رأيت إنسانا تلتهمه النيران لا تسألُ قبل أن تطفئها عن أسباب اشتعالها، ولكنك أولا تطفئها، إلا أننا مع مريض الإيدز نترك النيران تلتهمه ونحن ننتظر حكما أخلاقيا!

هدف الفيلم هو أن يحطم هذا الجدار، ولهذا فإن البطلة التى تحمل المرض ولكنه لا يظهر عليها تبحث عن إجراء عملية لاستئصال المرارة، وكل المستشفيات ترفض أن تُجرِى لها هذه الجراحة خوفا من نقل العدوى، رغم أن الأمر طبيا محسوم فى أسلوب التعامل جراحيا مع مريض الإيدز. نظرة الاتهام تسيطر حتى على البسطاء الذين يتعاملون معها فى المطار حيث إنها عاملة نظافة، وعندما تقرر أن تقدم ملفها الطبى تسأل المشرفة زملاءها هل يقبلون أن تواصل العمل معهم، وتأتى الإجابة بالرفض الجماعى، إلا أن المخرج أراد أن يقدم وجها آخر لجدعنة أولاد البلد.. جمعوا أموالا من القليل الذى يملكونه، إلا أن الخوف ظل مسيطرا عليهم، ولهذا نرى يد زميلتها العاملة وهى تضع الفلوس على أرض المطار وترفض اللمس… الآخرون ينتظرون قبل تحديد موقفهم شهادة البراءة الأخلاقية، والمريضة تشعر أن سرها من حقها.. ووقع الفيلم فى خطيئة درامية عندما أذاع السر لجمهوره ومنعه عن أبطاله. نحن كمتفرجين نعرف أنها ضحت بنفسها وأصيبت بالعدوى من زوجها عندما رفضت أن تتركه يموت فانتقلت إليها العدوى، وأنها بعد أن أخبرها الطبيب بحقيقة المرض أقامت العلاقة معه لكى تمنحه الطفل الذى يتمناه، وهى طبقا لوصيته ترفض أن تبوح بسر مرضه. المخرج روى لجمهوره ما هو ممنوع عن أبطاله، وخان العمق الذى يريده أن يصل إلينا وهو أن نتعاطف مع المريض ونوفر له أسباب العلاج قبل أن نسأل عن السبب، ولكنه حتى يضمن أن الجمهور يقف عاطفيا إلى جانب البطلة قرر خيانة المبدأ الفكرى على طريقة «الغاية تبرر الوسيلة».. ووقع الفيلم فى تناقض بين المعنى والمبنى، وعندما تأتى فرصة للحديث بإسهاب عن العمل الفنى سوف نروى أكثر عن عديد من التفاصيل التى حفل بها الشريط السينمائى والتى تستطيع أن تقرأها على الشاشة حيث إن الفيلم بقدر ما يحمل مرارة يزرع أملا، وهو ما عبّر عنه بكل المفردات الفنية فى التصوير والديكور والموسيقى، ويبقى أن المخرج عمرو سلامة تقدم كثيرا فى فيلمه الروائى الثانى، وكنت قد شاهدت فيلمه الأول «زى النهاردة» قبل ثلاث سنوات أيضا فى مهرجان أبو ظبى.. وستمكث كثيرا فى الذاكرة هند صبرى وهى تتقمص دورها بإبداع وألق فى نبرة الصوت، وبالإيماءة والحركة والنظرة، ولا يزال ماجد الكدوانى قادرا على إدهاشى فى طريقة التقاطه تفاصيل الشخصية التى يؤديها.. ولنا عودة لقراءة متأنية نقترب فيها أكثر من الفيلم الذى يرفع شعار «ممنوع الاقتراب»!

التحرير المصرية في

20/10/2011

 

الشهادة الزور

طارق الشناوي

الشهادة الزور ليست رأيا، نحن لا نعترض على آراء من يقفون مع مبارك، ولكن على من يشهدون الزور ويغتصبون الحقيقة.. كانت هذه هى قناعات عمرو واكد، بينما كان خالد أبو النجا يدعو إلى التسامح مع الجميع، حيث إنه لم يعد يعرف بالضبط من يقف مع من وضد من، الصورة ضبابية، وأضاف أن أهم إنجاز للثورة هو أنها كسرت حاجز الخوف.. طلبت الكلمة فى الندوة التى أقيمت على هامش أبو ظبى، وقلت نعم حطمت الثورة حاجز الخوف لدى الناس، إلا أنها على المقابل خلقت حالة من النفاق لدى النخبة، وبالفعل مطلوب أن نتسامى عن مشاعر الانتقام، ولكن ليس مطلوبا أبدا أن ننسى الماضى، وعلى الفنانين الذين نافقوا مبارك، ورقصوا فى مولد التوريث أن يعتذروا أولا لمن وثقوا بهم وأحبوهم، إلا أنهم خذلوهم مرتين، الأولى فى نفاقهم مبارك، والثانية فى ادعائهم أنهم كانوا من أصحاب المواقف، حتى إننى كثيرا ما أقرأ هذا العنوان «أفلامى هى التى مهدت للثورة»، رغم أنهم كانوا يشاركون فى ديكور الحرية بمهاجمة الفساد وامتصاص الغضب، وإلا أصبح مخطط الفساد الأول زكريا عزمى هو مفجر ثورة 25 يناير، أليس هو القائل «فساد المحليات أصبح للركب».. إنها جرعة مقننة ومتفق عليها بين جميع الأطراف.

كان هذا جزءا من الندوة، التى أقيمت فى مهرجان أبو ظبى، وصارت تشكل ملمحا ثابتا فى كل المهرجانات وهى «ثورات الربيع العربى والسينما».. عنوان تجده يتكرر كثيرا فى كل المنتديات الفنية.. كان مهرجان الإسكندرية السينمائى هو الأسبق فى الإعلان عن الندوة، التى حملت نفس العنوان، إلا أنها جاءت، مع الأسف، مع إيقاف التنفيذ، بينما حرص مهرجان أبو ظبى على أن يقدم بالفعل ندوة استقطبت مثلا المعارضين للنظام السورى مثل الكاتبة هالة عبد الله، والمخرج نبيل المالح، وهما من الأصوات القليلة التى قالت «لا» فى وجه الطاغية بشار الأسد، وقال المالح على المنصة إن الضربات صارت موجعة للسلطة، وإن السقوط سيصبح هو النهاية المنطقية حتى لو طال الزمن.

البعض يرى أن المهرجانات السينمائية يجب أن تتحدث فقط عن السينما، أو على الأقل تُحدث توازنا بين الثورة والسينما، وأن عنوان الندوة هو «ثورات الربيع والسينما»، إلا أن المتحدثين لم يتناولوا سوى الثورة.. والحقيقة أن الناس باتت أكثر وعيا، حتى ممن يصفونهم بالنخبة، هؤلاء الذين يعتقدون أن تغييب المواطن ممكن، والضحك عليه جائز، وأن السينما شىء والمزاج النفسى للناس شىء آخر.. بالفعل لن تقضى الثورة مثلا على السينما التجارية هذه حقيقة، ولكنها سوف تخلق معادلة اقتصادية مختلفة، مثل تلك المبادرة التى أطلقها عمرو واكد، وهى الاكتتاب، حيث يسهم الجمهور، ولو بدفع جنيهات قليلة فى عمل فنى يثقون بمخرجه ونجومه وعناصره الفنية، كما أن السينما التى نطلق عليها مستقلة -وهو مسمى غير واضح تماما- تحت عنوانها شاهدنا عددا من التجارب الفنية، أراها قادرة على أن تنطلق إلى آفاق أخرى، وقبل الثورة شاهدنا أفلاما مهما تباين مستواها الفنى، فإنها تظل تحمل جينات التمرد مثل «ميكروفون»، و«عين شمس»، و«هليوبوليس»، و«بصرة» وغيرها محاولات ترى فيها أن هناك مخرجا خلف الكاميرا.. لقد ردد البعض عشنا عصر الديكتاتور الذى يتحكم فى مقدرات الشعوب، وعشنا عصر الديكتاتور الذى يتحكم فى مقدرات العمل الفنى، إنه النجم المسيطر على كل التفاصيل، بينما المخرج لا حول له ولا قوة، ثم سقط النجم الأوحد مع سقوط الديكتاتور عن السلطة.. أتصورها مجرد أوهام بالمناسبة فلن تنتهى أبدا سيطرة النجوم على الأعمال الفنية. نعم نرى فى الوجه الآخر من الصورة نمطا مغايرا، ولكنه ليس بديلا عن السينما السائدة، هناك حالة إبداعية أخرى موازية ظهرت قبل الثورة، وسوف تزداد سطوتها بعدها.

السينما وثورات الربيع العربى ستظل عنوانا جذابا فرض نفسه على الحياة الفنية والفكرية فى العالم العربى، ونقول دائما نعم التسامح مطلوب، إلا أننا على المقابل لا يمكن أن نقبل الشهادة الزور.

مثل الأشجار تموت واقفة، هكذا رحل الفنان الكبير عمر الحريرى شامخا على خشبة المسرح، وأمام كاميرات التليفزيون.. إنه العطاء حتى آخر نفس.

التحرير المصرية في

19/10/2011

  

اضحك مع عزرائيل!

طارق الشناوي

«دجاج بالبرقوق» اسم الفيلم الذى لو أتيح لك أن تتذوقه فلن تنساه، سوف يعيش بداخلك ربما سنوات.. رأيته مساءً، وكان فى خطتى أن أواصل المشاهدة طبقا لجدول العروض فى أفلام أخرى، إلا أننى لم أستطع، شعرت بأننى لو فعلتها سأرتكب خيانة عظمى فى حق الدجاج والبرقوق.

المخرجة الإيرانية الجنسية مورجان ساترابى مع المخرج الفرنسى فنسان بارانو قدما قبل نحو خمس سنوات فيلما أثار غضب إيران عندما عُرض فى مهرجان «كان» «بيرسيوليس» وتعنى «بلاد فارس» وحصلا على جائزة لجنة التحكيم، كان فيلما بالرسوم المتحركة، واقتضت الرؤية الإخراجية تقديمه أبيض وأسود وفى بُعدين فقط من دون تجسيم البعد الثالث. كان الفيلم يروى حكاية تتماهى مع المخرجة فى علاقتها بالثورة الإسلامية 1979 وكيف أنها توجهت لكبت المرأة وإجهاض حياتها وفرض الحجاب بالقوة على النساء. ناضلت المخرجة وسافرت وهى فى الرابعة عشرة من عمرها لتعيش خارج الحدود فى النمسا ثم فرنسا ولكن لا تزال إيران فى قلبها. كان هذا هو العمق الفكرى لفيلمها الأول، وفى الثانى «الدجاج بالبرقوق» تواصل التعبير عن عشقها للبلد حتى قبل أن تولد!

فى فيلمها الجديد تعود إلى عام 58، وهو الزمن الواقعى للأحداث، ولو اتسعت زاوية الرؤية وتجاوزت الحكاية المباشرة التى تروى فيها قصة عمها وعشقه للموسيقى، لو حررت الزمان من قيوده والحكاية من شخوصها ستكتشف أنها تروى عشقها هى.. صحيح هى لم تعش واقعيا هذه المرحلة -ولدت بعدها بخمسة أعوام- ولكنك من الممكن أن ترى المخرجة التى شاركت أيضا فى كتابة السيناريو تروى مشاعرها تجاه وطنها من خلال حياة عمها البطل عازف الكمان الذى كان يبحث عن المرأة التى أَحبَّها واسمها «إيران» ولكنه لم يستطع الزواج منها لأنه مجرد موسيقى وتزوج من أخرى هى التى أنجب منها طفلين وعاش عمره نادما وهائما يبحث عن حبه المستحيل. الكمان كان هو الأداة للوصول إلى موسيقى وسحر الكون، إنها الروح المقدسة التى يريد أن يلامسها. كانت زوجته هى الواقع المؤلم الذى يعيشه مجبرا، صوتها هو المعادل الطبيعى للنشاز الذى نتعايش معه ولهذا حطمت الزوجة آلة الكمان التى حصل عليها من أستاذه وكانت هى عشقه الأثير فقرر أن يموت. الفيلم ينتقل فى الزمن لنرى البطل فى أيامه الأخيرة عندما حاول أن ينتحر حيث تبقى له سبعة أيام زيدت إلى ثمانية. وقدم الفيلم هذه المشاهد التى تميزت بتعبير بصرى وصوتى يثير الدهشة وامتزجت بخفة ظل عندما جرب كل الأنواع الممكنة للانتحار وباءت كل محاولاته بالفشل فلم يسفر الأمر إلا عن مزيد من الخوف والتشبث بالحياة ووجد أن الحل هو استدعاء عزرائيل بدلا من الذهاب إليه! الحالة التى يقدمها الفيلم أشبه بالكوميكس التى تجمع بين الرسوم والتعليق الحوارى. العناق بين الرسوم المتحركة والمشاهد التى يقدمها الممثلون يجوب الفيلم من قمة التراجيديا إلى ذروة الكوميديا، ومن التشخيص المقيد إلى التجريد المنطلِق، وأبدع ممثلوه وعلى رأسهم الممثل الفرنسى ماثيو أمالريك وزوجته التى أدت دور المرأة المسيطرة وتصل إلى حدود المرض العصبى ماريا دى ميدروسا.

المشهد الذى يقترب فيه من النهاية عندما يرى المرأة التى أَحبها ويقول لها هل أنتِ «إيران»؟ تُنكر، وحتى يصبح للزمن مرجعيته نستمع إلى حفيدتها وهى تناديها يا جدتى وتبتعد عن الأنظار وتبكى ثم نراها فى النهاية تبكيه أمام قبره. الفيلم يقدم الموت باعتباره حالة كوميدية، حتى عزرائيل يبدو وكأنه مستوحَى من عالم الطفولة يرتدى زيا أسود وله قرنان ينفّذ التعليمات الصادرة إليه بحصد الأرواح بينما هو مغلوب على أمره.

لا يقدم الفيلم نقدا أو اتهاما ضد الثورة الإيرانية لأن المرحلة الزمنية أبعد، حيث نعيش الأحداث قبل الثورة بنحو 20 عاما واختيار اسم البطلة «إيران» لا أراه أيضا يحمل سوى الحب لإيران فهى العشق الحقيقى. الثورة الإسلامية ليست هى قضية الفيلم، حب إيران هو القضية، ولهذا يروى الأحداث على طريقة «كان ياما كان» بمرح ومشاغبة وطفولة ولا تستطيع بعد أن تنتهى أحداث الفيلم سوى أن تحب الحياة وبقدر ما تحبها لا تخشى الموت. ويبقى عنوان «الدجاج بالبرقوق» وهى أكلة مغربية شهيرة لم أتذوقها من قبل ولكن المؤكد أن الفيلم أحلى وأحلى وأحلى!

التحرير المصرية في

18/10/2011

 

أيادٍ خشنة ونفوس ناعمة!!

طارق الشناوي

ببساطة وإبداع وأَلق يقدم المخرج المغربى محمد العسيلى فيلمه الثانى «أياد خشنة». كنت قد شاهدت فيلمه الأول «الطيور لا تحلق فى الدار البيضاء» فى مهرجان «كان» قبل نحو 7 سنوات وذلك فى قسم أسبوع النقاد الذى يضع دائما الضوء على التجارب الأولى المتميزة فى العالم. كان الفيلم ينتقد حال الإنسان المغربى بقدر جانح من الخيال يصل إلى آفاق الفانتازيا. فى فيلمه الثانى الذى تدور أحداثه أيضا فى نفس المدينة (الدار البيضاء) اقترب المخرج والكاتب محمد العسيلى من الواقع أكثر ولكنه ظل محتفظا بهذا الهامش المقنن من حدود الخيال الذى يسمح بالابتعاد عن الواقع بقدر لا ينتقل معه المشاهد إلى الضفة الأخرى فى قراءة العمل الفنى، حيث نظل نقف مع المخرج على أرض الواقع.

إنه الفهلوى بالمفهوم المصرى للكلمة وأيضا بالجانب الإيجابى منها فهو مع البسطاء الباحثين عن حياة أفضل سواء تحققت هذه الحياة فى الوطن أو بالهجرة خارج الحدود. الأمر يحتاج إلى تواطؤ من الجميع وإلى مساحة من الخروج على القانون وأيضا -وهذا هو الأهم دراميا- إلى تسامح من الجمهور مع هؤلاء البسطاء فى اقتناصهم لحظات السعادة القليلة فى الحياة!!

إنه الشاب الحلاق الذى يذهب إلى بيوت الأثرياء مدركا نقاط ضعفهم ومعه عربته الصغيرة ويصطحب معه مساعديْه: عازف القانون الذى يتواصل معه وهو يمسك بالمقص، وآخر متخصص فى تقليم الأظافر، بينما هو يقود العربة ويقودهم فى تلك الرحلات اليومية، ونرى من بينهم الوزير المُقْعَد الذى تسيطر على مواقفه وأفكاره زوجته المتسلطة، ونرى مجموعة أيضا من البسطاء الذين يدفعون الدراهم القليلة التى بحوزتهم لهذا الشاب الذى لم يعد شابا بعد أن تجاوز الأربعين إلا أنه صار هو المنقذ لهم.

نرى تنويعات على هؤلاء المهمشين ومحاولتهم المستحيلة للتحايل على الحياة الشحيحة عليهم ولكنهم لا يستسلمون، حتى أمه الضريرة هى نموذج لمواجهة العجز المفروض علينا والذى نولد به ولهذا قدمها السيناريو فى المشاهد الأولى وهى تعد الطعام لابنها بمفردها ثم وهى تنسج على النول وتختار الألوان بمساعدة جارتها فهى أيضا لا تعترف بالانكسار والعجز. بطلة الفيلم «هدى ريحانى» تعيش الحب مع خطيبها وتريد أن تلتحق به فى إسبانيا لتعمل فى جنى المحصول، يساعدها بطل الفيلم «محمد بساطى» فى الحصول على الأوراق اللازمة للهجرة وتبقى مشكلة أن تصبح يدها خشنة دلالة على أن لديها باعا وخبرة فى العمل ولهذا تضع على يديها الطين الخشن وتنتظر بضعة أيام وهى مربوطة حتى تثبت جدارتها بالسفر ولكن فى مفارقة مقصودة تفضحها قدماها الناعمتان. تفصيلة أخرى يضعها المخرج حيث إن البطلة كانت قد ذهبت للاختبار وهى تضع حجابا على رأسها وبعد إخفاقها وافتضاح أمرها تخلع الحجاب أمام الجميع.. كان حجابها لنفاق لجنة التحكيم!

فى هذا الفيلم الأثرياء ليسوا دائما هم الأشرار ولهذا نرى الوزير المُقْعَد فى اللقطة الأخيرة يرفع يده ملوِّحا وسعيدا للحلاق بعد أن تزوج من جارته صاحبة الحلم المجهض بعد أن تخلصت هى أيضا من خطيبها الذى سبقها إلى إسبانيا.

بطلة الفيلم مدرسة الابتدائى التى نراها فى مشهد سابق فى أثناء الفصل الدراسى وهى تتلقى مكالمة من خطيبها تقرر فيها التخلص من تلك الخطبة وتنهار ولكن تتجدد آمالها مع الحلاق الذى لا يعرف القراءة والكتابة، إلا أن كل الشخصيات تقاوم حتى تتغلب على الضعف المفروض عليها، وهكذا وهو فى الأربعين من عمره يذهب إلى المدرسة للتعلم ويطلب من جارته التى يحبها فى صمت أن تكتب له رسالة عن معاناته ليرسلها إلى من يحبها، وبعد أن تكتب الخطاب يكتب هو اسم المُرسَل إليه تكتشف أنها هى التى يحبها. ربما كانت هذه المفارقة الدرامية من كثرة تناولها فى الأعمال الفنية هى الأضعف إلا أنه يتبقى أننا بصدد فيلم يملك طموحا إبداعيا ولمحات خاصة بدأت من اللقطة الأولى التى ترى فيها بطل الفيلم «محمد بساطى» يطل على المدينة من فوق السطح من خلال مائدة تتحرك وكأنها تحلق فوقها رغم أنها ثابتة على الأرض. إن مفتاح الفيلم الخيال المقنن بتلك الرابطة العضوية بالواقع.. الفيلم يناصر البسطاء والضعفاء ويتعاطف حتى مع خروجهم عن القانون وينقل هذا الانحياز إلينا!

التحرير المصرية في

17/10/2011

 

افتتاح فى الهواء الطلق

طارق الشناوي

خلف البراءة ربما تجد مساحات من الغموض الذى يُنبت بذورا من الشك تطاردك وتحوم حولك، وتأتى لقطة النهاية وهى لا تحمل إجابة قاطعة، ولكن تطرح هى أيضا علامات استفهام جديدة.

يجمع فيلم الافتتاح الكندى فى مهرجان أبو ظبى «السيد لزهر» بين السحر والغموض، متمثلا فى قضية الانتحار والإحساس بالغربة فى المنفى الإجبارى للبطل الجزائرى، ورؤية إنسانية تحوط العالم كله، حيث تتوالد الأسئلة التى لا ندرى حقيقة إجابات قاطعة عنها، ويمنحها الغموض تفسيرات متعددة بل وأسئلة ما إن يخفت واحد حتى يتجسد أمامنا الثانى، إنها الطبيعة البشرية تختلف حدتها ودرجتها بين إنسان وآخر، إلا أنها تفضل للمسكوت عنه أن يعيش فى طىّ الكتمان حتى لا يفضح المستور، ولهذا يبدو سؤال بطل الفيلم بشير لزهر لتلاميذه عن الدودة واليرقة والشرنقة والفراشة، هى تنويعات على حقيقة واحدة مهما تعددت الأشكال. كما أنه فى حصة التعبير لا يكتفى بأن يصحح ورق الإجابات لتلاميذه، بل يطلب منهم أن يصححوا هم أيضا ورقته، كلنا أمام معضلة الحياة تلاميذ.. «السيد لزهر» يؤدى دوره بألَق ودفء الممثل الجزائرى محمد فلاق.

الكل لديه ما لا يريد إعلانه ليس فقط لأنه يخشى منه، ولكن ربما لأنه لا يدرى حقيقة تفاصيل ما يجرى ودوافعه وأسبابه الحقيقية، ولهذا نرجئ كشف الحقيقة بحجج مختلفة، بينما السبب الذى لا نعلنه عادة هو أننا لا نريد المواجهة، ولكن قبل أن نتواصل مع أحداث الفيلم أعرض عليكم أولا كيف شاهدناه.

سينما فى الهواء الطلق كان أحد الأسباب الرئيسية التى رأينا خلالها افتتاحا سينمائيا مختلفا لمهرجان «أبوظبى».. ربما لم يساعد الجو الحار نسبيا على الاستمتاع بالحالة العامة للحفل، كما أن الكراسى التى وضعت فى دار العرض المطلة على الشاطئ لم تكن ملائمة لكى نتحملها على مدى يقترب من الساعات الأربع، هذا لو أضفنا زمن تقديم الحفل، لأن هناك تأخيرا فى الموعد المحدد لبدء الحفل زاد على ساعة زمنية.. تردد أن بعض النجوم فى أثناء صعودهم على السجادة الحمراء، تلكؤوا فى السير للوقوف دقائق أكثر أمام الشاشات وعدسات المصورين.. حتى لو كان ذلك صحيحا فإن هذه تظل مسؤولية منظمى المهرجان!

الفيلم يحض على المعايشة الكاملة مع الشريط السينمائى، بينما سينما الشاطئ تحتاج إلى نوعيات أخرى تميل إلى المرح والفكاهة ولا تتطلب إلا القليل من التأمل، فهو فيلم لدار عرض جدرانها تحمى أفكارك لتتوحد مع حالة الفيلم.. ورغم ذلك فلقد تغلبت على كل الأجواء غير الملائمة للمشاهدة، لأن الفيلم لديه ما يجذب ويحض على أن تتماهى معه.. البداية ساخنة جريمة انتحار حيث نرى بعيون الطفل المُعلمة وقد شنقت نفسها فى حجرة التدريس، بعد أن اختارت هذا الموعد والمكان فى أثناء احتفال أقامته المدرسة للطلبة.. وتأتى الأسئلة متلاحقة لو أن المعلمة أرادت التخلص من حياتها فلماذا تختار الانتحار أمام تلاميذها؟ هل شعرت بفداحة جرم ما ارتكبته؟ هل مثلا تورطت فى علاقة مع أحد التلاميذ خصوصا أن هذا التلميذ ظل محتفظا بصورة شخصية لها وشاهدوه وهى تعانقه؟ يُطرح الاتهام أو ظلال له تتناثر هنا وهناك، وبعد ذلك تتوالد الإجابات أو التخمينات وربما الاتهامات، وبنفس حالة الهمس فى طرح السؤال الدرامى وتقديم الإجابة عنه.. يعانق الأستاذ لزهر فى اللقطة النهائية إحدى تلميذاته التى ينعتها بالمفضلة، مثلما عانقت المعلمة التى انتحرت تلميذا لها عناق أم لابنها، ولكن هناك من أضاف أشياء خارجة عن النص والمنطق والأخلاق!

لزهر يريد أن يعرف الإجابة، هو ليست لديه اتهامات مسبقة، ولكنها تساؤلات مشروعة للأستاذة التى اختارت أن تترك فى وجدان تلاميذها صورة لا تمحى من ذاكرتهم.. أمام إصرار الأستاذ على معرفة الإجابة تبدأ مديرة المدرسة فى محاولة لكى تكشف هى أيضا سر الأستاذ.. إنه ينتظر حق اللجوء السياسى فى كندا بعد أن اضطر إلى مغادرة بلده الجزائر فى التسعينيات، فى أثناء سيطرة الإسلاميين المتطرفين على مقدرات البلد وإرهابهم، مما أدى إلى إضرام النيران فى بيته وإلى انتحار ابنته خشية الاحتراق.. يحصل الأستاذ على حق اللجوء السياسى بعد أن تأكدت سلطات التحقيق أنه لا توجد شبهة جنائية فى انتحار الابنة.. لم يقدم المخرج وكاتب السيناريو «فيليب فالاردو» إجابات قاطعة عن أسباب انتحار المعلمة، لكن أليس من حقها أن تعانق تلميذها ببراءة؟

التحرير المصرية في

16/10/2011

 

الثورة السورية فى أبو ظبى

طارق الشناوي

نبيل المالح وماهر صليبى وفارس الحلو، مجموعة من الفنانين السوريين الكبار الذين قالوا لا وبصوت مسموع للطاغية بشار الأسد، وكان عليهم أن يدفعوا الثمن.. هؤلاء الفنانون رأيتهم فى مهرجان أبوظبى، بعضهم لا يستطيع العودة إلى سوريا وإلا.. وهذه الـ«إلا» تعنى أن ينتقلوا من الدار إلى النار، أقصد من المطار إلى سجن «المَزة» بفتح الميم وليس ضمها حتى لا يذهب خيالكم بعيدا إلى كلمة «المزز» وما تعنيه من تداعيات، لأن سجن «المَزة» -أكرر بفتح الميم- واحد من السجون السياسية الراسخة فى العالم أجمع، ويحظى بشهرة عريضة فى العالم العربى، ومن المؤكد أن الكثير من الوقائع المسكوت عنها فى هذا المعتقل والممتدة لأكثر من نصف القرن حتى قبل أن يمسك الأسد الأب بمقاليد الحكم سوف تعلن فى القريب العاجل.. عدد من الفنانين السوريين المعارضين يجازفون فى التنقل من وإلى دمشق، وبعضهم لا تزال أسرهم تعيش فى سوريا ولكنهم يعلمون أن النظام ينتظر الفرصة للتنكيل بهم وعندما يسترد أنفاسه فلن يترك أحدا منهم، تلك هى حيلة النظام السورى الآن، خصوصا فى تعامله مع النجوم والمثقفين، حيث إن التعليمات تقضى ببعض من الصبر والحذر حتى تحين لحظة الانقضاض على الثورة وبعدها يبدأ سيناريو اغتيال المعارضة أدبيا وجسديا.. النظام السورى حتى هذه اللحظة عصى على الهزيمة، ولكن على الجانب الآخر الثورة أيضا عصية على الانكسار وبحكم الزمن فإن النهاية فى هذه المعركة لن تنتهى بالضربة القاضية لأى من الطرفين، ولكن سوف تنتصر الثورة بالنقاط على النظام الذى سيتلقى مع الزمن ضربات متلاحقة وموجعة!!

الزمن يلعب لصالح الثوار والنظام يعلم ذلك، ولهذا لا تتوقف بين الحين والآخر الدعوة لمظاهرة تخرج مؤيدة لبشار بحجة أن الأمن والاستقرار يساوى بشار.

ورغم ذلك فإن الكل يُجمع حتى من يقف فى نفس الخندق مع بشار، على أن سوريا الآن لا يمكن أن تعود «سوريا بشار»، تقديس الحاكم سقط للأبد.

الفنانون الذين يشكلون الأغلبية انحازوا لبشار، وتلك هى شريعة الفنانين والمثقفين فى عالمنا العربى ولكن الوقوف فى خندق بشار درجات هناك من يعلنها مباشرة مثل رغدة وسولاف وسوزان نجم الدين وجورج وسوف، وغيرهم وهناك من يقول إنه مع استقرار سوريا ويترحم على الشهداء والمعنى الذى يتركه فى تلك المساحة هو أن الاستقرار يساوى بشار. يباركون الإصلاحات التى أعلنها بشار ولا يتناولون السنوات الـ12 التى اعتلى فيها الحكم، ولم يفعل شيئا لسوريا سوى أنه دعم بقاءه كما أنهم لا يقتربون من شرعية اعتلاء بشار سدة الحكم وتمرير التوريث واغتصاب الدستور هم يريدون أن يظل بشار رئيسا ليحصلوا على الثمن ولا يخلو الأمر من توجيه بعض اللوم إلى النظام لغياب الديمقراطية وامتلاك حزب واحد هو حزب البعث، مقاليد الحياة، كل ذلك صار مسموحا به من أجل أن يصل فى النهاية إلى أن يقتنع الشعب بمنح الأسد الصغير فرصة أخرى!!

الفنان العربى الذى نراه الآن فى مهرجان أبو ظبى لم يتم اختياره لأنه معارض لنظام بشار، ولكن لأنه أولا فنان له رصيد إبداعى.. بعض الغاضبين والثائرين مثل المخرجين الكبار نبيل المالح ومحمد ملص وأسامة محمد على سبيل المثال كانت لديهم مواقفهم قبل الثورة والأمر ليست له علاقة بالطائفية، الدليل أن أسامة محمد من أتباع المذهب العلوى مثل بشار، وهى الطائفة التى ينظر إليها أغلب السوريين باعتبارها هى التى تحكم البلد وفى يد أغلب أفراد الطائفة كل مفاتيح النظام السياسية والاقتصادية والأمنية، ورغم ذلك فإنهم يشكلون فقط 12% من السكان.. نسبة قليلة من العلويين هى التى أدركت أن النظام يكرس الطائفية، ولهذا انضموا للثورة بينما العدد الأكبر حتى بين المثقفين المنتمين لنفس الطائفة مثل الأديب العربى السورى الكبير أدونيس، لا يزال يدافع عن بشار، متجاهلا أن عقيدة المثقف هى الدفاع عن الحرية لا الحاكم!!

عندما التقيت المخرج نبيل المالح رئيس لجنة التحكيم فى مهرجان أبو ظبى، الذى أعرفه قبل نحو 20 عاما، قلت له العام القادم نلتقى فى دمشق الحرة وابتسم واكتفيت بتلك الابتسامة.. ونكتفى بهذا القدر من السياسة لنلتقى غدا مع السينما فى أبو ظبى!!

التحرير المصرية في

15/10/2011

 

إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه!

طارق الشناوي

قال له ساخرا «على فكرة أنا صاحب الضربة الجوية ما حدش قال لك قبل كده؟»، أجابه مرتجفا «طبعا يا فندم كلنا عارفين». الذى قال هو حسنى مبارك والذى ارتجف عادل حسنى، وكان فى ذلك الوقت (2001) يشغل، على حد قوله، موقع المستشار السياحى فى رئاسة الجمهورية، والمكان هو قصر الإليزيه فى فرنسا، وبحضور كثيرين مثل إبراهيم سعدة وسمير رجب وزكريا عزمى وآخرين. اكتشف عادل بعد ذلك أن سر الغضب هو فيلم «حائط البطولات» الذى تكفل به قطاع الإنتاج التابع لاتحاد الإذاعة والتليفزيون وتولى هو مسؤولية المنتج المنفذ. كان المعروف أن حسنى مبارك غاضب من الفيلم الذى يروى بطولة سلاح الدفاع الجوى، ولهذا بعد أن بدأ الاستعداد لعرضه كانت هناك تدخلات وعراقيل تشير إلى أن جهات سيادية تحول دون عرض الفيلم!

كان مبارك يشعر بأنه يساوى انتصار أكتوبر وعلى الجميع أن يعلنوا أن مبارك هو الضربة الجوية والضربة الجوية تساوى مبارك!

قبل أيام من إجبار مبارك على التنحى كان جهاز السينما التابع لوزارة الإعلام يعد فيلما عنوانه «الضربة الجوية»، وبديهى أن الكل أراد أن يحظى برضائه بعد أن عرفوا مفتاحه وهو شخصنة انتصار أكتوبر. البعض وجد فى احتفالات أكتوبر بعد إزاحة مبارك فرصة لكى يرى حائط البطولات النور.

كان قد أتيح لى مشاهدة الفيلم ربما قبل نحو عشر سنوات من خلال لجنة اشتركت فيها مع الدكتورة درية شرف الدين وآخرين، وكان رأينا أن الفيلم لا يصلح للعرض الجماهيرى لضعف مستواه الفنى. نعم كان لدى مبارك أسبابه التى تحركها الغيرة، ولكن كانت لنا زاوية أخرى، فهو كعمل فنى متواضع، ولن يؤدى التخلص من مبارك إلى إضفاء أى أهمية فنية على الفيلم!

آخر أخبار حائط البطولات أن وزير الإعلام أسامة هيكل ارتكب حماقة أخرى عندما تقدم للقوات المسلحة بطلب رسمى لكى تدعم الفيلم ببعض مشاهد توثيقية تضاف إلى الشريط السينمائى من أجل تحلية البضاعة. لا أتصور أن من الممكن إنقاذ حائط البطولات بإضافة أو حذف شىء.. الفيلم يحتاج إلى فيلم!

*****

كلنا غنينا مع عليا التونسية وموسيقى حلمى بكر وكلمات مصطفى الضمرانى «ما تقولش إيه ادتنا مصر.. قول حندِّى إيه لمصر».. كانت هذه الأغنية واحدة من اللآلئ القليلة فى المكتبة الغنائية التى جاءت بعد هزيمة 67 لتبعث فى داخلنا الأمل فى الانتصار. كان الرئيس أنور السادات فى واحدة من خطبه قد قالها بنفس الكلمات.. مثلما قال الزعيم الوطنى مصطفى كامل «بلادى بلادى لك حبى وفؤادى» فأخذها الشيخ يونس القاضى وأكملها ثم لحنها سيد درويش لتصبح هى الآن سلامنا الوطنى.

فى الذكرى الثمانين لرحيل أحد أيقونات الأدب الإنسانى، جبران خليل جبران، الذى احتفل به العالم قبل أيام قليلة على الموقع الشهير «جوجل»، اكتشفت أن السادات لم يكن هو صاحب تلك العبارة، ولكنه أخذها من الرئيس الأمريكى جون كنيدى الذى قال حرفيا «لا تسألنى ماذا يفعل لك وطنك، اسأل ماذا فعلت أنت لوطنك».. ثم كان الاكتشاف الأهم وهو أن الكاتب الأصلى لهذه العبارة هو جبران الذى قال «هل أنت سياسى تسأل ماذا يفعل لك وطنك، أم أنت غيور تسأل ماذا تفعل لوطنك؟!».

الله عليك يا جبران! استطاع فيلسوف الإنسانية أن ينحت العديد من المعانى التى صارت دستورا لحياة البشر مع اختلاف الأديان والأعراق بتلك النظرة الكلية التى تستطيع أن تصل إلى الحقيقة وتعبر حدود التاريخ وتخوم الجغرافيا بأقل عدد من الكلمات وتترك بعدها بداخلك فيضا من المعانى.. ولا يزال جبران يشكّل على الخريطة الإنسانية للإبداع أعلى المعدلات فى التوزيع ويقارَن فى تداول أعماله بالكبار أمثال شكسبير.. هل كان السادات يدرك أنه أخذ العبارة من جون كيندى؟ أعتقد ذلك.. هل كان يعرف أنها لجبران؟ لا أعتقد ذلك!

*****

لحضورى فى مهرجان أبو ظبى السينمائى لن أستطيع أن أمنح صوتى اليوم له نقيبا فى انتخابات نقابة الصحفيين.. هذا الرجل كان أحد الأصوات التى لعبت دورها بإخلاص وتفانٍ فى الحفاظ على استقلال وحرية النقابة.. أتحدث عن الزميل الكاتب الصحفى يحيى قلاش.

التحرير المصرية في

14/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)