حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

مقالات من داخل المهرجان

فوضى العلاقات وانسداد أفق المستقبل

"أيادٍ خشنة" للمغربي محمد عسلي

نديم جرجوره

بعد سبعة أعوام على إنجازه فيلمه الروائي الطويل الأول بعنوان "الملائكة لا تطير فوق الدار البيضاء" (2004)، عاد المخرج المغربي إلى السينما، محقّقاً "أيادٍ خشنة" (2011). بعد سبعة أعوام عمل أثناءها في اشتغالات سينمائية متفرّقة (معهد لتدريس السينما بمنهجية تطبيقية ميدانية، إنتاج أفلام قصيرة، إلخ.)، وجد محمد عسلي في صناعة الفيلم الخاصّ به لحظة إنسانية هدفها جعل الكاميرا نافذة العالم، وإن كان العالم حميمياً أو خاصّاً أو فردياً، وإن كان العالم منغلقاً على اتّساع المدينة على آفاق انكسارات ناسها وخيباتهم. فيلمه الأول مشغول بإيقاع هادئ، انزوت فيه أمور الذات والصراع الخفي بين ريف ومدينة، أو بين حبّ وواجب. فيلمه الثاني مصنوع برقّة تأمّلية لم تبلغ مرتبة التأمّل العميق في أمور الدنيا وأحوال ناسها التي بلغها فيلمه الأول، لكنها ذهبت إلى الأشياء الواقعية، وواكبت حراك العيش اليومي في الدار البيضاء، أي في الفضاء المديني الذي حاصر الناس بالقسوة والألم وانسداد الأفق. الشخصيات منطوية على نفسها غالباً. باحثةٌ هي عن منفذ للانعتاق من وطأة الخيبات والانكسار. ساعية لفهم آلية الحياة، وفقاً لمعطيات القدر، أو لمسارات البيئة وناسها. ذلك أن "أياد خشنة" (مسابقة "آفاق جديدة")، بالإضافة إلى التقاطه نبضاً حادّاً في المواقع الاجتماعية والحالات النفسية والانفعالية للشخصيات، وعلاقاتها وارتباطاتها، بدا مشبعاً بخليط التأمّل والغليان، داخل أزقّة الأمكنة والنفوس والأحاسيس المتضاربة.

الشخصيات عاملةٌ في أمور شتّى. حاجاتها منبثقة من قسوة التحدّيات المزمنة. أو من رغبة في الذهاب إلى ما هو أبعد من اللحظة، وما هو أكبر من الحيّز الضيّق. شخصيات مجبولة بالقهر والاحتيال والعمى. فالقهر دفع زكيّة (هدى ريحانا)، المُدرِّسة الشابّة الصبيّة، إلى استخدام الحيلة أيضاً من أجل اللحاق بخطيبها المهاجر في إسبانيا. مصطفى (محمد بسطاوي) خبير في كل شيء تقريباً. يمارس مهنة أساسية: تسهيل المعاملات المختلفة لقاء رشى مالية متعدّدة، ولا يتردّد عن حلاقة شعر وزير مُصاب بفالج، لأن هذا يؤمّن له مزيداً من التسهيلات والحِيَل، عبر زوجة الوزير المريض. مستندٌ هو إلى علاقات وثيقة بوزراء ومسؤولين كبار. لا يتردّد عن ارتكاب أي فعل، لكن بشكل خفيّ غالباً. مقيمٌ هو ووالدته العجوز العمياء، المُشرفة على حياكة السجاد. مساعده وناسه يحيطون به. في الخفاء، تسير الأمور. في العلن أيضاً. هذا يؤدّي إلى صدامات أحياناً. هذا يعني اختزالاً لحالات إنسانية ونماذج حيّة تعاني الأمرّين وسط انهيارات كثيرة.

الفساد مادة انتقاد حادّ. هذا التواطؤ بين الجميع على استخدام أساليب مواربة لتسهيل أمر ما، أو لتحسين عيش ما، شكّل دافعاً لقراءة بؤس العلاقات القائمة على المصالح المشتركة، أو المتضاربة. شكّل مدخلاً إلى قراءة الهامش، من دون الابتعاد المطلق عن المتن. فبين الهامش والمتن، سرد محمد عسلي في "أياد خشنة" قصصاً، ورسم حالات، وقال موقفاً نقدياً بدأه في فيلمه السابق، وأرد استكماله في فيلمه الثاني هذا. وإذا غاص السينمائي المغربي في أمور ملتصقة به، فإن "أياد خشنة" يعكس مرارته إزاء فوضى العلاقات، وإزاء شقاء الحياة. أما الانهيار الذي عرفته زكية للحظات عابرة داخل غرفة الصفّ المدرسيّ، فنموذج بصري حيوي لمأزق الهلع، ولضيق أفق الحياة في تلك المدينة.

في الجانب السينمائي، أدخل محمد عسلي كاميراه إلى وسط الناس ونفوسهم وارتباكاتهم. أدخلها إلى عمق الحكايات، كي تستخلص منها نماذج تروي مقتطفات من سِيَر أناس. التوليف المعتمد أظهر حجم المسافات الفاصلة بين الشخصيات، وقدّم رؤية بصرية للغليان المتفشّي في النفوس، جرّاء ضغط سلطوي متنوّع الأشكال والأحجام.

من داخل المهرجان في

13/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)