حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

(18 يوم).. حكايات بعضها حرك المشاعر والبعض اكتفى بتسجيل الحدث

خالد محمود

يقف صناع فيلم «18 يوم» عند حدود حسن النوايا فى تسجيل لحظة هى الأهم فى تاريخ مصر المعاصر، وهى اللحظة التى ولدت معها ثورة 25 يناير، وكيف كان المخاض عسيرا وملهما ومحفزا لجيل ولأمة بكامل أطيافها.

وأنا أقول حسن النوايا لأن العمل السينمائى الذى تكون من عشرة أفلام قصيرة كمحاولة لقراءة الحدث من خلال زوايا ووجهات نظر مجموعة من المخرجين بدا وكأن ينقصه شىء رغم صوره المؤثرة.

ربما يكون مخرج مسئول أو منسق أو صاحب رؤية عامة للأعمال كشكل من حيث ترتيب الأفكار وخطها الدرامى والمشورة لمونتاج بعض المشاهد التى نقل تكرارها من عمل لآخر شعورا ببعض الملل لدى المشاهد المتشبع بالتوك شو، وخاصة تلك اللقطات التى سجلت لحظة الإعلان عن تخلى الرئيس مبارك عن الحكم والتى يظهر فيها عمر سليمان على شاشة التليفزيون، وكذلك هتافات واحدة داخل ميدان التحرير قبل وبعد 25 يناير مثل (ارحل) (هو يمشى مش هنمشى) وأيضا تكرار بعض الجمل والتساؤلات التى صاحبها الدهشة عما يحدث بميدان التحرير والتى جاءت على ألسنة بعض أبطال العمل كانت مباشرة، وربما جاء هذا الشعور بعد ما صالت وجالت برامج التوك فى نفس المنطقة خلال تلك الفترة. لكن بدون شك يجىء العمل السينمائى «18 يوم» ليكون شاهدا تاريخيا حيا على ذلك الحدث العظيم.. وحملت بعض أفلامه العشر رؤى وأفكارا وصورا وحواديت سينمائية تسللت بنعومة لموقع ذروة الحدث، وتحرك المشاعر والعقول بينما لم يضف البعض الآخر شىء وهنا أقصد كخط درامى واع.. فقط خرجت كونها بعض المشاهد التسجيلية التى لم تمتزج فيها روح الدراما لأبطالها المصنوعين مع أبطال الحدث.

والفيلم الذى عرضته شاشة مهرجان أبوظبى السينمائى فى إطار العروض العالمية كونه عرض فى ميهرجان كان، استقبلته الجماهير بترحاب وصفقت لمن حضر من صناعة المخرجين يسرى نصرالله وكاملة  أبوذكرى. شريف بندارى، مروان حامد، فادى فهيم، والنجوم يسرا، وهند صبرى، باسم سمرة، والمنتج محمد حفظى، بينما هناك آخرون لم يحضروا المشهد وهم أحمد حلمى، منى زكى، عمرو وكاد، آسر ياسين، خالد أبوالنجا، وأياد نصار، أحمد الفيشاوى ومن المخرجين الآخرين محمد على، خالد مرعى، أحمد عبدالله، أحمد علاء، مريم أبوعوف.

يبدأ العمل الذى يبقى كوثيقة لمن يقولون لنا أننا لم نحكم سوى بالكرباج ــ حسب شهادة نصر الله ــ بالفيلم الأول تحت عنوان «احتباس»، والذى اختار الرؤية الرمزية من عنبر مستشفى الأمراض العقلية ــ حيث تدور الأحداث ــ والتى تجمع فئات مختلفة من المجتمع المصرى وتكشف تناقضاته الإنسانية والسياسية، فهنا عمر درويش خريج أصول الدين الذى اتهم بالإرهاب والتطرف والجنون لأنه يصلى بالمسجد.. وآخر ينسى اسمه لأن الأمن يناديه كل يوم باسم جديد وتهمة جديدة له، وآخر قبض عليه وألقى بالمستشفى لعدم وجود بطاقة معه، وهناك صحفى ومذيع باحدى القنوات الخارجية يكشف كيف استدعته المباحث لكى لا يتحدث فى أشياء بعينها لكنه تحدث، وتوفيق أبوخضره رجل أعمال، وعبدالسلام مدرس التاريخ الذى اتهم بتحريض التلاميذ على السياسة، وفلاح، وعقيد شرطة يدعى أحمد الباسوسى.. كل هؤلاء يندمجون فى عالم واحد من الظلم والقهر بمستشفى المجانين ويسمعون عبر جهاز التليفزيون وشباك العنبر ما يدور من احتجاجات منذ يوم 25 يناير وحتى 11 فبراير.. حيث يسمعون «الشعب يريد إسقاط النظام» لقطع المستشفى الارسال التليفزيونى عبر صوت إذاعة داخلية (نظرا للتأثير السلبى لما يعرض على الشاشة قررت إدارة المستشفى قطع الإرسال، وفى يوم 10 فبراير يعود الإرسال مع صوت المذيع (الرئيس سيلقى كلمة بعد قليل) لكن مع تأخر الكلمة نرى الجميع ينام وصوت شخير ثم تضج القاعة بالضحك عندما يظهر الرئيس ليقول «عشت من أجل هذا الوطن تحملت المسئوية والواجب» ثم نرى فى 11 فبراير بيان عمر سليمان بتخلى الرئيس عن منصب رئيس الجمهورية (تصفيق) مع كلمة أحد المتهمين بالجنون (احنا غنا أو ايه لحد ما طلع، ثم نسمع المذيع الداخلى للمستشفى «تهنئ إدارة المستشفى النزلاء بنجاح ثورة وفتح الشبابيك». وفى النهاية تدور محاكمة بين الضابط وباقى النزلاء حول الموقف من الثورة فى صورة ساخرة رصدها بروح شريف عرفة.

وفى الفيلم القصير رقم 2 ــ خلقة ربنا ــ نرى بنوعة درامية حكاية شابة بائعة متجولة الميدان والتى لا تحكم بأكثر من تغيير لون شعرها، إلا أن تجد نفسها بالصدفة وسط حدث يفوق وعيها، وتتعرض دون احتجاج منها لضربات قوى الأمن، لكن وجدانها يتحرك تلقائيا لتجد نفسها مشاركة فى الحدث نفسه، وتتساءل بعد إصابتها يا ترى ربنا ها يحاسبنى لانى اعترضت على خلقته؟! وسط هتافات «باطل» وقنابل مسيلة للدموع ومشاهد مؤثرة لدهس سيارات الشرطة للمتظاهرين، حرصت المخرجة كاملة أبوذكرى على كشفها ومن الفتاة المتجولة إلى متهم داخل زنزانة صغيرة للغاية ــ عمرو واكد ــ وأمامه أحد أفراد الأمن يحقق معه ويعزبه. المتهم والفيلم يحمل رقم 1919 ويعمل كمدير مبيعات الشرق الأوسط لإحدى آلشركات، ربطوا عينيه طوال المدة، وعندما يظهر ضابط أمن الدولة الأكبر ليحقق معه ــ اياد نصار ــ يؤكد أن ما يحدث فى مصر وراؤه جهات أجنبية وفى النهاية يموت المتهم متأثرا بتعذيبه، والواقع أن أداء  ــ عمرو ــ واياد وباسم ــ كان واقعيا للغاية، عبر الآداء المتقن والاجواء المحيطة من اضاءة وتصوير، بل وكشف أحد أهم أسباب اندلاع الثورة، وكيف يعجز الأمن عن تفسير ما يحدث، وهو ما حرص على طرق المخرج مروان وحيد حامد.

فى آلعمل الرابع نرى «ان جالك الطوفان»، وفى اللقطة الأولى نرى من يبكى على خطاب الرئيس اياه ويقول: عايز يموت ويندفن فى مصر، ويرد عليه صاحب المقهى: بس بسرعة قبل ما نموت احنا؟!» وتسير الأحداث لنرى قصة شابين بلطجيين يحاولا جنى بعض المال من خلال بيع أعلام مصر تحمل صورة مبارك لمتظاهرى مصطفى محمود، عندما تبوء محاولتهما بالفشل مع مؤيدى مبارك بعد لان أعلاهمها حيث يكتبان عليها «فليسقط مبارك» وسط صورة فئة كشف ملامحها المخرج أحمد علاء.

وفى فيلم «حظر تجول» تدور أحداث الصورة التى جسد نبضها شريف بندارى فى السويس حيث نرى الجد الذى يجد نفسه عالقا مع حفيده وسط منع التجول والذى يجسد أحمد فؤاد سليم.. فالحفيد والجد ينظران للمركبات العسكرية باندهاش: ويأتي الجندى العسكرى ويسأل عن رخصة السيارة وتيساءل ألم يكن هناك حظر تجول ويبرر الجد وجوده بأن حفيده بلع لبيسة وذهبت به إلى المستشفى وعمل له إشاعة ولكن اتضح أنه كل فول نابت كثير ومعدته تعبت وعملنا له غسيل معدة، ويطلب منه الجندى أن يلف ويذهب من مكان آخر، وفى كل شارع يجد لجنة سواء عسكرية أو شعبية ويبقى فى الشارع حتى الصباح وفك ساعة الحظر وتحت  عنوان «كحك الثورة« نرى الخياط ــ أحمد حلمى ــ الذى يجد نفسه أسيرا لدكانه حيث يغلق عليه بعد سماع صوت القنابل والرشاشات ويظن أن مصر تتعرض لاعتداء إسرائيليا، وبحبس نفسه فى المحل من 30 يناير، ونراه يأتى بشريط كاسيت ليسجل بصوته رسالة لأبيه عن وضعه والأحداث المحيطة والجوع الذى يشعر به، بعد أن أكل كل الكحك، ونرى أحداث موقعة الجمل، بلقطات حية سجلها فى عمله المخرج خالد مرعى.

من الخياط إلى ربة المنزل وردة وزوجها العاطل أو البلطجى حربى (هند صبرى وآسر ياسين) فى فيلم يحمل عنوان (تحرير 2 ــ 2) لمريم أبوعوف، وفى اللحظة يأتى صديق حربى العاطل ليخبره بأن هناك شبابا يريدون تخريب البلد ويعملون لصالح أمريكا وأنهم يريدون أن يشيلوا الريس وعلينا أن نضربهم، ويذهبوا بالأسلحة البيضاء، وهنا تطلب وردة من حربى أن يخلى باله من نفسه لانه لابد ان يسعى لقوت عياله، ويمنحها 50 جنيها اعطاها له صديق، الذى وعده بخمسين أخرى بعد انتهاء العملية، وبالفعل نرى حربى يأتى غارقا فى دمائه ويعطى وردة الخمسين الأخرى تغطيها دماء الشهداء فى مشهد رائع ومعبر ومؤثر وكخلفية لموقعة أدانها التاريخ والبشرية.. لكن هل كان حربى يعى ما يفعله؟!

وفى فيلم آخر بعنوان «شباك» نرى الأداء أكثر هدوءا وصمتًا.. فلا مجال بلغة الحوار.. لنرى شابا من عشاق الفيس بوك مرتبطا عاطفيا بجارته.. دون أن يعرب عن ذلك، فهو طوال الوقت يجلس على الكمبيوتر وينظر لها من النافذة ليراها تحمل أعلام وتكتب شعارات وتنزل الميدان، ولكنه ينتفض داخليا عندما يقطعون إرسال الإنترنت، ويضطر للاندماج فى الصورة الثورية التى عبر عنها أحمد عبدالله.

«أخيرا خرجت.. وأنا كنت مرعوبة» هكذا نطقت بطلة قصتنا الجديدة فى فيلم «داخلى خارجى» التى تجسدها منى زكى فى صورة تسير فيها فى ميدان التحرير، لتكشف كيف كانت تخشى الخوف من المشاركة لكنها بدت وكأنها تحررت من الخوف والقهر الذى تمارسه الحياة والزمن والنظام ونرى أيضا صديقه لهما ــ يسرا ــ تحمسها على المشاركة لكن زوجها الرافض الكائن بالمنزل لا يحب ذلك، لكنه شيئا فشيئا تحركه مشاعره لادراك الحدث ونراه وفى الصورة يمسك بيد زوجته داخل ميدان التحرير وسط الثوار.. وهو  المشهد الذى دعت إليه صورة المخرج يسرى نصرالله.

وكان آخر الأعمال هو «أشرف سبرتو» الذى صور فيه المخرج أحمد علاء قصة حلاق شعر يتجول بفضل الثورة مالمصرية إلى بطل بعدما فتح محل الحلاقة لاستقبال جرحى الميدان، لدرجة أصبح يتعامل كطبيب يخيط الجروح ويداويها بالسبرتو.

وأشرف سبرتو كان هو وزوجته يتشاجران كأى زوجين حول مستلزمات العيش.. كانت حياة صغيرة تشغلهما وتؤرقهما.. الزوجة لم ترغب فى الانجاب حتى لا يتعذب الطفل فى مصير مجهول وشائك، وهو يريد أن يكون أساسى إلى ان تفك روح الثورة الأزمة وتنفرج المشاعر والرغبة فى العيش دون خوف أو حسابات فهناك شىء ما حدث ويحدث، عبر عنه أداء صادق لمحمد فراج وسمير غانم.

واقع الأمر أن أحداث ثورة 25 يناير تتطلب المزيد من العبر سينمائيا على رصدها ورؤيتها بشكل أعمق لكن مخرجى 18 يناير أصروا على تسجيل الصورة والحدث كتوثيق حقيقى لأهم 18 يوما فى مصر عبر تجارب إنسانية ووجهات نظر لمجموعة صناع الفيلم حتى وان كانت النية تتجه بعيدا عن الشعارات أو المباشرة السياسية وذلك برصد قصص بشر احاطت بهم الثورة واحاطوا بها.. إلا أن الاعتماد على شاشات وبيانات التليفزيون فى بعض الأعمال قلل شيئا ما من دفء حكايتها، وشخصياتها المستوحاة من قلب المجتمع.

التجربة تكررت فى الخارج وبالتحديد فى أحداث 11 سبتمبر، حيث يدرك كثير من شباب السينمائيين وشيوخهم تسجيل الحدث الأكثر تأثيرا، ويبقى «18 يوم» إحدى اللوحات السينمائية التى رسمت أحداث 18 يوما غيرت وجه ليس مصر وحدها بل والعالم العربى، فى معرض سينما الثورة الذى لم تكتمل ملامحه بعد.

الشروق المصرية في

22/10/2011

 

18 يوم

كمال رمزي  

كأن الروح الجماعية التى انصهرت فى ميدان التحرير، انتقلت إلى هذا الفيلم الذى أبدعه عشرة مخرجين. صحيح، من قبل، شاهدنا أفلاما مكونة من ثلاث قصص أو أربع، حققها ثلاثة أو أربعة مخرجين، لكن هذه المرة، يطالعنا على الشاشة، فى مسابقة لم تحدث من قبل، هذا الكم من الأفلام، بتوقيع مخرجين ومخرجات، من عدة أجيال، وإن كان يغلب عليهم روح الشباب، نابضة بالحيوية والعزيمة والأمل. والأهم أن مقاطع الأفلام تتوالى أمامنا، من دون كتابة اسم المخرج، وبالتالى بدا وكأننا فى بهو مرايا، تتكامل مع بعضها بعضا، تعكس، من زوايا متعددة، حدثا مصيريا جليلا، يمتد طوال «18 يوم».. ويقدم بحنو وتقدير، النماذج البشرية المشاركة فى الثورة، بمن فى ذلك هؤلاء الذين وقفوا ضد الثوار، بل ضد مصالحهم التى انفجرت الثورة من أجلها، وذلك بسبب ضعف وعيهم فى حجرة ضيقة، فى منطقة عشوائية، تتحمل الزوجة، هند صبرى، قسوة الحياة بجلد، زوجها ــ شأن عشرات الرجال ــ عاطل عن العمل. يأتيه صديق له، ضخم الجثة، يعطيه ورقة من فئة الخمسين جنيها ويعده بمثلها عقب الانتهاء من «المصلحة». المصلحة هى تأديب وتشتيت شباب ميدان التحرير، العملاء، المندسين، الذين يأكلون الكنتاكى ويمارسون، فى الخيام، أعمالا منافية للآداب، ويريدون إسقاط الرئيس. وبحماس يغادر الفارس الخائب، التعيس، مؤيدا من زوجته الغلبانة، حاملا معه ما تيسر من سلاح أبيض. وعن طريق المشاهد الوثائقية، والأخبار التليفزيونية، نشهد طرفا من هجوم الغوغاء على شباب التحرير، ويتابع الفيلم عودة بطله الأرعن، منهكا، مهلهل الملابس المهلهلة أصلا. يمد يده لزوجته بورقة الخمسين جنيها، مخضبة بالدم. لقطة، تقول الكثير، باختزال وتكثيف.

من بين الأفلام، تبرز صورة بائعة الشاى فى ميدان التحرير، صبغت شعرها أمس باللون الأصفر. تحلم بالزواج، ضابط من غلاظ القلوب يحطم أكوابها. تتماهى مع شاب محمول على الأعناق، يهتف طلبا للعدالة والحرية. تأتى ساعة الجحيم مجسدة فى عساكر يضربون الثوار بهراوتهم، وقناصة جبناء يطلقون رصاصهم. بائعة الشاى تتهاوى صريعة، وتركز الكاميرا المرهفة على عينيها وقد بقى فيهما شيئا من أمل.. وثمة، فى فيلم آخر، حلاق، حاصل على ليسانس الحقوق، يفتح وكأنه فى أحد أيام الثورة، يغلق الباب أثناء المواجهات. يسمع دقات على الباب وأصوات تطلب جرعة ماء لمصاب. بعد تردد يفتح الباب، يدخل مصاب، وآخر، ثم آخرين. طبيب يجرى خياطة جروح الأبطال داخل الدكان، يساعده الحلاق، يندمج معه فى العمل، يقص الشعر المحيط بجروح الرأس، ولاحقا، مع ازدياد الأعداد، يقوم بالخياطة بنفسه. إنها قصة من قلب الواقع.. ولا تفوق مجموعة الأفلام أن تخصص واحدا منها لما جرى داخل مقر «أمن الدولة» من تعذيب منحط لواحد من خير أولاد مصر.. ولكن، خارج السلخانة، تهتف الجماهير «أمن الدولة.. باطل».. الهتافات، بمغزاها الثورى، الإنسانى، الساخر أحيانا، جزء من بنية الفيلم، شأنها شأن المشاهد الوثائقية، والأخبار الواردة على القنوات، وكلها تندمج فى النفس الروائى، فيأتى «18 يوم» معبرا عن روح الميدان البطولية، التى لن يفتر ألقها.

الشروق المصرية في

22/10/2011

 

المهرجانات تنجـب أفـلاما!

كتب طارق الشناوي 

افتتح الأسبوع الماضى مهرجان «أبو ظبى» السينمائى الدولى دورته الخامسة ومع كل مهرجان خليجى يُطرح نفس السؤال وعلى طريقة السؤال التقليدى: «البيضة أم الفرخة»؟ هل الأجدى أن تتوجه رؤوس الأموال إلى صناعة أفلام سينمائية أم تتبدد فى إقامة مهرجان سينمائى تنتهى فعالياته بعد بضعة أيام وينتهى أيضاً تأثيره؟.. أليس من الأجدى أن تُصنع أفلام أولا وبعد ذلك تقام مهرجانات تشارك فيها سينما البلد المضيف صاحب الأرض.. تحول هذا السؤال إلى «راكور» ثابت لا يتغير فى كل مهرجان خليجى إلا أننا فى السنوات الأخيرة وجدنا أمامنا زاوية رؤية أخرى مختلفة ربما تحمل رداً عملياً على السؤال، إنها تلك الأفلام التى ترى فيها مثلاً مهرجانات مثل «أبو ظبى» و«دبى» و«الدوحة» مشاركة فى إنتاجها.. بالطبع فإن تقديم الأفلام هو الهدف الأسمى الذى ينبغى أن تسعى إليه كل الدول إلا أننا لسنا فى مجال اختيار بين فيلم ومهرجان، ولكن ما الذى يضمن أن ميزانية المهرجان سوف تتوجه بالضرورة إلى إنتاج فيلم سينمائى؟ الحقيقة هى أن المهرجانات أنجبت مهرجانات قبل أن تنجب أفلاماً، ولكن هذه المهرجانات أيضاً بدأت تتسابق فى دعم الأفلام العالمية التى يشارك فيها ممثلون عرب، وسبق مثلاً فى مهرجان أبو ظبى العام الماضى أن شاهدنا فيلم «لعبة عادلة» بطولة «شون بن» الذى شارك فى إنتاجه مهرجان أبوظبى وقبلها فيلم للمخرج العالمى «ريدلى سكوت» وهو «مملكة الجنة» حيث لعب دور «صلاح الدين الأيوبى» الفنان السورى «غسان مسعود».

منصة انطلاق مهرجانات الخليج، المؤكد أنها انتعشت مع بداية مهرجان «دبى» السينمائى الدولى 2004 الذى يتوجه أساساً للسينما العربية من خلال جائزة «المهر العربى»، حيث حقق حالة من النجاح بتواصله وتفتتح الدورة الثامنة يوم 7 ديسمبر القادم ورسوخه على الساحة دفع «أبوظبى» لإقامة مهرجان بتوجه آخر بعد ثلاث دورات من «دبى» ثم مهرجان «الدوحة» الذى انطلق بعد عامين من «أبوظبى» وسوف يفتتح يوم 25 أكتوبر دورته الثالثة، أى أن الفارق الزمنى بينهما لا يتعدى ثلاثة أيام، حيث يختتم «أبو ظبى» فعالياته اليوم السبت، وبالتأكيد فإن إقامة مهرجان الدوحة بعد مهرجانى «دبى» و«أبوظبى» يحمل فى جانب منه رغبة سياسية لأن تتواجد «قطر» على خريطة المهرجانات الخليجية، وكانت مثلاً مملكة البحرين قبل 12 عاماً هى التى بدأت الخطوة الأولى من خلال جمعية سينمائية يرأسها المخرج البحرينى «بسام الزوادى»، ولكنها تعثرت.. بينما يتواصل رغم كل الصعوبات التى تواجهه مهرجان «مسقط» السينمائى الذى يعقد بميزانية محدودة وفعاليات أيضاً محدودة مرة كل عامين إلا أنه - وهذا يحسب للجمعية السينمائية التى يرأسها خالد الدرجانى - يعقد ويحاول أن يتواجد على الساحة الخليجية.

ويبقى أن المهرجانات السينمائية تخلق دائماً حالة من الشغف السينمائى لدى الجمهور ويستطيع المهرجان أن يخلق مناخاً يساعد على إنتاج الأفلام.. الفيلم بحاجة إلى توجه يحمل فى أعماقه بعدين: فكرى وتجارى.. السينما الناطقة باللهجة الخليجية وتتناول قضايا محلية لا يتم تسويقها إلا فى إطار السوق الخليجية، وشركات الإنتاج لا تتحمس لإنتاج الفيلم الذى يشكل بالنسبة لها خسارة مادية.. إلا أن إقامة مهرجان سينمائى باتت تحمل قوة ضغط لضرورة إنتاج سينمائى فى مجال الفيلم الطويل وهناك بعض الأفلام تم إنتاجها مؤخراً ويتم الدفع بها للاشتراك رسمياً فى التسابق فى مجال الفيلم الروائى مثلا عرض مهرجان أبوظبى فى هذه الدورة الفيلم الإماراتى «ظل البحر» للمخرج نواف الجناحى.. أيضا نجد فى الأفلام التسجيلية والقصيرة الخليجية إبداعات خاصة.. يظل المهرجان السينمائى يملك بداخله قوة لكى يطرح سؤالاً «أين الفيلم الخليجى الطويل»؟! وهذا السؤال أصبح بمثابة نقطة انطلاق لتقديم إجابة عملية وهى بالفعل أن نرى فيلماً خليجياً روائياً طويلاً وكل عناصره الإبداعية خليجية فى مهرجانات مثل دبى وأبو ظبى ومسقط، وهو ما سوف نشاهده فى مهرجان الدوحة الذى يفتتح الثلاثاء المقبل.

وسوف نعاود قريبا الحديث عن الكثير من تفاصيل أفلام وكواليس مهرجان أبو ظبى فى تلك الدورة المليئة بالمفاجآت السينمائية!

مجلة روز اليوسف في

22/10/2011

 

"دجاج بالبرقوق" يقتنص اللؤلؤة السوداء في مهرجان "أبو ظبي"!!

طارق الشناوي – mbc.net 

كانت المحطة الأولى لفيلم "دجاج بالبرقوق" هي مهرجان "فينسيا" في شهر سبتمبر الماضي؛ حيث لاقى الفيلم حفاوة نقدية وجماهيرية هائلة، ولكنه خرج خاوي الوفاض من الجوائز.. المحطة الثانية في "أبو ظبي" ليجمع بين الحسنيين جائزة الإقبال الجماهيري والنقاد؛ حيث حقق أعلى إيرادات في المهرجان، كما حظي بمتابعات نقدية هائلة وتوج أخيراً بالجائزة الكبرى "اللؤلؤة السوداء" أفضل فيلم في مهرجان"أبو ظبي" التي أعلنت مساء الجمعة الماضية.

اسم الفيلم يوحي على الفور بطبخة أغلبنا لم يتذوقها وربما كنت مثلاً من الذين لا يفضلون الدجاج أو البرقوق، إلا أنني أؤكد بأنه مهما كانت لك من ملاحظات سلبية على الوجبة الغذائية فسوف تستمع كثيراً بالوجبة السينمائية وستظل تتذكرها كثيراً لو أتيح لك أن تتذوق الفيلم فلن تنساه سوف يظل له مذاق خاص في وجدانك.. عندما شاهدته في بداية أيام المهرجان في حفل الساعة السادسة وكان في خطتي أن أواصل المشاهدة طبقاً لجدول العروض ذلك اليوم في فيلمين آخرين، إلا أنني لم أستطع شعرت بأنني لو فعلتها سأرتكب خيانة عظمى في حق الدجاج والبرقوق!!

المخرجة الإيرانية الجنسية "مورجان ساترابى" مع المخرج الفرنسي "فنسان بارانو" اشتركا في إخراج هذا الفيلم، حيث سبق وأن قدما معاً أيضاً قبل نحو خمس سنوات فيلم أثار غضب إيران عندما عرض في مهرجان "كان" وعنوانه "بيرسيوليس" وتعني "بلاد فارس" وحصلا على جائزة لجنة التحكيم كان فيلماً بالرسوم المتحركة واقتضت الرؤية الإخراجية تقديمه أبيض وأسود وفي بعدين فقط بدون تجسيم البعد الثالث.. كان الفيلم يروي حكاية تتماهى مع المخرجة في علاقتها بالثورة الإيرانية 1979 وكيف أنها توجهت لكبت المرأة بل قيدت حرية المجتمع الإيراني كله.. ناضلت المخرجة وسافرت وهي في الرابعة عشر من عمرها لتعيش خارج الحدود في النمسا ثم فرنسا ولكن لا تزال إيران في قلبها.. كان هذا هو العمق الفكري لفيلمها الأول وفي الثاني "الدجاج بالبرقوق" تواصل التعبير عن عشقها للبلد حتى قبل أن تولد!!

في فيلمها الجديد تعود إلى عام 58 وهو الزمن الواقعي للأحداث ولو اتسعت زاوية الرؤية وتجاوزت الحكاية المباشرة التي تروي فيها قصة عمها وعشقه للموسيقى لو حررت الزمان من قيوده والحكاية من شخوصها ستكتشف أنها تروي عشقها هي.. صحيح هي لم تعش واقعياً هذه المرحلة -ولدت بعدها بخمسة أعوام- ولكنك من الممكن أن ترى المخرجة التي شاركت أيضاً في كتابة السيناريو تروي مشاعرها تجاه وطنها من خلال حياة عمها البطل عازف الكمان الذي كان يبحث عن المرأة التي أحبها واسمها "إيران" ولكنه لم يستطع الزواج منها لأنه في عرف عائلتها مجرد موسيقي لا يستطيع توفير حياة كريمة لها وتزوج من أخرى هي التي أنجب منها طفلين وعاش عمره نادماً وهائماً يبحث عن حبه المستحيل.. الكمان كان هو الأداة التي من خلالها يسعى للوصول إلى الخط السحري الذي يقربه من موسيقى وسر الكون إنها الروح المقدسة التي يريد أن يلامسها.. كانت زوجته هي الواقع المؤلم الذي يعيشه مجبراً صوتها هو المعادل الطبيعي للنشاز الذي نتعايش معه كثيراً في حياتنا وكانت هي الكابوس المزعج لبطل الفيلم ولهذا حطمت الزوجة آلة الكمان التي حصل عليها من أستاذه وكانت هي عشقه الأثير فقرر أن يموت لأنه لم يبق له شيء يعيش من أجله .. الفيلم ينتقل في الزمن لنرى البطل في أيامه الأخيرة عندما حاول أن ينتحر حيث تبقى له سبعة أيام زيدت إلى ثمانية.. وقدم الفيلم هذه المشاهد التي تميزت بتعبير بصري وصوتي يثير الدهشة وامتزجت بخفة ظل عندما استخدم كل الأنواع الممكنة للانتحار وباءت كل محاولاته بالفشل فلم يسفر الأمر إلا عن مزيد من الخوف والتشبث بالحياة ووجد أن الحل هو استدعاء عزرائيل بدلاً من الذهاب إليه!!

الحالة التي يقدمها الفيلم أشبه "بالكوميكس" التي تجمع بين الرسوم والتعليق الحواري.. العناق بين الرسوم المتحركة والمشاهد التي يقدمها الممثلون يجوب الفيلم في تتابع لقطاته من قمة التراجيديا إلى ذروة الكوميديا ومن التشخيص المقيد إلى التجريد المنطلق وأبدع ممثليه وعلى رأسهم الممثل الفرنسي "ماثيو أمالريك" وزوجته التي أدت دور المرأة المسيطرة وتصل إلى حدود المرض العصبي "ماريا دي ميدروسا" ولا أدري كيف تخطت جائزة أفضل ممثل " ماثيو أمارليك"؟!

المشهد الذي يقترب فيه من النهاية عندما يرى المرأة التي أحبها ويقول لها هل أنت "إيران" تنكر نستمع إلي حفيدتها وهي تناديها يا جدتي لنكتشف كم مضى من السنين وتبتعد عن الأنظار وتبكي ثم نراها في النهاية تبكيه أمام قبره.. الفيلم يقدم الموت باعتباره حالة كوميدية حتى عزرائيل يبدو وكأنه مستوحى من عالم الطفولة يرتدي زيّاً أسود وله قرنان ينفذ التعليمات الصادرة إليه بحصد الأرواح بينما هو مغلوب على أمره.

لا يقدم الفيلم نقداً أو اتهاماً ضد الثورة الإيرانية لأن المرحلة الزمنية أبعد حيث نعيش الأحداث قبل الثورة بنحو 20 عاماً واختيار اسم البطلة "إيران" لا أراه محملاً بأبعاد سياسية هو فقط يحمل الحب لإيران فهي العشق الحقيقي.. الثورة الإيرانية ليست هذه هي قضية الفيلم حب إيران هو القضية ولهذا يروي الأحداث على طريقة "كان ياما كان" بمرح ومشاغبة وطفولة ولا تستطيع بعد أن تنتهي أحداث الفيلم سوى أن تحب الحياة وبقدر ما تحبها لا تخشى الموت.. أفلام قليلة هي التي تظل تشغل مساحة لا تمحى من مشاعرك مهما شاهدت قبلها وبعدها من أفلام و"دجاج بالبرقوق" واحد منها بالتأكيد مذاقه سيبقى كثيراً وربما من أجله سوف تغير رأيك لو لم تكن من عشاق الدجاج البرقوق وتجربه!!

الـ mbc.net في

22/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)