كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

النوايا والمواهب الطيبة لا تكفى لصنع الأفلام!

بقلم : عصام زكريا

مهرجان الجونة السينمائي

الدورة الأولى

   
 
 
 
 

عجيب أمر السينما المصرية، فهى تضم الكثير من المواهب الفردية التى لا تقل عن غيرها من المواهب الموجودة فى سينمات العالم، ولكن هناك دائما ما يحول بين هذه المواهب وبين أن تتجاوز محيطها الإقليمى لتصل إلى العالمية.

والعالمية التى أقصدها لا تقتصر على الشهرة أو الفوز فى المهرجانات الدولية على طريقة الوصول إلى كأس العالم فى كرة القدم، بغرض التباهى بالأمجاد المصرية، وإنما أقصد بها إنجاز عمل جماعى متكامل يخلو من العيوب الجسيمة ويرقى إلى مستوى الأعمال الفنية العظيمة التى يتحفنا بها كبار السينمائيين فى العالم، كما يمكنه أن يلمس قلوب وعقول المشاهدين من أى بلد أو ثقافة.

فيلم «شيخ جاكسون» كان يمكنه أن يكون واحدا من هذه الأعمال بسهولة فقد توافر له عدد كبير من مقومات النجاح:

موضوع عصرى يشغل الناس فى كل مكان هو عقل ونفسية المتطرف الدينى كاره الحياة والأحياء، وهل يولد المتطرف متطرفا، أم أنه يحمل داخله من المتناقضات ما قد يذهل أقرب الناس إليه؟

فكرة سينمائية شيقة وطريفة حول مسلم أصولى يعشق أغانى مايكل جاكسون، شاب من الذين ولدوا فى نهاية السبعينيات أو بداية الثمانينيات، يدمن الاستماع إلى مطرب البوب الراحل فى سن المراهقة ثم يتدين ويتحول فى شبابه إلى سلفى متشدد تحت ضغط الظروف الشخصية والعامة، وعندما يسمع بخبر وفاة جاكسون المفاجئة عام 2009 تنفجر بداخله كل التناقضات التى حرص على إخفائها وكبتها سنين.

مخرج ومؤلف موهوب ومثقف هو عمرو سلامة، أحد الأسماء البارزة فى حركة «السينما المستقلة» التى سعت إلى تجديد السينما المصرية بموضوعات وأساليب ولغة فنية مختلفة، من بين أفلامه «زى النهارده» الذى يحمل أسلوبا جديدا ومميزا فى الكتابة والإخراج، و«أسماء» الذى يتناول طريقة تعامل مجتمعنا مع مرض الإيدز، و«لا مؤاخذة» الذى يتناول المسكوت عنه فى العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

كاتب سيناريو ومخرج شاب من خريجى معهد السينما هو عمر خالد صاحب فكرة العمل وشريك عمرو سلامة فى كتابة السيناريو، الذى يدخل مجال السينما الروائية الطويلة لأول مرة، بالرغم من أن لديه رصيداً كبيراً من الأفلام القصيرة الحاصلة على جوائز محلية ودولية.

ممثلون متميزون، أحمد الفيشاوى وأحمد مالك اللذان أديا شخصية عمر أو الشيخ جاكسون فى مرحلتى المراهقة والشباب بشكل جيد ومقنع، يجاورهم القدير ماجد الكدوانى والثلاثة دخلوا فى مباراة تمثيل حامية ومتكافئة.

مدير تصوير وفريق عمل من الشباب الدارس والملم بقدر معقول من الثقافة السينمائية لديهم من الإمكانيات التقنية الحديثة ما لم يكن متوفرا لأجيال كثيرة قبلهم.

منتج يفترض أنه واع وفاهم وكبير، هو محمد حفظى وشركته «فيلم كلينيك»، التى تركز على الأفلام «الفنية» وعيونها مفتوحة على المهرجانات والأسواق الدولية وعلى الإنتاجات المشتركة أو المدعومة من الخارج. ما الذى ينقص إذن لصنع فيلم «عالمي» فعلا، قادر فعلا على المنافسة فى المهرجانات العالمية، وقابل فعلا للتوزيع والعرض فى الأسواق العالمية، وليس مجرد ضيف شرف؟

ما الذى ينقص لصنع فيلم جيد المستوى ومتكامل فنيا، يخلو من الأخطاء التى تعكر المزاج وتجعل المرء يتحسر أسفا على المواهب والجهود المهدرة التى ضاعت بسبب الأخطاء الصغيرة الناتجة عن التسرع والاستسهال.

من هذه الأخطاء كثرة الحوار والتكرار إلى حد الثرثرة المزعجة أحيانا، فى دراما بسيطة بقدر ما هى غامضة، تحتاج إلى التأمل والإحساس بتعقيد النفس البشرية التى يصعب فهمها أو تفسيرها أكثر مما تحتاج إلى الشرح ببعض الجمل الحوارية الساذجة. ولا أعلم لماذا شعر صناع الفيلم بضرورة شرح الدراما التى نشاهدها، فاخترعوا خط الطبيبة النفسية التى يتردد عليها الشيخ جاكسون ليروى قصة حياته.

من غير المنطقى أن يذهب السلفيون إلى الأطباء النفسيين، وبالأخص إلى طبيبة نفسية سافرة ومتبرجة، ولأن صناع الفيلم يعرفون ذلك، فقد اخترعوا حيلة قديمة من أيام مسرحية «مدرسة المشاغبين»، وهى أن البطل يعتقد أنها طبيب ذكر بسبب اسمها، ولا يدرك خطأه إلا عندما يدخل حجرة الكشف، وكأنه لم يمر عبر السكرتارية أولا. ولو كان صناع الفيلم يعتقدون أن من الضرورى وجود هذا الخط حتى يمكن حكى القصة عن طريق «الفلاشباك»، فقد كان ينبغى عليهم أن يجعلوه أكثر إقناعا، بالرغم من قناعتى بأنه خط مقحم وزائد عن الحاجة فى كل الأحوال.

من الواضح أن صناع الفيلم أرادوا أيضا أن يحشدوا الفيلم ببعض الممثلات الجميلات، فجعلوا للبطل أما جميلة هى درة وزوجة جميلة هى أمينة خليل وطبيبة نفسية جميلة هى بسمة، بجانب بنت مراهقة جميلة لا أذكر اسمها شاركت بطلنا حبه لجاكسون أيام المدرسة، ولعبت دورها عندما كبرت الجميلة ياسمين رئيس.

مع ذلك فكل هذا الحضور الأنثوى لم يوظف دراميا، وليس هناك مشهد حسى واحد نستشعر فيه رغبات ومخاوف وعقدة بطلنا من النساء: درة باهتة فى دور الأم، وعلاقة الزوجية بين الشيخ وزوجته مسطحة وغير مفهومة، فكل ما نعرفه أنه يخجل من أنوثتها. أما العلاقة العاطفية الرئيسية التى تنبنى فوقها حبكة القصة بين بطلنا وزميلة مدرسته فمكتوبة ومنفذة سينمائيا بشكل فاتر، وكل ما نفهمه أن مشكلته معها أنه خجل من تقبيلها صغيرا، ثم حاول أن يقبلها عنوة كبيرا، بالرغم من عدم وجود مشهد حب واحد مقنع بينهما، لا صغيرا ولا كبيرا.

هل يعانى بطلنا من عقدة أوديب بسبب قسوة أبيه وموت أمه المبكر؟ هل يعانى بسبب فشله فى أول علاقة حب مر بها فى مراهقته؟ هل يعانى من عدم القدرة على الاستمتاع بالعلاقة مع الجنس الآخر بالرغم أن الله حباه بزوجة فى جمال أمينة خليل؟ هل لمعاناته أسباب اجتماعية وسياسية عامة جعلت جيلا، أو أجيالا كاملة، من بينهم مخرج الفيلم وبطله الرئيسى بالمناسبة، يضيعون لسنوات بين التطرف الدينى والتحرر الفكرى. إن الفيلم يمر على هذه الأفكار كلها، ولكنه مرور الكرام، دون تعمق فى الكتابة أو تجويد فى التنفيذ السينمائى.

نعم.. من يشاهدون هذا الفيلم من أبناء هذه الأجيال غالبا سيرون أنفسهم، أو بعض أقاربهم، وسوف يتذكرون حكايات مراهقتهم وشبابهم، أو حكايات بعض المقربين منهم.. ذلك أن الفيلم يتناول موضوعا منتشرا للغاية، ولكن كما أقول كثيرا فإن الفرق بين المقال والعمل الفنى هو أن المقال يدور عن الموضوع، أما العمل الفنى فهو الموضوع نفسه مجسما ومجسدا. وفى فيلم «شيخ جاكسون» فنحن «نعرف» أزمة الشخصية الرئيسية، ولكننا لا نتماهى معها أو نعايشها،  «نري» فرحها وحزنها، ولكننا لا نستشعر هذا الفرح أو الحزن، «نسمع» صوتها، ولكنه يظل صوتا خارجيا، وليس صدى لأصواتنا الداخلية.

أكبر دليل على أن صناع الفيلم لم ينشغلوا كثيرا بالفرق بين تجسيد الفكرة فى عمل فنى وبين الكلام عنها، وأن تفكيرهم كان منصبا على «المعادلات» الإنتاجية والتسويقية للفيلم، هو أن فيلما عن واحد من أشهر نجوم الغناء وأكثرهم شعبية فى التاريخ لا يحتوى على أغنية واحدة بصوته، مع أن فيلما عن الموسيقى يجب أن يحتوى على قدر من هذه الموسيقى، ومع أن فيلما عن مدى سحر هذه الموسيقى وتأثيرها فى ملايين المراهقين والشباب فى كل أنحاء العالم يجب أن يحمل مثلا من هذا السحر، ولكن من الواضح أن الإنتاج اعترض على استخدام أغانى مايكل جاكسون خوفا من حقوق الملكية الفكرية وتوفيرا لنفقات سداد هذه الحقوق، وهو خطأ أقل ما يقال عنه أنه قاتل!>

####

«عمرو سلامة» : You're lucky إن أنت مش مصرى!

كتب : محمد عادل

الصمت فعلاً من ذهب!.. لكن المخرج «عمرو سلامة» يبدو أنه لا يحب أن يصمت أبدًا!.. وللأسف أصبح الآن شأنه - كما يرى البعض - هو الرغبة فى تصدير كلمة «قضية» فى أفلامه بسبب أو من غير!.. ربما نسى «سلامة» أن الأفلام هى التى تحكى نفسها ولا يُحكى عنها! .. لكنه ما زال يُصدر عن فيلمه الأخير «شيخ جاكسون» جُملاً من نوعية «الفيلم ده خد منى 35 سنة من عمرى»، وكأنه لم يأتِ لا قبله ولا بعده ليصنعوا أفلامًا!.. وفى الوقت نفسه هو ينطق اسم فيلمه خطأ، ويُصدر (الـ) التعريف قبله فى بعض المرات!..
حين صرح الفنان «أحمد الفيشاوى» بلفظه القبيح الشهير - كما وصفه البعض - فى افتتاح مهرجان الجونة السينمائى فى دورته الأولى، لم يصمت «سلامة» كالعادة، وتحدث عن تصرف «الفيشاوى» رغم أنه بطل فيلمه، وأصدر بيانًا، وهو ما دفع - بشكل ما - «الفيشاوى» بأن يعتذر للجمهور فى فيديو
!.

مجددًا لم يصمت «عمرو سلامة» فى مهرجان لندن السينمائى الدولى فى دورته الأخيرة الـ 61 فى أحد عروض الفيلم الثلاثة، فالفيلم الذى عُرِضَ يومى الخميس 5 أكتوبر الساعة 9 مساءً فى «سينما كيرزون» بـ«سوهو»، والخميس 12 أكتوبر الساعة 3 ورُبع ظهرًا فى سينما «فيو فايف» قد مر عرضهما بسلاسة.. لكن عرضه الثانى تحديدًا لم يمر بسلام هذه المرة!.

السبت 7 أكتوبر الساعة 12 ورُبع ظهرًا فى سينما «كيرزون ماى فير» كان العرض الثانى للفيلم، وقد شهدت واقعة  تبدو للوهلة الأولى بسيطة لكنها تعنى الكثير، خاصةً وقد علمنا أن هناك من استاء منها - كما أخبرنا مصدرنا - حيث عبر بعض الحضور العرب عن اندهاشهم من الغرور الذى أصبح يتحلى به «عمرو سلامة» على حد قولهم دون أن يصرحوا بهذا فى وجهه علانيةً دون سبب!.

الواقعة - كما حكاها لنا مصدرنا والذى حضر العرض - كانت أنه بعد انتهاء عرض الفيلم، ظهر المخرج «عمرو سلامة» فى ندوة ليُجيب عن أسئلة الجمهور ومناقشته فى الفيلم، وكان معظم الحضور من العرب، لكن كان هناك قليل من الأجانب، فقام أحد المُشاهدين الأجانب - وهو ليس ناقدًا - وقال: «فى البداية أنا لستُ مصريًا»، وكان يستهل حديثه بهذه الجملة حتى يشرح ويوضح سؤاله أكثر، فما كان من «عمرو سلامة» سوى أن رد بشكل مفاجئ وفورى على جملته هذه: "You're lucky" ! .

وبعيدًا عن أن البعض قد أبدى إعجابه بالفيلم بعد العرض، فى الوقت نفسه أثارت ندوات النقاش بعد الفيلم جدلاً حول الاٍرهاب باسم الدين، ومحاولات المتطرفين لتحريم وتجريم كل أشكال الفنون، والحوار الديمقراطى.. لكن يبدو رد «سلامة» على المُشاهد الأجنبى غريبًا!.. قد يقول البعض أن الواقعة «مش مستاهلة».. لكنها فى الوقت نفسه تطرح عددًا من التساؤلات

كيف بالمخرج الذى انتقد بطل فيلمه «الفيشاوى» على تصرفه من قبل لا ينتبه هو نفسه لتصرفاته وبأنه يُمثل مصر فى عرض بمهرجان كبير كمهرجان لندن؟.. وكيف أن «سلامة» الذى قال للمُشاهد الأجنبى أنه محظوظ بأنه «ليس مصريًا» هو نفسه الذى حارب من قبل ومعه منتج فيلمه «محمد حفظى» لينال الفيلم ترشيحًا وتمثيل «مصر» فى الأوسكار فى الوقت الذى يحوم حول هذا الترشيح الكثير من الجدل حتى الآن؟.. هل هذا هو «عمرو سلامة» نفسه ذات الشخص الذى يرى أن من لا يحمل جنسية الدولة التى يمثلها فيلمه محظوظًا؟!.. أليس هذا تناقضًا؟!.

وحتى لا تكون القصة من جانبنا فقط، قمنا بالتواصل مع «عمرو سلامة» - خاصةً أنه كان متواجدًا بلندن وقت كتابة التقرير - ولم يرد على رسائلنا، فتواصلنا مع منتج الفيلم «محمد حفظى» باعتباره بمصر ولم يسافر للندن، ورد علينا «حفظى» بأنه سيتواصل مع «سلامة» وسيرد علينا، لكن حتى وقت كتابة التقرير لم يصلنا أى رد!.. وتبقى الأسئلة التى طرحناها مُعلقة فى الهواء، وكأن «سلامة» لا تعنيه «مصريته» قدر ما يعنيه أن «فيلمه المصرى» يصل للأوسكار كما يبدو!<

مجلة روز اليوسف في

14.10.2017

 
 

«الشيخ جاكسون».. أزمة هوية فى زمن متشابك

خالد محمود

تكمن فلسفة السينما فى قدرتها على أن تثير داخل مشاهديها تساؤلات كبرى حول أدق مشاعر حياتهم، وعلاقتهم بأنفسهم وبالآخرين، وهل يعيشون بالفعل واقعهم؟ أم أنهم داخل حلم يسكن عالمهم؟

ويأتى الفيلم المصرى «الشيخ جاكسون» للمخرج عمرو سلامة منتميا لهذا النوع من السينما المهمومة بالتساؤلات التى يتشارك فيها البشر فى كل زمان ومكان، فعلى مدى أكثر من ساعة ونصف الساعة، يعيش الجمهور داخل عالم شاب ملتحٍ ذى مرجعية دينية، وشغف موسيقى قديم فى آن واحد، من خلال الداعية الشاب «خالد هانى» الذى نتابع مسار حياته الدينى كإمام للمصلين، ينشر أفكاره وخطبه الدينية فى تسجيلات وعظية يسمعها مريدوه، إلا أنه يحمل فى وجدانه هوسا قديما بأسطورة البوب «مايكل جاكسون»، الذى سيترتب على وفاته عام ٢٠٠٩ نقطة تحول فى حياة البطل، تكون منطلقا فى إعادة اكتشاف الذات ليس فى حياته فحسب، ولكن فى عقليات كل من يتابع الأحداث.

فقد استخدم المخرج وفاة «جاكسون» كقوة دافعة لرحلة تأمل مؤثرة على الهوية والتناقض، ليس فقط داخل شخصية البطل الذى يعانى من أزمة الإيمان، ولكن ربما تلقى بظلالها على مجتمع اليوم بأسره.

الفكرة التى طرحها المؤلفان عمرو سلامة وعمر خالد، تبدو وكأنها بسيطة لكنها شديدة العمق فى تصوير حالة ارتباك الشاب ومجتمعه، بل تخطت الواقع إلى خيالات المستقبل وهو ينتقل بنا فى نعومة شديدة على طريقة الفلاش باك بين ماضى «خالد» سواء وهو طفل، أو عندما أصبح مراهقا، ختاما بمرحلة شبابه الحالية، لنكتشف أنه ترك أباه القاسى فى الإسكندرية حين كان صبيا مراهقا، وذهب ليعيش مع خاله المتشدد بالقاهرة.

وانعكست حالة المصداقية فى الأداء بانفعالات مختلفة ومتناقضة داخل الشيخ «خالد» لدرجة توحد الفنان أحمد الفيشاوى معها، شكل شعرنا معه أنه يجسد جزءا كبيرا من حياته الشخصية، كما جاءت تفاصيل صورة كاميرا أحمد بشارى ومفرداتها، وكذلك الحوار ليعكسوا أيضا جزءا من واقع تعايش معه عمرو سلامة، مؤلف العمل ومخرجه، ومعه أجيال شاركته نفس الحالة من التخبط والتساؤلات.

أحداث الفيلم تدور فى زمن متشابك فى مدينة الإسكندرية، حيث نرى الواعظ المحافظ الشيخ خالد هانى الذى يعيش حياة صارمة لها طقوسها الخاصة، فهو ينام أحيانا تحت سريره وبداخله تذكير دائم بأن الموت قريب، جعله يريد أن يتخيل الحياة داخل القبر، ويصر خالد على أن ترتدى زوجته حجابا كاملا فى الأماكن العامة، بل وعندما يكتشف أن ابنته تشاهد على شبكة الانترنت أغانى المطربة «بيونسيه» المصورة، التى ترتدى فيها ملابس ساخنة، يقطع الاتصال ويحذرها من مشاهدة تلك الرقصات على الموسيقى الشيطانية ــ بحسب وصفه ــ وفى الوقت نفسه يطرب من كلمات زوجته التى تقول له على الفراش: «أنا أحبك لأننى أعلم أنك تحب ربنا أكثر مما تحبنى».

وينقلنا المخرج والمؤلف عمرو سلامة عبر سيناريو جذاب بحبكته، وصورة تمزج بين واقع وخيال، إلى لحظة طفولة خالد عندما وجد زميلته فى المدرسة تسمع مايكل جاكسون، ويذهب لأبيه ليسأله من هو جاكسون هذا؟ فيقول له: «ده مخنث»، ويسأل أمه لترد بأنه مطرب وموسيقى شهير. هنا تولد الأفكار المتباينة داخل عقل الطفل الذى يرتبط شيئا فشيئا بجاكسون، ويعود المشهد إلى خبر وفاة جاكسون الذى يشكل صدمة لفترة خالد فى المراهقة التى جسدها بحرفية شديدة الفنان أحمد مالك، وربما تشكل قفزة أخرى فى مستقبله كممثل، وقد أصبح متيما بنجم البوب، ويواجه سخرية من قبل زملائه لمحاكاة شعر جاكسون وملابسه وحركاته الراقصة الشهيرة، وفى الوقت نفسه يرى خالد فى والده ماجد الكدوانى استبدادا بمحاولة بث كراهية جاكسون بداخله، لكن شغف الموسيقى لدى خالد يكسبه اهتمام بعض الفتيات فى المدرسة وثقة مؤقتة فى نفسه.

مرة أخرى نعود لخالد «الشيخ الشاب» ليقف فى حيرة فى خياراته فى الحياة بين إيمانه بمساره الدينى، واستدعاء غير مباشر لجاكسون الذى بدأ يطارده بظهوره له أثناء إلقاء خطبة فى المسجد، أو خلال إمامته للمصلين، ومرة أخرى وهو فى جلسة مع مشايخ السلفيين، وهو ما يجعله يتلعثم وسط اندهاش مريديه ورفاقه ويبدو لهم شخصا آخر.

يقرر خالد الذهاب إلى طبيب أمراض نفسية ويفاجأ أنها امرأة «بسمة» ويدور حوار طويل يبدأ بتساؤل الطبيبة عن لماذا لم يكتب اسمه فى الكشف، وبعد لحظات صمت وهروب من المواجهة، يكشف خالد عن أنه لم يعد يستطيع البكاء فى الصلاة، وأنه تأثر كثيرا بوفاة أمه «درة »، ويروى كيف مر بذكريات مؤلمة فى تلك اللحظة، من قسوة والده وحبه الرومانسى فى المدرسة، وأنه بدأ يعانى من الكوابيس والهلوسة، خلال جلسات الصلاة فى مسجده.

الفيلم صور بذكاء وبموسيقى هانى عادل الموحية كيف بدأت أفكار بطل قصتنا فى الوجود تتأرجح ليصبح على وشك الانهيار العصبى، ويبدأ تعقب المخاوف والأفكار المستترة من الماضى، على أمل تحقيق نوع من الإغلاق على محطات من طفولته.

الميزة الأساسية فى هذا الفيلم هو لمعان الفكرة وطموح طرحها كان أمرا مثيرا للإعجاب، حتى وإن كانت هناك لحظات درامية اقل لمعانا حيث لا تتعاطف احيانا مع بطلة واحيانا اخرى تذوب فى ميلودراميتها وخاصة فى لحظات التحرر والغفران من اشباح الماضى وهو ما تجسد فى مشهد مواجهة خالد وابيه بعد فراق خمسة عشر عاما قضاها الابن فى القاهرة بعد اغراء من خاله، وهو من اعظم مشاهد العمل حميمية وروحا واداء، بتسيده مشاهد عتاب وتسامح لكل ذكرياتهما وخلافاتهما الأليمة.

الفيلم بنهايته الذكية رسالة حب إلى الحياة وقبول كل تناقضاتك، فهناك أزمة هوية فى مصر بالفعل، وخاصة فى فترة ما بعد الثورة، ومواجهة تلك الأزمة كان أكبر تحد لبطلنا النموذج، حيث ارتبط شكلا بالجلباب والذقن، وغاص وجدانيا فى حركات جاكسونية فى مشهد كان بحق رائعا وملهما، وان كان ينقصه موسيقى جاكسون الحقيقية التى افتقدناها دراميا.

سوف يعبر سلامة الحدود بهذا الفيلم وتلك القصة الحساسة والرؤية الأصيلة التى لامست القلوب وهزت الافكار الجامدة فى لعبة التعرف على النفس.

الشروق المصرية في

14.10.2017

 
 

القضية 23.. فازت السينما وخسرت فلسطين

محمد عبد الرحمن

الانتظار كان مختلفا بكل تأكيد لفيلم “القضية 23” للمخرج زياد دويري، نحن أمام فيلم يعرض لأول مرة في مصر من خلال مهرجان الجونة السينمائي لكنه عبر قبل ذلك على مهرجان فينسيا السينمائي الدولي في دورته الرابعة والسبعين وخرج منه بجائزة أفضل ممثل حصل عليها الفلسطيني كامل الباشا أحد طرفي الصراع في القضية 23 المعروف خارج الوطن العربي باسم “الإهانة”.

انتظار الفيلم لم يكن مرتبطا فقط بقضيته التي لم تتناولها السينما العربية من قبل، قضية الاحتقان المزمن بين اللبنانيين والفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ الحرب الأهلية اللبنانية، اللبنانيون –خصوصا الطوائف المسيحية – لديهم حساسية تجاه التواجد السوري والفلسطيني على أرض لبنان، سواء التواجد العسكري السوري لعقود طويلة بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 أو معسكرات اللاجئين الفلسطينيين التي ظهرت عبر إعلان دولة إسرائيل وظلت تتمدد حتى أصبحت أمرا واقعا يجعل اللبنانيون الغاضبون يتعاملون مع هذا الواقع معه وكأن أرض لبنان تتحمل بلا ذنب توابع القضية الفلسطينية، وزاد الاحتقان بعد لجوء أكثر من 2 مليون سوري للأراضي اللبنانية بعد أحداث 2011 ليشعر اللبناني الرافض لهذه الظاهرة أنه يسير في شوارع بيروت وسط زحام جنسيات عربية أخرى يعتبرها عبئا على البلد الذي يعاني دائما اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، هذا عن السياسة أما السينما فلم تقترب كثيرا من هذه المعضلة، حتى فعلها زياد دويري، من خلال فيلمه الرابع “القضية 23” الذي لا يمكن فصله عن فيلمه الثالث “الصدمة” إنتاج عام 2012 والذي لم يعرض في لبنان حتى الآن، لأن تصويره بالكامل تم في إسرائيل، الأمر الذي ألقى على عاتق دويري تهمة التطبيع التي لا تزال تحمل دويا كبيرا في بيروت حتى وإن ظهرت أصوات وصحف وقنوات تدافع عن التعامل مع الكيان الصهيوني وتعتبره أمرا واقعا وتحلل وتفند في مبررات المُطبع.

تبريرات زياد دويري

من بين مبررات زياد دويري أن فكرة الفيلم لم يكن لتصبح واقعية لو تم تصويرها خارج إسرائيل؛ “الصدمة” يدور حول طبيب عربي يحمل الجنسية الإسرائيلية يفاجأ بأن زوجته نفذت عملية انتحارية في تل أبيب فيسعى لمعرفة الأسباب وكيف خططت وفعلت كل هذا دون أن يشعر بما تحمل في داخلها من أفكار واتجاهات؛ القصة عندما تقرأها بعين منحازة للقضية الفلسطينية ستظن أنها تفسر كيف يحول الاحتلال الإسرائيلي المواطن العربي إلى قنبلة موقوتة أو حزام ناسف حتى لو كان من بين عرب 48 الذين يحملون جنسية الدول العبرية، لكن ورغم أنني لم أشاهد بعد فيلم “الصدمة” أتصور أن الشريط هدفه إدانة الانتحاري والقول بأنه يفعل ذلك بناء على معتقدات خاطئة، لا ردا على سرقة الكيان الصهيوني لدولة كاملة منذ 70 عاما.

الاستنتاج السابق يؤكده “القضية 23″، الفيلم الذي لا ينفصل أبدا عن أفكاره مخرجه زياد دويري وحزب القوات اللبنانية الذي ينتمي له، والذي يرى أن لبنان تحملت الكثير بسبب القضية الفلسطينية وأنه لم يعد مقبولا أن تتحمل أكثر، لكن دويري كمخرج محترف وصاحب أسلوب سينمائي يستحق الإشادة نجح في التعبير عن تلك الفكرة بشريط ممتع يشد انتباه المتفرج منذ الدقيقة الأولى حتى المشهد الأخير، الفيلم يستحق فعلا جائزة أفضل ممثل بمهرجان فينسيا، فقد جسد كامل الباشا شخصية الفلسطيني ياسر سلامة باقتدار كبير، المهندس اللاجئ الذي اضطر للعمل في مشروع أقل من إمكاناته فقط لأنه فلسطيني، الذي يفاجأ بأن أحد المواطنين المسيحيين اللبنانيين يُحمله بمفرده توابع القضية الفلسطينية، ومع ذلك يتعامل مع الصدام بصبر وأخلاق يجبر خصمه لاحقا على قبول انتهاء القضية دون أن يفوز أحدهما على الآخر، رغم ذلك يستحق الخصم عادل كرم أيضا جائزة أفضل ممثل، حيث أصاب الجمهور بالتوتر وهو يرى لبناني مسيحي اسمه “طوني حنا” ينشر العنف والغضب كلما ظهر على الشاشة للثأر من جرح غائر لم يندمل بعد؛ لم يعرفه الجمهور إلا في الثلث الأخير من الفيلم بعدما وصلت القضية لساحات المحاكم واشتعل الشارع اللبناني.

ما وراء الفيلم

كيف عرض زياد دويري قضيته من خلال “القضية 23″، عرضها من أبسط زاوية ممكنة وهو ما يفسر وصولها لقطاع عريض من الجمهور رحب بالصراع الذي رآه على الشاشة قبل أن يتوقف بعضهم لاحقا –وأنا منهم- للتفكير في ما وراء بساطة فكرة الفيلم.

مواطن لبناني مسيحي يعيش في حي مزدحم، يمتلك ورشة ميكانيكا، يرفض طلب زوجته التي تنتظر مولودها الأول العودة لقريته الهادئة، نعرف لاحقا السبب، لكن بدون مقدمات ينشب نزاع بينه وبين مهندس الأشغال الذي يعرف سريعا أنه فلسطيني من لهجته، يتعامل معه بعنف غير مبرر، يضطر الفلسطيني لسبه أمام آخرين، يطلب اللبناني اعتذارا ويُضخم الأمور، يحاول البعض التوسط، ينفجر اللبناني في وجه الفلسطيني قائلا الجملة التي تتكررت عشرات المرات طوال الفيلم “ياريت شارون محاكن عن بكرة أبيكم”؛ جملة صادمة بالتأكيد، لبناني عربي يدعو بالفناء للفلسطينيين جميعا وعلى يد من؟ شارون الذي هو بالتأكيد أجرم أيضا في حق اللبنانيين، والسبب خلاف تبعه “سباب” بعدما رفض اللبناني تدخل موظف الأشغال لإصلاح ماسورة “مزراب” في شرفة منزله!!.

يشكو اللبناني للقضاء في درجته الأولى لكن القاضي – جسده كارلوس شاهين- يتعجب من صمت كلام الطرفين عن التفاصيل، يقول أنه لا يصدق أن المعركة بدأت واستمرت بسبب “مزراب”، الفلسطيني يرفض التصريح بالعبارة التي تتضمن اسم شارون، اللبناني يرى القضاء ودولته منحازة للفلسطيني أكثر منه، يرفض القاضي الشكوى فيذهب “طوني حنا” إلى المحكمة العدلية الرئيسية في بيروت، القاضي سيدة هذه المرة – الممثلة المخضرمة جوليا قصار- محامي مسيحي شهير هو نفسه مسئول قضايا سمير جعجع رئيس حزب القوات يتطوع للدفاع عن طوني حنا، محامية مسيحية شابة تتطوع للدفاع عن ياسر سلامة، نعرف لاحقا أنها ابنة المحامي الكبير وترفض أسلوبه، توازن درامي لم ينقذ زياد دويري وكاتبة السيناريو جويل توما من الإنحياز ضد القضية الفلسطينية، تتوالي أحداث المحاكمة حتى أن الرئيس اللبناني يستدعي كلاهما لحل الازمة وديا لكن المواطن المسيحي يرفض (!!) ومع ذلك يقدم يد العون لخصمه الفلسطيني عندما تتعطل سيارته، يقترب الإثنان إنسانيا، لكن المسافة أمام الناس لاتزال بعيدة، نكتشف لاحقا أن المواطن المسيحي نزح من قريته بسبب هجوم مليشيا فلسطينية عليها خلال الحرب اللبنانية الأهلية وأنه أيضا لاجئ لكن داخل حدود لبنان، بل يستدعي المحامي المسيحي مواطنا أردنيا أصيب بشلل بسبب اعتداء فلسطينيون عليه خلال أحداث أيلول الأسود عام 1970 (!!)، باختصار يحاكم المخرج زياد دويري الفلسطيينين من خلال شخصية ياسر سلامة ويعطي لأي عربي غاضب من تحمل تبعات القضية الفلسطينية المبرر الكاف للجهر بهذا الغضب حتى لو وصل الأمر لاستدعاء سيرة آرييل شارون .

فيلم “القضية 23” يمكن تصنيفه دون مبالغة باعتباره من أفضل الأفلام التي قدمتها السينما العربية في العقود الأخيرة، وقد يجد حظا أوفر في المنافسة على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي خصوصا لو تعامل معه المحكمون الأمريكيون من نفس المنطلق الذي سعى دويري لأن يفرضه على المتفرج من خلال نص تمت كتابة كل عباراته بعناية فائقة.

في فيلم “القضية 23” وبينما المتفرج مشدودا للصراع الثنائي بين الخصمين، وينتظر النتيجة، يتتسرب إلى ذهنه وأفكاره وجهات نظر لم يسمعها من قبل عن القضية الفلسطينية، عبارات مثل “الفلسطينيين ليسوا المظلومين فقط في العالم العربي”، “المعاناة التي تعرض لها الفلسطينيون لا تقل عن معاناة تعرض لها آخرون بسببهم”، فيما الجاني الأصلي، المصدر الأول والرئيسي والدائم للمعاناة، إسرائيل، خارج المعادلة أو بمعنى أدق خارج اهتمامات زياد دويري الذي عاش على أرض الدولة العبرية 11 شهرا لتنفيذ فيلم “الصدمة” لأنه لم يجد بديلا آخر .

(نقلا عن مجلة فرجة)

إعلام.أورغ في

16.10.2017

 
 

علي حشاد يكتب:

لكل منا “جاكسون” يعيش بداخله

أنا غريب عن هذا العالم، أنا غريب ولا يعرف أحد أي كلمة من لغة نفسي”.. تلك الكلمات للعظيم جبران خليل جبران أتت في ذهني بعد مشاهدتي لفيلم “شيخ جاكسون”. فهل تعلم أنه من الممكن أن يعيش الإنسان “غريبا” و يموت أيضا “غريبا”، دون أن يُدرك هويته ويكتشف ذاته الحقيقية التي ضاعت بين تأثيرات الحياة المختلفة من أهل ومجتمع و بيئة خارجية؟. اذا كنت من المحظوظين ستكتشف هويتك قبل فوات الآوان.

فذلك الشيخ الواعظ الذي يحرم نفسه من متعة الدنيا لكي يفوز بالآخرة ونعيمها، تتغير حياته وتنقلب رأسا على عقب بعد سماع خبر وفاة “مايكل جاكسون”، ويتذكر أنه في مراهقته كان شديد التعلق بمايكل جاكسون فقط لكي يلفت انتباه الفتاة التي أحبها لأنها كانت من عشاقه، لدرجة أنهم كانوا ينادونه بـ “جاكسون”؛ وعندما كبر ذهب للعيش مع خاله الملتحي الذي أقنعه بأن يبتعد عن هذا الطريق، فأصبح شيخا واعظا يسجل أدعية تحث الناس على التقرب إلى الله، وكان الناس ينادوه “بالشيخ” كما يظهر في بداية الفيلم، فهل هو “الشيخ”؟ أم “جاكسون”؟ أم كلاهما معا؟!.

لكل منا “جاكسون” يعيش بداخله نفتقده. ذلك الشيء أو الرمز الذي دفناه في قلوبنا -أو اضطررنا لدفنه- كان هو نقطة النور الوحيدة التي تشعرنا أننا ما زلنا على قيد الحياة، والتي تذكرنا بمن نكون وحقيقتنا التي فقدناها بين كل التأثيرات المحيطة بنا. فهذا الفيلم لا يحكي عن شيخ كان يحب مايكل جاكسون في مراهقته؛ فمايكل جاكسون هنا هو رمز يختلف من فرد لفرد عند مشاهدته للفيلم.

المخرج عمرو سلامة من وجهة نظري من أفضل المخرجين المصريين الآن، وقريبا سيصبح مخرجا عالميا. ذلك الشاب لديه خبرات واسعة؛ فمثلا، فيلمه “أسماء” حصد أكثر من 19 جائزة دولية ومحلية. وقد صرح أن فيلم “الشيخ جاكسون” فيه جزء كبير من شخصيته وقصة حياته، وذلك ظاهر وبوضوح في الفيلم. استخدم “سلامة” في هذا الفيلم الرمزية بشكل متقن؛ فمثلا “النار” التي تظهر للبطل طوال الفيلم تمثل ضميره، وتحثه دائما على أن يفعل الصواب، كما تعمد أن يجعل الجمهور لا يعلم اسم البطل الحقيقي إلا في المشاهد الأخيرة، ليؤكد على فكرته.

يقول توفيق الحكيم “إن في الدنيا أشخاصا يجري في دمائهم الفن وهم لا يشعرون”. من المؤكد أن ماجد الكدواني من هؤلاء الأشخاص!، وهو أفضل من مَثَّل في هذا الفيلم؛ عبقري في تلقائيته ووحش مفترس في أدائه، وله مشهد في الفيلم وهو يلوم ابنه على طول غيابه، يُبكيك دون حتى أن ترى عينيه!.

أعتقد أن دور البطل في مراهقته لا يستطيع أحد أن يمثله كما مثله أحمد مالك؛ ذلك الشاب كقطعة الصلصال التي تستطيع أن تشكلها أكثر من 100 شكل، فهو يثبت يوما بعد يوم أنه من أفضل من استطاعوا أن يؤدوا دور الشاب المراهق في هذا الجيل.

ابستمت وفرحت عندما رأيت “بسمة” في هذا الفيلم. بالرغم من بساطة الدور إلا أننا اشتقنا لرؤيتها على شاشة السينما؛ وسعيد أنها عادت من الولايات المتحدة، وسنراها في العديد من الأعمال الفترة المقبلة، فهي بلا شك ممثلة محترفة.

أداء “طسلمي أبو ضيف، كان بسيطا وتلقائيا وتطور بشكل ملحوظ، مقارنة بأدائها في “حلاوة الدنيا”، فهي ممثلة مجتهدة تحاول أن تطور من نفسها.

وأخيرا “أحمد الفيشاوي”؛ أداؤه في هذا الفيلم مميز، فقد ظهر بشكل جديد، وله العديد من المشاهد الصعبة التي أداها بشكل متقن.

أجمل مشاهد الفيلم من وجهة نظري هي: مشاهد ماجد الكدواني مع أحمد مالك، فهي مشاهد عفوية؛ مشاهد ظهور مايكل جاكسون بالجامع؛ ومشهد النهاية.

تم عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان تورنتو، وحاز على إعجاب النقاد؛ وعلق الناقد والكاتب العالمي “نورمان ويلنر” في مقالته التي راجع بها الفيلم عبر موقع “ناو تورنتو”، أن الفيلم يشتبك مع أعمق نقطة داخل الإنسان، وأن هذا الإحساس قد يصل إلى كل من سيشاهد الفيلم بلا شك، ووصفه بأنه جوهرة مهرجان تورنتو الخفية؛ ثم تم عرضه بمهرجان الجونة في مصر، وحاليا يُعرض في مهرجان لندن، وينافس الفيلم من خلاله على جائزة النقاد العالمية (فيبريسكي) وجائزة الجمهور، وتم اختيار الفيلم ليمثل مصر بالأوسكار.

بالرغم من أن هذا الفيلم ليس فيلما متكاملا أو خالٍ من العيوب، لكنه بلا شك فيلم يلمس القلوب ويحاول أن يبرز فكرة وقضية مهمة من خلال قصة بسيطة مؤثرة.

إعلام.أورغ في

16.10.2017

 
 

'لا فراش للورود'..

الموت يأتي بانقطاع الحوار بين البشر والعالم

العرب/ سعد القرش

الفيلم يعالج، بعيدا عن الابتذال مشاعر معقدة، باقتصاد في الحوار وفيض في التأملات عن مصائر الحب والمحبين.

إذا كان الفيلم الأميركي “جمال أميركي” (1999) قد انحاز إلى قيمة أخلاقية بامتناع بطله عن علاقة مع الصبية المراهقة صديقة ابنته، فإن مغامرة مماثلة في مجتمع بنغلادش المسلم المحافظ تحمل بطل فيلم “لا فراش للورود” إلى منتهاها، من دون انتهاك أي قيمة أخلاقية، وعلى الرغم من إدانته أسريا فإنه ينحاز إلى قلبه، حين تفقد حياته المعنى، وتكشف مصادفة مزعجة اضطرابه العاطفي، فيستجيب لنداء غامض بالابتعاد لكي يقترب من نفسه.

إنها أزمة منتصف العمر، أو ما بعد منتصف العمر، حين يدرك الرجل أن ما بقي من حياته أقل مما مضى، ويتوسل مخرج الفيلم البنغالي مصطفى سروار فاروقي بالألوان والظلال في المشاهد الافتتاحية لفيلمه، حيث الفضاء الرحب لطبيعة تجمع الخضرة والشهرة للأب “جواد حسن” مخرج السينما المرموق والوجه الحسن لزوجته “مايا” وابنته المراهقة “صابري” ومعهم الابن الأصغر “أهير”، أسرة نموذجية أو هكذا تبدو، ولكن تحت السطح أسئلة ومشاعر تنتظر سببا مباشرا، لكي يقترب ويشعلها، تمهيدا لانفجار ينسف الروابط الهشة.

هذا الهدوء المراوغ، الذي يسم علاقات فاترة لأغلب الطبقات الوسطى، لا يصمد مع كلام الأب المخرج الخمسيني عن الماضي، وكم كان جميلا، فيثير ضيق زوجة ترى في تكرار هذا “العزاء” انفصالا عن اللحظة الآنية، وترد عليه “الماضي؟ وكأنه لا حاضر لنا”.

ولم يلبث الحاضر أن جاء بما لا تتوقع الزوجة، إذ عصفت شائعة عن علاقة المخرج بصديقة ابنته “نيتو” بما بدا أنه اهتزاز لاستقرار الأسرة، ويضطر الأب إلى ترك البيت، كما جرى في واقعة حقيقية أثارت زوبعة في بنغلادش وكان ضحيتها كاتب وسينمائي شهير، وانطلق منها الفيلم ليعالج، بعيدا عن ابتذال الميلودراما، مشاعر معقدة، باقتصاد في الحوار وفيض في التأملات عن المصائر.. مصائر الحب والمحبين.

وفي المشاهد الأولى يتراجع التفاعل الدافئ بين الأب وأسرته، ولكن إشارات حوارية تشي بنهايات حتمية لحياة لم تعد حياة، مثل قول الأب لابنته التي تربطها به صداقة قوية إن الارتحال يقربنا من أنفسنا، وإن الموت يأتي عندما يتوقف الحوار بين البشر والعالم، وبينهم وبين من يحبون، وكأنه يطوّر المقولة الشهيرة لسقراط، بتنويعة عصرية: “تكلم حتى تحيا”.

وأمام الضجة/الفضيحة يضطر بطل الفيلم إلى الإقامة بعيدا، وكما عصفت الشائعة بحياته مع أسرته، فإنها أزاحت أيضا غبارا عن رغبة دفينة في أعماقه، ويتزوج نيتو المراهقة صديقة ابنته، ولكن طلاقه لزوجته لن يحقق له السعادة في حياته الجديدة، إذ “لا فراش للورود”، وسط مجتمع كاره، تحلو له صناعة الغضب، وإدانة الغير بتشنيع يستمد وقوده من شهرة البطل الذي تتحول صداقة ابنته له إلى نفور، وتصير الابنة صابري أقوى في مواجهة خيانة صديقة طفولتها لها، وتنضجها الكارثة الأسرية فتؤكد لأمها أن الاستقلال نعمة، وأنه لا يأس أبدا، ولو في غياب رب الأسرة.

أجاد الممثل الهندي عرفان خان أداء دور الأب الباحث عن معنى، العاجز عن المحافظة على أسرته، وغير القادر على المتعة بحب مستحيل، بل يزاداد حيرة وتوحدا، ولا يملك المشاهد إلاّ التعاطف معه، وهو تعاطف يتوزع بنسب مختلفة على أبطال فيلم لا يسعى إلى أدانة أحد، ففي هذه الحيرة الوجودية لا توجد عقدة درامية أو لغز يُنتظر من المخرج، وهو نفسه كاتب السيناريو، أن يجد له حلا، ولكن الحياة نفسها سلسلة من العقد والألغاز.

وينطلق الفيلم من ثقافة محلية محافظة، نسمع فيها تلاوة القرآن على روح البطل، لمعالجة قضية إنسانية عن مغزى الموت وجدوى الحياة، وهو إنتاج مشترك بين بنغلادش والهند.

العرب اللندنية في

17.10.2017

 
 

"خريف" السينما العربية

بقلم: أسامة عبد الفتاح

** سبعة مهرجانات تتبادل عرض نفس الأفلام خلال ثلاثة أشهر.. و"علي معزة" يتقدم "السباق"

في حدود معلوماتي، وقد تكون ناقصة، تشهد شهور الخريف الثلاثة إقامة سبعة مهرجانات عربية، سواء دولية أو إقليمية أو مختصة بالفيلم العربي، وكأنه لا توجد شهور أخرى خلال السنة، أو لا يوجد اختراع اسمه التنسيق بين من يتحدثون نفس اللغة ويزعمون أن لهم نفس الأهداف.

فقد أقيم مهرجان الجونة السينمائي الأول خلال الفترة من 22 إلى 29 سبتمبر الماضي، وتبعه مهرجان مالمو للسينما العربية من 6 إلى 10 أكتوبر الحالي، وتداخل معه مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط من 7 إلى 12 أكتوبر، وتداخل مع الأخير مهرجان روتردام للفيلم العربي من 11 إلى 15 أكتوبر.. ويشهد الشهر المقبل تنظيم أيام قرطاج السينمائية من 4 إلى 11 نوفمبر، ويتبعها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي من 21 إلى 30 نوفمبر، وتختتم أشهر الخريف بإقامة مهرجان دبي السينمائي الدولي من 6 إلى 13 ديسمبر المقبل.

المشكلة أنه لا يوجد إنتاج عربي "جيد" كاف لتلبية احتياجات تلك المهرجانات من أفلام، فتكون النتيجة أنها تظل تتبادل عرض الموجود والمتاح من الإنتاج الجيد حتى يمل الجمهور العربي منه ويزهده، وحتى يُصاب صناع الأفلام، خاصة من المخرجين، بالإرهاق من كثرة السفر واللهاث وراء أفلامهم من مهرجان إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى.

الأطرف أنه لا يوجد أيضا إنتاج عالمي يكفي تلك المهرجانات إن كانت دولية، والموجود إما "مجاني" ضعيف، لا يطلب مقابلا لعرضه، أو "رخيص" لكن متوسط المستوى، أو متميز فنيا وفائز بجوائز مهمة في مهرجانات كبرى لكن يغالي في طلب مقابل اشتراكه أو حتى عرضه في أي مهرجان، وتكون النتيجة نشوب "صراعات" بين المهرجانات العربية على الفوز بعرض الجيد المتاح.

وسأضرب مثلا واحدا بالفيلم المصري "علي معزة وإبراهيم"، الذي فاز بجائزة في ختام مهرجان مالمو الثلاثاء الماضي، وفي اليوم التالي مباشرة كان يُعرض في افتتاح مهرجان روتردام، وفي نفس الأثناء كان الاستفتاء الذي أجراه مهرجان الإسكندرية قد أسفر عن فوزه بجائزة أحسن فيلم، مما يجعله - حتى الآن - في مقدمة "سباق" مهرجانات العرب!

وكانت مصر قد حصدت أكبر جائزتين في مالمو، حيث فاز "علي معزة وإبراهيم" بجائزة أفضل فيلم روائي طويل ونال فيلم "النسور الصغيرة" جائزة أحسن فيلم وثائقي طويل. والمعروف أن الأول، وهو من إخراج شريف البنداري، فاز بجائزة أفضل ممثل من مهرجان دبي العام الماضي لبطله علي صبحي، ومنذ ذلك التاريخ يجوب المهرجانات هو وغيره من الأفلام الجيدة القليلة المتاحة.. أما "النسور الصغيرة"، فهو العمل الطويل الأول لمخرجه محمد رشاد، ويدور حول المشاعر المركبة والملتبسة التي يحملها صانعه لأبيه الرجل العادي البسيط، الذي لم يعش ثراء في حياته يؤهله لأن يُلقى عليه الضوء، وهو الآخر قام بجولة طويلة بين المهرجانات.

وقد صدقت توقعات "القاهرة" فيما يخص هذا المهرجان، حيث كنت قد نشرت الأسبوع الماضي أن الأفلام المصرية، التي شاركت في مختلف المسابقات، هي الأقرب لجوائزه التي قررتها لجنتا التحكيم الرئيسيتان: لجنة الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة التي تشكلت من المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي والممثلة الأردنية صبا مبارك والسيناريست المصري سيد فؤاد، ولجنة الأعمال الروائية والتسجيلية القصيرة التي تكونت من الناقد الكويتي عبد الستار ناجي والمخرجة والمنتجة اللبنانية ديالا قشمر والناقد المصري طارق الشناوي.

أما مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، الذي اُختتم الخميس الماضي، فقد أجرى استفتاءً خاصًا بالأفضل في السينما المصرية خلال الفترة من أول يناير حتى 5 سبتمبر 2017، وحصل "على معزة وإبراهيم" على جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل مخرج كانت من نصيب شريف عرفة عن فيلم "الكنز"، وأفضل سيناريو للمؤلف أحمد على ماهر عن "على معزة وإبراهيم"، وأفضل ممثل دور أول لكل من عمرو سعد عن فيلم "مولانا" وماجد الكدواني عن فيلم "الأصليين"، وأفضل ممثل دور ثان محمد ممدوح عن فيلم "الخلية"، وأفضل ممثلة دور أول نيللي كريم عن فيلم "بشتري راجل"، وأفضل ممثلة دور ثانٍ ريهام عبد الغفور عن "الخلية"، وأفضل تصوير لأحمد المرسى عن فيلم "الأصليين"، وأفضل موسيقى لهشام نزيه عن نفس الفيلم، وأفضل مونتاچ لأحمد حافظ عن نفس الفيلم.

جريدة القاهرة في

17.10.2017

 
 

من رقص علي أغاني "البوب".. إلي لحية طويلة وجلابية قصيرة"

الشيخ جاكسون.. "أزمة هوية"

تم ترشيحه للأوسكار الأمريكية.. ويبحث عن جمهوره في مصر!!

حسام حافظ

أول ما يلفت النظر قبل مشاهدة فيلم "الشيخ جاكسون" أن الرقابة أجازت عرضه للكبار فقط "«18" كما حذفت حرفي الآلف واللام فأصبح "شيخ" فقط بدلاً من "الشيخ" وبعد مشهد لجنازة غامضة في الصحراء يبدأ الفيلم بتعريف الشخصية الرئيسية وهو شاب "أحمد الفيشاوي" أصابه فيروس "الهوس الديني" يردد دعاء الاستيقاظ من النوم ودعاء دخول الحمام ودعاء الخروج للسوق وهكذا. وندرك اننا أمام شاب يعاني من الاكتئاب ويفكر في الموت وعذاب القبر.. باختصار عنده نوع من الاضطراب النفسي الحاد صبغ حياته وعلاقته بأسرته الصغيرة.. الزوجة "أمينة خليل" وطفلته التلميذة بالمدرسة. 

يقدم الفيلم لمحات من حياة البطل بالإسكندرية في 3 مراحل.. في الطفولة كانوا يسمونه دودة "الطفل عمر أمين" وفي سن المراهقة "أحمد مالك" ويسمونه "جاكسون" بسبب تعلقه بأغاني ورقصات المغني الأمريكي الشهير مايكل جاكسون. وفي سن الشباب "أحمد الفيشاوي" وينادونه بالشيخ بسبب التزامه الديني وهو إمام للمصلين. ويعمل بعد الزواج مع خاله بالقاهرة في تجارة شرائط الكاسيت الدينية في التسعينيات. 

كان الشيخ الشاب يبكي في الصلاة طمعاً في الثواب الذي ينتظر العين التي بكت من خشية الله. وهو عدم دخول النار كما جاء في الحديث الشريف. لكن عندما يعلم الشيخ بوفاة مايكل جاكسون يشعر بصدمة هائلة المفترض انها تمثل نقطة تحول في شخصيته. لكن المخرج عمرو سلامة وهو في نفس الوقت كاتب القصة يأخذنا في اتجاه التأكيد علي مأساة البطل حيث إنه توقف عن البكاء في الصلاة. وهو بالمناسبة أحد مظاهر الإسلام السلفي. وأصبحت مشكلته أنه يريد العودة إلي البكاء مرة أخري كدليل علي إيمانه وتقواه. 

يقدم الفيلم شخصية الأب "ماجد الكدواني" وهو شخص رياضي يعمل مدرباً في جيمانيزيم.. مضطرب نفسياً خاصة بعد أن ماتت زوجته. عنده "هوس جنسي" يظهر ذلك في مشهد وجوده مع فتاة في البانيو ويسأل هل الشيطان ذكر أم أنثي؟.. نفهم من ذلك أن الشيخ الشاب ضحية أب "مخبول" أحياناً يعامله بطيبة وأحياناً بعنف وقسوة. يصف الأب مايكل جاكسون بالمخنث ويرد الطفل "يعني عامل إزاي من تحت؟" وهنا تتضح المشكلة الموجودة في فيلم المخرج عمرو سلامة. وهي حرصه الزائد علي تقديم شخصيات مريضة ومرتبكة سواء كان الشيخ جاكسون أو والده وكان لذلك تأثيرة المدمر علي الفيلم كله. الهوس الجنسي للأب يقابله الهوس الديني للابن. وكما أحب الشيخ أغاني جاكسون في شبابه أحبت ابنته الصغيرة أغاني "بينوسية" وتشاهدها علي "اليوتيوب".. والسؤال: هل نحن نشاهد صراعاً بين الثقافة المحلية التي يمثلها الشيخ والحداثة التي يمثلها مايكل جاكسون؟.. نعم هذا وارد في المجتمعات التي ساهم النفط في انتقالها المفاجئ من التخلف إلي الاتصال بالحضارة الأمريكية في قمة سيطرتها علي العالم. لذلك فان "الشيخ جاكسون" ليس مصرياً بل هو شخصية متخلفة قادمة إلينا من الصحراء وليست منا. مصر لم تعرف "الصدمة الحضارية" التي يتحدث عنها فيلم عمرو سلامة الذي اختاروه ليمثل مصر في مسابقة الأوسكار. 

وقرب نهاية الفيلم نعلم أن الاسم الحقيقي للبطل هو "خالد". لذلك فان كل من "الشيخ" و"جاكسون" لا يمثلان الشخصية الحقيقية للبطل المدفونة داخله. فالشيخ ــ من وجهة نظري ــ لا يمثل حقيقة البطل لأنه يمثل ثقافة وافدة علي البطل. كما أن جاكسون يمثل ثقافة أجنبية قادمة من الحضارة الغربية. لذلك فإن الحالة التي يظهر عليها خالد في نهاية الفيلم كشخص منقسم يرتدي الجلباب ويطلق اللحية وفي نفس الوقت يرقص علي موسيقي جاكسون.. هذه الحالة هي "حالة ذهنية" فاقدة للحياة توجد في ذهن وخيال عمرو سلامة. وليست معاناة واقعية كما أراد أن يقدمها الفيلم. كتعبير عن حقيقة الأزمة المجتمعية أو الفردية التي يعاني منها البطل. 

ساهم عمر خالد الذي اشترك في كتابة السيناريو في منح الفيلم رؤية جيل جديد جاء إلي العالم ليجد الواقع علي هذه الصورة المشوهة فقدمها بصدق علي الورق. لكن المخرج عمرو سلامة فشل في تقديم هذه الرؤية لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وحاول باستخدام الكثير من إدعاء العمق تقديم صورة للازدواجية التي نعاني منها. لكنه للأسف بدي غريباً وغامضاًَ وكأنه هو ذاته يعاني من ازدواجية من نوع آخر. 

عاد خالد إلي الإسكندرية يريد أن يعيش في الشقة القديمة ويريد أن "يتصالح" مع الماضي كما نصحته الطبيبة النفسية "بسمة" ولكنه أصبح "مسخاً" بمعني الكلمة من الطبيعي أن يثير عطف وشفقة المشاهد. ولكن للأسف الشديد حتي هذه لم ينجح عمرو سلامة في انتزاعها من المشاهد. 

كما هو معلوم فان الدراما غير الحياة الحقيقية التي نعيشها. بمعني اننا نقابل في الواقع الكثير من الشخصيات المزدوجة أو التي لديها رغبات مكبوتة ورغم ذلك تعيش بيننا بأمراضها الداخلية دون أن تفعل شيئاً لحل ازمتها. ولكن في السينما هل يصح أن يكتشف البطل أزمته النفسية ويقف الفيلم عند تلك النتيجة فقط.. هذا ما حدث في "شيخ جاكسون".. تميزت جميع العناصر الفنية في الفيلم خاصة أداء أحمد مالك وماجد الكدواني وتصوير أحمد بشاري الذي قدم لقطات جيدة ومدروسة وموسيقي هاني عادل وغناء ياسمين رئيس لأول مرة في أغنية لطيفة. بالإضافة إلي ملابس ريم العدل. 

الجمهورية المصرية في

18.10.2017

 
 

«تأثير سيء» ... وسؤال الهوية القاتلة!

قيس قاسم

منذ عقدين والسينما التشيلية تقدم تحفاً سينمائية. على المستوى الروائي يقف وراء أكثر نتاجاتها أهمية المخرج الألمعي بابلو لورين، الذي لم يكل عن تقديم جواهر، آخرها «نيرودا» وفيه تناول مقطع قصير من حياة الشاعر الكبير وكعادته حاكم فيه بأسلوبه السينمائي الرصين تاريخ ديكتاتوريات بلاده الذين يظل أشدهم كرهاً إلى نفسه، الجنرال بينوشيت، الذي خصص لمرحلة حكمه السوداء «ثلاثية التاريخ»: «توني مارينو»- 2008، «بوست مورتيم»- 2010 و «لا»- 2012، لينضم في مراجعاته السينما/ تاريخية إلى جوقة المخرجين الكبار مثل باتريسيو غوزمان مطارد الجنرال في وثائقياته المبهرة، «حنين إلى الضوء» و «زر اللؤلوءة» وجهده الرائع في تسجيل سيرة الزعيم الوطني «سلفادور الليندي»؛ فيما عَبَرت المخرجة الشابة كلاوديا هواغوميلا إلى ساحتهم بجواز سفرها الأول «سان خوان.. الليلة الأطول» وتعود اليوم إليهم بفيلم «تأثير سيء» لتقوي موقعها بينهم بل ربما تتفرد عن بعضهم في معالجة حساسيات اجتماعية ذات صلة بواحدة من أكبر مشكلات تشيلي: الهوية.

نزاع الهويات

ربما تكون تشيلي بدرجة أكثر عن غيرها من دول مستعمرات اسبانيا السابقة، تنازعت هويتها القومية بقوة بين انتمائها لأصولها الهندية أو القبول بـ «أوروبيتها» المتكرسة بسطوة الغازي الإسباني، الذي ومنذ أن وطأت أقدامه أراضيها عمل على تغيير تركيبتها الاثنية والدينية ومع الوقت صار الهندي (المابوتشاني) الأصلي مواطن من الدرجة الثانية ليتعرض بسبب هويته لتمييز عرقي لم يظهر على الشاشة كما ظهر في السينما الأميركية لهذا تكتسب الأفلام المتناولة أوضاعهم الحالية طابعاً اكتشافياً تنقيبياً في ظاهرة مسكوت عنها رسمياً. وهذا ما عملت على معاندته المخرجة الهندية الأصل كلاوديا هواغوميلا في فيلمها الأول وعادت في منجزها الأخير «تأثير سيء» لعرضه من زاوية أوسع تتيح النظر إلى المشكلة التشيلية بأبعاد اجتماعية سياسية، على رغم تركيزها على الجوانب الإنسانية.

ولقد رمزت المخرجة الى تلك الجوانب، بحكاية المراهقين تانو (الممثل أندرو بارغستيد) وتشيو (الممثل أليسو فِرنانديز) حين اجتمعا في جنوب تشيلي صدفة ونشأت بينهما أواصر صداقة نقل أحدهما للآخر على أثرها، عدوى أمراضه. لكن التأثير السلبي الأكبر سيظهر في المراهق (الأبيض) الآتي من العاصمة سانتياغو إلى منطقة وولمابو بغاباتها البكر وطبيعتها الرائعة التي طالما تغنى بها الشاعر التشيلي نيرودا، وحيا أصوله بزياراته المتكررة لتلك البقاع التي تخضع اليوم لتدمير ممنهج بسبب إقامة الدولة مشاريع صناعية لا تعود بالنفع على سكانها، بل على العكس تدمر بيئتهم وتهدد وجودهم، الذي طالما تشبثوا به. وهناك سيجد المراهق المُبعد بسبب ارتكابه جرائم سرقة نفسه وسط صراع لم يسمع به من قبل.

فهو حين وصل متذمراً إلى بيت والده، الذي تركه مع والدته وانقطع الاتصال به طيلة سنوات، تعرف على صبي بعمره اسمه تشيو. خجول وحيد يتعرض للضغط والاهانة من قبل زملائه في المدرسة بسبب أصوله المابوتشانية ومع كل ذلك حافظ على هدوئه. في عزلته وآلامه ونشأته الأنثوية في غياب أب لا يعرف عنه شيئاً وجد في الروح الهائمة القادمة من المدينة ملاذاً له، على رغم عيوبها. علمه على السرقة من المحلات وتدخين المخدرات وعامله بترفع واحتقار أحيانا ومع ذلك صبر على صداقته. بهاتين الروحين الهائمتين تمثلت شيلي في نظرة مخرجة تعرف العالم، الذي تريد نقله على الشاشة جيداً. تعرف كل شبر فيه ولأنه ترسخ في ذهنها منذ الصغر فقد عرفت من أين تصوره لدرجة تبدو لقطاتها الواسعة المأخوذة للمكان الحاضن للصبيين وكأنها «ملصقات بريدية» من جنوب تشيلي الرائع الجمال المذهل في براءته وسكونه. لكنها لا تذهب مع شريكها في الكتابة بابلو غرين (كتب أيضاً نص فيلمها الأول) الى جوهر المشكلة بفجاجة بل تركت العلاقة الناشئة بينهما وبقية الشخصيات تأخذ وقتها لتتيح عبرها للمشاهد فرصة التعرف على صراع محتدم لا يظهر على السطح بسهولة بل ثمة حاجة للانتظار والترقب حتى تحين اللحظة التي يتجسد فيها أمام الأنظار.

جردة للمشكلات

راحت المخرجة في بداية فيلمها تسرد جوانب من مشاكل الأبناء مع الآباء وتميل إلى ملامسة حساسيات مجتمعية لا تنفصل عن طبيعة المؤثرات السلبية على العلاقة الجديدة الناشئة بين المابوتشاني والتشيلي الأبيض الأسباني الثقافة. بعدها انطلقت لرسم ملامح صراع وتصادم بدأ يظهر عبر مظاهرات ومناسبات قومية أُستغلت لتجديد رفض السكان الأصليين لوجود معامل ومصانع عملاقة نفاياتها ومصادر تشغيلها تضر وتحطم بيئتهم وتزيد من فقرهم. فجأة سيظهر الصبي تشيو على غير ما هو عليه في الحياة العادية. بطل مقدام يقف في وجه الجنود ورجال الشرطة المدججين بالسلاح لحظة التصادم معها، وبعد مقتل قائد منهم وثورة الناس ضد قتلته لم يصدق الصبي تانو عينه. هل يعقل أن يكون الصبي الخانع أو القابل بظلم الطلبة القساة له بهذه الشهامة. يملك وعياً كافياً يحصن داخله لمجابهة آلة عسكرية لا ترحم؟. سينتقل التأثير السلبي الآخر إلى روحه، ويعلن أثر ما شاهده من لا عدالة حكومية وعسكرية رفضه العودة ثانية إلى سانتياغو. سيبقى وربما سينضم لاحقاً إلى حشود الهنود المطالبين بحقوقهم. قوة العدوى مرسومة بدقة وحذر فعمل الموبيتشانية لا ينتمي إلى نوع أفلام المغامرة حيث في الغالب تتم الانتقالات دون منطق سينمائي ولا سياق سردي موضوعي يبررها، لأن اشتغالها كان منصباً على إشباع المناخ والظرف الخاص المحيط بكل شخصية من شخصياتها وبالتالي تضحى مواقفهم وردود أفعالهم متناغمة مع سياقها الحكائي. أجمل ما في الحكايات التي تتعرض لموضوع تغيير الوعي، هو لا قصديتها كما في الواقع فكثير من البشر يجدون أحياناً أنفسهم فجأة في مكان يقودهم الى مواقف لم يفكروا فيها من قبل ويجدون أنفسهم لظرف خارج عن ارادتهم منهميكن وسطه وهذا ما حدث بالفعل للصبي القادم من المركز الى الأطراف المهمشة ودون وعي منه ليلقى نفسه يصطف مع صديقه ويدافع عنه. والمدهش هنا أن ثمة إحساساً يتولد عند المشاهدة يوحي بأن اللقطات الخارجية والمشهديات الجمالية إنما وضعت للتخفيف من حدة وفجاجة تحولات مواقف «الأبطال»، لأنها تقصدت بالأساس عرض شخصيات عادية وبعضها لم ينضج بعد، وبالتالي أدركت أن أي تحميل أيديولوجي وبطولي مفتعل قد يفسدها. لم تشأ المخرجة نقل «عدواها» إلى المتفرج مباشرة، بل عاملته مثل الصبي تانو الآتي من ثقافة وأرض مختلفة، جوهر صراعاتها تعبير عن رفض «تشيليين» سياسة التطهير العرقي ضدهم والاستنكاف من لاتينيتهم وصدهم لرغبة مقحمة لأوربتهم، فاشتد الصراع لذلك على هويته. كل ذلك أثر في روح الصبي، المشحون بالكراهية لأفراد عائلته وانشغالتهم الأنانية، ليكتشف آخرين غيرهم لا يملكون سوى قوة المطالبة بحماية أرضها وثقافتها ولا يتنازلون عنها.

في النهاية لن يكون السؤال عن مَن كان أكثر تأثيراً على الآخر: «الأبيض» الآتي من العاصمة أم الجنوبي البسيط الشجاع، ذو معنى. فذلك البلد ما زاله يعاني من سؤال الهوية وتجاذباتها وبالتالي ستبقى الحاجة دائمة لعمل مزيد من الأفلام تُذكر بها وبوجود مابوتشانيين أصليين يعانون من العزل والتمييز بسببها.

####

«عندي صورة»: فلسفة الكومبارس الأخير

أحمد باشا

في فيلمه التسجيلي الطويل «عندي صورة» (71د، 2017) الحائز مؤخراً جائزة «أفضل فيلم وثائقي عربي» في «مهرجان الجونة»، يحاول المخرج المصري الشاب محمد زيدان اقتفاء أثر إحدى الشخصيات التي لفت انتباهه وجودها في مئات الأفلام المصرية المنتجة منذ ستة عقود. الحديث هنا عن الفنان مطاوع عويس، الرجل الذي أمضى سنيّ عمره في التنقل بين استديو وآخر للمشاركة في هذا الفيلم أو ذاك، الى درجة ان ما تحفظه ذاكرته الشخصية عن أحداث مواقع التصوير وسير النجوم وطباعهم أكثر مما تخزنه عن الحياة في الخارج.

سجل تاريخيّ

يُعرف محمد زيدان باطلاعه الواسع على تاريخ السينما المصرية وعلى تفاصيل صناعة أفلامها، حتى أن البعض يصفه بـ «أرشيف حي متنقل»، لا يغيب عن ذهنه حتى أسماء لاعبي الأدوار الثانوية والتقنيين العاملين في السينما، هذا ما يرويه في مطلع فيلمه «عندي صورة».

لقد لفت انتباه محمد زيدان وجود ممثل كومبارس صاحب حضور استثنائي، يتكرر وجهه في مئات الأفلام، لكن أبدا لا يؤتى على ذكره في تيترات الأفلام التي ظهر بها، ومن هنا تبدأ رحلة البحث وفكرة الفيلم حول ممثل كومبارس قد يكون صاحب المشاركات الأكبر في تاريخ السينما.

يشغل الأمر السابق بال المخرج، فيشاهد، وفق ما يقول، ما يقارب ألفي فيلم بغية الوصول إلى اسم صاحب الوجه المتكرر. فعلاً، يعرف اسم بطله من خلال أحد الأفلام الحديثة التي كان قد شارك بها، فيذهب إلى محرك البحث الإلكتروني فيجد معلومات ضئيلة تفيد إحداها بوفاته سنة 2010. يبدو أن لعنة الهامشية تأبى أن تفارق أبطالها، وذلك انه على عكس المتوقع فإن الرجل كان على قيد الحياة والمعلومات المذكورة على شبكة الإنترنت خاطئة.

تحين لحظة اللقاء ويدخل على خط الفيلم كمال الحماصني، رجل سبعيني قضى حياته كمساعد مخرج من دون أن يصنع عملاً واحداً بتوقيعه مخرجاً، فيقرر زيدان الاستعانة به كمساعد مخرج وكشاهد حي على ذاكرة منسية من تاريخ السينما المصرية. يبدأ الفيلم بصوت زيدان راوياً حكايته مع السينما وصولاً إلى سرد تفاصيل الرحلة السابقة للقاء عويس والحماصني. سرعان ما ننتقل إلى سيرة بطلي الفيلم وعلاقتهما بالفن السابع وسير البدايات وتعرفهما على نجوم السينما.

هكذا يبدو الفيلم وللوهلة الأولى وكأنه حوار بين جيلين ضمن بورتريه شخصي فيه حديث عن الحنين والذاكرة. إلا أن دخول الحماصني المفاجئ على خط الفيلم سيعطي بعداً درامياً، وسنصبح أمام صراع غني أمام الكاميرا، مستقل ومكثف بشدته، فالأخير وجدها فرصته الذهبية ليظهر موهبته الإخراجية أمام مخرج شاب غير معروف وأمام صديقه الكومبارس الذي كانوا يلقبونه بـ «حرامي الكاميرا». الأمر الأخير يحسب لزيدان لمرونته وقدرته الملفتة على توظيف الحماصني ليبدو وكأنه من خطة السيناريو الأولى.

تدريجياً، ستكتمل معالم حبكة الفيلم الذي يتكئ على الذاكرة، لغرض الاستمرار في الآن ليس إلا، وكأن المخرج الشاب قد ورطته طبيعة بطليه في مسار درامي أكثر ثراءً ووعورة. نحن أمام فلسفة مطاوع الذي يحتفظ بمئات الصور وكأنه يدرك أنه لا قيمة لأي لحظة في حياته من دون وثيقة تدل عليها (يتساءل المخرج إن كان عويس قد اطلع على عبارة إميل زولا التي تقول ذلك). يتعمد المخرج إظهار هذه الصفة وكأن بطله قد اكتسبها بسبب طبيعة المهنة التي جعلت منه إكسسواراً متحركاً، يدب الحياة مع شركائه في هذا المشهد أو ذاك.

لكل هامشيّ أهميته

وفي السياق ذاته، يشير مراراً الحماصني إلى أهمية كل ما هو هامشي في الحياة ويذكر من دون أن يتردد أن المركزي يأخذ صفته الأساسية من قبول البعض بالهامش مستقراً، ولولا الأخيرين لما كان المشهد أساساً، وما كانت الحياة أيضاً. على خط معاكس يتقاطع مع الأساسي طيلة الفيلم، يبدو المخرج محمد زيدان والفنيون في الفيلم الذين يمثلون الجيل الجديد وكأنهم يتحاورون مع فنانين كانوا في الظل لهم فلسفتهم ونظرتهم الخاصة جداً إلى الفن. لو أتيحت الفرصة لمن هم بعيدون عن الأضواء، كما هو حال الحماصني وعويس، لتغير جوهر فكرة البطولة. الأمر الأخير بدا ناضجاً في ذهن زيدان ومجايليه داخل الفيلم، حيث بذلوا جهداً كبيراً في استخدام لقطات من أرشيف السينما المصرية يظهر عويس فيها متلائماً مع ما يراد أن يقوله المشهد الذي يجري أمام عدسة الآن.

مرة أخرى، اللعنة لا تفارق أصحابها، بخاصة إذ ما عرفنا أن البطلين، عويس والحماصني، قد رحلا قبل مشاهدة أنفسهما في فيلم من بطولة مطاوع عويس وكمال الحماصني، وبخاصة بعد حصول الفيلم على جائزة مستحقة واستقبال لافت. وما لا شك فيه في الأحوال كافة، أن الفيلم سيبقى كوثيقة بصرية على غنى وثراء الأماكن، التي لم تعتد الكاميرا على الذهاب إليها كثيراً، في كواليس السينما المصرية.

الحياة اللندنية في

20.10.2017

 
 

حازم ويفي يكتب:

“الشيخ جاكسون”.. ما بين الحياة والحياة!

المرء يُحشر مع من يحب”.. حديث شريف

كيف يكون الحال إذا كان من أحب هو “مايكل جاكسون”؟

ذلك هو الصوت الذي يتردد في أذُن خالد هاني، أو الشيخ خالد هاني، بطل فيلم “الشيخ جاكسون”، من تأليف عمرو سلامة وعمر خالد، ومن إخراج عمرو سلامة، وإنتاج “ذا بروديسورز” و“فيلم كلينيك”.

يتناول الفيلم قصة الشيخ السلفي “خالد”، الذي يعيش في صراع نفسي ما بين كونه شيخاً وقارئ للقرآن، وما بين حبه القديم للمطرب الأسطورة “مايكل جاكسون” والذي يظهر ويعود من جديد في حياته عندما يصله عن طريق الصدفة خبر موته وهو الذي كان أيقونة شبابه وصباه قبل “الالتزام” لدرجة أنهم كانوا يلقبونه “جاكسون”!

يسرد السيناريو قصة “الشيخ جاكسون” بطريقة الحكيّ الغير متوازي وهو النوع السردي المفضل لعمرو لسلامة، والذي يتبعه في كل أفلامه السابقة دون استثناء، وهو تكنيك يخدم الحبكات التي يختارها عمرو ويخلق حالة من التشويق تحافظ للحكي السينيمائي على روّنقه وإيقاعه السريع، وتعطي للمتفرج متعة أكبر في المتابعة. في هذا الفيلم يسير السيناريو في خطين زمنيين منفصلين ثم يتقاطعا في النهاية ويتماسا، في الخط الزمني الأول نرى “الشيخ” في الوقت الحالي يحكي لطبيبة نفسيّة عن أزمته التي ظهرت حديثاً وهي عدم قدرته على البكاء والخشوع في الصلوات كما تعوّد، وبعد أن جرب كل الطرق الممكنة حتى قرر – على استحياء- أن يستشير طبيبا نفسيا اسمه “نور” يثبت بعد ذلك في أول مقابلة أنها إمرأة! أما في الخط الثاني نرى “خالد” الطفل والصبي المغرم ب “مايكل جاكسون” وعلاقاته بأبيه وأمه، وتفاصيل علاقة حبه أيام المراهقة متمثلا في “شيرين”.

هذا التضفير الدقيق المعقد بين الخطيين الزمنيين يتيح لنا معرفة أساس الصراع النفسي الذي يعيشه “خالد” اليوم كما أنه يلامس بشاعرية كل أبناء نفس الجيل الذي لا بد وقد مرّوا في لحظة ما بهذا الازدواج، ما بين الفن تحديداً وما بين الدين، ما بين الحرية المطلقة والتشريع، ما بين الجمود والمرونة، ما بين ما نسمعه من المشايخ ومن مدرسي الدين وما بين ما نراه نحن بأعيننا في أرض واقعنا الصعب من تناقضات، ولعل براعة بناء الشخصية هنا أن “خالد” -الذي يعمل في إخراج الشرائط الدينية الصوتية، ليس فناناً بمعنى الكلمة ولا راقصا، بل أن الفن “الإسلامي” البديل الذي يحاول تقديمه مع خاله، هو في الحقيقة فن خالِ من الإبداع والإمتاع، وأحياناً مبتذل حتى وإن كان دينياً، ولكن كل ما في الأمر أنه كان يوماً شاباّ عادياً مثلنا جميعاً من أبناء جيله، نحب مايكل جاكسون ونحاول أن نرقص مثله ونغني مثله ونرتدي ملابسه دون أيّ نيّة أو حتى محاولة لاحتراف الغناء أو الرقص! ويجدر هنا أن نشير إلى التلميح الذكي في الفيلم إلى الجيل القادم المتمثل في ابنة الشيخ خالد، “روّضة” التي رأها في البداية تشاهد أغاني للمطربة الأمريكية المعاصرة “بيونسيه” فيقطع عنها الإنترنت، ثم يعود ويطلب من زوجته أن تعيده في النهاية، لكي نفهم أنه لا يريد أن يكون سبباً لابنته أن تعاني من نفس هذا الصراع، وأن يترك لها حرية القرار وبالتالي الاختيار.

على المستوى البصري، استخدم عمرو تدريجات اللون الأصفر لكي يعبر عن الخط الزمني في الماضي، أيام الطفولة والصبا، ومن الأصفر وتنويعاته نشعر بأحاسيس الثمانينات والتسعينات، تلك الصور القديمة المصفرة التي كانت تخرج من الكاميرات بعد تحميض النيجاتيف، ومن الأصفر نشم رائحة قلب المانجو التي يحبها الأب ونراها في أول مشاهده مع ابنه، ومن الأصفر أيضاً نار جهنم التي تحيط بشخصية الحاكي وتخيفه طول الوقت، ومن الأصفر تلك الهالة من النور التي تحيط دائماً بالأم كلما ظهرت على الشاشة، والأصفر هو هوّية تاكسي الإسكندرية تلك المدينة التي ولد بها “خالد” وعاش فيها حتى المرحلة الثانوية قبل أن يتركها وينتقل للقاهرة مع خاله.

أما الخط الزمني الذي يعبر عن الوقت الحاضر فقد استخدم فيه عمرو في معظم الوقت اللون الأزرق بكل تنويعاته، ومن الأزرق وتنويعاته يبزغ القمر الذي نراه في مرات عديدة يصاحب الشيخ إلى صلاة الفجر وإلى القبر في زياراته، والقمر هو البطل في أغنية وفيلم شهير جداً لمايكل جاكسون “moon walker” ١٩٨٨، وكأن الشيخ يسير على ضوء القمر إلى المسجد مثلما كان “دودة” في الماضي يرقص على موسيقى الأغنية، والقمر هو الشاهد وسبب التحوّل في رقصة الموتى في الأغنية المصوّرة الأشهر في تاريخ مايكل جاكسون – “thriller” عام ١٩٨٢، ثم يستمر اللون الأزرق ليرمز إلى شحوب الموت الذي يطالعه يومياً في صوت الشيخ في “الهيدفون” وهو أخيراً لون سيارته القاهرية التي لا نعلم لها ماركة وليّس لها معالم وكأنها هجين من عدة سيارات، تمامًا مثلما هو نفسه هجين وضحية لعدة شخصيات أثرت فيه وجعلته مشوّشاً حتى بعد أن أصبح رجلاً ورب أسرة!

بدا السيناريو متماسكاً بشكل عام ، ونجح عمرو وعمر على مستوى الكتابة في الخروج من الحيّز الضيّق السطحي الذي وضع كُتّاب الدراما فيه شخصية السلفي على إنه شبق ينظر من ثقب الباب على النساء بسبب احتياج جنسي، أو ممسكاً بجنزير أو بلطة، أو يتدحرج في منطقة صحراوية بشكل كوميدي وهو يتمرن على إحد الفنون القتاليّة في معسكر ما، أو متجهما طول الوقت دون سبب، ولكن هنا في هذا الفيلم نحن أمام كاتبي سيناريو يحبان بطلهما ويشفقان عليه ويضعون أمامنا “أزمة بطل” منطقية بالمعنى الدرامي، وهي “انتكاس الإيمان” ماذا ننتظر أزمة أعقد من هذه عندما يكون البطل سلفياً! أليّس بشرا! يخطيء ويصيب ويغضب ويستغفر ويمارس الجنس ويحب زوجته ويحترمها ويُقبّل حبيبة قديمة ثم يستغفر مرة أخرى، بل إننا لأول مرة نرى أن الشيخ السلفي أيضاً قد يكون مريضًا نفسيا، مرة أخرى أليّس بشراً! ولهذا أزعم أن هذا هو العمل الدرامي الوحيد حتى الآن الذي خرج من الصورة النمطية التي ابتكرها الأستاذ وحيد حامد لـ“المتديّن” أو “الملتزم” منذ مسلسل العائلة في أوائل التسعينات ثم سار على نهجه بعد ذلك كل كُتّاب الدراما حتى يومنا هذا للأسف الشديد!

هناك مجهود كبير من مدير التصوير أحمد بشاري، ونجح في التقاط لحظات فريدة منها على سبيل المثال التتابع البصري لمشهد افتتاح الفيلم والذي ذكّرني لوهلة بتحفة شادي عبد السلام “المومياء”، كما برع في اللقطات القريبة جداً لـ“شيرين” المراهقة عندما رآها “خالد” أول مرة لكي نستطيع أن نرى بوضوح تطابق ملامحها الشديدة مع “نجاة” أمه التي توفيت قبل هذا المشهد بقليل، ولكي تذكرنا طوال تواجدها في هذا الخط الزمني بأنها تمثل ل “خالد” الحبيبة والأم والـ“نجاة” في نفس الوقت.. وأعتقد أن “بشاري” كان له دورا كبيرا جداً في إظهار هذا التشابه، كما أنه برع أيضاً في كل المشاهد التي يتم تصويرها في المقابر حيث يظهر مرة أخرى براعته في رسم الإضاءة المائلة للزرقة القاتمة والتي كما ذكرت كانت العامل البصري المصاحب لهذا الخط الزمني. ثم يبرع “بشاري” مرة أخرى في آخر مشهد يجمع ما بين الطبيبة النفسيّة “نور” – التي آلفها خالد الآن- وبين خالد، حيث أنه ربما يكون المشهد الوحيد الذي نرى فيه الضوء الطبيعى للشمس بوضوح شديد، ذلك “النور” الضروري لحياة الورد الأحمر الذي أهداه خالد لـ“طبيبته” في نهاية الفيلم كرمز لعودته هو شخصياً للحياة.

جاءت الموسيقى التصويرية لهاني عادل جيّدة جداً لكي تعبر عن تناقض المشاعر والانفعالات المتضاربة التي يعيشها “خالد” وجيله، وكنت أتمنى أن يستطيع منتجو الفيلم الحصول على حقوق استخدام أغاني “مايكل جاكسون” حيث إنها كانت ستعطي مصداقية هائلة للعمل وتساهم بشكل كبير في خلق روح النوستالجيا لجمهور هذه الحقبة، وبرغم محاولات هاني وفريق الموسيقى التصويرية مهاب سامي وأحمد مصطفى ومعهم المطرب شادي أحمد لخلق نفس الروح في أغاني الفيلم، ولكن في الحقيقة أن المقارنة ظالمة جداً وفي غيّر محلها، بالإضافة إلى بعض المشاكل التقنية في شريط الصوت والتي أتمنى أن يتداركها صانعو الفيلم في النسخة التي سترسل إلى لجنة المشاهدة في الأوسكار- حيث أن الفيلم هو الاختيار الرسمي لمصر للمشاركة في هذا الحدث السينمائي الأشهر في العالم لعام ٢٠١٧.

جاء المونتاج ملائماً تماماً للحكي الغير متواز، وكان هناك حساسية شديدة جداً في التعامل مع المشاهد ذات الانفعالات العالية كتلك المشاهد التي تجمع ما بين “خالد” وأبيه، أو تلك المشاهد التي تجمع “خالد” بأمه، مع تباين المشاعر في الحالتين، وعلى مدار الفيلم يتنوع القطع ما بين الناعم والحاد بحسب الحالة النفسية للولد أو الشيخ كلاً في خطه الزمني.

برع كل الممثلين في أدوارهم، وأخص بالذكر “ماجد الكدواني” الذي أدى دور الأب ببراعة شديدة وإنسانية مطلقة تنفذ إلى القلب، ثم أحمد الفيشاوي والذي لا أظن أن هناك ممثل في مصر ملائما للقيام بهذا الدور إلا هوّ، حيث ظهر طوال الوقت بانفعالات سليمة للغاية وفي موضعها واستطاع التعبير بوجهه عن ما يحدث بداخله من تناقضات، وكانت تعبيرات وجهه مرآة صادقة جداً للصراع ما بين “خالد” القديم و “خالد” الجديد، ولذلك عندما ابتسم في مشهدين فقط استطاع أن ينقل لنا التغيير الذي طرأ عليه، عندما بدأت موسيقى أغنية شيرين المطربة، رأينا إبتسامة الطفل والصبي، ثم زارته لأبيه في فيلته الجديدة في الإسكندرية لكي يأخذ منه مفاتيح الشقة القديمة وحكى له كيف كان يحب أمه.

موهبة أحمد مالك لا خلاف عليها، وبدا واضحاً مرة أخرى أنه قادر على القيام بتجسيد انفعالات المراهقة والصبا، ونحن في مصر نفتقد لكثرة الممثلين في هذه الشريحة العمريّة، ثم هنا يضعه عمرو أمام تحد كبير وصعب بالوقوف أمام ممثل جبار وناضج مثل ماجد الكدواني، وفي رأيي أنه قد نجح بامتياز في هذا التحدي.

كما برعت “سلمى أبو ضيف” و “درة” “وأمينة خليل” في القيام بأدوراهن، بينما لا أرى أن إختيار ياسمين رئيس كان حتمياً، خصوصاً وأنها لم تظهر بشكل كاف للحكم عليها. كما كان ظهور الفنانة بسمة في دور الطبيبة النفسيّة مفاجأة سارة جداً.

نجح عمرو سلامة بشكل عام في صنع فيلم جيّد، حكى عن واقعه وواقع جيلنا، وألقى الضوء على التناقض داخل الإنسان بشكل عام والمبدع بشكل خاص، ذلك التناقض والصراع الذي عاشه معظمنا من أبناء هذا الجيل، ثم جاء هو ليؤدي دوره كفنان ويعبر عنّ هذه المشاعر، ثم يستطيع في مشهد النهاية أن يلخص الفكرة كلها عندما نرى “الشيخ جاكسون” وحيداً في المنزل يرقص في انتشاء وهو يرتدي جلبابه الأبيض، سعيداً حراً، ولربما لو قُدَّرَ للفيلم أن يكون هناك مشهداً تالياً نراه يتجه للمسجد للصلاة، ولكن هنا في هذه اللحظة هو سعيد وكأنه يجيب عن سؤال الطبيبة “نور”، إمتى آخر مرة حسيت إنك مبسوط؟

لا يعادي الفن الدين، ولا الدين يعادي الفن، وما بين “الحياة الدنيّا” و“الحياة الآخرة” نعيش، وأعمارنا هي نتاج أعمالنا واختيارنا المطلق، يتركها الله لنا، وليس أحد فينا “خالداً”، البقاء والخلود للخالق وحده ثم كلنا إلى زوال، ولكن يمكننا ترك أثر ما أو عمل ما يجعلنا خالدين.. عملاً وليس اسماً.

إعلام.أورغ في

24.10.2017

 
 

"شيخ جاكسون".. لعبة الأقنعة وتشوهات المسوخ

بقلم: أسامة عبد الفتاح

** عمرو سلامة يواصل طرح قضية الآخر ومدى قدرتنا على قبوله وعلى مواجهة أنفسنا بأزماتنا ومشكلاتنا وعقدنا النفسية

يُعد فيلم "شيخ چاكسون"، الذي اُختير لتمثيل مصر في مسابقة أوسكار أفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية، كما عُرض في ختام مهرجان تورنتو وافتتاح مهرجان الجونة السينمائيين هذا العام، أفضل وأنضج أفلام المخرج عمرو سلامة على الإطلاق، غير أن هذا رأي يتعلق بمسيرة سلامة تحديدا، ولا يعني بالضرورة أنه فيلم متميز وله مكانته في مسيرة السينما المصرية بشكل عام، إلا إذا كان العمل نفسه له قيمة تتجاوز كونه خطوة في مشوار مخرج بعينه وتنقله إلى مصاف الأعمال السينمائية التي تبقى في الذاكرة.
على هذا المستوى، رأيي أن الفيلم جيد الصنع تقنيا، كما يطرح – فيما يتعلق بالمضمون – أفكارا مهمة تدعو إلى التأمل والتفكير وإعادة الحسابات، لكنني لم أكن لأختاره لتمثيل مصر في الأوسكار، لأن ذوقي، وتقديري لما هو مناسب لهذه المسابقة تحديدا، يميلان أكثر لفيلم مثل "الأصليين".

يواصل سلامة هنا طرح موضوعاته الأثيرة، المتكررة في جميع أفلامه، وأهمها: الآخر، ومدى القدرة على قبوله، ولعبة الأقنعة التي نخفي بها حقيقتنا ونداري بها تشوهاتنا بالقناع تلو القناع فوق وجوهنا، والتي تتعلق مباشرة بمدى قدرتنا على مواجهة ومصارحة أنفسنا بأزماتنا ومشكلاتنا وعقدنا النفسية التي تراكمت عبر سنين من القهر والخوف.

ليس "مايكل جاكسون" سوى "آخر كبير" يطرحه الفيلم ومعه مجموعة من "الآخرين الصغار"، ومجموعة من الأسئلة: هل يمكن أن تقبل "المختلف" وتقدر فنه وتخضع لسحره وتأثيره؟ أم تسميه "المخنث" وتربط بين تجاهله، بل نفي وجوده، وبين الرجولة؟ هل تقبل السلفي ذي الجلباب القصير والسروال واللحية والشارب المحلوق، والمنقبة ذات الرداء الأسود، أم تسخر منهما وتضعهما في إطار كاريكاتوري؟ هل تقبل من يشرب الخمر ويمارس الجنس خارج مؤسسة الزواج، أم تحاكمه وتدينه وتحكم عليه؟

يطرح سلامة الأسئلة ولا يقترح الإجابات، وما أعجبني أنه لا يدين أحدا، ولا يتخذ موقفا مسبقا من أحد، بل يقدم مختلف النماذج البشرية على أمل أن تتعاطف معها وتتفهم دوافعها وأسبابها، وتدرك أننا "بشر" وأن أحدا منا ليس ملاكا أو معصوما من الخطأ.

لا يتجاوز الفيلم، فيما يتعلق بموقفك من الآخر وعلاقتك به، حد طرح السؤال، لكن ما يهمه حقا وما يتعمق فيه هو أنت، وعلاقتك بنفسك إن جاز التعبير، ومدى قدرتك على مواجهة تشوهاتك وخلع القناع الذي ترتديه طوال الوقت لتكشف عن وجهك الحقيقي، وهو - كما أسلفت - موضوع مفضل عند سلامة منذ أن قدم فيلمه "أسماء" (2011)، الذي لم يكن عن امرأة مصابة بمرض "الإيدز" وتسعى للحصول على حقها في العلاج، بقدر ما كان عن المجتمع الذي تعيش فيه هذه السيدة، والذي يرفضها تماما كما ترفضه هي، ولا يكسر عزلتها سوى برنامج "توك شو" يكون أحد عوامل إقناعها بمواجهة الناس والإعلان عن مأساتها.. وبعد أن طلبت في البداية إخفاء وجهها خلال البث تحت وطأة الخوف التقليدي من "كلام الناس" وتأثير الفضيحة على أسرتها، تثور على ميراث الخوف وتطلب من المذيع إضاءة وجهها، في دعوة مباشرة للخروج إلى النور ومواجهة مشكلاتنا، والتخلص إلى الأبد من النعامة الشهيرة التي تدفن رأسها في الرمال.

لحظة إضاءة وجه "أسماء" وخلع قناعها المعتم لا تختلف كثيرا عن لحظة إضاءة عقل الشاب المتشدد "خالد"، مما يجعله يواجه نفسه بحقيقتها، ويرتدي قبعة جاكسون، وينطلق في الرقص على طريقته بعد أن يخلع قناع السلفي.

صحيح أن كليهما يتحول إلى مسخ مشوه: "أسماء" ببقايا المرأة التي يرفضها الجميع وينفرون منها، و"خالد" بازدواجية جلباب السلفي وقبعة ملك البوب الراقص، إلا أنها تشوهات خارجية، ظاهرة للجميع، لا تختلف، في كثير أو قليل، عن تشوهات المجتمع وجميع من يعيشون فيه، وما يهم في الحقيقة أن كليهما تصالح مع نفسه، وتخلص من تشوهاته الداخلية، حتى لو كان الثمن أن تظهر تلك التشوهات على السطح، ويبدو المرء مزدوجا، لكن من منا لا يعاني من الازدواجية؟

من الواضح تماما أن "شيخ جاكسون" هو مشروع عمر عمرو سلامة، إلى درجة أنه يربط بينه وبين الخلود، ولا يكشف عن اسم بطله "خالد" سوى في النهاية، بعد أن تكون الشخصية مؤهلة فعلا للبقاء دون زيف ودون كذب.. ولأنه مشروع عمره، فإنه يبدو فيه مختلفا تماما من حيث الأسلوب، وأنضج كثيرا من أعماله السابقة، حتى على المستوى التقني، الذي تفوق في معظم عناصره، خاصة المونتاج الذي تولاه بمهارة واقتدار أحمد حافظ، واستطاع أن يتنقل بخفة وسلاسة بين أزمنة الفيلم الثلاثة - طفولة "خالد" ومراهقته ورجولته - دون أي مضايقة أو تشتيت للمشاهد، بل بأسلوب مشوق ورشيق في السرد.

وساعد سلامة مجموعة من الممثلين "الرجال" الممتازين: أحمد الفيشاوي في الدور الرئيسي، وماجد الكدواني في دور الأب الشهواني الذي لا يعرف سوى لغة القوة، وأحمد مالك في دور "جاكسون" المراهق، خاصة الأخير الذي قدم أداء مذهلا في مشاهد مواجهته مع الأب، وكان خلالها أكثر من ند لممثل كبير مثل الكدواني.

أما الممثلات، فقد دفعن ثمن نقطة الضعف التي يعاني منها الفيلم، والكامنة في سيناريو عمرو سلامة وعمر خالد، والذي لم يهتم برسم شخصياتهن وتعميقها بالشكل المطلوب، خاصة شخصية الأم، التي لم نعرف عنها ما يكفي، ولم تحظ بما حظي به الأب من رسم وتعميق، رغم أنها المعادل الموضوعي له، وطرف النقيض منه، وهي التي تدفع ابنها للتعلق بجاكسون، وتجعله يفهم أن الحكم على البشر يكون بأعمالهم وليس بصفة مرسلة مثل "مخنث" التي يصر عليها الأب.. بل أننا لا نفهم كيف ارتبطت تلك المرأة الرومانسية المحبة للفن برجل مثل هذا يختلف عنها في كل شيء، ولا كيف تكون شقيقة لرجل سلفي متزمت لا يلتقي معها في أي نقطة

جريدة القاهرة في

27.10.2017

 
 

معرض ملصقات في «الجونة» يرسم تاريخاً مصوّراً لسينما الزمن الجميل

القاهرة – هبة ياسين

كان لافتاً لكل رواد مهرجان الجونة السينمائي ذلك المعرض المقام على هامش فعاليات التظاهرة، والذي احتضنته جدران «جامعة برلين» في تلك البلدة البحرية الجميلة، إذ لفت أنظار المشاركين ربما لكونه جاء جديداً ومبتكراً من حيث فكرته، والتي قامت على عرض الأفيشات الدعائية للأفلام العالمية التي قامت على قصص عربية، لاسيما المأخوذة عن حكايات أسطورية تقوم على الفانتازيا أو تلك المقتبسة عن كتاب «ألف ليلة وليلة».

وصاحب المعرض ومنظّمه هو الناشر اللبناني عبودي أبوجودة، الهاوي والمهتم بتاريخ السينما العربية والأجنبية، والذي دفعه ذلك الشغف إلى تنمية هوايته ليتحول إلى جمع الملصقات السينمائية، إذ اتجه إلى تأريخ السينما عبر أفيشاتها.

ضم المعرض نحو خمسين ملصقاً تعود إلى بداية ظهور السينما في العالم، وجاءت فكرته لتدور من حول «صورة العرب في المخيلة الأجنبية»، إذ توضح للمشاهد كيفية تخيل السينمائيين في أميركا وأوروبا للعرب، وعملية البحث عن الخيال والفانتازيا والحب العذري المستلهمة من الكتابات العربية القديمة.

تنتمي أفيشات المعرض إلى المراحل الأولى من بداية الفن السابع، بين عامي (1920-1950)، إذ لم يتسع المعرض لمزيد من الملصقات المنتمية إلى الحقب الزمنية التالية، بخاصة أن أبو جودة يمتلك الآلاف منها، وتنوعت المعروضات بين ما يعود إلى أفلام عدة بينها الفرنسية والأميركية والإنكليزية، وأخرى عربية للفيلم نفسه، حيث كانت الفكرة الرئيسة تقوم على تبيان أن كل دولة لديها مخيلة مختلفة عن سواها لملصق الفيلم. فيصادف رواد المعرض الملصق الأميركي لفيلم «ابن الشيخ» الذي يختلف عن نظيره الفرنسي في كيفية رؤيته وتصويره المرأة. بينما هناك أكثر من ملصق لفيلم «لص بغداد» حيث مشهد البساط السحري لأكثر من جنسية بينها اليوغوسلافي والدنماركي الذي يعتمد على الرسوم المتحركة، وآخر روسي وألماني وأميركي حيث يسيطر عليها أجواء السحر والفانتازيا. كما يحتوي المعرض على الملصقات التي تعود إلى أفلام لم تعرف أو تشتهر في الوطن العربي من قبل.

رحلة أربعين عاماً

وكشف أبو جودة لـ «الحياة» كيفية حصوله على تلك الملصقات قائلاً إنه بحث عنها في قاعات السينما، إذ صال وجال بين دور العرض في لبنان ومصر وبغداد ودول عربية أخرى، إضافة إلى أميركا وأوربا «باحثاً في دور العرض المختلفة». منوهاً بأنه يعتبر المعرض الأول من نوعه في العالم وليس الوطن العربي فقط، مؤكّداً أنه استغرق أربعين عاماً لجمع تلك المحتويات والملصقات، إذ بدأ رحلة البحث عنها منذ عمر المراهقة، ويفكر في إصدارها في كتاب يأتي شبيهاً بكتاب فخم سابق له يستعرض ملصقات السينما اللبنانية بل حتى كل الأفلام الأجنبية التي صُوّرت في لبنان.

ويسهب أبو جودة في حديثه عن رحلته في البحث عن تلك الملصقات قائلاً: «ذهبت إلى القرى والريف في مصر، وكذلك الى مدينة الإسكندرية حيث دور العرض القديمة، لأنه خلال فترة ما قبل السبعينات قبل ظهور الفيديو كانت دور السينما كل أربع أو خمس سنوات، تعيد عرض الأفلام القديمة لاسيما المهمة والشهيرة منها، لذا كانت دور العرض تحتفظ بالصور والمصلقات في حال إعادة عرضها». ويعتبر أبوجودة جمع الملصقات ناهيك عن عرضها، هواية جميلة ومحببة إلى نفسه، لافتاً إلى أنه عثر على ملصقات مصرية في لبنان وسورية وتونس بينما لم يجدها في مصر، بينما عثر على ملصقات أفلام لبنانية في مصر وتونس ولم يجدها في بيروت.

وأبدى أبوجودة اهتمامه وشغفه بالسينما والفن، ويأمل بأرشفة السينما المصرية في كتاب لأنه يعتبرها «أم السينما العربية»، وتمتلك النصيب الأكبر والأوفر من الملصقات التي يبلغ عددها نحو 5000- 6000 ملصق، وأعرب عن أمنيته بأرشفة السينما في كل الدول العربية عبر «صورة بصرية» عن «تاريخ السينما».

وحول ردود فعل الجمهور على معرضه في الجونة ومدى تجاوب الزائرين قال أبو جودة: «لاقى المعرض إقبالاً كبيراً من رواد المهرجان لاسيما الشباب الذين اهتموا بالتعرف على التاريخ، كما راقت لهم جمالية الملصقات».

وفي شأن إمكانية أن تشهد الدورة المقبلة من المهرجان إقامة معرض مشابه لفترات زمنية تالية من تاريخ السينما قال: «لا أعلم بعد، فربما يقام معرض حول فكرة مختلفة مع الاكتفاء بهذه السلسة، وسأقوم بالتنسيق مع إدارة المهرجان، فثمة موضوعات كثيرة يمكن العمل عليها». مشدداً على أن المهرجان أتاح له فرصة ظهور المعرض وأعطاه حافزاً للاستمرار مستقبلاً».

الحياة اللندنية في

10.11.2017

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)