كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

«الجنة الآن»:

صورة جانبية للانتحاريين في حماستهم اليومية

برلين - ابراهيم العريس

عن فيلم

الجنة الآن

   
 
 
 
 

«من المهم جداً ان يشاهد الإسرائيليون هذا الفيلم... ففي العادة هم لا يريدون ان يروا الفلسطينيين، الذين صاروا مثل الرجل غير المرئي. لذا سنحاول ان نضع الرجل غير المرئي هذا على شاشات السينما عندهم». بهذا الكلام علق هاني ابو اسعد، مخرج الفيلم الفلسطيني «الجنة... الآن» على السجال الحاد الدائر في برلين منذ عرض الفيلم، بل ومن قبل عرضه ايضاً، بين مسؤول صندوق دعم نشر وتوزيع الأفلام في تل ابيب، وبين امير هاريل، احد منتجي الفيلم وهو اسرائيلي ايضاً. ومحور السجال هو ان رئيس الصندوق اعلن، امام الإعجاب العام الذي كان من نصيب «الجنة... الآن» خلال عروضه البرلينية، ان مؤسسته قررت تقديم الدعم اللازم للدعاية للفيلم وعرضه في الصالات الإسرائيلية. كان من الواضح ان الإعلان مفاجئ، ذلك ان «الجنة... الآن» ليس من الأفلام التي قد يحب الإسرائيليون مشاهدتها، او قد تحب سلطات تل ابيب ان تشاهدها معروضة في صالاتها. ولكن التفسير واضح: في مهرجان يكثر فيه - الى حد التخمة - وجود افلام اسرائيلية، وأفلام من هنا وهناك متعاطفة مع القضايا اليهودية، كان لا بد لإسرائيل الرسمية ان تقول كلمتها بالنسبة الى فيلم يطاولها مباشرة مثل «الجنة... الآن». ومن هنا كان القرار الرسمي بتقديم الدعم للفيلم نظراً الى ان واحداً من منتجيه اسرائيلي ومخرجه يحمل الجنسية الإسرائيلية، لكن المنتج امير هاريل رد على الفور متحدياً الإعلان الرسمي موضحاً امام الصحافة الغربية المجمعة على تأييد الفيلم - ان المسألة لا تعدو كونها خبطة دعائية... إذ سيكون من المستحيل ايجاد صالات في طول اسرائيل وعرضها ترضى بعرض الفيلم «لذا... سنعطى في نهاية الأمر بعض الدولارات، لكننا لن نتمكن من عرض الفيلم ابداً»، قال هاريل. اما هاني ابو اسعد فأضاف: «وكذلك شبه مستحيل ان يشاهده فلسطينيو الضفة لمجرد انه لم تعد ثمة صالات سينمائية هناك».

إذاً؟ هل تكون درب المنفى الدرب الوحيدة التي يسلكها «الجنة... الآن»؟ سؤال يطرح نفسه، وبقوة في وقت يجرى فيه الهمس منذ الآن عن ان هذا الفيلم، الذي يعتبر حتى الآن من افضل ما عرض ضمن اطار المسابقة الرسمية لمهرجان برلين، من الناحية الفنية بخاصة، لن يخرج من دون جائزة اساسية. بل ثمة من بلغت حماسته للفيلم ان تنبأ له بالجائزة الكبرى (الدب الذهبي) او ما يدنو منها.

الاختلاف حين يكون حقيقياً

طبعاً من الصعب التأكيد على هذا او نفيه منذ الآن... ولكن - على الأقل - يمكن الوقـوف بقوة الى جانب المتحمسين لهذا الفيلم الجديد الذي يُضاف الى سجل سينما فلسطينية، شابة وحيوية ومتميـزة فـنـيـاً ايـضاً، بـدأت تفرض حضورها بقوة على مهرجانات السينما في العالم الأوروبي على الأقل وتنتج تحفاً صغيرة تحمل حيناً توقيع ميشال خليفي وحيناً ايليا سليمان او رشيد مشهراوي او مي مصري او توفيق ابو وائل. بيد ان الصورة هذه المرة تختلف لأن «الجنة... الآن» نفسه فيلم مختلف. مختلف في موضوعه الجديد، والراهن الخارق، مختلف في ديناميكية لغته السينمائية، ومختلف في قدرة مخرجه على إدارة ممثليه بحرفية مدهشة، مختلف حتى بترجمة ردود الفعل التي يجتذبها. فهنا تحت دائرة التعاطف المسبق يجد المتفرج نفسه امام عمل يجمع الدراما بالتشويق، السياسة بالكوميديا، الواقع بالتأمل الفكري. وكل هذا من حول موضوع يمس جوهر ما يثير اهتمام العالم اجمع: «موضوع الإرهاب» كما يطلق عليه في الغرب. فـ«الجنة... الآن» اختار ان يطرق هذا الموضوع، مباشرة ومن اوسع ابوابه، من هو الانتحاري؟ كيف يصبح قنبلة متحركة، جاعلاً من جسده، سيارة «مفخخة»؟ لماذا يصبح انتحارياً، وليس من ناحية الدافع السياسي والديني فقط؟ كيف يجند؟ هل هو انسان من لحم ودم ام انه مجرد ماكينة قتل؟ ثم ما هي مشاعره الخاصة اذ يقدم على ما يقدم عليه؟

هذه الأسئلة التي من الواضح ان قلة من الناس تطرحها او تتجرأ على طرحها، جعل منها هاني ابو اسعد، مركز الصدارة في فيلم، كان عليه في نهاية الأمر ان يسير على حبل مشدود. إذ ان كل ما يمس هذا الموضوع يبدو - قبلياً - من المحظورات او المسكوت عنه. والمشي على الحبل المشدود، هو النتيجة المنطقية لرغبة قول ما لم يكن يقال. حيث ان الإنسان، في الانتحاري، يختفي عادة بين اثيرية نظرة تطهره تماماً في أعين مؤيديه، وبين شيطنة هي نصيبه لدى ضحاياها او اعدائه. ومن الواضح ان هاني ابو اسعد، اختار ألا تكون نظرته لا هذه ولا تلك. اشتغل على التفاصيل الصغيرة. بنى حبكة درامية ذات خط تشويقي. وأتى بممثلين متميزين ليقدم فيلماً يمكن، في قشرته الأولى التعامل معه على انه فيلم مغامرات ذو مواقف تقترب احياناً من الكوميديا اللطيفة، وتغوص غالباً في لغة ادنى الى الوثائقية. وهذا الأمر الأخير ليس جديداً على هاني ابو اسعد، اذ نعرف كيف انه في فيلمه السابق والأول «عرس رنا» قدم من خلال بحث رنا عن خطيبها، تفاصيل الحياة اليومية في القدس. هذه المرة تنتقل كاميرا ابو اسعد الى نابلس... وبدل رنا لدينا خالد وسعيد، شابان فلسطينيان اصبحا فجأة متعطلين من العمل. وها هو استاذ المدرسة الموقر هو احد قادة تنظيم اسلامي يمارس النضال من طريق تجنيد الانتحاريين وإرسالهم الى المدن الإسرائيلية، ها هو يختارهما للقيام بعملية انتحارية مزدوجة في تل ابيب. حماسة الشابين تبدو كبيرة اول الأمر... ولكن سرعان ما تبدأ الشكوك تساور احدهما فيما يبقى الآخر على حماسته، قبل ان تحدث نكبة في الاندفاع لاحقاً. المهم الآن ان الشابين يتلقيان كل ضروب التمهيد والإعداد النفسي واللوجستي والديني متقبلين، بتفاوت في المشاعر، فكرة ان الساعات الأربع والعشرين المقبلة هي آخر ما سيعيشان.

الخائن والبطل

ان الفيلم، إذاً، يرصد تلك الساعات، حيث مطلوب منهما ألا يخبرا احداً بالطبع، ولا حتى عائلتيهما بما هما مقبلان عليه... وهما خاضعان طوال تلك الساعات الحادة الى رقابة صارمة. وإذ يحين وقت التوجه الى تل ابيب، حيث سيكون في انتظارهما متواطئ يعمل بالأجرة مع التنظيم - وهو اليهودي الوحيد في الفيلم - تركب القنابل على جسدي سعيد وخالد وقد أقفلت في شكل معقد يجعل من المستحيل على اي كان فكها، لا يفكها إلا الذي ركّبها... ما يجعل مفعولها حتمياً... على الأقل بالنسبة الى الانتحاريين. وفي اللحظة المخطط لها من جانب زعيم التنظيم، ومن بعد مشاهد طقوس مرعبة حقاً تنتهي بمشهد رمزي يتناول فيه الشابان طعام العشاء، مع 12 من أفراد التنظيم (العشاء الأخير للسيد المسيح ليس بعيداً هنا)... ينطلقان ويعبران حاجز الشريط الفاصل بين الضفة الغربية واسرائيل. ولكنهما ما إن يعبرا أمتاراً قليلة متنكرين في ثياب عرس للتمويه وقد حلقا ذقنيهما، حتى يجدا نفسيهما في مواجهة دورية اسرائيلية، فيهربان ليتفرقا منذ تلك اللحظة كل في طريق. وإذ يعود خالد الى الخلية، يصيح زعيم التنظيم بالسؤال عما اذا لم يكن سعيد هو الخائن الذي جعل الدورية الاسرائيلية تصل.

ومنذ تلك اللحظة يتخذ الفيلم خطوطاً عدة أبدع هاني أبو اسعد في التقاطها والسير بها حتى نهاية الفيلم المفتوحة: خط السجال مع الفتاة الفلسطينية - المغربية التربية سهى، حول جدوى هذا كله. خط البحث عن سعيد. خط التبدل الذي يحصل لدى خالد واكتشافه برودة الزعامات في التعامل مع المناضلين وصولاً الى اتهام هؤلاء سعيداً بالخيانة لأن أبـاه أصلاً كان «متعاوناً». وخط محاولات سعيد اكمال مهمته، ليس عن اقتناع تام وإنما عن يأس، وربما لدوافع عميقـة لديـه، هـو الذي كانت نظراته منذ اخـتـير للمهمة تقول كل ذلك التمزق الذي يعيشه المواطن العربي العادي البسيط تجاه ذلك النوع من العمليات وجدواها...

من يقطع الحبل المشدود

طبعاً لن نواصل الحديث عن الفيلم أكثر من هذا... فقط نشير مرة أخرى اننا هنا في ازاء فيلم فلسطيني كبير، اعتبر وحده تقريباً «الحضور العربي» في مهرجان برلين... وسيؤمن خلال المرحلة المقبلة الحديث عن حضور ما، ومتميز، لسينما عربية متميزة. وإذ يدافع هاني أبو أسعد عن الابعاد الفنية لفيلم من المفترض ان يطغى عليه الحديث السياسي والايديولوجيا وسجالاتهما، يقول على اي حال انه انما حقق هذا الفيلم لكي يفتح سجلاً حول أمر لا يساجل أحد بشأنه. ويقول انه صور فيلمه في نابلس، أي في الموقع الساخن للأحداث خلال فترة عصيبة ما اضطره احياناً الى استكمال تصوير بعض المشاهد في الناصرة. أما ممثلو الفيلم، وابرزهم قيس ناشف (سعيد) وعلي سليمان (خالد) فإنهما آتيان من التمثيل المسرحي. في مقابل لبنى الزبال (سهى) المغربية الأصل الحاضرة في السينما الفرنسية (ولا سيما في افلام اندريه تيشينه) وهيام عباس الفلسطينية المقيمة في فرنسا.

في اختصار «الجنة... الآن» ثاني أعمال هاني أبو أسعد فيلم كبير وجاد... فيلم يجمع المهارة التقنية بالصواب السياسي... من دون أن يزعم إيجاد الاجوبة لكل الاسئلة المطروحة. وهاني أبو أسعد يؤكد على هذا ويقول انه يكفيه طرح الاسئلة التي لا يريد أحد أن يطرحها حقاً... الاسئلة التي آن الأوان لكي تطرح من دون أفكار مسبقة وذاتية مفرطة... لأن هذين سيقطعان الحبل المشدود إرباً في نهاية الأمر.

كأننا في القدس او تل ابيب

«حتى في مهرجانات القدس وتل ابيب... لم نشاهد كل هذا الكم من الأفلام الإسرائيلية مجتمعة الى افلام تتناول القضية اليهودية في شكل او في آخر...». كان هذا ما قاله ناقد فرنسي ما إن انتهى في اليوم الأول من المهرجان من تصفح الكاتالوغ الضخم الذي يرصد اكثر من ثلاثمئة فيلم تعرض في شتى تظاهرات مهرجان برلين السينمائي الحالي. قال هذا وأضاف: «فإذا اضفنا الفيلمين العربيين الوحيدين المعروضين في المهرجان، أولهما عن الانتحاريين الفلسطينيين «الجنة الآن» والثاني عن مجازر صبرا وشاتيلا «مجازر»، يصبح من حقنا التساؤل لم لم يدع شارون ومحمود عباس الى الحفل الافتتاحي؟». ووجود فيلمين عربيين، لا يلغي طبعاً ان اسرائيل فازت على العرب جميعاً بالنقاط في هذه الدورة البرلينية، إذ في مقابل الغياب العربي شبه التام (ذكر العراق ولكن خطأ لأن الفيلم الذي اشار الكاتالوغ الى «عراقيته» فيلم ايراني في الحقيقة)، هناك خمسة افلام اسرائيلية مشاركة، لعل ابرزها «رح... عش... وصر» عن حياة فتى من الفالاشا يحاول ان يوجد لنفسه مكاناً في المجتمع الإسرائيلي الممارس عنصرية واضحة ضد اليهود السود. لكن هذا ليس كل شيء إذ يستطيع المشاهدون ان يتحروا ايضاً تاريخ كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» من خلال فيلم وثائقي طويل ذي فاعلية لا شك فيها. وهواة «الهولوكوست» يمكنهم مواجهة جزء من تاريخ تلك الفظاعة، من خلال فيلم «بلا مصير» المأخوذ عن رواية للمجري ايمري كيرتيش (الحائز جائزة نوبل العام قبل الفائت) وهي رواية تقدم جزءاً من سيرته: فتى في بودابست تحت الاحتلال النازي. و«القضية اليهودية» ماثلة ايضاً في فيلم «تجربة غوبلز» عن وزير دعاية هتلر... كما في عدد لا يستهان به من الأفلام.

الحياة اللبنانية في

18.02.2005

 
 

«الجنة الآن» فيلم يختصر المشاركة العربية في برلين 

باريس - (اف ب) - يطرح فيلم «الجنة الآن» للمخرج الفلسطيني  هاني أبو أسعد والذي قدم في اطار المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الخامس والخمسين سؤال الحياة والموت وتغيير الواقع الفلسطيني عبر عملية استشهادية ينوي صديقان تنفيذها.

ويكون «الجنة الآن» بذلك الفيلم العربي الوحيد الذي يتسابق على جائزة الدب الذهبي في وقت يعرض فيه فيلم لبناني يدور حول الناجين من مخيمات صبرا وشاتيلا في اطار التظاهرة التسجيلية وقد شارك في انجازه لقمان سليم.

ويتعاطى فيلم «الجنة الآن» مع الواقع الفلسطيني من خلال قصة شابين فلسطينيين يستعدان لأن يتحولا الى قنبلة بشرية وهما بانتظار أن يأتيهما الامر بذلك.

وتدور احداث الفيلم في مدينة نابلس الفلسطينية ومخيمها حيث  يعمل بطلا الفيلم كميكانيكيين في ورشة تصليح سيارات على تلة تطل على المدينة ولا عزاء لهما فيما تبقى من وقتهما سوى شرب القهوة وتدخين النارجيلة في ذلك المكان.

وكان الفيلم الطويل الاول لهاني ابو اسعد المقيم في هولندا «عرس رنا» الذي تدور احداثه بين القدس ورام الله قد حقق نجاحا جماهيريا شعبيا ونقديا على حد سواء قبل عامين عند خروجه وعرضه في اطار مهرجان كان السينمائي.

والفيلم الجديد للمخرج يستمر على نهجه في تناول الواقع فيما نضجت ملامح المخرج وبصماته اكثر.

واذا كان الحاجز يلعب دورا كبيرا في تنظيم ايقاع مختلف للحياة او العبث بها في فيلم هاني ابو اسعد الاول فان المشهد الاول من «الجنة .. الآن» يحملنا الى نفس الحاجز الذي تقطعه سهى (لبنى الزبال وهي ممثلة فرنسية من اصل مغربي) وتتبادل عليه نظرات تحد مع الجندي الذي يفتش حقيبتها هي العائدة من السفر والتي ولدت في فرنسا وعاشت في المغرب من اب مناضل فلسطيني معروف قتل شهيدا.

ويبدو السيناريو الكلامي في «الجنة .. الآن» مقتصدا لمصلحة اللغة السينمائية والصورة واللهجة التي تدخل الى عالم شباب معلق بين الحياة والموت بانتظار اللحظة الحاسمة وحيث تختفي الابتسامة نهائيا حتى ولو عند اخذ صورة تذكارية.

تلك هي حال سعيد وصاحبه خالد اللذين يعرفان بعضهما منذ الطفولة، ويضيق بهما المكان المقفل وسط ضيق الحال وضيق فرص العمل وتصبح العملية الانتحارية املهما الوحيد بالخلاص من هذا الواقع المر الذي ليس فيه سوى القهر والذل كما يقول سعيد لمخطط العملية والذي يمتحن صدق نيته بتنفيذها.

وقد اختار المخرج لهذين الدورين ولمعظم الادوار ممثلين غير معروفين، في حين تلعب هيام عباس دور ام سعيد، التي تقول له صباح ذهابه الى العملية: كم بت تشبه اباك، ونعرف لاحقا من مضمون الفيلم ان اباه كان عميلا للاسرائيليين وانه قتل بسبب ذلك فيما كان سعيد لا يزال طفلا.

هي تضحية ام انتقام تلك العملية التي ينويان القيام يها، وهل ستؤدي فعلا الى تغيير الاشياء ام لا ... سؤال يطرحه الفيلم الذي يضع الابطال امام انعدام الخيارات... وبعد العملية ماذا سيحدث؟ يسأل احد المرشحين للانتحار احد المخططين فيجيب: سيأتي اثنان من الملائكة وياخذونكما على الأكيد. ويسأل الآخر : مية بالمية؟

- «رح تتاكدوا لما بتساووا العملية»، يجيبه.

ويطرح الفيلم اسئلة اكثر مما يقدم اجابات على هذه الرغبة بالموت والانطلاق نحو حياة اخرى دائما في جو ساخر اسود ما يتيح تقبل الموضوع الشائك والحساس جدا.

يقول خالد لصديقه سعيد حين يصبحان في تل ابيب في الفيلم وهو انتاج فرنسي الماني هولندي المشترك: «تعال نرجع سهى معها حق لن يتغير شيء بهذه الطريقة» لكن سعيد المسكون بذكرى الاب الذي وصم بالخيانة يمضي في خياره حتى النهاية متجاوزا مشاعره التي بدات تتبدى نحو سهى.

وطيلة الفيلم يتم التساؤل حول معنى الحياة في ظل الاحتلال: يقول سعيد لسهى ان حياته في المخيم مثل فيلم ممل وتقول له انها كانت تفضل لو كان اباها المناضل لا زال على قيد الحياة من ان يكون بطلا وميتا.

ويكون على مرشحي الانتحار ان يودعا الاهل في ليلتهما الاخيرة من دون ان يظهر عليهما شيء وان يتابعا حياتهما الطبيعية وان يتعشيا ويشربا قهوة الصباح وحين تبصر الام لسعيد في فنجان القهوة تقول له «انت تخيفني.. مستقبلك ابيض».

وامام تصميم خالد وسعيد تقول سهى «النقاش لا يفيد»، لكن الاهم  في الفيلم اظهاره لتلك العادية المطلقة قبل الاقدام على فعل الانتحار.

لكن الحس الساخر والمر في آن معا يلون معاني الفيلم، فمن بين المشاهد المحيرة أن يقدم لهما احدهم صورهما كشهيدين وان يطلب منهما رايهما في الصور ... ثم يسألهما القائد ما اذا كانا قد اكلا جيدا وهما في طريقهما الى العملية.

أخطر ما في «الجنة الآن» تصويره لعادية أن تقتل وتقتل حين تكون ابن مخيم فلسطيني ليغدو الامر بعادية التقاط صورة من دون ابتسامة او تناول الطعام من دون شهية.

الرأي الأردنية في

16.02.2005

 
 

"الجنة الآن".. الاستشهادي على شاشة السينما

سعيد أبو معلا**

منذ البداية يجيب "هاني أبو أسعد" مخرج فيلم "الجنة الآن" عن تساؤل سريع يطالع المشاهدين، حول الذي دفعه للقيام بعمل يعرض دوافع البعض في القيام بعمليات استشهادية.. هذا الموضوع المحزن، والصعب، والمثير للمتاعب، يجيب بأنه يبحث كغيره من صانعي الأفلام عن قصة ما.

الفيلم الذي اتهم بأنه يبسط الجميع (الاستشهادي) للجميع (الجمهور)، وربما ليس الجميع؛ وهذا ما كان واضحا في ردود أفعال الجمهور الغربي، والفلسطيني.

إذًا القضية في هذا العمل المعقد والخلافي جدا هي "البحث عن قصة ما"، فكيف عُكست هذه القصة عبر شريط "الجنة الآن" السينمائي؟.

من القصة يتضح أن مخرجها وكاتبها اعتبر الواقع دراما تنمو فيها شخصيات الفيلم، فقام بسرد هذه الدراما بلغة الفيلم، وبالتالي قاده هذا إلى تباين جلي، اعتبره مخرجه ضروريا من أجل إدراك ظاهرة القتل وظاهرة الموت في اللحظة ذاتها. فهو يقف ضد قتل البشر، ولكنه لا يدين من يقوم بعملية "انتحارية" على حد تعبيره، على اعتبار أنها رد فعل إنساني جدا على وضع عصيب جدا.

قبل 24 ساعة

فيلم "الجنة الآن PARADISE NOW" عبارة عن حياة شابين قبل (24 ساعة) من تنفيذهما عمليتين استشهاديتين، ويبدأ بمشهد من يوم اعتيادي في حياة خالد وسعيد الصديقين الحميمين، وبطلي الفيلم اللذين يعملان في ورشة لتصليح السيارات تطل على تلة في مدينة نابلس، يظهران في الورشة وهما يصلحان صندوق سيارة، ما يلبث صاحبها أن يصل ليدخل معهما في عراك كلامي يجافي الحقيقة والمنطق المبني على حقائق يتسيد البصر في حسمها.

الجدل، والعراك، يدوران حول اعوجاج الصندوق الذي ركباه لسيارته، فرغم وضوح الصورة أنهما أحضراه من "الورق" أي أنه جديد مائة بالمائة، ولا يشاهد أي منهما الاعوجاج الذي لا يراه سواه.. ويصر صاحب السيارة ويتمادى رغم محاولاتهما إقناعه باعوجاج بصره من خلال ميزان يقيسون به سلامة الصندوق وصحة نظرهم.

وأمام هذا الإصرار يفقد الشاب خالد، الذي سيذهب وسعيد لتنفيذ عملية استشهادية لاحقا، هدوءه وقدرته على عراك الكلام، وتدفعه ثورة الغضب والقهر التي تتأجج في صدره كي يسأل صاحب السيارة من جديد عن مكان الاعوجاج، الذي لا يراه، فيأخذ مطرقة ثقيلة ويهوي بها على المكان ويقول له: "الآن لا شك بأن الصندوق أصبح سويا".

من خلال هذا المشهد يؤسس "أبو أسعد" بصورة رمزية بارعة لمجريات العمل كله ولما يدور في فلسطين من صدام ما زال البعض يصر على رؤية أشد حقائقه وضوحا بالمقلوب فيصبح القاتل ضحية والمذبوح متهما.

بهذه الرمزية يحاول عميقا "أبو أسعد" أن يغوص في نفوسنا ليطلعنا بسلاسة وصدق على مشاعرنا ورغباتنا وأحلامنا التي أغرقها المحتل في لجة الدمار.

"سعيد" الأول ذو محيا طفولي، يحمل مسحة من الحزن والقلق، لا تنفع العلاقة الحسية التي تتصاعد بينه وبين "سهى" ابنة أحد المناضلين القدامى من إسعافه في تعزيز روحه الضائعة، إنه أنموذج للشاب الفلسطيني الذي يعيش على درجة قصوى من كتم غيظه وفقدان أمله. بينما ترتسم شخصية الثاني "خالد" بأبعاد حركية أكثر، فهو كائن حيوي، صدامي، قيادي، يأخذ قراراته دون تردد، وله سعي واضح بتجديد مسار حياته.

هذان النموذجان يجمعهما هدف واحد: حياة تسير بأقل قدر من الخسارات رغم الفاجعة الحياتية التي يمران بها بسبب الاحتلال والحصار.

يقرر الصديقان القيام بعملية استشهادية في "تل أبيب"، وبوسعهما قضاء الليلة التي من المقرر أن تكون آخر ليلة لهما في أوساط عائلتيهما في مدينة نابلس.

وبعد لقائهما مع القائد، مجهول الفصيل، يزنران بالأحزمة الناسفة، لكن الأمور تذهب نحو قدر آخر، فبعد عبورهما حدود الأسلاك الشائكة تفاجئهم دورية عسكرية إسرائيلية، يهربان بسرعة، يفلح خالد بالعودة بينما يتوه الآخر بين الأحراش، قبل أن يجد طريقه ثانية. وبين الوقتين تلغى العملية ويفك الحزام عن الأول "خالد" الذي سيسعي بجهده لإنقاذ رفيق عمره، وتدفعه الوقائع إلى لقاء "سهى" التي تدخل معه بجدل حول مفهوم النضال ومحاربة المحتل.

"سعيد" يصل إلى الحافلة الإسرائيلية، يجلس، ينظر، يبتسم، يضع يده على سلك حزام التفجير، ولا يظهر صوت انفجار، بل تقطع الصورة إلى بياض مفاجئ، حاد ومثير، إشارة إلى الموت لنسمع موسيقى شفيفة هي بكاء من نوع آخر.

الفيلم يؤسس لمجموعة أسئلة عن معنى الحياة في ظل الاحتلال، وعن الرغبة في الموت والانطلاق نحو حياة أخرى، وعن تعامل الأبطال أمام انعدام الخيارات، وعن أي طرق النضال هي الأجدى والأفضل بما يميزك عن المحتل الذي يقتلك وذلك دون إجابات مطلقة أو محددة.

نقد الفيلم

في النقاش مع الجمهور في رام الله أو في برلين كان واضحا أن هناك جدلا واختلافا على الفيلم، فمنذ البداية يرى المخرج الفلسطيني "صبحي الزبيدي" أن النقاش الذي تلا الفيلم لا يدل على أنه جيد بالضرورة، معتبرا المخرج الذي يقول انظروا ما فعله فيلمي من نقاش وجدل -مبرَّرًا للقول بأن الفيلم جيد - بمثابة أبسط الطرق وأكثرها سذاجة لتبريره. وهذا يعد مؤشرا حقيقيا لحجم النقاش الذي تلا عرض الفيلم كما هو الحال أثناء تصويره في مدينة نابلس 2004 حيث توقف تصويره أكثر من مرة بفعل معارضة تنظيمات فلسطينية لبعض مضامينه.

الزبيدي في مقاله النقدي "الجنة الآن.. الجنة دائما" استعرض ما رآه خللا في شريط "أبو أسعد" وأمكن إجمال ذلك بالمواقف التالية:

- تبسيط شخصية الاستشهادي بدافع سياسي يتمثل في معارضة المخرج للعمل الاستشهادي، بحيث خرجت الشخصية هزيلة مضطربة، تعاني من عقدة الذنب؛ وهذا تمثل كون والد سعيد كان عميلا لقوات الاحتلال، على اعتبار أن هذا كوَّن دافعا للفعل الاستشهادي وليس نتاج قهر الإسرائيليين وجرائمهم، رغم تصريحات "أبو أسعد" بأنه ليس ضد العمليات في حد ذاتها.

- ظهور الاستشهاديين في الفيلم كأنهما كومبارس ليس لهما هدف أو دافع أيديولوجي.

- عدم إتقان اللهجة الفلسطينية وتحديدا النابلسية من قبل صديقة سعيد وحبيبته (اللاجئة العائدة إلى مدينتها) على اعتبار أن الأحداث تجري في مدينة نابلس، وعدم اقتناع الجمهور بالحوارات الركيكة، ولا بالقبلة الباردة التي سبقت ذهاب سعيد لمصيره وقدره.

- خلوه من الأيديولوجيا وعرضه للتبريرات، وهذا يندرج بحسب النقاد تحت اسم "سينما المخرج" أو "سينما الكاتب"، وفي رأي بعض النقاد يعود هذا إلى نوع ثان يتمثل "بسينما الممول" الذي يفرض اعتبارات خاصة به على الفيلم ككل.

- حتى اللحظات الجميلة في الفيلم مثل لحظة الوداع، الاستعارة البصرية من العشاء الأخير، تلتها لحظة جميلة وهم يغسلون الذي سيصبح شهيدا، ولكن تلاها لحظة يشاهد فيها القادة وهم يأكلون ساندويتشات بينما هم يعطون التعليمات الأخيرة لفعل الاستشهاد جاءت بأكثر من هيكلية أو لغة سينمائية ركيكة.

بين قلق وارتياح

وهذا دفع الفلسطيني لقول الملاحظات السابقة معبرا عن قلقه، وغيرها مثل: لم أكن أشاهد شخصيات ومواضيع فلسطينية، كان كل شيء يبدو غريبا بالنسبة لي، ولم أسمع صوت الفلسطيني المتعب والمعذب، بل سمعت صوتا متخيلا، كأنهم متحدثون باسمنا وليسوا من بيننا، وذلك لأن الفلسطيني الذي شاهد الفيلم عاش في حياته اليومية القصة التي عرضت عليه بتفاصيلها اليومية المثيرة لدرجة الموت، وهذا دفعه للشعور بالقلق ورغبة الجدل والنقاش.

ومع ذلك يعترف الناقد والمخرج "زبيدي" بأن مثل هذه الملاحظات لن يحس بها أو يكتبها مشاهد هولندي أو ألماني، أو "إسرائيلي".

فالغربي، الذي يعتقد أن الاستشهادي وحش إرهابي، سيشعر بارتياح عندما يكتشف أن هذا الشخص ليس وحشا بل شخص أنيق يلبس بدلة، ويحلق ذقنه، ويقع في الغرام، وهو بذلك سيشعر بالارتياح عندما يكتشف أن نزعة الاستشهادي ليست نتاج رغبته بالقتل، وسيشعر بالراحة وهو يفك رموز الشفرة البصرية في المشهد الذي يأكل فيه القادة الساندويتشات، أثناء تقديمهم التعليمات الأخيرة للاستشهاديين. وسيشعر بالرضى بأنه شاهد فيلما عن الاستشهاديين ولم يسمع أي انفجار، ولم ير أي جثث.. لا دماء، لا شيء.

وبالتالي سيخرج الجمهور من العرض بريئا مثل الفيلم تماما كما وصفه أكثر من  ناقد سينمائي.

ثناء واحتفاء

الفيلم نال ثناء جهات عدة، بدليل حصده ثلاث جوائز هي: جائزة أفضل فيلم أوربي يُعرض في مهرجان برلين السينمائي، وجائزة منظمة العفو الدولية "آمنستي إنترناشيونال"، وجائزة قراء صحيفة "مورغن بوست".

وعلى حد تعبير الأديب "يحيى يخلف" وزير الثقافة الفلسطيني الذي وصفه "بالحيادي الإيجابي"، ورغم انتقاده له بعدم أخذه جماليات المكان الذي تدور فيه الأحداث فإن وصفه هذا حاز نقاشا كبيرا بعد عرضه في قصر الثقافة في مدينة رام الله.

كما وجد الفيلم تناغما نقديا إيجابيا على واجهات الصحافة الألمانية والأجنبية، في حين لاقى نقاشا وجدلا واسعا على مستوى الصحافة الفلسطينية.

ومن مجمل ما قيل عن الفيلم سواء في الصحافة الغربية أو في الصحافة العربية أو الفلسطينية من ثناء وارتياح فقد جاء ذلك على الأسلوب المشوق والإنساني الذي لا يخلو من الطرافة في بعض الأحيان، والحرفية التقنية اللافتة ثانيا، ولجرأة الطرح وتناوله قضية حساسة أضفى عليها طابعا بشريا (أنسن الاستشهادي) من جهة ثالثة، إضافة إلى تصوير تفاصيل الـ24 ساعة من حياة الاستشهاديين بدقّة بالغة، ونقله وقائع العيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة على حقيقته، وتوازنه الذكي في ضوء تباين مواقف شخصيات الفيلم وأبطاله.

إعادة كتابة الأسطورة

الفيلم (90 دقيقة) وهو من إنتاج ثلاثي مشترك فرنسي، ألماني، هولندي، يظهر جليا أن الشخصيات التي تتطوع للقيام بمهام ضد الجنود الإسرائيليين لا يمثل الدافع لديهم الحماسة الدينية بقدر ما هو الإحباط إزاء الحياة اليومية، إضافة إلى وجود عنصر شخصي يتدخل كما في سعي سعيد لتعويض الخزي الذي سببه والده لأسرته والذي أعدمه نشطاء لتعامله مع الإسرائيليين؛ وهذا ما أثار حفيظة الفلسطينيين قبل التصوير وبعده على اعتباره لا يقدم نموذجا حقيقيا للاستشهادي الفلسطيني.

لكن السر عند "أبو أسعد" والمأساة بذاتها التي عكست، تتمثل في أن الأب تعين عليه التواطؤ مع العدو لتوفير حياة أفضل لأبنائه، أما الابن فيتعين عليه "قتل نفسه" حتى يجعل حياة أسرته أفضل.

ويرى المخرج "أنها قصة أسطورية توراتية، أن تقتل نفسك مع العدو، مؤكدا أنه يعيد كتابة الأسطورة من وجهة النظر البشرية، ومن وجهة النظر الفلسطينية، ومن وجهة النظر الواقعية وليس من مفهوم استشراقي كما اتهمه غير ناقد فلسطيني.

وبينما وصف البعض فيلم "الجنة الآن" بالحيادية، دافع المخرج بأنها ليست حيادية سطحية وإنما فاعلة تقدم أكثر مما لو قام بعملية انحياز تام لوجهة نظر على أخرى.

"حيادية إيجابية"

الاستشهاد هو جزء من مأساتنا كما أنه جزء كبير من بطولاتنا، ونحن في مجالها لم نقدم شيئا أمام أسطورية الفعل الذي يخرج صاحبه به عن دائرة البشر العاديين، وبذلك نكون بحاجة ماسة لأفلام تقول جزءا منها.

وأمام مقولة "الفنان شخص ملوث ومنغمس" نقول لا يوجد هناك ما يسمى "الحيادية الإيجابية" في ضوء تعلق الموضوع بعمل فني، بوجود الرأي والرؤى.

لكننا نرى أن هناك في كلام وزير الثقافة الفلسطيني "يخلف" وصفا جيدا ودقيقا لحالة الفيلم، أو لما رغب أن يظهر فيه، أي أن يكون "محايدا إيجابيا". إنه فيلم يريد أن يكون بريئا.

وبرأي بعض النقاد والمتابعين للحالة الفلسطينية فإن مثل هذه الأفلام التي يرتفع فيها صوت المشاهدين دون حذر وخوف وتشويه هي التي ستساهم في فهم أفضل لحالتنا.

موقع "إسلام أنلاين" في

20.04.2005

 
 

«الجنة الآن» آخر أفلام المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد...

الإستماع الى الصور الصامتة في رحلة ماورائية

باريس - ندى الأزهري 

ماذا يدور في رأس انتحاري عشية تنفيذه عملية نذر نفسه لها؟ العمليات الانتحارية من وجهة نظر «انتحاريين»، هي ما أراد المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد الحديث عنها. ربما لأن حكايات هؤلاء وحياتهم تبدأ بعد مماتهم بالنسبة الى معظم الناس، حين تصل صور أشلاء تقبع تحت غطاء تعبره العدسات، حين تذاع وصيتهم التي صوروها قبل لحظات من الموت... نتخيل العملية، نرى نتائجها لكننا لا نشهد اللحظات التي تسبقها. كيف يصل الانتحاري إلى تلك اللحظة الحاسمة؟ نادراً ما نواجه بوجهات نظر هؤلاء، بالكيفية التي يبررون فيها الأمر لأنفسهم، بدوافعهم، مشاعرهم، حياتهم... «رواية الحدث من الداخل» هو موضوع شريط «الجنة الآن».

يبدأ الفيلم باستعراض سريع، بيد أنه يكفي، لحياة بطليه سعيد وخالد (قيس ناشف وعلي سليمان في أداء لافت). ومن دون الغوص في التفاصيل اليومية، تبدو حياتهما مسروقة منهما بسبب الاحتلال والأوضاع المعيشية القاسية التي يفرضها هذا الاحتلال. هما شابان عاديان يعملان في إصلاح السيارات. يجري اختيارهما، بناء على طلب سابق لهما، لتنفيذ عملية انتحارية في تل أبيب ويعلمان بذلك قبل يوم من التاريخ المحدد. يبدو خالد أكثر اقتناعاً بأهداف العملية التي تناسب قناعاته، فيما يظهر سعيد وكأنه يهرب عبرها من حقيقة مؤلمة. إنه ابن عميل سبق وتمت تصفية والده بسبب هذه «العمالة» عندما كان سعيد طفلاً. وربما لعب ذلك أيضاً دوراً في انجذابه نحو سها (لبنى الزبال) «زبونته المفضلة» في الكاراج وابنة بطل شهيد.

تبدأ التحضيرات للمهمة الصعبة. الأمسية الأخيرة بصحبة العائلة، النظرات المختلسة إلى الأم، إلى كل فرد، ثم الرحيل إلى العائلة الثانية «التنظيم». في وتيرة متصاعدة، وفي صور كان في صمتها أبلغ الكلام يجري تحضير الجسدين للموت، الحلاقة، عملية التغسيل... ثم الأمنيات الأخيرة والوصية التي يقرأها خالد أمام كاميرا فيديو لتبث بعد موته. مواقف عمقت من مأسوية الحدث ومن تأثيره في النفس. هذه الأحداث التراجيدية لم تخل من كوميديا سوداء تخللت بعض المشاهد مثل اضطرار خالد لإعادة تصوير مشهد الوصية نظراً للأعطال المتكررة لكاميرا الفيديو وانقطاع الكهرباء عنها. تثير الحكاية أسئلة كثيرة وتعليقات متنوعة، يأتي بعضها ضمن الفيلم «هذه ليست تضحية، هذا انتقام» تقول سها. إنها معركة اليقين واللايقين» نحن صح؟» يتساءل سعيد، ويعبر عن دوافع الإنسان العادي ليقوم بهذا، «أفضل الجنة في رأسي على حياة الجحيم التي أعيشها». لا نرى العملية التي تعسرت فلم يكن هدف المخرج إبرازها بل كانت شخصيات منفذيها هي المحور.

في إخراج سلس وأحداث مترابطة استطاع الفيلم، ومن دون المبالغة في التعبير عن مأسوية الحدث وعبر استخدامه عناصر بعيدة من القولبة والتوقعات، أن يشد المتفرج منذ البداية وحتى النهاية ويجعله يقبع في مكانه تحت ضغط قوة الحدث. فيشعر بعد انتهاء الحكاية بهول هذا الضغط الذي كان واقعاً تحت تأثيره طوال مدة العرض وهو يرافق مسيرة الانتحاريين. انه باختصار فيلم إسماع الصور الصامتة وإثارة التساؤلات. 

الحياة اللبنانية في

23.09.2005

 
 

قال ان «الجنة الآن» يطرح الأسئلة عن الانتحاريين من دون أن يجيب عليها...

أبو أسعد: وظيفتي ليست التعاطف أو الإدانة 

بعد فيلمه الأول «القدس في يوم آخر أو زواج رنا» عام 2002 والذي اصطحب فيه المشاهد في رحلة زواج عسير بسبب الاحتلال، يعود هاني أبو أسعد في «الجنة الآن»، ليطلع المتفرج على رحلة موت يحضر لها شابان عاديان يفضلان أن يكونا بطلين في عداد الموتى على أن يكونا مقهورين على قيد الحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي. فاز الفيلم بجائزة الجمهور وجائزة أفضل فيلم أوروبي (إنتاج مشترك) في مهرجان برلين الدولي الأخير، وقوبل باستحسان النقاد في فرنسا.

·         اخترت موضوعاً حساساً بالنسبة الى الشرق والغرب وهو العمليات الانتحارية. ما الذي دفعك إلى هذا الاختيار؟

- لا دوافع بمعنى الكلمة. العمليات الانتحارية هي جزء من المقاومة وثمة حاجة للحديث عنها. إنها ظاهرة موجودة. وهي موضوع مهم، وحولها يدور نقاش دائم في الشارع الفلسطيني وفي العالم، ولا بد لأحد من أن يقوم بتداولها سينمائياً، فالسينما هي جزء من العالم.

·     على رغم عدم رغبتك التأكيد في الفيلم على موقفك من هذه العمليات، نستطيع أن نلحظ وجود تعاطف مع الانتحاريين، إضافة الى نوع من الرفض ربما لهذه العمليات. ماذا تقول في ذلك؟

- وظيفتي ليست الإدانة أو التعاطف. هذه أحداث واقعية ولم يكن هدفي إدانتها أو تمجيدها. ولست سياسياً لأقوم بذلك. الفيلم هو لطرح الأسئلة وليس للإجابة عنها. ما لدي هو قصة درامية وشخصيات وصراع في وجهات نظر أحترمها. هي مجرد لوحة سينمائية، صورة من تاريخنا.

وأنا كفلسطيني يعيش تحت احتلال بشع جداً، لدي هاجس هو التحرر. والطريق إليه ليس واحداً. يمكن أن يكون للعنف حسناته وسيئاته، كما لعدم العنف حسناته وسيئاته. وما يهمني أنا هو المحافظة على جماليات العمل الفني. أما كشخص، فأنا ضد العنف لأنه يولد عنفاً آخر. مع الإشارة إلى أن العنف الأساسي هو عنف الاحتلال وهو الذي يولد عنف المقاومة. وأرى أن علينا أن نرتقي إلى مكانة لا نستعمل فيها لغة الاحتلال نفسها. ولكن من أنا لأقول ذلك؟! أنا أتكلم من باب واسع لأنني محظوظ، إذ بمقدوري الخروج والدخول إلى فلسطين كما أشاء. ولكن من الصعب أن نطلب من هؤلاء الواقعين تحت سجن الاحتلال الصهيوني عدم استعمال العنف. إنها سخافة! سيقال لي. ومن أنا لأطلب أشياء مستحيلة من الناس؟! هذا ليس من اختصاصي.

·         بدا للمتفرج أيضاً أن الفيلم يتعاطف مع المنفذين أكثر منه مع المنظمين؟

- لا، فربما كانت تلك رؤية من لديهم هذا الموقف! إذ يبين الفيلم أن هؤلاء أيضاً يهددهم الموت في كل لحظة. لكل دوره. وأنا أنظر للجميع بمنظور سينمائي، لا من وجهة نظر سياسية. فليس لدي موقف سياسي ضد هؤلاء الزعماء. ولو أنني أرى أنه يجب استغلال هؤلاء الشباب لعمليات أفضل من هذه لأنك تخسر أفضل جنودك.

·     اخترت الانتحاريين من الناس العاديين وليس من ضمن هؤلاء الملتزمين بخط سياسي معين. أكان ذلك نتيجة دراسة للواقع الفلسطيني؟

- لدى معظم الأشخاص هاجس التخلص من الاحتلال. ويمكن للانتحاري أن يكون أي شخص في المجتمع يؤمن أن ما سيقوم به، سيكون له دوره في عملية التحرير. الدافع الرئيس هو الشعور بالذل الذي يقود إلى الإحساس بالجبن. حين تكون على حاجز تشعر بالذل، بالعجز، لعدم القدرة على إتيان ما يخلصك من هذا الذل.

هذا الشعور بالجبن يولد في مخيلة صاحبه ما قد يجعل منه بطلاً كبيراً. الإنسان لا يريد القبول بفكرة أنه جبان يريد تحويل هذا الضعف إلى قوة مرعبة.

·         هل واجهتك صعوبات أثناء التصوير في نابلس؟ وكيف كان تقبل الناس في الشارع وعلى مستوى التنظيمات لفكرة الفيلم؟

- كانت صعوبات تصوير يجري تحت الاحتلال، من حصار وقصف واجتياح ومنع للتجول. أما الناس، فكانوا منقسمين بين مع وضد. فالموضوع حساس، وكان يدور حوله نقاش في الشارع. وقد استفدت من هذا النقاش الذي انعكس في الفيلم. ثمة فئات لم تعجب بالموضوع، وأخرى تساءلت: «وماذا ستفعل بفيلم كهذا؟؟»، لكن بان لبعض المجموعات موقف جيد تجاه السيناريو، حيث لم تطالب بالإطلاع عليه منطلقة من مبدأ» نحن نحارب من أجل الحرية، فكيف سنكون رقيبين على السيناريو؟». وحين عرضت الفيلم في رام الله، انقسمت الآراء حوله ما بين كونه «يعطي صورة غير مجملة عن الواقع»، وأنه «فيلم صادق».

وبالنسبة اليّ فالفيلم هو لطرح الأسئلة سواء في الشارع الفلسطيني أو الخارج. إنه محاولة إضاءة زوايا معتمة.

·         ما الذي أردت إضاءته بالتحديد؟

- العمق المأسوي والعمق الإنساني في هذه العمليات.

·         والفيلم المقبل؟ هل هو من فلسطين أيضاً؟

- سيكون عن العالم العربي. عن الحلم الأميركي.

·         الحلم أم الكابوس؟!

- وضعت كلمة الحلم بين قوسين!

الحياة اللبنانية في

23.09.2005

 
 

تحمس له منتج يهودي‏..‏ وتجاهله العرب‏!‏

الجنة الآن أول فيلم عربي يعرض فـي أوروبا وأمريكا

هوليوود ــ محمد رضا

كم مرة في تاريخ السينما الأمريكية قام استديو رئيسي من ستديوهات هوليوود السبعة الأولي‏(‏ كولمبيا‏,‏ باراماونت‏,‏ يونيفرسال‏,‏ متروجولدوين ماير‏,‏ وورنر‏,‏ ديزني‏,‏ فوكس‏)‏ بالصرف علي فيلم عربي؟

الجواب‏:‏ ولا مرة‏......‏ باستثناء هذه المرة‏.‏

فيلم هاني أبو أسعد الجنة الآن يعامل معاملة الملوك‏.‏ وورنر ما غيرها اشترت حقوق توزيع هذا الفيلم من منتجيه الفرنسيين وقامت بتمويل مونتاج جديد للمقدمة الدعائية وإضافة أغنية وموسيقي عليها‏.‏ أكثر من ذلك‏,‏ هناك ميزانية موضوعة للزوم الدعاية والإعلان والترويج وحدها تكفي لإنتاج خمسة أفلام عربية أو أكثر‏.‏ وستطبع نسخة لتوزيعها علي ستين شاشة في أنحاء الولايات المتحدة‏.‏ شاشات مختارة في مدن كبري فيها جمهور يريد المعرفة ولا تهمه التسلية‏.‏

صحيح أن الموزع تحديدا هو وورنر إندبندنت لكنها شركة تنتمي بالكامل لوورنر وتحمل اسمها ومتخصصة في توزيع الأفلام المستقلة ذات الجمهور المتخصص في مواضيعها‏.‏ وآخر ما وزعته هو مسيرة البطريق‏,‏ اشترته بمليوني دولار وجمعت عليه‏70‏ مليون دولار‏,‏ أي أكثر مما حققته من أفلام تجارية للشركة الأم مثل الجزيرة‏(‏ انتهي علي‏35‏ مليون دولار‏)‏ أو يجب أن يحب الكلاب‏(‏ اكتفي بـ‏42‏ مليون دولار‏).‏ هذا كله وفيلم مسيرة البطريق ليس فيلما من بطولة بيرس بروسنان أو نيكول كيدمان أو حتي جيم كاري ولا هو رسوم متحركة من صوت جوني دب وإيدي مورفي‏,‏ بل هو فيلم تسجيلي ما يجعله صاحب ثاني أعلي إيراد لفيلم تسجيلي في التاريخ من بعد فهرنهايت‏9/.11‏

لكن ما علاقة مسيرة البطريق‏,‏ الذي يسجل حياة البطريق الاجتماعية في القطب الجنوبي وكيف تتزاوج ومسئولية الذكور ومسئولية الإناث تجاه الأولاد‏,‏ بفيلم الجنة الآن الذي يتحدث عن فلسطينيين ملزمين بتفجير نفسيهما في حافلة إسرائيلية كما كان الحال سائدا حتي مطلع هذا العام؟

هناك اعتقاد أن نجاح مسيرة البطريق وضع وورنر إندبندنت في حالة انبساط‏.‏ حقق لها أول نجاح كبير وجعلها أكثر ثقة من أنها تستطيع التعامل مع الأفلام الصعبة‏.‏ هذا الاعتقاد ربما كان صحيحا لكن في جزء منه أما في الواقع فإن قيام الشركة بشراء حقوق الجنة الآن‏,‏ الذي كان شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين في الشهر الثاني من هذا العام‏,‏ تم قبل أن يسجل البطريق انتصاره علي شاشات الولايات المتحدة ويحقق أكثر مما حققه في البلد المنتج‏(‏ فرنسا‏)‏ من إيرادات‏.‏

ثلاثة أسباب للدهشة

لكن أهمية خطوة وورنر إندبندنت لاستحواذ جنة هاني أبو أسعد مثيرة علي صعيد سياسي أيضا‏.‏ الفيلم دراسة عن هذين الرجلين المدفوعين للعملية إنما من دون إدانة‏.‏ علي العكس يحرص هاني أبو أسعد‏,‏ الذي ولد في الناصرة قبل‏42‏ سنة والذي قدم قبل هذا العمل فيلما روائيا واحدا هو عرس رنا‏,‏ علي أن يتيح للمشاهد غير العربي سماع وجهة نظر الشخصية الفلسطينية‏.‏ هو أيضا لا يؤيد العمليات الاستشهادية لكنه بالتأكيد لا ينتقدها علي اعتبار أنها الفعل السلبي المطلق‏.‏ كما يقول لنا حين سألناه‏:‏ فيلمي يؤكد أن لكل حالة سببا‏.‏ وحين يسألني أجنبي عن السبب في العمليات الاستشهادية يكون بدأ فعلا في البحث عن الخلفيات‏.‏ وهذا من أهم رسائل الفيلم‏.‏
بعد برلين استقبلته مهرجانات كارلوي فيفاري‏(‏ جمهورية تشيك‏)‏ ثم تليورايد‏(‏ الولايات المتحدة‏)‏ وتورنتو‏(‏ كندا‏)‏ وفي الأسبوع الماضي تم عرضه في مهرجان نيويورك ونيل ستيفنسون‏,‏ رئيس مهرجان دبي السينمائي الدولي يقول لي إنه حجزه للدورة المقبلة من المهرجان‏.‏

ولم تقتصر عروض الجنة الآن علي المهرجانات بل عرض تجاريا حتي الآن‏-‏ وبدأ من‏7‏ أيلول‏/‏ سبتمبر في بلجيكا وفرنسا وفنلندا والنمسا واليونان وألمانيا وأسبانيا‏.‏ وإذ ينطلق في الخامس عشر من أكتوبر‏(‏ تشرين الأول‏)‏ في الولايات المتحدة تنضم هولندا والمجر وإيطاليا واستراليا إلي جملة الدول التي اشترته وتعرضه‏.‏

هذه القائمة التي حصلنا عليها تثير الدهشة لثلاثة أسباب‏:‏

‏(1‏ أنها من المرات النادرة التي يشهد فيها فيلم عربي كل هذه العروض في الدول الكبري وكل هذا الاهتمام والتأييد النقدي والجماهيري‏.‏

‏(2‏ أن إسرائيل ليست في قائمة الدول العارضة وهي التي كانت أكدت في برلين علي أنها ستعرض الفيلم لأنها بلد ديمقراطي يسمح بتعدد الآراء‏.‏ تأكيدها آنذاك كان محاولة لخطف الضوء من الإعلام القوي الذي حصده الفيلم الذي يتهم السياسة الإسرائيلية بالتسبب‏,‏ عن طريق الاحتلال والاعتداء‏,‏ بموجة العمليات الانتحارية‏.‏ عدم وجوده علي تلك القائمة يؤكد أن كلام المحافل شيء والواقع شيء آخر‏,‏ الا إذا كانت القائمة استثنت إسرائيل وهذا أمر مشكوك فيه‏.‏

‏(3‏ السبب الثالث هو الأكثر دهشة‏.‏ الأكثر ألما‏.‏ لا يهم إذا شاهده الإسرائيليون أو لم يشاهدوه كثيرا‏.‏ ماذا عن العالم العربي؟ لحد علمنا وإلي حين كتابة هذه الأسطر قبل أسبوع ليس هناك من موزع عربي واحد قام بطلب الفيلم لمنطقته أو للمنطقة كلها‏,‏ ولا حتي سأل عن السعر الذي سيدفعه فيما لو فكر بشرائه‏.‏

لنترك هذه النقطة بلا تعليق إضافي فهي كافية لكي تقول أشياء كثيرة حول كيف نفكر وبم نفكر ولماذا نحن في قعر هذا الكوكب والعالم بأسره علي هضابه وسفوحه وقممه‏.‏

الفرصة الرائعة

الجنة الآن يتابع حياة شابين هما خالد وسعيد‏.‏ صديقان من أيام الطفولة‏.‏ أحدهما‏(‏ سعيد‏)‏ هو ابن متعاون تم تنفيذ حكم الإعدام فيه منذ زمن‏.‏ هما الآن علي أهبة القيام بعملية استشهادية في تل أبيب‏.‏ هذه هي ليلتهما الأخيرة مع عائلتيهما‏.‏ يعلمان أنهما سيموتان في اليوم التالي ولا يستطيعان توديع أحد‏.‏ في صباح اليوم التالي يتوجهان إلي قيادتهما ويقف كل منهما منفردا أمام الكاميرا يسجل شهادته الأخيرة‏.‏ أحدهما يلغي النص المكتوب ويتحدث عن القهر الذي عاناه الشعب الفلسطيني ما يؤدي به إلي القيام بحملات الموت‏.‏ ثم ينتقلان متجاوزين الأسلاك الشائكة علي الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل‏.‏ لكن ما إن يبتعدا حتي تظهر دورية إسرائيلية كما لو أنه علي الرغم من كل السرية إلا أن هناك من أفشي سرهما‏.‏ خالد يعود سريعا من حيث أتي لكن سعيد يمضي قليلا ثم يؤثر العودة ويفقد الصلة بخالد وبالقيادة التي تعتقد الآن أنه هو الخائن‏(‏ كأبيه‏).‏ يرفض خالد تصديق هذا الرأي ويعد بالبحث عنه وإرجاعه والقيادة تعطيه حتي نهاية النهار لكي يجد سعيد وإلا ستنفذ فيه حكم الإعدام‏.‏ لكن في حين أن خالد لم يعد في وارد تنفيذ العملية‏,‏ إلا أن سعيد لا يزال مصرا علي الرغم من نداءات الفتاة التي تحبه والتي تكتشف الحقيقة حين تلتقي به‏.‏

في اليوم التالي‏,‏ وبموافقة القيادة‏,‏ ينطلق سعيد وحده لتفجير نفسه في شاحنة في تل أبيب‏.‏ وسيلة الوصول يهودي‏(‏ يقول الفيلم إن هناك من اليهود من هو مستعد للمشاركة في العملية مقابل المال‏).‏ لكن حين تصل الشاحنة ويري سعيد من فيها من أطفال ونساء لا يستطيع الإقدام علي ما وعد نفسه وقيادته بفعله‏.‏

سيجد الأمريكيون في الفيلم محاولة جادة لفتح نافذة أخري تتيح لهم النظر إلي الوضع الفلسطيني‏.‏ حتي الآن‏,‏ كل ما عرفه القسم الغالب هو وجهة نظر إسرائيلية ثم وجهة نظر إسرائيلية تقابلها وجهة نظر فلسطينية مدانة‏.‏ الآن هناك تلك الفرصة الرائعة لفهم خلفية قد يوافق البعض عليها وقد لا يوافق‏,‏ لكنها في الحالات جميعا‏,‏ هي عين ثالثة علي الوضع‏,‏ كانت كل السياسة العربية فشلت في القيام بدورها علي النحو الصحيح‏.‏ تعامل مع الواقع من الداخل بذكاء يجعل الأمريكي يري أطرافا كبيرة من الصورة لأول مرة‏.‏

فيلم آخر

حين دخل مارك جيل‏,‏ رئيس وورنر إندبندنت علي رئيسه جف روبينوف‏,‏ تقول الصحافية السينمائية آن تومسون في مقال كتبته لمجلة ذ هوليوود ريبورتر وأخبره أنه قرر شراء الجنة الآن لم تطرف عينا روبينوف‏(‏ يهودي‏)‏ بل وقع علي المبلغ الذي تم به شراء حقوق الولايات المتحدة‏(500‏ ألف دولار‏).‏ هذا لم يمنع جيل من شرح سبب حماسه وهو الذي كان قرأ السيناريو وشاهد الفيلم بعد ذلك في برلين حيث نال الفيلم جائزة أفضل فيلم أوروبي‏:‏

الفيلم‏,‏ قال لتومسون‏,‏ مختلف والمختلف جيد‏.‏

في الواقع‏,‏ ما أعجب جيل وسيعجب العديد من الأمريكيين هو أنه لا يتعاطف مع القائمين بالعمليات الانتحارية بقدر ما يشرحهم‏.‏ لا يقدمهم كأبطال قضية بل كضحايا تلك القضية‏.‏ في المقابل‏,‏ هو بعيد عن الشتم والرسم الكاريكاتوري للإسرائيليين عن طريق تحاشي دمجهم مباشرة في الموضوع باستثناء إظهار تلك الحواجز التي يشيدونها وما تسببه من قهر لشعب تم قلع معظمه لا من أرضه فقط بل من حقه في المستقبل‏.‏

الأخطر هو التالي‏:‏

بين عرس رنا والجنة الآن أنجز هاني أبو أسعد فيلما تسجيليا طويلا بعنوان فورد ترانزيت‏.‏ في الثلاثين من شهر سبتمبر‏(‏ أيلول‏)‏ تم عرضه علي شاشة سندانس‏,‏ المحطة المتخصصة بالأعمال المستقلة والمختلفة التي تم تأسيسها بعد نجاح مهرجان سندانس السينمائي لصاحبه روبرت ردفورد‏.‏ هاني أبو أسعد‏,‏ قبل ثلاث سنوات‏,‏ كان في المهرجان الأمريكي بدعوة من روبرت ردفورد ووصل حاملا معه سيناريو الجنة الآن‏.‏ وحال وصوله إلي المهرجان الذي يقام علي سفوح بلدة بارك سيتي تم نقله إلي بيت كبير علي قمة أحد الجبال الثلجية‏.‏ هناك مشغل سيناريو استضاف حينها سبعة مخرجين جدد لقراءة ودراسة سيناريوهاتهم‏.‏ أبو أسعد كان واحدا منهم وقد قرأه وناقشه ونصحه فيه كريستوفر ماكواير كاتب سيناريو مشتبه بهم معتادون وزاكري سكلار‏,‏ كاتب سيناريو فيلم أوليفر ستون جون ف‏.‏ كندي‏.‏

هناك في تلك الدورة‏,‏ تحدث هاني أبو أسعد عن فيلمه التسجيلي فورد ترانزيت ولابد أنه أثار الاهتمام فاشترته محطة سندانس التي تعرض أفلامها بان أمريكان‏(‏ في كل أرجاء أمريكا‏)‏ وهي عرضته فعلا في ذلك اليوم المذكور لتفتح المزيد من الأعين علي الواقع‏.‏ مثل الجنة الآن مشغول بذكاء وحذر من السقوط في هوة المباشرة‏.‏ علي عكسه‏,‏ هو أكثر تدليلا علي واقع الإنسان الفلسطيني وأكثر قدرة علي منحه المساحة التي يستحقها ليقدم نفسه علي حقيقته للعالم‏.‏

يبقي أن الجنة الآن في مقدمة عدد من الأفلام الجديدة التي تتطرق إلي أوضاع العالم بعد‏9/.11‏ قريبا نري الحرب في الداخل ومعذرة يا كارهون ورائحة الجنة وأزمنة صعبة‏.‏ بذلك يكون هذا الفيلم‏,‏ برسالته الإيجابية‏,‏ أنجز ما لم تستطع السياسة العربية إنجازه وأكد أن الإعلام لتغيير الصورة‏,‏ وبل الواقع‏,‏ يحمل في صدارته كلمة واحدة‏:‏ السينما‏!*‏

الأهرام العربي في

08.10.2005

 
 

فيلم فلسطيني يتطرق لدوافع القتل لدى الانتحاريين

أرثر سبيجلمان  إيلاف 

لوس أنجليس (رويترز) - لم يكن انتاج فيلم (الجنة الان) Paradise Now الذي يروي قصة تحول عاملي اصلاح سيارات بسيطين الى مفجرين انتحاريين أمرا هينا بالنسبة للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد فهو اضطر لخوض معركة لم تقتصر فقط على الكفاح للحصول على تمويل بل شملت أيضا تفادي هجوم صاروخي من اسرائيل وألغام برية وتهديدات من متشددين. ولكن التصوير في نابلس حيث خطف مصصم المناظر الذي يعمل معه لفترة وجيزة كتحذير من الفصائل التي خافت أن يكون الفيلم حافلا بالانتقادات كان مجرد عقبة واحدة. فالسؤال الاهم كان هل سيجد اذانا صاغيا فيما يحاول توضيح حقيقة جديدة من حقائق الحياة المعاصرة. ويأخذ الفيلم الذي بدأ عرضه عبر الولايات المتحدة مكانه الى جانب فيلمين اخرين يتطرقان أيضا الى السؤال الذي أثير بعد هجمات 11 سبتمبر أيلول ولم يعثر له على اجابة وهو: ما الذي يجعل شخص يتحول الى مفجر انتحاري على استعداد لإنهاء حياته وحياة اخرين لا يعرفهم؟ هل هو الوعد بالجنة والعذارى؟ أم هو عمل يعبر عن الانتقام أو الشجاعة أو اليأس أو العجز؟ ويعرض حاليا أيضا فيلم (الحرب الداخلية) The War Within للمخرج جوزيف كاستيلو الذي يحكي قصة خلية من الارهابيين الباكستانيين الذين يخططون لتفجير محطة جراند سنترال في نيويورك في أعقاب هجمات 11 سبتمبر أيلول. ويرتكز فيلم كاستيلو على اصطدام قيم الشرق والغرب ولاقى استحسانا كبيرا من النقاد.

أما الفيلم الثالث الذي سيفتتح الشهر المقبل فهو "سوريانا" Syriana وهو فيلم حركة ميزانيته نحو 50 مليون دولار ويقوم ببطولته الممثل جورج كلوني. ويتعامل الفيلم بشكل جزئي من القضية ذاتها ولكن بشكل تجاري وهو من اخراج ستيفن جاهان الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل سيناريو عن فيلم "تهريب"Traffic .

ولا يدافع فيلما (الجنة الان) و (الحرب الداخلية) عن المفجرين الانتحاريين ولكن كل منهما يحاول بطريقته أن يفسر الحالة العقلية التي تتمخض عن مثل هذه الافعال لان الفهم هو أول خطوة للامام على حد قول أبو أسعد. ويدور أحد مشاهد الفيلم في متجر لبيع شرائط الفيديو يبدو كأي متجر عادي في الغرب باستثناء أنه يبيع شرائط لمفجرين انتحاريين يشرحون فيها أفعالهم لإلهام من يسيرون على نهجهم. ويعبر أبو أسعد عن اعتقاده بأن العجز هو السبب وراء التفجيرات وتبرز كلمات شخصياته هذه الفكرة فيما يمضون في حياتهم اليومية في الاراضي المحتلة التي يصورها الفيلم على أنها سجن مغلق وخانق.

ويقول المخرج "احساس العجز قوي للغاية لدى هؤلاء الناس لدرجة انهم يقتلون أنفسهم والاخرين لمجرد القول (أنا لست عاجزا). انه موقف معقد للغاية ولكن المظلة التي سيتظلون بها هي الوضع الظالم." ويعرض الفيلم حاليا في اسرائيل التي ساهمت في تمويله ويلقى أراء قوية كما يحدث معه في الضفة الغربية. ويقول أبو أسعد "لم يتغير رد الفعل في اسرائيل...الكثير من الاسرائيليين يرون أن اللعب بالسياسة هو أكبر المشاكل." وسجلت السلطة الفلسطينية الفيلم في جائزة الاوسكار لفئة أفضل فيلم أجنبي وسيكون من المثير أن يصبح الفيلم واحدا من الافلام الخمسة النهائية بعد التصفيات. ولكن أبو أسعد أشار الى أنه تلقى شكاوى من الحكومة بأن الفيلم ذو طابع غربي اكثر من اللازم. ويرى أبو أسعد أن فيلمه لا يحاول فرض وجهة نظر معينة ولكنه يحاول أن يظهر "شيئا خفيا ولم يقدم من قبل." وتصف ريتشل ابراموفيتش الناقدة السينمائية في صحيفة لوس انجليس تايمز الفيلم بأنه النسخة الفلسطينية من مسرحية "موت روزنكرانتز وجيلدنشتيرن" للكاتب الانجليزي توم ستوبارد فهو يركز على حياة شخصين في لحظة تاريخية معينة ويراقبهما وهما يتنفسان. وهذا ما فعله أبو أسعد. ويبقى عليه الان أن يعرف ما اذا كان أحد سيسمع صوت هذا التنفس.

موقع "إيلاف" في

05.11.2005

 
 

«الجنة الآن» لغز العمليات الفدائية في صالات أميركا 

لم يكن انتاج فيلم »الجنة الآن« الذي يروي قصة تحول عاملي اصلاح سيارات بسيطين إلى فدائيين أمرا سهلاً بالنسبة للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد فقد اضطر لخوض معركة لم تقتصر فقط على الكفاح للحصول على تمويل بل شملت أيضا تفادي هجوم صاروخي من إسرائيل وألغام برية وتهديدات من متشددين. ولكن التصوير في نابلس حيث خطف مصمم المناظر الذي يعمل معه لفترة وجيزة كتحذير من الفصائل التي خافت أن يكون الفيلم حافلا بالانتقادات كان مجرد عقبة واحدة.

ويأخذ الفيلم الذي بدأ عرضه عبر الولايات المتحدة مكانه إلى جانب فيلمين آخرين يتطرقان أيضا إلى السؤال الذي أثير بعد هجمات 11 سبتمبر ولم يعثر له على إجابة وهو: ما الذي يجعل شخصاً يتحول إلى مفجر فدائي على استعداد لانهاء حياته وحياة غرباء أبرياء.. هل هو الوعد بالجنة والعذارى أم هو عمل يعبر عن الانتقام أو الشجاعة أو اليأس أو العجز...

ويعرض حاليا أيضا فيلم »الحرب الداخلية« للمخرج جوزيف كاستيلو

الذي يحكي قصة خلية من الارهابيين الباكستانيين الذين يخططون لتفجير محطة جراند سنترال في نيويورك في أعقاب هجمات 11 سبتمبر. ويرتكز فيلم كاستيلو على اصطدام قيم الشرق والغرب ولاقى استحسانا كبيرا من النقاد.

أما الفيلم الثالث الذي سيفتتح الشهر المقبل فهو »سوريانا« وهو فيلم حركة ميزانيته نحو 50 مليون دولار ويقوم ببطولته الممثل جورج كلوني. ويتعامل الفيلم بشكل جزئي مع القضية ذاتها ولكن بشكل تجاري وهو من اخراج ستيفن جاهان الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل سيناريو عنفيلم »تهريب«.

ولا يدافع فيلما »الجنة الان« و»الحرب الداخلية« عن المفجرين الفدائيين ولكن كل منهما يحاول بطريقته أن يفسر الحالة العقلية التي تتمخض عن مثل هذه الأفعال لان الفهم هو أول خطوة للامام على حد قول أبو أسعد. ويدور أحد مشاهد الفيلم في متجر لبيع شرائط الفيديو يبدو كأي متجر عادي في الغرب باستثناء أنه يبيع شرائط لمفجرين فدائيين يشرحون فيها أفعالهم لالهام من يسيرون على نهجهم.

ويعبر أبو أسعد عن اعتقاده بأن العجز هو السبب وراء التفجيرات وتبرز كلمات شخصياته هذه الفكرة فيما يمضون في حياتهم اليومية في الأراضي المحتلة التي يصورها الفيلم على أنها سجن مغلق وخانق. ويقول المخرج »احساس العجز قوي للغاية لدى هؤلاء الناس لدرجة انهم يقتلون أنفسهم والاخرين لمجرد القول »أنا لست عاجزا«. انه موقف معقد للغاية ولكن المظلة التي يستظلون بها هي الوضع الظالم«.

ويعرض الفيلم حاليا في اسرائيل التي ساهمت في تمويله ويلقى أراء قوية كما يحدث معه في الضفة الغربية. ويقول أبو أسعد »لم يتغير رد الفعل في اسرائيل...الكثير من الاسرائيليين يرون أن اللعب بالسياسة هو أكبر المشكلات«. وسجلت السلطة الفلسطينية الفيلم في جائزة الاوسكار لفئة أفضل فيلم أجنبي وسيكون من المثير أن يصبح الفيلم واحدا من الأفلام الخمسة النهائية بعد التصفيات.

ولكن أبو أسعد أشار الى أنه تلقى شكاوى من الحكومة بأن الفيلم ذو طابع غربي اكثر من اللازم. ويرى أبو أسعد أن فيلمه لا يحاول فرض وجهة نظر معينة ولكنه يحاول أن يظهر »شيئا خفيا ولم يقدم من قبل«. (رويترز)

البيان الإماراتية في

06.11.2005

 
 

لاقى اعجاب الحضور في العرض الرئيس الأول للمهرجان...

«الجنة الآن» لهاني ابو اسعد: 24 ساعة من حياة إنتحاريين 

ضمن عروض مهرجان دبي استضيف المخرج الفلسطيني هاني أبو اسعد في مؤتمر صحافي خاص بفيلمه «الجنة الآن»، الذي لاقى إعجاباً من الحضور خلال العرض الرئيسي الافتتاحي الاول للمهرجان. وأشار مخرج الفيلم أبو اسعد الى حقيقة ان فيلمه يجسد سعيه الدائم نحو «الوصول الى اللحظة المثالية في فن صناعة السينما».

وأضاف قائلاً: «تتجسد اللحظة المثالية بالنسبة إلي في لحظة التقاء الخيال مع الواقع، انها اللحظة التي تحمل بين ثناياها مشاعر الفرح والحزن في آن معاً، وهي اللحظة التي يتحول فيها الخيال الى واقع ملموس. وانني أحرص على رصد هذه اللحظة في اعمالي السينمائية، اذ ان قوة وتأثير الخيال والواقع تظهران فقط في حال اتحادهما معاً».

لقد حظي فيلم «الجنة الآن» الحائز جائزة «بلو إنجيل» لأفضل فيلم اوروبي في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، باهتمام كبير في المهرجان، يضاف الى تكريمه خلال فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته قبل ايام، اضافة الى حصوله على «جائزة أمنستي السينمائية الدولية» و «جائزة» قراء صحيفة برليينر مورغنبوست» في المانيا. كما فاز الفيلم ايضاً بجائزة افضل سيناريو ضمن جوائز مهرجان الافلام الاوروبية، إضافة الى انه مرشح لنيل اوسكاء افضل فيلم ناطق بلغة اجنبية العام المقبل، في حين يعرض الفيلم حالياً في الولايات المتحدة ومختلف دول العالم.

وقد واجه مخرج الفيلم كما يؤكد صعوبات عدة في تصويره، اهمها ايجاد الممولين «الذين يتحلون بالشجاعة لتقديم الدعم المالي اللازم»، ثم «الرقابة الشديدة التي تفرضها السلطات الاسرائيلية على نابلس في مختلف نواحي الحياة، على رغم عدم ممانعتها تصوير الافلام السينمائية في المدينة».

الحياة اللبنانية في

16.12.2005

 
 

الجنة الآن ··· جحيم أرضي

دبي ـ إبراهيم الملا: 

يبدو أن الاحتفاء الكبير الذي حظي به فيلم ''الجنة الآن'' في افتتاح مهرجان دبي السينمائي الثاني، لم يكن سببه المباشر حفل الافتتاح وما يحيط به من بهرجة صاخبة وحضور لافت وانتباه نقدي وتغطيات إعلامية، بل إن أهمية هذا الفيلم إنما نبعت من الدعاية الذاتية التي صنعها لنفسه، ومن قوة موضوعه المتطرق لقضية ساخنة ومتجددة، وهي قضية الإرهاب والعمليات الانتحارية، وما يصاحبها من فرضيات أحادية واتهامات مباشرة ونظريات تناقش الظواهر السياسية والاجتماعية بما يشبه التعامل مع القشور، دون الولوج إلى اللب وما يعتمل فيه من صراعات وأسرار وخفايا، هذه الصراعات التي لا يصاحبها عادة أي نقاش أو جدل محايد في ظل الهياج الموتور وضجيج الحرب الإعلامية والسياسية القادمة من كل اتجاه، وأيضا من دون أي تتبع لخيوط هذه المآسي البشرية التي يعيشها الفلسطينيون داخل قوقعة مغلقة من النسيان والتهميش الدولي·

ومن هنا أتى فيلم المخرج الفلسطيني :''هاني أسعد''، كي يزيح هذه القشور الإعلامية، وكي يتغلغل بكاميرته وحواراته ومونولوجاته في دواخل ونفسيات الشبان الانتحاريين، وكي يجول بعدسته الكاشفة والمقربة في أعماق المخيمات البائسة وفي أحشاء الضواحي الخلفية الفقيرة والمعدمة، وذلك من خلال شخصيتي سعيد ''قيس ناشف'' وخالد ''علي سليمان'' اللذين يعملان في مرآب لتصليح السيارات، حيث نراهما بعد الاستراحة من العمل وهما يدخنان الأرجيلة على تل مرتفع وينظران للمستوطنات المتهالكة والمعدمة في السفح، كما لو كانا ينظران للمستقبل بعيون قاحلة وخيالات سوداء وقلوب مسمومة، وفي مشهد تمهيدي آخر نرى الفتاة سهى ''لبنى الزبال'' وهي تقف بغضب أمام أحد الحواجز الإسرائيلية ومن دون قدرة على الاحتجاج سوى من خلال نظرتها القوية والمتحدية·

سهى ورغم أنها آتية من الخارج وتتحدث بلكنة مغاربية إلا أنها سرعان ما تكتشف جذورها وتتأقلم مع الوضع وتنشأ بينها وبين سعيد علاقة شبيهة بالشرارات الخاطفة من الألفة والتودد بحكم العلاقات القديمة التي جمعت عائلتيهما·

تبدأ نقطة الصراع الأولى في الفيلم عندما يتم إخطار خالد وسعيد من قِبل خلية جهادية باختيارهما لتنفيذ عملية استشهادية في قلب إسرائيل، رغم أن صفات وتصرفات كل من خالد وسعيد لا تنم عن أي توجهات دينية متشددة ''وهي نقطة مربكة ومحسوبة على الفيلم وعلى السيناريو الخاص بتأسيس الشخصيات''، ولكن يبدو أن رغبة المخرج الواضحة وإصراره على عدم الزج بالتوجهات الدينية والخطابية في المسار الفني للعمل هو الذي صنع هذا الإرباك وهذه المفارقة، حاول المخرج القفز على هذا الخلل التشخيصي بالتركيز على الأبعاد النفسية والسيكولوجية لشخصية ''سعيد''، والتعريج أيضا على حالة الإحباط والضجر التي يعيشها صديقه ''خالد'' من خلال ضغط الظروف الخارجية وليس من خلال الآلام والشروخ الداخلية وحدها·

التحليل النفسي للذاكرة

لم يلجأ ''أبو أسعد'' عند التعبير عن الوجع الفلسطيني للأسلوب التقليدي والإنشائي عند التعامل مع القضايا الوطنية الثقيلة والمتحركة ببطء نحو الحل النهائي والشامل، كما أنه لم يلجأ للأساليب البصرية الصادمة التي عادة ما نراها في الأعمال التسجيلية التي عالجت نفس الموضوع، نتذكر هنا فيلمي: ''جنين جنين'' وكأننا عشرون مستحيلا التسجيليين الذين حاولا رصد الفظائع الإسرائيلية بعريها الكامل، ومن دون البحث عن بدائل فنية وتحليلية للحدث، وعوضا عن نقل وتثبيت الحالة العامة كما هي، لجأ مخرج ''الجنة الآن'' لاستدعاء الحالة الخاصة والسيكولوجية لأبطال الفيلم، خصوصا عندما قام بالتركيز على الشخصية الكئيبة والغامضة والسوداوية للشاب الكتوم ''سعيد'' والتي استطاعت الكاميرا من خلال اللقطات المقربة أن ترصد غضبه الصامت وهياجه المدفون، والذي كشف لنا من خلال حواره مع سهى عن حالة الغليان الداخلي الذي يعيشه بمرارة وألم، تعرف ''سعيد'' على خيوط هذه المأساة الشخصية منذ أن كان في السادسة من عمره، عندما تم إعدام والده على يد الفصائل الفلسطينية بعد اكتشاف عمالته للعدو، لقد وضعته هذه الحادثة وسط حالة مدمرة من التوهان الروحي والصدمة الوجودية الهائلة، فأصبحت المشاركة في العمليات الانتحارية هدفه الوحيد لتكفير ذنب والده ولجم أفواه الآخرين اللذين عايروه بـ''ابن الخائن''، والذين حولوا أهله إلى فئة منبوذة بشكل غير مباشر، ووسط مجتمع هائج ومنفعل سياسيا ودينيا وقوميا·

ورغم أن المخرج لم يستعن ''بالفلاش باك'' أو ''اللقطات الاسترجاعية'' كي يشرح حالة الغليان وعقدة الذنب الاجتماعية التي يعيشها ''سعيد'' منذ طفولته وحتى الآن، إلا أنه وفق في توظيف الشخصية وملئها بالشحنات التعبيرية القادرة على تعويض اللحظات الطفولية المغيبة في سيناريو الصورة·

''التحليل الواقعي للمكان''

الحزام الناسف الذي نطوق به أجسادنا يجعلنا نعيش الحياة بشكل مضاعف، إنه يجعلنا نتلمس حياتنا كما نتلمس جلودنا، فالموت انتحارا مرهون بالغيبيات والغموض، وبموت الآخرين الذين لا نعرف عنهم شيئا سوى أنهم كائنات بشرية مثلنا تضج بالحب والحياة والحلم''·

يمكن لهذا المدخل الذي افترضناه هنا أن يكون تشخيصا لرأي ''خالد'' ولصوت العقل والضمير الذي جعله يتراجع عن عمليته الانتحارية، ويحاول جاهدا إقناع صديقه ''سعيد'' أيضا للاستماع لهذا الصوت الآخر الذي شكّل انعطافة في مسار الفيلم، ورافقه حتى نهايته الغامضة والمفتوحة على عدة تأويلات·

لم تظهر شخصية ''خالد'' في الفيلم بذات التركيبة المعقدة التي ظهر عليها ''سعيد''، لذلك فإن غضبه الكبير كان مصدره خارجيا ومعبرا عن حالة النبذ والتهميش واللاجدوى في التغيير، كما أن ''خالد'' خصوصا كان ميالا للوضوح في تعامله مع فكرة الانتحار وكان أكثر إحساسا بتبعات هذه الفكرة، حيث رأيناه في أحد المشاهد الحوارية وهو يدافع عن عائلات المتعاونين مع إسرائيل، لأنه لا يحق إدانتهم وتجريمهم ومعاقبتهم لذنب لم يرتكبوه بشكل مباشر وفعلي·

لا شك أن فيلم مثل ''الجنة الآن'' رغم معالجته لموضوع العمليات الانتحارية بطرح مختلف وبأسلوب موضوعي وأيديولوجي مغاير، إلا أنه لم يخل أيضا من الإخلاص الفني للصورة السينمائية ولقدراتها الخاصة في نقل الانفعالات المبثوثة في السيناريو المكتوب، وترجمة الحالات العامة من خلال تكثيفها واختزالها في حوادث وظروف إنسانية بالغة الخصوصية، ومنتمية للبحث فيما وراء الظاهر لتحليل وتشريح والمطمور في القصص الفردية لأناس عاديين ومسالمين، ولكنهم يحملون في دواخلهم أسئلة متفجرة وأحاسيس أشبه بالندوب العميقة وبالشظايا المنفلتة في الروح·

في إحدى أجمل لقطات الفيلم وأكثرها عمقها وصدمة ''وهي لقطة النهاية بالذات''، يقوم المخرج بتصوير الملامح الباردة جدا لسعيد وهو جالس على مقعده في الحافلة وسط الجنود الإسرائيليين وفي قلب تل أبيب، ثم يقوم تدريجيا بتقريب اللقطة على وجه سعيد حتى يصل بتركيز كامل وبلقطة شاملة على العينين، تستمر اللقطة بهدوء مُحفّز ومُعذّب وخطر، فلا شيء يمكن توقعه في هذه اللحظة، وفجأة تتحول الشاشة إلى اللون الأبيض الكامل، ولك أن تفسر دلالات هذا اللون، ما بين التعبير عن الهدنة والسلام ونبذ العنف، وما بين الانفجار الكبير والموت والجثامين النائمة في أكفانها !

الإتحاد الإماراتية في

24.12.2005

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)