تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

متتاليات وسباعيات وفصول اجتماعية حارة:

الموجة الدرامية الجديدة في سورية

انور بدر

انطلقت التحضيرات وعمليات التصوير لمسلسلات المائدة الرمضانية مُبكرا هذا العام، إذ من المتوقع أن يُطالعنا شهر رمضان في أواخر الصيف، وعلى الوجه التقريب في الأيام العشرة الأخيرة من شهر آب (اغسطس).

أمّا عن أبرز هذه التحضيرات فقد ترددت أصداء عن استمرار صراعات الباب السوري الشهير 'باب الحارة' في سبيل إتمام الجزء الرابع الموعود منه، على الرغم من كل الخسائر التي مُني بها، ونذكر من أبرزها خسارة قائده الفذ عباس النوري 'أبو عصام' مع بداية الجزء الثالث من جهة، وما وقع من مناوشات بين المخرج 'بسّام الملا' وكاتب العمل 'مروان قاووق' حول حقوق ملكية العمل من جهة ثانية.. وقد انتهى المطاف إلى انسحاب الكاتب الذي خط بتوقيعه الأجزاء الثلاثة الماضية، لكن ما لبث أن ترددت إثرها أخبار عن مصالحة إسعافية بين الطرفين بفضل الممثل 'وفيق الزعيم' المعروف بشخصية 'أبو حاتم' في المسلسل، أو عن إمكانية تصدي هذا الأخير لكتابة نص الجزء الرابع، وأيّاً كان ما يحدث خلف الكواليس يبدو أن العمل لم يكسب من هذه المشاكل إلا ضجيجاً إعلامياً...

كذلك كشف كل من مخرج 'أهل الراية' الفنان 'علاء الدين كوكش' وكاتب السيناريو 'أحمد حامد' عن بدء التصوير في الجزء الثاني من المسلسل، الذي لم تبح نهايته بحاجتها الماسة إلى تتمة، وعليه يبدو أنّ عشق الجماهير السورية والعربية للحسناء 'تاج حيدر' والفارس الشهم 'قصي خولي' دفع بأصحاب العمل إلى استكمال مسيرة الثنائي، بعد زواجهما في نهاية الجزء الأول. كما وقد أعلن المخرج الشاب 'الليث حجو' عن تحضيراته لتصوير الجزء الثالث من مسلسله الاجتماعي 'أهل الغرام'، بمشاركة كل من 'قصي خولي' و'سوسن ميخائيل' وآخرون... أمّا 'الضيعة الضايعة' فيبدو أنها قد خرجت من سباقات هذا العام محتفظة بمجدها القديم، إذ لم تظهر أية مؤشرات على إمكانية إتباعها بجزء ثانٍ كما تردد بعد الموجة الشعبية التي حققتها في العرض الماضي والتي أبدى الممثل نضال سيجري تخوفه من إضاعتها... وعليه يكون 'أهل الغرام' الذي يتناول ما يتعرّض إليه الشارع السوري من إشكالات اجتماعية معاصرة، المنافس الوحيد لموجة البيئة الشامية...

ترسم سلسلة الأجزاء هذه تحوّلاً في الثقافة التلفزيونية لمشاهدنا السوري ـ إن صحّ التعبير ـ والذي تعرّض في السنوات العشر الأخيرة على وجه التقريب إلى مجموعة مسلسلات اثبت من خلال متابعته لها نهماً للخيال وعطشاً للهروب من واقعه، إمّا باتجاه حكايات الحب والمنازل الفخمة التي تسكن أرجاءها آمال الشباب التركي، كما تابعها مشاهدونا في مسلسل مثل 'مهند ونور' استمر لأكثر من مئة وخمسين حلقة. وهو ما أعادنا إلى أيام الفاتنة المكسيكية 'كساندرا' التي فرغت الشوارع لأجل متابعتها طوال أشهر كذلك..، ويبدو أن موجة المسلسلات التركية المدبلجة مستمرة هذا العام بقوة أكبر، بل تجري استعدادات لرفدها بمسلسلات يونانية أيضا، فالخلاف التركي اليوناني لايقتصرعلى جزيرة قبرص بل يمكن أن يمتد إلى حصة كل منهما من الأثير العربي، لكن السؤال مادام جمهورنا بهذا التوق للمطولات الدرامية.. فلماذا نستحضر له من الجيران ولا نصنع له ما يرضيه..؟ ويبدو أن أحد أولاد الحلال في السوق الدرامية أعلن من باب النكتة طبعا أنه يفكر جديا بدبلجة أعمال سورية !!

نوستالجيا مرضية

المشكلة ليست في الحالة السلبية التي تعكسها مثل هكذا أنماط من المتابعة البليدة، بل هذا جزء من المشكلة يرتبط بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تحكم المواطن السوري وتمثل أزماته المتتالية، في حين أنّ الجزء الثاني من المشكلة يكمن في ذائقة المتلقي العربي عموماً... إذ تذكرنا متتاليات هذه المسلسلات بالمسلسلات الأمريكية التي تقوم على نظام المواسم، ونذكر منها 'فريندز' الذي استمر لأكثر من عشرة مواسم متتالية، أو 'الجنس والمدينة' الذي استمر لفترة مشابهة، حيث يُمثل الموسم عاماً كاملاً.. لكن المفارقة في العوالم التي تطرحها كل من هذه المسلسلات، ففي حين تحاول المسلسلات الأمريكية اكتساب شعبيتها والتفوّق على منافسيها من خلال قوّة معالجتها وطرحها وحتى خياراتها للقضايا الاجتماعية المعاصرة التي تعني وتشغل المواطن الأمريكي، نرى في مسلسلاتنا عودة بائسة إلى ماضٍ يتم تصويره بطرق مشوهة، إمّا لتجميله أو لضمان أفضليته على الواقع المعاصر، والأفضلية من زاوية (النوستالجيا) المرضية التي تعيد إنتاج صورة باهتة على أنها أفضل ما كان، أو على اعتبارها نقطة الذروة وكل ما يأتي بعدها يأتي انحداراً عنها..

طفرة بعد غياب

بعيداً عن هوى المتتاليات التي تجاوزت حلقاتها المئة لهذه المسلسلات لاحت في الأفق علائم عودة ظاهرة قديمة، ألا وهي 'السباعيات' التي عرفها التلفزيون السوري سابقاً ولكن بشكل قليل. اليوم يبدو أنها تعود وبقوة، خاصة إن تمّ عرضها في رمضان، إذ ستشكل علامة جديدة في مائدتنا الرمضانية، التي لطالما اعتادت نظام الثلاثين حلقة لتغطي أيام الشهر.. فقد أعلن 'ناجي طعمة' المضي في مشروعه لإخراج سباعية 'للعدالة وجوه كثيرة'، أمّا شركة 'روتانا' وفي تعاون مع مجموعة كتاب من أكثر من دولة عربية، فقد اختارت المخرج 'أسامة الحمد' لإخراج أربع سباعيات لم يتم الكشف عن عناوينها أو مواضيعها... من جهة ثانية وفي أوّل تعاون مشترك بين الممثل والمخرج الشاب 'سيف الشيخ نجيب' مع زوجته الكاتبة 'لُبنى مشلح'، انتهى تصوير سباعية 'حياة أخرى' بمشاركة مجموعة من نجوم الدراما السورية نذكر منهم الفنانة القديرة 'منى واصف'، والفنانة 'قمر خلف' التي انتهت كذلك من تصوير دورها في سباعية 'للعدالة وجوه كثيرة'...كما يجري حالياً تصوير سباعية 'قمر أيلول' من تأليف محمود عبد الكريم وإخراج علي شاهين...

المفاجئ في سباعيات الموسم القادم حالة 'الطفرة' التي تأتينا بها بعد طول غياب، كتنويع على رمضانية حال السوق الدرامية التي لعلها أرهقت بعض مشاهديها بحلقاتها الثلاثين... ولعلنا في حال نجاحها سنتابع المزيد منها خلال المواسم الرمضانية القادمة.. إذ أنّ فرصتها الحقيقة لخلق مساحة تميّز تكمن في قدرة كاتبها على معالجة موضوعه خلال سبع حلقات، مقارنةً بالمعالجة التي تستمر لثلاثين حلقة.. فهي في غالبيتها تتطرق إلى قضايا اجتماعية وشبابية معاصرة، وهي قضايا سيتابع المشاهد السوري تلاوين متعددة لها مع أكثر من عمل اجتماعي.. إذ يحاول مسلسل 'شتاء ساخن' من إخراج 'فراس دهني' وإنتاج شركة 'بانة' للسيناريست 'فؤاد حميرة' تسليط الضوء على بعض من ظواهر انحراف الشباب مع التصدي إلى الأسباب التي تؤدي إلى جنوحهم هذا.. وهنا نتساءل عن المعايير التي سيفرضها كاتب السيناريو للخط المستقيم والخط المائل... وهو الكاتب الذي يذكره المشاهدون في عمله الجريء 'غزلان في غابة الذئاب' حين حاول التعرّف على بعض نزيلات مشفى الأمراض النفسية والعقلية وما يتعرضّن له من تحرشات واعتداءات وحتى نبذ اجتماعي عام.. وإن كن قد دخلن إليه ظلماً من قبل احد المستفيدين... ومن أهم الأسماء التي تردد خبر مشاركتها في هذا العمل نقرأ نخبة من أهم نجوم الشاشة السورية أمثال 'عباس النوري'، 'باسم ياخور'، 'فادي صبيح' وسواهم..

من جهة ثانية، وفي خطوة تبدو جريئة، أقله من حيث اختيار الموضوع، فقد انطلق المخرج مروان بركات في تصوير مسلسل 'سحابة صيف' من تأليف 'إيمان العبد'، الذي يحاول الكشف عن الانعكاسات النفسية والاجتماعية التي خلفها لجوء العراقيين إلى سورية في كلا الطرفين، عبر شبكة علاقات هذه الأطراف مع بعضها، ويؤدي الأدوار فيه كل من 'بسام كوسا'، 'سلوم حداد'، 'سمر سامي، 'ريم علي' وآخرون.. كذلك يُشارك الفنان 'سلوم حداد' في دراما 'قلوب صغيرة'، التي تحاول من جهتها التطرّق إلى قضايا ساخنة تخص النساء وما يتعرّضنّ إليه من عنف عبر التجربة الأولى لكاتبة السيناريو 'ديما فليحان'، ومن إخراج' عمار رضوان'، وتشاركه البطولة كل من 'يارا صبري'، 'كاريس بشار'، وآخرون...

المدينة الفاضلة

تشي هذه التحضيرات بمواضيع حارة في تماسها مع واقع الشارع السوري، وخاصة مع مسلسل من طراز 'قلوب صغيرة' إذ لا بُد أنّ يضع المشاهد السوري في حالة مقارنة بين نسائه والصورة المُجملة بالسيليكون لسيدات مسلسلات البيئة الشامية، أو مسلسل 'سحابة الصيف' الذي يعرض للبلد التي فتحت أبوابها لجيرانها، ولم تقبع خائفة على دررها الثمينة متوهمةً ومصورةً لجمهورها أنّ كل شر يأتيها من الخارج كما في الحارة مغلقة الباب طوال ثلاثة أجزاء... مقارنة من هذا القبيل ستحدد حقاً ذائقة المتلقي السوري، ومدى تخوفه من واقعه وحلمه في باب يُغلق عليه ويحميه، حلمه في أمانٍ مفقود... وهنا سنجد أنفسنا فريسة شركات الإنتاج ربحية القوام، والتي ستسمر في التسويق لمنتجها السرابي، عبر أجزاء متتالية من صور المدينة الفاضلة بـ (عكيدها) الحامي الشجاع، وشوارب رجالاتها القبضايات، وثرثرات نسائها الممجوجة، ونظامها الاقتصادي والاجتماعي المتخلف عن مقاييس ما عرفته معظم نساء دمشق في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي الفترة المُفترض أنّ مسلسل 'باب الحارة' يتصدى للحديث عنها، وتوثيق صورتها في مخيلة الجيل الجديد، الذي أخذ في تمثل ملابس (العكيد) من جهة، وحمل سيفه من جهة ثانية، وعصا الشاب 'معتز' من جهة ثالثة... وهكذا دواليك.. لنجد أنفسنا نغرق أكثر في مشاكلنا اليومية ونهرب أكثر منها إلى حبوب (المورفين) رخيصة الثمن هذه، في انتظار حل يأتينا من السماء أو الفضاء أو من باطن علمه كما يُقال يُنقذنا من أزماتنا الشخصية في مختلف الصُعد..

كاتب من سوري

القدس العربي في

26/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)