كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

في ختام الدورة الـ69 لبرلين السينمائي الدولي:

جوائز متوقعة وخروج مشرف لديتير كوسليك رغم الانتقادات

رانيا الزاهد

مهرجان برلين السينمائي الدولي

الدورة التاسعة والستون

   
 
 
 
 
 
 

بعد شد وجذب وجدل حول اداء ادارة ديتير كوسليك، وضعت كلمة »نهاية مشرفة» علي الدورة الـ69 من مهرجان برلين السينمائي الدولي، وهي دورة الوداع لكوسليك الذي امضي 18 عاما الماضية في رئاسة المهرجان. بعد اعلان الجوائز توافد عشاق السينما إلي دور العرض في اليوم التالي للاستمتاع للمرة الأخيرة بالافلام الفائزة من مختلف أقسام المهرجان هذا العام

لم تكن الجوائز بعيدة عن توقعات النقاد حيث فاز الفيلم الإسرائيلي »مرادفات» للمخرج جداف لابيد بالدب الذهبي، كما فاز الفيلم بجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما »فيبريسي» اما جوائز الدب الفضي فحصدها فيلم فرانسوا اوزون »بمباركة الرب».. أما جائزة الدب الفضي لأفضل سيناريو فجاءت من نصيب نورا فينجشتيت عن فيلم »محطمة النظام» »الفريد باور» وجائزة الدب الفضي لأفضل مخرج لأنجيلا شانيليك عن فيلم »كنت في المنزل ولكن». وفازت بالدب الفضي لأفضل ممثلة لي ايمان دونجشيان عن فيلم »سو لونج ماي صن» وبالدب الفضي لأفضل ممثل طوانج جينج تشون عن نفس الفيلم.

جوائز مسابقة الأفلام القصيرة حصل فيها علي جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم قصير فيلم Umbra من إخراج فلوريان فيشر وجوهانز كريل؛ اما الدب الفضي لأفضل فيلم قصير كانت لفيلم Blue Boy من إخراج مانويل أبراموفيتش. وجائزة آودي للفيلم القصير ذهبت لفيلم کise من إخراج باربرا واجنر وبنجامين دي بروس.

قبل اعلان الجوائز، كان هناك نوع مختلف من الجدل حول الانسحاب المفاجئ لفيلم »لثانية واحدة» للمايسترو الصيني زانج ييمو بسبب ما اطلق عليه »الصعوبات التقنية»، ولكن كان من المفهوم أن هذا هو التعبير الدبلوماسي عن حالة الاستنكار التي اعلنتها السلطات الصينية من الفيلم، الذي يتناول الموضوع الحساس للثورة الثقافية في الصين.

علي الرغم من الانتقادات التي تعرض لها ديتير كوسليك طوال الفترة الماضية بعد أن بلغت أرقام تضخم حجم المهرجان تحت إدارته 3 اضعاف، وهو ما دفع سينمائيين ألمانا إلي مطالبة مونيكا جروتاس وزيرة الثقافة بضرورة تغيير هذه الادارة بقيادة جديدة تجدد نظام البرمجة في المهرجان وتحد من عدد أقسامه، إلا أنه من الصعب وصف اخر دورة له بالفشل كما وصفها بعض النقاد، وهو ما دفعه لاصدار »كشف حساب» بما حققته هذه الدورة من نجاحات مثل بيع 335 ألف تذكرة لعروض في برامج المهرجان المختلفة، وخمسة ملايين تذكرة لحوالي 7 آلاف فيلم تم عرضها في فترة رئاسته ككل للمهرجان.

من عام 2002 إلي عام 2019، طور ديتير كوسليك سوق الأفلام الأوروبية المصاحب للمهرجان EFM.
تحت إدارة ديتر كوسليك، رسخ برلين مكانته كأكبر مهرجان للجمهور في العالم، ونما المهرجان وفتح نفسه لمجموعات مستهدفة جديدة وفي عام 2019 بشكل خاص اجتذب البرامج حوالي 22 ألف محترف معتمد من 135 دولة، بالاضافة بالاهتمام لعرض الفن السينمائي بجوانبه وأشكاله وأنواعه المتعددة مع عقد نقاشات حية في السينما والفن والصناعة. كما حقق »سوق الأفلام الأوروبية» هذا العام نتائج إيجابية، مع ارتفاع نسبة حضور الزوار والعارضين في موقعي سوق EFM حيث شارك أكثر من 550 عارضا من 67 دولة، بما في ذلك لأول مرة أوزبكستان، والذين قدموا أنفسهم في ما يقرب من 200 جناح للمشاركين من 111 دولة. ومن بين 730 فيلمًا تم عرضها في أكثر من 1000 عرض للسوق، كان هناك 600 عرض تقريبًا لأول مرة في السوق. ووفر »مركز برلينال إفريقيا» منصة لتنوع السينما الإفريقية. وكانت صالة عرض زوو بلاست كاملة العدد باستمرار خلال »أيام مسلسلات الدراما». تم تقديم رؤي في المشاريع الحالية والقادمة في سوق المسلسلات الدولية، وكذلك في استراتيجيات وخطط أهم المشاركين في السوق
.

اهتم كوسليك هذا العام بتخصيص اليوم العالمي لصندوق السينما حول وضع صناعة السينما في البرازيل. حيث تم تخصيص عروض إضافية للموضوع وركزت علي الاستراتيجيات التي قد تصل بها الأفلام إلي المشاهدين المستقبليين ودور الصندوق المحتمل في هذه العملية. تم عرض ستة أفلام بتمويل من الصندوق في برنامج مهرجان هذا العام.

أما في قسم برلين تالنت او مواهب برلين اهتم كوسليك بالانفتاح والتعاون والحوار علي أسس متساوية من خلال مشاركة شخصيات مثل شارلوت رامبلن وأندريه تيخينه وديفيد لوري وجيمس شاموس وجوانا هوغ وغاي ناتفيف وأدينا بنتيلي وروبرتو سافيانو في اجتماع لتبادل الأفكار مع 250 موهبة شابة وآلاف الزوار. المواهب هذا العام، جاءت من 77 دولة، وشهدت مشاركة عربية كبيرة.

فيما يتعلق بموضوع المساواة بين الجنسين، اختار كوسليك توسيع مشاركة المرأة في المهرجان ليس في المسابقة الرسمية فقط بل في جميع برامج المهرجان وحتي الجوائز الشرفية واعضاء لجنة التحكيم. كما وقع أيضاً علي تعهد »5050-2020» ، وهو التزام بالعمل نحو تحقيق المساواة بين الجنسين في المهرجان والسوق في الاعوام المقبلة.. والان يستعد واحد من أعرق المهرجانات السينمائية لبداية جديدة مع رئيس جديد وهو الايطالي كارلو شتريان الذي كان مديرًا فنيًا لمهرجان لوكارنو السينمائي، الذي يترأس الدورة السبعين للبرليناله والتي ستقام من 20 فبراير إلي 1 مارس 2020.

 

####

 

أنا حرة

جيل المحاربات

رانيا الزاهد

المرأة ليست ضعيفة أو قليلة الحيلة وغير قادرة علي المنافسة، بل علي العكس، أثبتت ذكائها وقوتها علي مر التاريخ، لتتخطي أعتي الازمات في المجتمعات العربية والغربية، لذلك لا استطيع أن أفهم إصرار البعض علي تصدير صورة القهر والتميز ضد المرأة خاصة فيما يتعلق بمشاركتهن في المهرجانات السينمائية الدولية مثل كان وبرلين وفينيسيا؟! فقد وقع ديتير كوسليك رئيس الدورة الـ69 لمهرجان برلين الدولي علي برنامج»5050-2020»، وهو التزام بالعمل لتحقيق المساواة بين الجنسين في المهرجان والسوق في الاعوام المقبلة، ليبعد الاتهامات التي تعرض لها كان وفينيسيا ووصفهم بمهرجانات مصابة بالـ»ذكورية السامة» أو اعتبارها نوادي » للرجال».

المساواة بين الجنسين قضية تخص القوانين المنظمة للمجتمع ولا يمكن فرضها علي الإبداع فهو أمر مختلف يخضع لقوانين فنية بحته لا تنظر للجنس أو اللون أو الديانة أو السياسية، وحدها المعايير الفنية هي التي تحدد الاختيار لذلك يجب وقف نغمة »التمييز» والمطالبات باختيار مخرجات في المسابقات بمنطق »الكوتة»، فالمشاركة بالإكراه لن ينتج عنها سوي جيل من »المستسهلات» بدلا من جيل المحاربات.

rania.alzahed@hotmail.com

أخبار اليوم المصرية في

22.02.2019

 
 
 
 
 

أنغيلا شنلك أفضل مخرجة في برلين:

المشكلة أن يُنظَر إلى الفيلم باعتباره شيئاً يجب شرحه

برلين - هوفيك حبشيان

جائزة أفضل إخراج ("دبّ فضّة") ذهبت هذا العام في مهرجان برلين السينمائي (٧ الجاري- 17 منه) إلى الألمانية أنغيلا شنلك عن فيلمها "كنت في البيت، ولكن". المخرجة البالغة من العمر ٥٧ عاماً، بدأت حياتها المهنية ممثلة على خشبة المسرح، إلا أنها اتّجهت لاحقاً إلى الإخراج. هي من السينمائيين الذين أسسوا في مرحلة ما بعد سقوط جدار برلين، ما عُرف بـ"مدرسة برلين"، نسبةً الى أكاديمية برلين للتلفزيون والسينما التي خرج منها أمثال كريستاين بتزولد وتوماس أرسلان. أنجزت إلى اليوم، ستّة أفلام روائية طويلة آخرها "كنت في البيت، ولكن"، عمل مشبّع بالمواقف العبثية يستلهم وليم شكسبير وميشائيل هانكه من دون بلوغ قسوتهما.

مرة أخرى، "الكارهون" سيقولون انها فازت بالجائزة لاعتبارات جندرية (٤٠ في المئة من الأفلام المشاركة في المسابقة حملت تواقيع نسائية، وهذه سابقة في تاريخ مهرجان برلين). إلا أننا لو تعمّقنا في الفيلم، لوجدنا أنه يستحق بجدارة هذه الجائزة تحديداً، لأنه عمل "إخراجي" في المرتبة الأولى. كثر لم يفهموا منه الكثير، ولعلّ منهم مَن لم يفهمه بالمرة، لأن شنلك لم توفّر الكثير من المادة أو المعلومات عن شخصية الأم (مارن أغرت)، رغم أنها محور الفيلم، وعليها، كما بدا لنا (الا اذا أخطأنا الفهم)، التعامل بهدوء مع عودة ابنها المفاجئة إلى البيت بعد غياب دام أسبوعا. هذا كله يثير قلقاً، فيتحول إلى أسئلة وجودية، مسرح وسينما وأشياء أخرى رهن الاكتشاف.

أتيحت لـ"النهار" خلال تغطيتها الـ"برليناله" محاورة شنلك مع اثنين من الصحافيين، الا ان الحوار تجاوز بمراحل عبثية الفيلم. كانت شنلك تختصر الأجوبة إلى حدّها الأدنى، وأحياناً لا تعرف ماذا تقول، أو تنطق بأشياء غير مفهومة لا يمكن صياغتها. بعض الأسئلة جاء الرد عليها كحالة استنكار. كما عندما أردتُ معرفة إذا كان هناك معطيات شخصية في الفيلم. فردت: "في كلّ فيلم، قد تجد عناصر مستقاة من التجربة الفردية. الكتابة الفيلمية غير ممكنة من دون أن تغمس ريشتك في ذاتك".

تروي شنلك أن الصورة التي ألهمها هي صورة لصبي في الثالثة عشرة من العمر، أي كائن لا هو طفل ولا هو راشد. رأته يخرج من الطبيعة بملابسه المتّسخة ليعود إلى المدرسة. "صحيح كما قلت، لا أمنح الكثير من المعلومات عن الظروف التي أصوّرها والشخصيات التي أقدّمها. لا أخشى ان يولّد هذا حالة من الالتباس عند المتلقي. يمكنك ان تشاهد فقط ولا تفكّر كثيراً. المشكلة هي ان تشعر بعدم الرضى، بسبب اعتقادك انك فهمتَ شيئاً بشكل خاطئ. هذا يجعلني أشعر بالفشل لأنني لا أريد ان أترك أحداً غير راض أو غير سعيد. ولكن من الطبيعي ان ترى الأشياء انطلاقاً من تجربتك الخاصة. هذه التجربة هي تجربتك، تتشاركها إلى حدّ ما مع الآخرين، ولكن ليس كلياً. حياتك كانت مختلفة عن حياتي، فلمَ عليك ان تربط الصورة بحقيقة ما، بشيء خارج عن تجربتك؟".

عن الطرافة الخفيفة التي نلتقطها بين سطور الفيلم، تقول ان هذه الطرافة بلا "بانتشلاين". "هذا النوع من الدعابة بلا نهاية عندي. لكنني آخذها على محمل الجدّ، وإلا لما تمكنتَ من كتابة طرفة واحدة. هذه الجدية تتحول عندي إلى طرافة. هي تأتي لأنه لا يمكن توقيفها، لهذا السبب تحتاج إلى بعض الوقت. كلّ ظرف أصوّر فيه الناس هو ظرف "حدث لهم". وهذا يعني أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء حياله. إنه رد فعل وليس فعلا. لذلك يقومون بما تمليه عليهم أجسادهم. نعم، يُمكن رؤيتهم كحيوانات".

أردتُ معرفة المزيد من شنلك عن المشهد حيث تتحدّث الأم مع المخرج الجالس على درّاجته الهوائية، مفنّدةً فيلمه. فيرد عليها الأخير انه يتوجب عليها على الأقل ان تشاهد فيلمه، وليس جزء منه كما فعلت هي. سألتها إذا كانت غمزة إلى النقّاد الذين يخرجون من الصالة، ولكن هذا لا يمنعهم من الكتابة عنه، فكان ردّها: "هذا ليس السبب الذي جعلني أكتب هذا المشهد. كتبته لأنه يحصل ضمن موقف معين: شخصان يلتقيان بالصدفة أمام متجر، وهناك علاقة مهنية بينهما، ولأن الحديث هو عن الفيلم، فيتكلّمان عنه. ولكنني لا أريد توجيه النقد إلى أحد. الموقف فرض نفسه، ولا هدف آخر لي منه. إذا أراد النقّاد رؤيته على هذا النحو، فليكن".

تعترف شنلك بأنها ليست مهتمّة بالواقعية. لا تهدف البتة إلى أن تقدّم شيئاً يشبه الحقيقة التي نراها بالعين المجردة، إذ لا يكفي أن يضع المخرج الكاميرا في مكان ما، كي يصرخ المُشاهد "آه، هذه قطعة من الحياة". كلّ لقطة في الفيلم تكاد تكون صورة فوتوغرافية منفصلة عن السياق العام للفيلم. تعليقي هذا تردّ عليه بضحكة: "هذا لأنني لا أحرّك الكاميرا إلا إذا كان هناك سبب لتحريكها. لا أفعل ما يتوقّعه المشاهدون من الكاميرا. غالباً، لا أحرّكها، لأنه من الأفضل البقاء على الصورة الثابتة".

لا تميل شنلك الى الشرح والخوض في التفاصيل. التعابير تخونها وأحياناً تغمض عينيها وتصمت بحثاً عنها، قبل ان تصرّح مستسلمةً: "المشكلة هي أن يُنظَر إلى الأفلام باعتبارها أشياء يُمكن أو يجب شرحها. وان السبب خلف إنجاز الأفلام هو ان تشرح شيئاً ما. الأفلام أكثر من هذا بكثير. هي مناسبة لقضاء بعض الوقت مع الصور والأجساد والظروف. إنها فرصة لاختبار شيء ما. علاقة السينما بالعقل أقل بكثير من علاقتها بالاحساس".

عملت شنلك مع ممثّلين محترفين وآخرين غير محترفين. "أحاول ألا أتكلّم معهم عن البسيكولوجيا. عندما أخضعهم لكاستينغ، أتأكد اذا كان ممكنا العمل وإياهم من دون ان يتوجب عليّ ان أشرح لهم الظروف البسيكولوجية للشخصيات. هذا لا يوصّلنا إلى أي مكان. انها مضيعة وقت، لأنك تخاف من بذل الجهد. أكتفي بأن أقول لهم ماذا يجب ان يفعلوا".

في رأي شنلك، ان تحقيق فيلم شيء في منتهى التعقيد. عليك بالتمويل، ثم قد يتوقف كلّ شيء في منتصف الطريق بعد سحب الدعم منك. "لا تستطيع ان تنجز فيلماً بمفردك، كما الحال مع كاتب أو رسّام. عليك بالكثير من الوقت والعديد من الناس. من دونهم، لا يتحقق الفيلم".

ترفض شنلك التأخر في الأسباب التي جعلت مهرجان برلين يختار فيلمها في المسابقة. تقول انه ليس لديها أدنى فكرة، والأجدر بنا التوجّه بالسؤال إلى الإدارة. "كلّ ما أعرفه هو ان هناك أفلاما عظيمة لمخرجات وأفلاما مملّة لهن. وينسحب هذا على الرجال أيضاً. لي جمهور صغير في ألمانيا. كلما ابتعدتُ عن بلدي، "هانت" حالتي. السبب هو انه لا اهتمام حقيقيا بالسينما هنا. ألمانيا بلدٌ غنيٌ جداً، ولكن الاهتمام لا يصب الا في الصناعة السينمائية، بمعنى سينما تحقق الايرادات. أعرف ان هذا موجود في دول أخرى، ولكن لا أستطيع الا ان أتكلّم عن الدولة التي أعمل فيها. ولكن صحيح أننا لسنا الاستثناء الوحيد".

"مدرسة برلين، ألا تزال موجودة؟"، نسألها في ختام اللقاء. تجيب: "نحن الآن نصنع الأفلام منذ أكثر من ٢٠ عاماً. أحد ما كان ليتوقع ان نستمر كلّ هذا الوقت. ثم، كلّ منّا ذهب في اتجاه مختلف. لا أعتبر نفسي من هذه المدرسة. كأي مجموعة، نرى الأشياء التي تفصل الأعضاء أكثر من الأشياء التي يتشاركون فيها. واليوم، بعد مرور وقت طويل، من الواضح ان فيلم لمارين أده، لا يمت بصلة الى فيلم من إخراجي". 

النهار اللبنانية في

23.02.2019

 
 
 
 
 

"مترادفات".. نقد سينمائي لاذع للجيش الإسرائيلي في سياق كوميدي

أمير العمري

الفيلم المتوج بـ"الدب الذهبي" في مهرجان برلين سيثير غضب الفرنسيين لأنه يسخر من قيمهم الوطنية، والإسرائيليون سيجدونه يدين الدولة ويسخر من الجيش.

حصل الفيلم الإسرائيلي "مترادفات" Synonyms على الجائزة الكبرى “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي كما حصل على الجائزة التي يمنحها الاتحاد الدولي للنقد والصحافة السينمائية، وهي المرة الثانية خلال عامين، التي يفوز فيها فيلم إسرائيلي ينتقد السياسة الإسرائيلية بقسوة وفي سخرية لاذعة، بجائزة رئيسية في مهرجان دولي كبير بعد فيلم “فوكس تروت” الذي حصل قبل عامين على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا.

في البداية شاب يتحرك في شوارع باريس، وتتحرك معه الكاميرا في حركة دودية سريعة من زاوية منخفضة في لقطات متوسطة وقريبة تشي بحالة البارانويا والاختناق التي يشعر بها في أعماقه، يسير بطلنا “يواف” وكأنه تحت تأثير منوم، يردد كلمات محمومة عن رغبته في التخلص من هويته الإسرائيلية وأن يصبح فرنسيا تماما.

لا أحد يعرف بالضبط كيف وصل “يواف” الذي كان جنديا في الجيش الإسرائيلي، إلى هذه البناية البورجوازية في قلب العاصمة الفرنسية باريس، ولا كيف عثر على تلك الشقة الفخمة الفارغة تماما التي يتجرد فيها من ملابسه ويترك حقيبته الصغيرة التي كان يحملها فوق ظهره، لكي يغتسل، ثم يفاجأ بعد ذلك بأنه فقد حقيبته وملابسه أيضا وأصبح وحيدا عاريا عديم الحيلة في تلك الشقة، يتحرك من غرفة إلى أخرى عاريا بحثا عن ملابسه، وهو يرتعد من البرد ثم يهبط إلى الطابق الأسفل ليطرق الباب، ولكن لا أحد يفتح له ليصعد وينتهي الأمر به وقد استسلم للنوم من شدة التعب داخل “البانيو”.

هذا المشهد يبدو وكأنه يدور بين الحلم واليقظة. فالشقة ليس من الممكن أن تكون واقعية، والإنقاذ الذي يأتي من الجيران غير واقعي لكنه “المستحيل الممكن” حسب أرسطو، الذي هو أفضل من “الممكن المستحيل”. والمخرج الإسرائيلي “ناداف لابيد”، يتبع في فيلمه أسلوبا يصنع صورة تدور بين الواقع والخيال، بين الحاضر والذاكرة، وبين الماضي والحاضر. إنه يعتدي ويجرح ويهين ويحطم الكثير من المستقرات، وكأنه يرغب في تحرير الفيلم من فكرة الإيهام بالواقع من دون أن يتخلى تماما عن خلق صورته الخاصة عن الواقع، وهي صورة تنبع من داخل الشخصية الرئيسية (يواف). فالفيلم يكاد يكون بأكمله مصورا من وجهة نظره، وهو عندما يسير في شوارع باريس يخفض بصره إلى الأرض، يرفض أن يكون سائحا يتطلع في انبهار إلى معالم باريس السياحية الشهيرة التي تجتذب الملايين، لكنه جاء لكي يتخلى عن ماضيه، عن هويته الإسرائيلية، عن انتمائه العائلي والوطني، وأن يصبح مواطنا فرنسيا خالصا.

الثنائي الفرنسي

جيران يواف في المسكن الذي اقتحمه كما لو كان يعرف مقدما أنه خالٍ، اثنان، شاب وفتاة، إميل وكاثرين. الأول يريد أن يصبح كاتبا وقد بدأ بالفعل في تأليف كتاب يشي عنوانه العجيب بحالته النفسية هو “ليل الكسل”، أما كاثرين فهي عازفة على آلة الأوبوا في فرقة سيمفونية. إنهما نموذجان مثاليان للطبقة الوسطى الفرنسية باهتمامها الكبير بالشكل، بالأناقة، بالتلاعب باللغة، بحي الاستطلاع والدهشة إزاء الغريب. الاثنان يعثران على يواف فيحملانه إلى شقتهما الفخمة، يتولياه بالرعاية إلى أن يستفيق ويسترد الحياة. يقول لهما إنه إسرائيلي جاء إلى باريس لكي يتخلص من هويته الإسرائيلية تماما وأنه يريد أن يجيد اللغة الفرنسية. يمنحه إميل مبلغا معتبرا من المال، وبعض الملابس وأهمها بالطبع المعطف الأصفر المميز الذي سنشاهده به طيلة الفيلم في تناقض لوني مثير للسخرية مع جميع المحيطين به خاصة في المشاهد الخارجية العامة (لهذا اللون تحديدا معنى خاصا في الذاكرة اليهودية). ينصرف يواف لكن العلاقة مع إميل وكاثرين ستظل متصلة.

أول ما يفعله يواف في باريس هو أن يذهب ويشتري قاموسا للغة الفرنسية ويأخذ في حفظ الكلمات والمترادفات ويرددها بشكل محموم أثناء سيره. وعندما يصف يواف لإميل إسرائيل التي هجرها، يستخدم الكثير من المترادفات التي تخرج من فمه مندفعة محمومة عنيفة مثل (مقرفة، كريهة، فجة، عقيمة، تافهة، شيطانية، فاقدة الروح.. إلخ). ويبدو “يواف” وكأنه يردد مونولوجا طويلا عدائيا رافضا لإسرائيل بحكم تجربته القاسية في الجيش تحديدا وهو ما سيتضح في ما بعد من خلال اللقطات والمشاهد التي تعبر ذاكرته ويسترجع من خلالها تجربته العبثية القاسية في الجيش. ويستخدم المخرج الأغاني الأميركية الشائعة والرقصات للتعليق الساخر على هذه المشاهد ومنها مشهد التدرب على إطلاق النار.

هل يستطيع يواف أن يصبح فرنسيا في فرنسا وهو الإسرائيلي الذي تكوّن وعيه وشخصيته في النظام الإسرائيلي: الاجتماعي، السياسي، التعليمي، والعسكري؟ إن يواف نتاج الذكورية الخشنة الإسرائيلية، بينما جاراه الفرنسيان نموذجان لفرنسا “الأنثوية” الرقيقة الناعمة التي تريد أن تحتضنه أو بالأحرى، تلتهمه وتخنقه في ثقافتها.

من السيرة الشخصية

في الفيلم جانب مستمد من السيرة الشخصية للمخرج “ناداف لابيد” الذي هبط إلى باريس قبل نحو عشرين عاما وقضى هناك سنوات، قبل أن يرتد عائدا إلى إسرائيل. وهو يصف هنا تلك الحالة النفسية الشعورية العبثية التي تنبع من شخصية الغريب القادم من مجتمع ذي تكوين شديد الاختلاف إلى فرنسا، ساعيا للاندماج، ويلجأ في سبيل ذلك إلى هدم ما يعتبره الأساس الأول للهوية أي اللغة، فهو يقرر ألا يتحدث العبرية على الإطلاق مهما كانت الظروف، وأن يتعلم الفرنسية ويحفظ كلماتها ومترادفاتها، ولكنه في حاجة أيضا إلى العمل. يلتحق بالعمل كحارس أمن في القنصلية الإسرائيلية حيث يجد نفسه تحت إمرة ضابط مخابرات عنيف، وزميل له، كان الاثنان قد خدما من قبل في الجيش الإسرائيلي، وهما يمثلان نموذجا نمطيا للإسرائيلي الذكوري العنيف. يتلقى درسا في كيفية رصد أي شيء يتعلق بالعرب: الكلمات والأسماء، والصور والإشارات والملابس والأشكال.

إننا أمام نوع من الكوميديا العبثية التي تصل في بعض المشاهد إلى السيريالية في سياق أسلوب يتجاوز الحداثي ويقفز كثيرا إلى ما بعد الحداثي.. والفيلم يلعب على فكرة الأنماط الشائعة والقوالب، فإميل وكاثرين يعكسان ما هو مستقر في ذهنية “الآخر” عن الفرنسيين من خلال الأفلام والإعلام عموما: فهما ينتميان للطبقة البورجوازية الكلاسيكية، يعتبران “يواف” صيدا ثمينا، إميل يريده أن يزوده بذكرياته عن الفترة التي قضاها في الجيش لكي تساعده في الانتهاء من كتابه، وكاثرين تستولي عليه جسديا، بل ويلتصق به إميل حد الاستغلال الجنسي أيضا. أما الاستغلال الحقيقي المباشر الذي سيتعرض له فسيأتي على يدي مصور فرنسي في مشهد يتمادى في السخرية والنيل من الصورة الفرنسية المقولبة: إنه المصور الذي يصور يواف بعد أن يدفعه للتجرد من ملابسه تماما، ثم يطلب منه أن يتحسس جسده ويتلوى في حركات جنسية مثيرة وأن يضاجع نفسه بدس إصبعه في مؤخرته. يلجأ يواف لهذا العمل، كـ”موديل” في أفلام وصور جنسية مقابل المال. وهو لا يمانع من التعري والعبث بجسده لكن أكثر ما يصدمه ويقاومه ما يطلبه منه الفرنسي من ترديد عبارة من العبارات المثيرة بلغته العبرية التي قرر التخلي عنها. إنه يرضخ من أجل الحصول على المال، ولكنه يستخدم كلمات لا يفهمها الفرنسي بالطبع، مليئة بالشتائم والكلمات النابية التي يوجهها للفرنسي!

زميله ضابط الأمن في السفارة، مصاب بلوثة اسمها “العداء للسامية” ينتابه الشعور بأن العالم كله أصبح معاديا لليهود، وأن فرنسا هي قلعة العداء للسامية. وهو يقفز أمام الجمهور في إحدى محطات مترو باريس ثم يردد بطريقة عدوانية تشي بالتحدي: “أنا يهودي.. من إسرائيل”، وسط دهشة الجميع، وصدمة “يواف”.. فهذا الحارس هو نقيضه، فبينما يرغب يواف في التخلص من يهوديته، يستعرض الثاني في استعلاء وتحدٍ هويته اليهودية الإسرائيلية بل ولا يجد غضاضة في ترديد النشيد الإسرائيلي.

فرنسا إذن تستغل يواف وتستخدمه ولا تريد الاعتراف بسهولة بأنه يمكن أن يصبح فرنسيا. وهو من جهته يرفض الفن الذي تقدمه كاثرين وفرقتها السيمفونية. وعندما يلتحق بمدرسة لتعلم اللغة الفرنسية وكيف يصبح مواطنا فرنسيا، وسط مجموعة من ذوي الأصول الأفريقية والصينية وغيرهم، يجد نفسه أمام نوع آخر من الشوفينية الفرنسية والاعتزاز الوطني بالقيم الفرنسية من خلال ما تقوم بتلقينه لهم المعلمة الفرنسية، بل يكتشف أن كلمات النشيد الوطني الفرنسي مليئة بالعنف والحض على القتال والتباهي بالانتصارات العسكرية. فهو يهرب من ثقافة العنف الإسرائيلية، ليجد نفسه مطلوبا منه ترديد أفكار مماثلة عن التباهي بالانتصارات العسكرية والحروب إن أراد أن يصبح فرنسيا.

في أحد المشاهد يقف يواف في الليل أمام كنيسة نوتردام الشهيرة ويتطلع إليها وهو يرفع يديه في ما يبدو كنوع من الاحتجاج على شعوره بالضآلة خاصة وأننا نراه من زاوية مرتفعة حيث يبدو قزما صغيرا أسفل المبنى الشاهق المهيب.

الولادة المستحيلة

الحبكة التقليدية مفقودة. أي أننا لسنا أمام قصة لها بداية وذروة ونهاية، بل مشاهد متفرقة تجمع بينها الحالة النفسية للبطل/اللابطل، الذي يبدو وكأنه يريد أن يقاتل ضد ماضيه وحاضره بل وضد نفسه، ويتطلع إلى ولادة جديدة سيدرك في النهاية أنها مستحيلة، وأن الخروج من تحت جلد الذات أمر مستحيل لمن تكوّن وانصهر في أتون تجربة ذات طبيعة خاصة. ويمتزج النقد اللاذع في الفيلم بروح السخرية، وتتفجر الكوميديا، ليس فقط من خلال التعليقات اللفظية، بل أساسا، من المفارقات بين الشخصيات التي تنتمي إلى ثقافتين مختلفتين، ومن التناقض بين شخصيات الإسرائيليين أنفسهم. وتقترب بعض المشاهد من السيريالية كما أشرت، ومنها على سبيل المثال مشهد يدور أمام القنصلية الإسرائيلية حيث يتجمع العشرات من الأشخاص وراء حاجز أمني، ثم يبدأ هطول المطر، ويرتبك رجال الأمن الذين يبذلون جهدا في إبعاد الناس عن مدخل السفارة، فيقوم يواف بإزاحة الحواجز ويترك الجميع يجتازون الحواجز الأمنية ويدعوهم أيضا للدخول إلى مقر القنصلية وكأنه يريدهم أن يحتلوا المبنى. وكأنه ينتقم من ذلك الهوس الأمني الإسرائيلي التقليدي.

ويصل المشهد الذي يدور في حجرة الدرس وتعلم كيف تصبح مواطنا فرنسيا إلى ذروة العبث عندما يقف “”يواف” يردد نشيد “المارسييز” بصوته الجهوري ولهجته الفرنسية الخشنة، بطريقة استعراضية مسرحية ساخرة.

من أبرز الجوانب الفنية التي منحت الفيلم رونقه وسحره وقوته التعبيرية الهائلة أداء الممثل الجديد “توم مرسييه” الذي اكتشفه المخرج وتمكن من القبض على مفاصل الشخصية بتناقضاتها وعنفها الداخلي القابل للانفجار، مع مزيج من القلق والتوتر والاكتئاب المفاجئ والانبساط الذي يأتي أيضا فجأة، والنزعة الانطوائية الناتجة عن الشعور بالغربة، وفي النهاية، ذلك الحس الأبدي بالاغتراب عن النفس وعن العالم. وهذا الاغتراب ناتج عن التجربة الشخصية القاسية. إنه يؤدي أداء شديد القوة بجسده وقسمات وجهه وقدرته على التحكم في عبارات الحوار بالفرنسية، وإجادته التعامل مع المواقف المختلفة. هذا اكتشاف حقيقي دون شك بالنسبة لهذا النوع من الأفلام “الاحتجاجية” التي بدأت تكثر في السينما الإسرائيلية.

من المؤكد أن يثير الفيلم (وهو من الإنتاج المشترك مع فرنسا وألمانيا) مشاعر الغضب عند كل من الفرنسيين والإٍسرائيليين، فالفرنسيون سيجدونه غير منصف لثقافتهم بل ويسخر أيضا من قيمهم الوطنية التي يعتزون بها. والإسرائيليون سيجدونه منحرفا عن طريق “الولاء الوطني” يدين الدولة ويسخر من الجيش.

وكانت وزيرة الثقافة الإسرائيلية قد سبق أن وجهت اتهامات كثيرة وصلت إلى حد الاتهام بـ”الخيانة الوطنية والعمالة” إلى شموئيل ماعوز، مخرج الفيلم الإسرائيلي البديع “فوكس تروت” Foxtrot (الحائز على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا السينمائي قبل عامين) بسبب نقده اللاذع للجيش الإسرائيلي. كما قاطعت الحكومة الإسرائيلية في العام الماضي، مهرجانا مخصصا للأفلام الإسرائيلية في باريس بسبب عرض “فوكس تروت” في الافتتاح.

كاتب وناقد سينمائي مصري

العرب اللندنية في

24.02.2019

 
 
 
 
 

«مترادفات» ناداف لابيد: نقد «معقّم» لإسرائيل

سعيد محمد

Synonymes (أو مترادفات ــــ 123د ــــ 2019) للإسرائيلي ناداف لابيد، توّج أخيراً بجائزة الدب الذهبي في الدورة 69 من «مهرجان برلين السينمائي». من خلال سيرة شبه ذاتية عن مجند إسرائيلي يحاول الخروج من جلده والتلحّف بهويّة مختارة، يعيد الشريط طرح أسئلة الهويات المعاصرة التي باتت تقلق العالم. لكنه يغرق تحت ثقل الكليشيهات والرموز التوراتية، ويعجز عن تقديم معالجة مقنعة تخدم قضيّة الفيلم المفترضة

لندنطالما قال المسرحي الألماني المعروف برتولد بريخت باستحالة فصل الفنون عن السياسة. كل فنّ - سينمائياً كان أو غير ذلك - مهما بدا محايداً، هو في النهاية تعبير عن موقف سياسي للمؤسّسة المنتجة له. لكن دعنا ننسى بريخت قليلاً ولنأخذ بنصيحة العميد ميري ريجيف وزيرة الثقافة الإسرائيليّة، التي هنّأت مواطنها المخرج ناداف لابيد على الفوز بـ «دب» برلين الذهبي، لكنها دعت إلى التروّي في مشاهدة فيلمه «مترادفات» قبل أن نحكم عليه. لذا يجب أن نضع جانباً أن لابيد الكاتب وصانع الأفلام الإسرائيلي والمجنّد السابق في جيش الاحتلال ـ كما معظم الإسرائيليين والإسرائيليات ـ يحاول موضعة نفسه على الساحة الثقافيّة كناقد بأدوات سينمائيّة لمآزق الهويّة الإسرائيليّة من النوع الذي تحبه وترضاه المؤسسة الصهيونيّة (فيلم Policeman أو «الشرطي» 2011 و The Kindergarten Teacher أو «معلّمة الحضانة» 2014)، وأن منتج الفيلم هو سعيد بن سعيد التونسي المتفرنس والمتطرّف في حبّ إسرائيل وكراهيّة العرب، أو حتى الاعتبارات السياسية الضمنية لكن الحاسمة التي تحكم عمل منح الجوائز ذات الطابع الثقافي في الغرب، بداية من «نوبل» السلام (هنري كيسنجر فاز بها 1970) وانتهاء بمهرجانات السينما والموسيقى والأدب... فكيف ببرلين التي ما زالت تعيش تحت هاجس كوابيس الهولوكوست ومشاعر الذنب الجمعيّة العميقة منذ سبعين عاماً؟ سنضع كل ذلك جانباً ولنتحدّث عن الفيلم المتوج بالذهب الألماني من الناحية المهنية الصرف

مَن يعرف المزاج الحاكم في أوروبا هذه الأيّام، لا سيّما بين المثقفين، يدرك حتماً كثافة ضباب القلق الهوياتي الذي يضرب أطنابه من أقصى القارة إلى أقصاها، ويدفع بالشعوب إلى التنقيب عن هويّات وطنية كانت ذبلت لبعض الوقت بعد خراب الحرب العالمية الثانية ولاحقاً تمكّن المنظومة الرأسماليّة الليبراليّة المعولمة الطابع من إحكام سيطرتها على معظم الكوكب، وتراجع سيادات الدول الوطنيّة لمصلحة عصر «الباكس أميريكانا» الجديد. صراع الهويات المستعادة هذا أتى كاحتجاج على الفشل الاقتصادي الشامل الذي مسّت نتائجه القطاع الأعرض من المواطنين، لا سيما بعد أزمة الـ2008، وما لبث أن تقمّص على أيدي سياسيين شعبويين لباس العداء للمهاجرين، وللأقليّات، وملامح موجة مستجدة من العداء لليهود والمسلمين
لذا، فإن فيلماً يدّعي التأمل في هذه القضايا، سيحظى بلا شك باهتمام النخبة الأوروبيّة، فما بالك بفيلم يأتي بالهوية الإسرائيليّة الأشد تعقيداً واختناقاً بما لا يقاس ويعِد بقراءتها في مواجهة هويّة أخرى، اكتسبت ــــ في نموذج باريس ولو على صعيد كليشيهات أُفرط في استخدامها حتى فقدت معناها تماماً ــــ هويّة كوسموبولاتينية نقيضاً للإسرائيليّة ورمزاً للحريّة والأنوار والمساواة (إذا سمح لنا ذوو السترات الصفر). عربياً، يهمنا طبعاً أن نفكك عقل هذا الإسرائيلي وهويته الملتبسة، لا سيّما أننا نكنّ نوعاً من إعجاب ولو خافت بالمنشقين عن الكيان الملفّق من أمثال المؤرخ إيلان باببه أو الروائي جيلاد أتزومان اللذين كشفا عن مآزق بنيوية في عمق سايكولوجيا الشخصية الإسرائيلية المعاصرة

كلّ هذه الآمال المعلقة على «مترادفات» باءت بالفشل

منذ اللحظة الأولى، تأخذنا شخصية المجند الإسرائيلي السابق يؤاف (يلعب الدور الممثل الإسرائيلي توم ميرسيه) في مواقف مفتعلة متخمة برموز توراتية حول الهجرة والتيه والتطهر والبدايات الجديدة في «جيروسالم – يوتوبيا» معاصرة تلعب دورها باريس. لا نعرف ما الذي يدفع يؤاف لترك عالمه الحالي وكيل الشتائم (المترادفة) له، بينما هو لاحقاً في حوار مع والده الذي كان يحاول ثنيه عن الهجرة، يخبرنا أنّ الفترة التي أمضاها في الخدمة العسكريّة كانت أجمل أيام حياته! وفجأة كما السحر، يظهر الرجل في شقّة باريسيّة باذخة لكن فارغة في ريو سولفرينو يحمل حقيبة ظهر وخيمة نوم متنقلة وقليلاً من الطعام. لكن ما تلبث وتسرق منه ــ لسبب غير مفهوم - بينما هو يمارس العادة السريّة ويستحم تحضيراً لولادته الجديدة، فرنسياً بالاختيار. عارياً من دون ملابسه ـ ومشاهد العري الكامل تكررت خلال الشريط بدون داع درامي أحياناً - يحاول يؤاف الاستعانة بجيرانه في المبنى الفخم، لكن لا أحد يستجيب لهذا الأجنبي ذي اللكنة الثقيلة الذي يطرق الأبواب عارياً. يعود بعدها ويتمدد يائساً مرتجفاً في حوض الاستحمام. لا نعلم لاحقاً ما إذا كان الثنائي الفرنسي المتبرجس إميل (كيونتين دولاميير) وكارولاين (لوي شيفوليت) اللذين عثرا عليه صباح اليوم التالي، هما شخصيتان وهميتان في أحلام رجل يفارق الحياة أم أنهما بالفعل حقيقيّتان. لحظة اللقاء العجيبة هذه تخلق مثلث حبّ سريّ ملتبس يستند إليه السرد مطولاً، وإن كان لا ينجح إطلاقاً في استكشاف إمكاناته الرمزية والسيكولوجية العميقة، ليكون أشبه بفرصة ضائعة

يسجّل «مترادفات» بعدها رحلة تيه رجل يهرب من تاريخه ولغته وذاته حاملاً براءة زائفة (كيف يمكن أن تحتفظ ببراءة بعد الخدمة في الجيش الإسرائيلي؟) وبيده قاموس مترادفات فرنسي يستعين به للتعبير عن نفسه حتى عندما يلتقي بإسرائيليين. حبكة الفيلم وسرد أحداثه وحركة كاميراته المزعجة في تموجاتها أحياناً، تشبه السير في قلب مأساة سيكولوجية سورياليّة قائمة على تسطيح ثنائيات المواقف بين الأبيض والأسود على خلفيّة مشاهد من العاصمة الفرنسيّة مع تطويل لا لزوم له أحياناً، أو خطوط سرد واهية أحياناً أخرى

فرصة ضائعة أخرى حيث المدينة كانت موضوع البحث. باريس هذه المدينة العظيمة اكتفت في «مترادفات» بأن تكون مجرد خلفيّة تمنح الفيلم لوحات بصريّة، من دون محاولة التنقيب في ما وراء التناقض بين العمارة الساحرة في بعض الأحياء وأكياس القمامة المتراكمة في أحياء أخرى. هكذا تجد شيئاً فشيئاً أنك لم تفهم مشكلة الهويّة المهجورة ولا مشكلة الهويّة المكتسبة وتكتفي بملاحقة استعراضات يؤاف الجسديّة والهزليّة المثيرة للاهتمام أحياناً، لكنها ساذجة في أحيان أخرى ولا تساعد على إكساب الفيلم شخصيّة أو طرازاً محدداً

نقابل في الشريط شخصيّة إسرائيلي آخر، يارون، الذي يفترض أنه يمثل نقيض يؤاف لجهة أنّه اليهودي الفخور بإسرائيليته المتحدي للعابرين في المدينة والساعي للمواجهة معهم بسبب أو بدونه. لكن هذا التناقض أيضاً لم يستكشف، ولم يضف كثيراً على السياق الدرامي ليكون كذلك فرصة ضائعة أخرى.

تجوال على سطوح الهوية والهجرة والأقدار والعلاقات الملتبسة

ورغم التسوية المؤقتة التي تطرحها النهاية السعيدة غير الموفقة بالمرة في خدمة قضيّة الفيلم، إلا أنّ ما تبقى منه يأخذنا إلى نتيجة مفادها أن الإسرائيلي لا يمكن أن يهرب من ذاته. فهو يحمل «إسرائيله» داخله أنى ذهب، وأن ركوب سفينة البحث عن المعنى والسعادة يأخذنا بعد الوقت والجهد والآلام إلى ذواتنا من جديد من دون أمل بالخلاص، لا سيّما أن فرنسا العظيمة في الكتب والروايات تظهر عن قرب مطرّزة بعنصريتها المفرطة (مشهد يؤاف مصدوماً بمعاني الكلمات وهو يردد المارسيّيز خلال درس استيعاب المهاجرين)، عنصريّة لا تختلف كثيراً عن ما تركه في «بلده الأم» إلا ربما في النكهة

لا يمكن طبعاً تجاهل المشاهد الباريسيّة الساحرة، وبعض لقطات الكاميرا الجريئة كما مقاطع الموسيقى التصويريّة المتدفقة عبر الشريط، لكنها جميعها لا تكفي لإنقاذ الفيلم من نفسه. «مترادفات» ناداف رابيد بحق مثل المترادفات تماماً، تحاول أن تقول شيئاً، فتبحث عن كلمات بديلة، لكنك تنتهي دوماً من دون أن تقول شيئاً. هو تجوال على سطوح الهويّة والهجرة والبدايات والأقدار والعلاقات الملتبسة والتصورات المسبقة من دون النّفاذ إلى عمق أي منها. نوع من وعد كاذب. ولنعد إلى السياسة الآن، الشريط نسخة من نقد شكليّ مبستر، يضيف إلى الكيان العبري الملتبس ولا ينتقص منه شيئاً. فلتطمئن سيادة العميد ريجيف.

الأخبار اللبنانية في

25.02.2019

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2019)