كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

جولييت بينوش سيدة الدببة في برلين

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

مهرجان برلين السينمائي الدولي

الدورة التاسعة والستون

   
 
 
 
 
 
 

الفرنسية #جولييت_بينوش (١٩٦٤) هي رئيسة لجنة تحكيم الدورة الحالية من #البرليناله (٧ - ١٧ الجاري). بعد المخرج الألماني توم تيكفر العام الماضي، أُسندت مهام اختيار الأفلام الفائزة إلى لجنة (أعضاؤها ستة) تترأسها سيدة، وليست أي سيدة، تلك التي يتعايش فيها الشكل والمضمون، السحر والالتزام، الحنكة والموهبة. في آخر دورة يشرف عليها ديتر كوسليك (يخلفه الإيطالي كارلو شاتريان)، أفسح مجالاً واسعاً للمرأة سواء في البرمجة أو اللجنة، وذلك ارضاء للمناخ السائد حالياً. في السادس عشر من الجاري، ستوزّع لجنة بينوش "الدببة" على الأفلام التي تراها أهلاً لها.

في المؤتمر الصحافي الذي عقدته لجنة التحكيم، أسئلة كثيرة وُجِّهت إلى بينوش وبقية الأعضاء: حضور المخرجات المشاركات في برلين اللواتي تبلغ نسبتهن ٤٠ في المئة داخل المسابقة الرسمية، المنتج هارفي واينستين وطبعاً "قضية" نتفليكس التي لا مفر منها في أي حدث سينمائي، لا بل صارت أشبه بمحطة ثابتة. في قضية واينستين المتّهم بقضايا تحرش بعدد من الممثّلات وعاملات في #السينما (مثّلت بينوش في فيلمين من انتاجه هما "شوكولا" و"المريض الانكليزي")، لم ترفع السقف كثيراً. وربما خيبت ظنّ بعض وسائل الإعلام التي توقّعت تصريحات نارية تدين الرجل، وخصوصاً انها دعت إلى ان "يتركوه وشأنه". اكتفت بالقول ان على القضاء ان يأخذ مجراه الطبيعي، فتجربتها معه كانت ممتازة، لا بل كان منتجاً رائعاً، ولم يكن لها أي مشكلة في التعامل معه في أي يوم من الأيام. عن الطابع السياسي للمهرجان، قالت انها ستختار الأفلام الفائزة آخذة في الاعتبار مستقبل الأجيال الصاعدة. "كثر من البلدان الغنية تقفل حدودها؛ هناك العديد من الأسئلة الملحّة. يدهشني ان أرى ان حكومتنا لا تعمل بالجدية المطلوبة".

طوال مسيرتها التي تمتد على أكثر من ثلاثة عقود، وقفت بينوش أمام عدسة كبار السينمائيين: غودار، كاراكس، مينغيللا، هانيكه، فيرارا، كيارستمي، كروننبرغ، أساياس، واللائحة طويلة. أعطوها وأعطتهم في لعبة بينغ بونغ لا مثيل لها. "ان تصوّر فيلماً مع أحدهم يعني ان تذهب إلى ما بعد الزمان والمكان"، صرّحت لـ"النهار" في مقابلة خاصة معها عام ٢٠١٤. "من خلال التصوير، نقفز فوق كلّ ما تلقيناه من تربية وما نمارسه من تقاليد. انه عمل توحيدي. نكون في عالم ينتمي إلى منطق السينما. لا تعود السمات الاجتماعية للفرد ذات أهمية".

تجاوزت بينوش الخمسين ببضع سنوات، لكن روحها المغامرة لا تزال تلك التي كانت عند الشابة الممثّلة نينا في فيلم "موعد" لتيشينه عندما تذهب الى باريس لتحقيق حلمها.

السينما بالنسبة إليها سفر داخلي يسمح بالتحرك في نطاق مشاعر مختلفة؛ مشاعر تتكوّن لدينا عادةً في مراحل عمرية مختلفة. هذا ما يثير حماستها ويدفعها إلى الاستمرار في هذه المهنة. "يسألونني دائماً عن عمري وعمّا اذا كنت أخاف من التقدّم في السنّ وكيف أتعايش مع هذا. أردّ ان كلّ مرحلة من عمري تتيح لي ان أكون إنسانة مختلفة وممثّلة أخرى. عندما صرتُ في الأربعين، بدأتُ أختبر جوانب من شخصيتي لم أكن قادرة على اختبارها في الثلاثين، وهلمّ. الحياة حراك مستمر. تخيّل ان تظل في العشرين لمدى العمر. هذا أشبه بجحيم. ستسأل نفسك: "متى سأخرج من هذا السجن؟". في أيّ حال، شعرتُ دائماً ان بداية العشرينات أصعب بكثير من بداية الثلاثينات أو الأربعينات، عندما نكون أتممنا معظم خياراتنا. هذه فترة من الحياة، تصبح فيها معرفتك لذاتك وللآخرين أكثر عمقاً".

تتباهى بينوش بأنها حكيمة ولكن غير مطيعة. "الحكمة جيدة لكن العصيان أفضل. العصيان ضد ذاتي أنا أولاً، كي لا أتعلق بعادات وأفكار تقيّدني. ان نعيد النظر في أنفسنا وان نبحث عن كلّ مستجد ومثير، فهذا ما يجعلنا في شباب دائم".

تؤمن بأن الحياة تُعطى لنا بشكلها الخام وعلينا نحتها. "أشبّهها بمنحوتة. إمكانات خلقها في تصرفنا. الخوف يمنعنا أحياناً من القيام بذلك. فنجد أنفسنا محاصرين داخل جدارن أربعة. لكن الخيال يأتي دائماً لمساعدتنا".

اذا سألتها عن دورها المفضّل في مسيرتها، فلا يمكن الحصول على جواب شاف. فهي تنظر إلى أدوارها كلّها بالتساوي، كي لا تولّد الغيرة. "عموماً، عند الممثل ميل فطري لعدم إدانة الشخصية التي يجسّدها. بالنسبة إليَّ، لم يتعلّق الأمر في أيّ يوم من الأيام بأن أكره الشخصية أو أحبّها. أحتاج إلى ان أفهم الشخصية. عليَّ ان أستوعب خلفياتها: كيف نشأت؟ أي طفولة عاشت؟ لماذا تتصرف على هذا النحو؟ هذا يساعدني على فهمها. ما إن تفهم الشخص حتى يصبح كرهه مستحيلاً. عندما لا يخاطبني الدور، أرفضه. على الدور أن يخاطبني أولاً، قبل أن يخاطب الجمهور، والا لا أستطيع أن أكون مقنعة".

بعد عرض "نسخة طبق الأصل" (٢٠١٠) لعباس كيارستمي، راح بعضهم يقول لها انها تشبه الشخصية التي جسّدتها في هذا الفيلم، ما أثار امتعاضها. وعندما أخبرت كيارستمي، قال لها: "هذا جيد، في بضعة أشهر، سيرونك في دور آخر وسيعتقدونك شخصاً آخر".

بينوش هي التي طلبت من برونو دومون اسناد دور كاميّ كلوديل إليها، كونها كانت معجبة بأفلامه السابقة: "كان معلوماً انه لا يعمل مع ممثّلين معروفين. قلتُ في سرّي: لا بأس، أريد ان أعمل مع هذا الرجل. اعتقد انه أفضل مَن صوّرني. كان يريدني ان أرتجل بلا نصّ انطلاقاً من قراءاتي لرسائل كلوديل. اقتفيتُ أثرها، ذهبتُ إلى حيث ذهبت حين كانت على قيد الحياة. تشبّعتُ بتفاصيل حياتها. قليلة هي المرات التي أدارني فيها. كان يقول: "معك، أشعر بالضجر، ليس لديّ ما أفعله". كنتُ أستقيظ ليلاً وأرى كاميّ إلى جانبي. شعرتُ بأنني أنزل في السواد. هذه من التجارب التي تبدّل الإنسان".

في نظر بينوش، العلاقة بين الممثّل والمخرج هي كالعلاقة بين اثنين يمارسان الحبّ: "لا نستطيع أن نقول مَن ينام مع الآخر، لأن ممارسة الحبّ مشاركة".

 

####

 

برلين ٦٩ – "بفضل الله" لفرنسوا أوزون يفتح ملّف البيدوفيلية في الكنيسة

برلين - هوفيك حبشيان

المصدر: "النهار"

صحيح أنّ فرنسوا أوزون لم يفتتح فعلياً الدورة التاسعة والستين لـ#مهرجان_برلين (٧ - ١٧ الجاري)، لكنه من حيث أهمية الموضوع الذي يطرحه في فيلمه الأحدث "بفضل الله"، يكاد يكون مدشّن الحدث السينمائي الألماني الذي انطلق فعلياً مساء الخميس الماضي بـ"لطف الغرباء" للمخرجة الدانماركية لونه شرفيغ، هذا الفيلم ذي النيّات الطيبة الذي يبعث داخل المُشاهد بعض المشاعر الإيجابية الضرورية في هذه الأزمنة الصعبة.

بعد نحو سنتين على عرض آخر أفلامه في كانّ، يعود أوزون بـ"بفضل الله"، وهو عمل مرجعي يفتح ملّف البيدوفيلية في الكنيسة الكاثوليكية، وهذا ليس بالتحدي القليل نظراً إلى السلطة التي تملكها هذه المؤسسة الدينية العريقة. أول ما يلفت في جديد أوزون هو انه لا يقتفي خطى أعماله السابقة (على تنوعها)، أي ان عمله لا يحمل نزواته التي ألفناها وكبرنا عليها فيلماً بعد فيلم. فلقد اختار هذه المرة ان يلتصق بموضوعه تماماً، خدمةً له، من دون أي تجاوز عليه وبلا أدنى نزعة استعراضية لقدراته الإخراجية. فأوزون هنا غير أوزون "العشيق المزدوج". شيئان يتشارك فيهما الفيلمان: الاستسلام إلى نداء البدن الذي يأتي على صاحبه بالويلات، وتقارب الحال بين المعذَّب والمعذِّب. لكن أوزون، الذي يعني اسمه بالفرنسية (صوتياً) "نتجرأ"، يتخلّى هنا عن هوايته: تحقيق أفلام غير متوقّعة، مليئة بالحياة والوجوه المعبّرة والشغف والسينيكية. هناك دائماً ما يمكن ان نحبّه في كلّ جديد له؛ التمثيل أو الإخراج أو البنية السردية أو ببساطة النحو الجذّاب الذي يحملنا بواسطته إلى حقب وأماكن مختلفة.

الحكاية التي يستند اليها "بفضل الله" حقيقية ولا تزال فصولها متواصلة. انها قضية الأب بيرينا المتهم باعتداءات جنسية على قاصرين في أبرشية ليون بين ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته. السلطة الكنسية كانت على علم بسلوكه، ومع ذلك لم يتم عزله الا في العام ٢٠١٥. لا تزال التحقيقات جارية في هذه القضية، اذ لم تقل المحكمة بعد كلمتها الأخيرة، ولكن، كما قال أوزون في المؤتمر الصحافي عقب عرض الفيلم صباح الجمعة، فإن الفيلم لن يؤثر في قرار المحكمة الذي سيصدر في السابع من الشهر المقبل. أما تاريخ عرضه في الصالات الفرنسية الذي كان مقرراً في العشرين من الجاري فتم تأجيله.

يقول أوزون في مقابلة أجرتها معه "لا كروا" الفرنسية بأنه صُعِق عندما اكتشف الموقع الإلكتروني الذي أسسه ضحايا الأب بيرينا، ومنهم ألكسندر الذي منه ينطلق كلّ شيء في الفيلم (يضطلع بدوره ملفيل بوبو)، حينما يقرر ان يخرج من صمت يلازمه منذ أيام الطفولة، والتحدث عمّا تعرض له من انتهاك بالتفاصيل يوم اعتدى عليه الأب. ما جذب أوزون إلى القضية، ليست رغبته في التزام قضية (على أهميتها)، انما مقاربة قضية التحرش بالأولاد في الكنيسة من وجهة نظر الضعف الرجالي. ففي زمن يفضّل اعطاء الكلمة للمرأة، يختار أوزون رجالا ضعفاء مكسورين، للعودة بهم إلى تجارب الطفولة المعذّبة في حضور كاهن يخون المبادئ الدينية ليذعن للإشباع الجسدي. ما يصوّره، هو هذا الضعف الذي يتحوّل قوة.

لم ينجز أوزون فيلماً معادياً للكنيسة ولم يحاول النيل من صورة الإكليروس وهيبته، فهو ليس لويس بونويل أو كان راسل ولا يطمح إلى ان يكون أياً منهما. بل على العكس، يعتبر تربيته الكاثوليكية ثراء له، لكونها مدّته بحسّ الخطيئة والانتهاك، ذلك اننا، كما يقول، "ننتظر من الفنّان ان يذهب إلى حيث لا تسمح له الأخلاق". واضح جداً ما أحبّه أوزون في قصّة ألكسندر: تديّنه وقدرته على فصل الأشياء بعضها عن بعض، الدين عن الإيمان. فألكسندر، على رغم التروما التي عاشها وصمت عنها لسنوات قبل ان يقرر تفجير القضية، شديد الإيمان والتقوى. وهو اذ يرغب في نبش الماضي فليس تلبية لنزعة انتقامية، بل إحقاقاً للعدالة التي يؤمن بها ولا يرى سبيلاً آخر لتجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل. كلمة اعتذار من الكاهن المتربّص بماضيه لعلها كانت كافية، ولكن حتى هذا الاعتذار يُحرم منه، فيلجأ إلى القضاء.

اذاً، كلّ شيء ينطلق بألكسندر، عندما يكتشف، وهو متزوج وأب لخمسة أطفال، ان الأب بيرينا لا يزال يمارس مهامه ككاهن رعية ولا يزال على تواصل مع الأطفال. لكن الفيلم غير محصور بروايته ولا يكتفي بحساسيته. هناك حساسيات وروايات أخرى تُضاف اليها، مع دخول فرنسوا (دوني مينوشيه) على الخط. هذا الأخير له حكاية تحرش أخرى مع الكاهن نفسه، وطريقة تعاطيه مع القضية مختلفة أيضاً، تتطور تباعاً من الانكار إلى الاصرار على نيل حقّه كاملاً. فرنسوا ملحد ويتعامل مع الأشياء بغضب وانفعال. وستتفاعل القضية… بعد ألكسندر وفرنسوا، آخرون سيخرجون عن صمتهم، وسيدلون بدلائهم، واحداً تلو الآخر، لتتحوّل المسألة إلى كرة ثلج.

لا يهتم الفيلم بالقضية وتغطيتها في الاعلام، بقدر ما ينحاز إلى تداعياتها في محيط الضحايا. تفجير القضية سيعود بالضرر حتى على الضحايا أنفسهم. المعاناة بالنسبة اليهم مزدوجة: لا يكفي انهم عاشوا تروما في الطفولة، فسيعيشون تروما أخرى ذات طبيعة مختلفة يوم يقررون الخروج عن الصمت. في هذا المعنى، ليس الفيلم عن الكنيسة بقدر ما هو عن تضامن "ضعفاء" ضد مؤسسة جبارة. انه نوعاً ما صراع دافيد ضد غوليات.

يقول أوزون انه كان يُمكن ان يحلّ مكان الكنيسة في مجالي الرياضة أو التربية، الا ان الكنيسة هي كلّ شيء سوى نادٍ رياضيّ، فهي مؤسسة أخلاقية وروحية. وهذا ما يصرّح به الكاردينال بارباران الذي يتولى ادارة الأزمة. يقول: كاهن وبيدوفيلي لا يلتقيان.

بعيداً من "النادي" لبابلو لوراين الذي عُرض في برلين قبل أربعة أعوام، يقارب الفيلم البيدوفيلية داخل الكنيسة من خلال تقريب الجاني من الضحية، وإظهار مدى تناقض وجهات النظر (ولو أن التركيز هو على الضحايا ونضالهم، مقابل الاكتفاء بتقديم رجال الدين لا أكثر). بالنسبة للسلطة الدينية، الاعتذار كافٍ علماً انه يعزز الصمت ولا يشفي غليل الضحية الذي يبقى ضحية على الرغم من الاعتراف بكونه ضحية.

النهار اللبنانية في

10.02.2019

 
 
 
 
 

"مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ69": فن وسياسة ومشاكل وفضائح

برلين ــ محمد هاشم عبد السلام

من سافر مرة واحدة إلى برلين، أو اعتاد الذهاب إليها في الأعوام الـ25 الأخيرة، يصعب عليه استيعاب أن أجزاء كثيرة منها ـ أحياء وعمارات تاريخية ومتاحف وقصورًا أثرية ـ دُمِّرت قبل نصف قرن أو أكثر بقليل؛ وأن المدينة نفسها كانت مشطورة، يحتاج أهلها إلى جوازات سفر للتنقل بين شطريها الغربي والشرقي، ومنهم من دفع حياته ثمنًا للعبور والبحث عن حياة جديدة، أو من أجل لَمّ شمل العائلات في الطرف الآخر، خاصة الغربي منها.

قبل ثلاثة عقود، لم تكن المدينة موحّدة، لكن كان فيها نسق عام شديد التناغم في الحياة والعمارة والتخطيط والبناء. اليوم، باتت برلين خليطًا مدهشًا، وأحيانًا فجًّا، بين تناقضات عديدة، مع أنه (الخليط) لا يفتقر إلى التناسق. فبرلين استطاعت جمع التاريخي والأثري والعصري، والمتعلق بعمارة ما بعد الحداثة، في كيانها. في ساحاتها مثلاً، تظهر عمارات ذات طابع حداثي، شاهقة الارتفاع وزجاجية الواجهات، كأن المرء يمشي في قلب مدينة أميركية، إلى جانب أبنية تاريخية أو سكنية قديمة تحمل بصمات القرن الفائت، خاصة منتصفه.

وسط هذا الخليط اللافت للانتباه، يصعب على كثيرين تبيان الخطوط الفاصلة بين برلين الغربية وبرلين الشرقية، أو التنبّه إلى أمكنة تمدّد الجدار قبل أن يسقطه الألمان بأيديهم في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1989. 

حال "مهرجان برلين السينمائي الدولي (البرليناله)" كحال المدينة. فهو تأسّس في مدينة لم يخطر ببال سكانها أنها ستنقسم ذات يوم إلى قسمين. الأثر السياسي الذي أفرز الانقسام أدّى إلى إقامة المهرجان في الجزء الغربي منها، قبل أن يعود كما كان، مع توحيد المدينة. لذا، فإن السياسة كانت ولا تزال بنية ودعامة راسختين له، وهذا لم يتنكّر له القائمون عليه أبدًا، بل يعتبرونه قوّة وتميّزًا له.

يمنح المهرجان سنويًا "جائزة الدب الذهبي" لأفضل إسهام فني جديد، أو ما يُعرف بـ"جائزة ألفريد باور"، ينالها فيلم متميّز فنيًا ضمن مسابقته الرسمية. الدكتور ألفريد باور مؤرّخ سينمائي، وصاحب فكرة تأسيس المهرجان عام 1951. كان مديره الأول، وظلّ في منصبه حتى عام 1976. "تير غارتن" (حديقة الحيوانات) مساحة شاسعة وخضراء تقع في قلب برلين، كانت قبل قرون غابة تُحيط بها، يذهب إليها الملوك والأمراء للصيد، إذْ كانت تعجّ بالحيوانات، ومنها الدببة. لذا، اختارت المدينة الدبّ شعارًا لها، كما اتخذه المهرجان شعارًا له أيضًا، ولجوائزه السنوية.

عند تأسيسه، لم يكن المهرجان يمنح كل تلك الجوائز. كان هناك "دبّ ذهبي" واحد، و7 "دببة فضيّة" في مسابقته الرسمية. كان يكتفي بجائزة أفضل فيلم روائي (دبّ ذهبي). بعد ذلك، مُنحت جائزة أفضل فيلم قصير (دبّ ذهبي) عام 1956. ثم الجوائز الفضية، وغيرها مما استُحدِث لاحقًا. "جائزة الدبّ الذهبي" كانت تمنح بتصويت نقاد ألمان، ثم الجمهور. في أول دورة، فاز بها 5 مُخرجين في الوقت نفسه.

مع مجيء المدير الفني الثاني للمهرجان عام 1977، الصحافي والناقد وولف دونر، تغيّر موعد إقامته بنقله من الصيف إلى الشتاء. منذ ذلك الحين، يُقام المهرجان سنويًا في فبراير/ شباط. هذا أبرز ما صنعه دونر خلال توليه منصبه هذا، الذي تركه عام 1980. توجَّه دائمًا انتقادات للمهرجان، وأحيانًا نصائح، بضرورة الابتعاد عن بداية العام، لتجنّب المناخ البارد، الذي تهبط درجاته غالبًا إلى ما تحت الصفر، وأحيانًا تصل إلى 15 تحت الصفر. وأيضًا للتغلّب على مسألة ندرة الأفلام حديثة الإنتاج، التي يصعب الحصول عليها مع بداية العام، إذْ يختارها مهرجانا "كانّ" و"فينيسيا"، وغيرهما. رغم أهمية الأمر، لم يعبأ مديرو المهرجان، الذين تناوبوا على إدارته، بنصائح كهذه. مع مرور الوقت، صار المهرجان نموذجًا يُضرب به المثل في البرودة، في الجوانب كافة، فهو يوصف أحيانًا بـ"الصقيعيّ". 

بعد وولف دونر، تولّى المنصب المخرج والمصوِّر السويسري موريتز دي هادلين، القادم إليه من إدارته مهرجاني لوكارنو وفينيسيا. حافظ دي هادلين على منصبه 21 عامًا (تركه عام 2001)، ثم جاء ديتر كوسليك، الذي يختتم إدارته للمهرجان في مايو/ أيار 2019، بعد 18 عامًا قدَّم خلالها إنجازات عديدة.

هناك أمور كثيرة تُقال عن مهرجان ضخم كهذا، بدءًا من التاريخين السياسي والسينمائي، مرورًا بالعمارة الحديثة، التي تظهر في تصميم قصره الفريد، الذي صمَّمه المعماري الإيطالي رينزو بيانو، وافتتح عام 1999، وكان مُخصّصًا للموسيقى أساسًا. فيه أقيمت ولا تزال تقام حفلات موسيقية لفرق ألمانية وعالمية. مُؤخرًا، بات المبنى يحمل اسم "قصر البرليناله"، ويُعتبر حاليًا من أهم شاشات العرض في أوروبا، ومن أكبر المسارح في برلين (أكثر من 1600 مقعدًا). وهو يحتضن حفلتي الافتتاح والختام، وعروض الصحافة، والمؤتمرات الصحافية طوال فترة المهرجان. اللافت للانتباه أن القصر والمُجمّعات السينمائية الضخمة ("آي ماكس" و"سوني سنتر") و"سوق المهرجان"، المنتشرة في الشوارع المتفرّعة من الساحة العريقة "بوتسدامر بلاتس"، تحضن القليل من فعاليات المهرجان، وجماهيره العريضة بصفوفها الممتدة كليومترات طويلة. الساحة وشوارعها الفرعية تقتصر غالبًا على الصحافيين والنقاد والعاملين في صناعة السينما.

على نقيض مهرجانات 

(سويسرا) وكارلوفي فاري (تشيكيا)، يمتدّ مهرجان برلين في المدينة كلّها. الأرقام تقول شيئًا كثيرًا: تُعتبر "البرليناله" أكثر المهرجانات جذبًا للجمهور، الذي يتردّد على صالاتها ويُشارك في نشاطاتها وبرامجها. كما أنها الأكثر بيعًا لبطاقات الدخول (نحو 300 ألف تذكرة)، والأكثر عرضًا للأفلام (ما لا يقلّ عن 400 فيلم)، إذْ بلغ عددها 441 فيلمًا في دورة عام 2014، كان لها 945 عرضًا. هناك أيضًا 4200 صحفي يأتون إلى المدينة ومهرجانها من نحو 110 دول. "سوق المهرجان" الأكبر في أوروبا (20 ألف مشترك). ومُقارنة بغيرها، فإن "البرليناله" تمتلك "سوق الرواية" أيضًا، إذْ يُقام نشاطٌ تُطرح فيه أفضل النصوص الروائية الأوروبية بلغات مختلفة (بين 10 و14 رواية سنويًا)، فتُشترى حقوق اقتباسها السينمائيّ.

بعيدًا عن الأرقام، طبيعيٌ أن تكون لمهرجان بهذا الحجم وذاك التاريخ إسهامات فنية كثيرة وأسماء بارزة قدّمها منذ انطلاقته، وأفادت تاريخ السينما. هذا غير مقتصر على الجوائز أو المسابقة الرسمية، فهو ممتد إلى الأقسام والفعاليات والمبادرات التي استحدثها المهرجان في مساره، واستفاد منها ولا يزال عاملون كثيرون في صناعة السينما، مُخضرمون وراسخون وشباب واعدون وأصحاب مشاريع يبحثون عن تمويل؛ إلى جانب نشر الوعي الفني والسينمائي والسياسي بين الجمهور بطرق غير مباشرة، والترويج لاسم المدينة والدولة الألمانية عالميًا.

مهرجان له عراقة كتلك ساهم في تقديم أفلام كثيرة من قارات العالم، كانت فعليًا تُحفًا سينمائية. كما قدّم مُخرجين ومخرجات، ونجومًا ونجمات، واصلوا مسيرتهم أو تعثّروا. مع ذلك، مَرَّ المهرجان في فترات خمول، تعرّض فيها إلى هجوم وانتقاد وكشف للفضائح. لكنه كان ينتفض بين حين وآخر لتقديم الجديد والمُغاير، مقارنة بغريميه الأساسيين، "كانّ" وفينيسيا. كما مرّ في فترات غير محبّبة، كمرحلة بناء الجدار ثم الانفصال، إلى أن تحقّقت الوحدة. أو كمرحلة تحوّل دوراتٍ عديدة إلى "دورات فضائحية"، لهفواتٍ ما أو لأسباب مختلفة.

مثلاً، يصعب نسيان أزمة عام 1970 بسبب فيلم "أو. كي" للألماني ميشائيل فيرهوفن، وما تخلّله من مشاهد اغتصاب وقتل فيتنامية على أيدي جنود أميركيين، في حرب فيتنام. الفيلم استند إلى وقائع حقيقية، فأثار جدلاً، دفع لجنة التحكيم برئاسة الأميركي جورج ستيفنس إلى استبعاده، "لأنه لا يخلق تفاهمًا بين الشعوب". أُثيرت ضجة كبيرة أفضت إلى استقالة لجنة التحكيم في مؤتمر صحافي عالمي. هذه الدورة كانت الوحيدة التي ألغيت فيها المُسابقة الرسمية. بعد أعوام قليلة (1976)، واجه المهرجان مُشكلة فنية، بسبب ما أثاره "إمبراطورية الحواس" للياباني ناغيزا أوشيما، إذْ اعتبره القضاء الألماني "بورنوغرافيًا/ إباحيًا"، فتداول المسألة عامين متتاليين، وانتهى الأمر بإنصاف إدارة البرليناله.

مشكلة سياسية أخرى حدثت عام 1979، بطلتها فيتنام أيضًا، إذْ تسبّب "صائد الغزلان" لمايكل تشيمينو، في انسحاب دول المعسكر الشرقي من الدورة الـ29 (20 فبراير/ شباط ـ 4 مارس/ آذار)، إذْ اعتبرته "إهانة للشعب الفيتنامي"، فاضطرت إدارتها إكمال الدورة بمن بقي. عام 1986، حدثت مشكلة فنية أيضًا، إذ تبرّأت رئيسة لجنة التحكيم جينا لولو برجيدا من "شتامهايم"، أو "محاكمة عصابة بادر ماينهوف" لراينهارد هوفّ، الفائز بـ"الدبّ الذهبي".

ضجة شبيهة بما أحدثه "إمبراطورية الحوّاس" أثيرت عام 2001 بسبب "ألفة" لباتريس شيرو، تمثّلت باعتراض النقّاد على لجنة التحكيم، معتبرين أنه لا يستحق الجائزة، وأنه مُغرق في الإباحية. 

تصرّفات مخرجين وملابس مُثيرة لممثلات حاضرة بدورها في تاريخ المهرجان، من دون أن تستمر وقتًا طويلاً، فهي تتبخّر مع انتهاء كلّ دورة. الاعتراضات التي واجهت المُدير الحالي ديتر كوسليك بمعاداة المُخرجين الألمان، هي نفسها التي واجهها سلفه موريتز دي هادلين. عام 1981، هدّد مخرجون ألمان الإدارة بعدم المشاركة في الدورة الـ31 (13 ـ 24 فبراير/ شباط) ومقاطعة فعالياتها، بسبب رفضها المُتكرّر لأفلام ألمانية، باعتبارها تجارية أو غير فنية. هذا دفع الإدارة إلى التفاوض معهم، وإلى إشراك خمسة أفلام ألمانية في دورة العام التالي، التي فاز فيها راينر فيرنر فاسبيندر بـ"الدبّ الذهبي" عن "سرّ فيرونيكا فوس"، بعد ثالث مشاركة له في المسابقة الرسمية للمهرجان، علمًا أنه توفّي بعد أشهر قليلة على ذلك (10 يونيو/ حزيران 1982).

العربي الجديد اللندنية في

10.02.2019

 
 
 
 
 

فيلم نرويجي في مهرجان برلين يثير مشاعر الحنين إلى أيام الشباب

برلين (رويترز)

يثير فيلم درامي نرويجي بطولة الممثل المخضرم ستيلان سكارسجارد مشاعر الحنين إلى زمن الشباب والأماكن الطبيعة المرتبطة بالماضي ولكن مؤلف الرواية التي أخذ الفيلم عنها يقول إن ارتفاع درجة حرارة الأرض ليست الرسالة التي يستهدفها الفيلم.

وفيلم (أوت ستيلينج هورسيس) الذي عُرض لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي أمس السبت، مأخوذ عن رواية بيعت على نطاق واسع للكاتب النرويجي بير بيترسون.

وتروي القصة ذكريات رجل مسن عن أيام الصيف التي قضاها في طفولته في غابات شرق النرويج حيث اتخذ قرارات أثرت على حياته كلها.

وقال بيترسون ”عندما كانت طفلا صغيرا عشت في مكان قريب جدا من الغابة.. وبعد سنوات كثيرة عدت إلى الغابة وكانت شيئا جديدا تماما.

وعلى الفور بدأت في كتابة هذه الرواية“، وهذا الفيلم الذي أخرجه هانز بيتر مولاند واحد من بين 17 فيلما تتنافس على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي.

ويحكي الفيلم قصة الصبي تروند البالغ من العمر 15 عاما المرتبط بوالده والذي يتسلق الأشجار ويركب الخيول البرية ويساعد في قطع الأخشاب ونقلها خلال الصيف وهو مرتبط بوالده ثم تربطه مشاعر قوية بامرأة أكبر منه بكثير.ويقول الأب، الذي يحب نفس المرأة، لتروند في إحدى المراحل ”نحن نختار بأنفسنا متى نتألم“.

وينتقل تروند بعد ذلك إلى أوسلو ولا يعود إلى المنطقة إلا بعد خمسين عاما كأرمل وحيد. ولا يحول الشتاء البارد الذي تتساقط خلاله الثلوج من تدفق ذكريات ذلك الصيف بأسلوب عذب وإن كان كئيبا.

ونشرت رواية بيترسون في 2003 وحصلت على العديد من الجوائز الأدبية في النرويج وأوروبا.

 

####

 

فيلم ألماني يعرض مشاهد مرعبة لسفاح في السبعينات

برلين (رويترز)

قال فاتح أكين مخرج فيلم ”القفاز الذهبي“ (ذا جولدن جلوف) الألماني الذي يعرض القصة الحقيقية لسفاح استهدف نساء في حي الدعارة بمدينة هامبورج في السبعينات إنه لا يمجد العنف ولكن يسلط الضوء على النواحي الإنسانية للضحايا والقاتل.

وعرض الفيلم لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي يوم السبت وهو ضمن 17 فيلما تتنافس على الجائزة الكبرى.

ويروي الفيلم قصة فريتز هونكا وهو رجل قصير أحول ذو أنف مكسورة وأسنان مهترئة كان يجتذب سيدات وحيدات من كبار السن من حانة ”ذا جولدن جلوف“ في ميناء هامبورج إلى شقته.

وهناك كان يقتلهن ويخزن أجزاء من أجسامهن.

وقال أكين في مؤتمر صحفي إن ”الفكرة هي أن كل شخص، ليس الضحايا فقط وإنما القاتل أيضا، له كرامته. وأعتقد أن هذا كان تحديا ولا أعرف إن كنت قد واجهته.

لا أريد أن أقدم تبريرا له. هذا الرجل مريض. ولكن أردت أن يكون المشاهد معه خلال رحلته“.

وقال إن المشاهد الصادمة الخاصة بقيام هونكا بتقطيع أجسام ضحاياه من العاهرات بالمنشار بعد اغتصابهن وقتلهن مزعجة ولكنها كانت ضرورية.

وأضاف ”عندما تصنع فيلما عن العنف الجنسي لابد حينئذ أن تعرضه.. لا أحتفي بالعنف هنا“.

ويتناول الفيلم تاريخ هونكا كطفل من ألمانيا الشرقية له تسعة أشقاء وأب مدمن خمر وأم تعاني من اضطرابات قبل هروبه إلى هامبورج وتنقله بين عدة وظائف.

وجسد دور هونكا الممثل الألماني الشاب يوناس داسلر.

وقام هونكا بقتل ما لا يقل عن أربع نساء فيما بين عامي 1970 و1975 ولم يتم اعتقاله إلا بطريق الصدفة بعد اشتعال حريق في شقته والعثور على أجزاء بشرية متحللة فيها.

 

####

 

مهرجان برلين السينمائي يهدف للمساواة بين الجنسين بعرض نصف الأفلام لمخرجات

برلين (رويترز)

تعهد منظمو مهرجان برلين السينمائي الدولي بتعزيز المساواة بين الجنسين واتخذوا بالفعل الخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف من خلال عرض عدد متساو تقريبا من الأفلام التي أخرجها رجال ونساء.

ومن بين 400 فيلم تعرض هذا العام في المهرجان أخرجت نساء نصفها تقريبا.

وقال رئيس المهرجان ديتير كوسليك الذي وقع أمس السبت، تعهدا بدعم ظهور المزيد من النساء في قطاع صناعة الأفلام ”لا يزال لدينا الكثير لننجزه من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين“.

وسيهدف المهرجان لوجود مزيد من النساء من بين أفراد لجنة التحكيم وفرق العمل.

وهناك سبعة أفلام لمخرجات من بين 17 فيلما تتنافس هذا العام على جائزة الدب الذهبي.

وقال كوسليك ”لم نشهد هذا من قبل في تاريخنا.. ويثبت ذلك أنه القرار الصحيح“.

وتقول جيل آن هيرد، وهي منتجة أمريكية لأفلام شهيرة مثل (ترميناتور) و(إليانز) إن التعهد بالمساواة بين الجنسين يرسل إشارة إلى الحاجة لتغييرات في قطاع صناعة الأفلام حتى لا تظل المخرجات والمنتجات الناجحات مجرد استثناءات.

الشروق المصرية في

10.02.2019

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2019)