تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

فيلم “ حياة ما بعد السقوط “

من تمزق الوعي الى تمزق الهوية

صلاح حسن

كان يمكن لفيلم المخرج العراقي قاسم عبد « حياة ما بعد السقوط « الذي استغرق عرضه أكثر من ساعتين ونصف إن يستمر إلى ما لا نهاية طالما بقيت الأوضاع في العراق وفي بغداد بالتحديد على حالها الذي يتحسن قليلا ويسوء أحيانا كثيرة . لقد استغرق العمل في الفيلم أربع سنوات بدءا من لحظة سقوط بغداد وصنمها عام 2003 وحتى سنة 2007 بعد إن يئس الناس والمخرج واحد منهم من تحسن الأمن في البلاد التي تتناهبها نيران قوى داخلية وخارجية . حسنا فعل المخرج قاسم عبد حين اختار عائلته الكبيرة كي تكون مادة الفيلم لأسباب كثيرة أولها إن هذه العائلة تضم ثلاثة أجيال ، الأب وألام والأبناء وأبناء الأبناء، وثانيها إن هذه العائلة الكبيرة مختلطة من الطائفتين الشيعية والسنية ، وثالثها إن بعض أفراد هذه العائلة كان مع التغيير الذي حصل والبعض الأخر ضد التغيير . نحن هنا إذن أمام عراق مصغر وهو وضع مثالي لصناعة فيلم وثائقي عما جرى في العراق .

بدا واضحا منذ البداية إن القسم الأكبر من هذه العائلة كان مع التغيير لان الكثير من أفرادها كانت لهم تجارب مريرة مع النظام السابق ، سيقومون برواية تفاصيلها على انفراد لان تجاربهم مختلفة . الأخ الأكبر للمخرج  وهو موظف في المطار تحدث عن تجربته مع المخابرات العراقية السابقة بعد هروب أخيه الشيوعي خارج العراق « المخرج نفسه قاسم عبد « والمضايقات الكثيرة التي تعرض لها طوال حياته  حيث كان يتحتم عليه إن يدلي بمعلومات عن أخيه الهارب بين فترة وأخرى . لذلك بدا هذا الرجل ذو الشعر الأبيض فرحا للغاية بعد زوال الكابوس ، لكنه يستدرك في مشهد أخر ويقول إن النظام المقبور سمم حياتنا كلها وما يجري ألان يسمم حياة أبنائنا . سنوات الحصار الطاحنة علمت العراقيين إن يصنعوا كل شيء بأيديهم وكان هذا الرجل احد اكبر الأمثلة على ذلك . فهو تعلم كيف يصلح سيارته إذا تعطلت وتعلم أيضا إن يعالج الأعطال التي تحدث في الأدوات الكهربائية ، كما يمكنه إن يقوم بأعمال البناء وهي خبرة هائلة لن تتوفر لكل شخص .

الأم بحضورها الطاغي لكن الصامت روت حكاية قصيرة مفارقة عن الفلاح الذي استأجرته ليقص عشب الحديقة المهملة ، بعد إن أحضرت له ماكينة قص العشب ينتهز فرصة ذهابها إلى المطبخ ليهرب بالماكينة إلى غير رجعة . الأب كبير العائلة لم يظهر سوى مرة واحدة لأنه كان ممدا على فراش الموت بسبب الشيخوخة وسوف يرينا الفيلم في أثناء موت الأب الطقوس التي سترافق مراسيم الدفن مع طقوس أخرى كانت ممنوعة في السابق مثل الزيارة الحسينية . هذه الطقوس يمارسها الشيعة بالسير على الأقدام من بيوتهم إلى مرقد الإمام الحسين (ع) في مدينة كربلاء مهما كانت المسافة بعيدة . من لا يستطيع إن يقوم بذلك فبإمكانه إن يقدم الطعام للماشين في هذه المسيرات المليونية . الأخت الكبرى وهي موظفة وتمارس حياتها بشكل طبيعي لكنها في موسم عاشوراء ترتدي الملابس السود مع الحجاب وتقوم بطبخ طعام كثير وتوزعه على الجيران كما يفعل الكثير من العراقيين . في الوقت نفسه تقوم بعمل « المازة « لزوجها السني وأخوتها الذين يشربون الخمرة في حديقة الدار دون أدنى مشكلة .

الانتماء الطائفي لم يناقش في الفيلم لأنه مسألة محسومة منذ مئات السنين بالنسبة للعراقيين لكن الطائفية ظهرت مع ظهور الديكتاتور وبعد الاحتلال كادت تقضي على العراق الذي لم يصادف مثل هذه المشكلة طوال تاريخه الذي يمتد إلى ستة آلاف سنة. في أثناء المشاهد كان هناك شخص يظهر في الملاك ولكنه كان يتجنب النظر إلى الكاميرا ، هذا الرجل هو الأخ الأصغر في العائلة وسوف يلاقي مصيرا مؤلما للغاية لأنه غير طائفته وتحول من مذهبه الشيعي إلى المذهب السني . يخطف هذا الشاب من مكان عمله ويقتل في ما بعد وسوف يجد إخوته الجثة في مشرحة بغداد.

ظاهرة تمزق الوعي عند الفرد العراقي لم تكن وليدة اليوم ولكنها تحولت الان بعد خمس سنوات من الاحتلال والاحتراب الطائفي من ظاهرة تمزق الوعي إلى تمزق الهوية التي كادت تشعل حربا أهلية تحرق المنطقة برمتها . الأخ الأوسط روى كيف ظل يبحث عن أخيه المغدور وكيف وجده في المشرحة ولكنه لم يناقش لا هو ولا العائلة هذا التحول المخيف الذي طرأ على نفسية أفرادها ، ربما يكون ذلك بسبب اعتياد العراقيين على ظاهرة الخطف والقتل اليومي التي لم تكن معروفة في هذا البلد .؟

يمنح الفيلم الكثير من الوقت للجيل الجديد الذي تحمل مع الجيلين السابقين جميع الكوارث التي مرت على العراق لكن وطأتها على هذا الجيل كانت قاسية إلى درجة فقد معها الأمل . تتحدث شابتان من العائلة ذاتها عن الفرح الغامر الذي شمل العراقيين بسقوط الديكتاتور والفرص الجديدة التي ستأتي بعراق حر ديمقراطي يحقق جميع الأحلام المؤجلة . لكن الفتاتين وبعد مشاهد قليلة من الفيلم يظهرن خيبة أملهن الكبيرة بالتطورات الدرامية التي ستحول البلد إلى محرقة هائلة تجرف كل الآمال التي كن ينتظرنها من الحياة الجديدة . فاطمة التي تخرجت في كلية الهندسة منذ سنوات لن تجد مكانا للعمل في أية دائرة حكومية لأنها كانت تطالب دائما بإحضار ورقة من احد الأحزاب المشاركة في الحكم . ولأنها غير منتمية ولا تريد إن تنتمي إلى هذه الفوضى تقرر البقاء في البيت حتى إشعار آخر ، لكن السؤال الذي تطرحه هو متى تتغير هذه الأوضاع الشاذة؟.

الأخت الأخرى وهي مصممة أزياء تخيط أزياءها الجديدة والمبتكرة خصيصا للمرأة العراقية الجديدة على ضوء الفانوس تتحدث بحرقة عن آمالها التي تحطمت بعد ما حصل للمرأة العراقية التي بدأت تتعرض للخطف والاغتصاب وفرض الحجاب .

في يوم الانتخابات وهو يوم حاسم في حياة العراقيين المتطلعين إلى فجر جديد يظهر الفيلم الانقسام العائلي بين مؤيد يتهيأ منذ الصباح الباكر للإدلاء برأيه ومعارض لا يريد مغادرة الفراش لأنه لا يريد إن يشارك بانتخاب أشباح لا يعرف عنهم شيئا . الأخ الأكبر الذي عانى فترة طويلة من ضغوط أزلام النظام السابق يحث نسيبه الصحفي السني للمشاركة لكنه يرد عليه بقوله « تقولون أنها انتخابات ديمقراطية وانا باسم هذه الديمقراطية لا أريد إن أشارك في الانتخابات»!.

نجحت كاميرا قاسم عبد المصور أولا والمخرج ثانيا في نقل أجواء الحياة في بغداد بكل تقلباتها وتجهمها من خلال الألوان النقية الصافية وتلك الانتقالات المدروسة بعناية بين الظل والضوء خصوصا في المشاهد الخارجية . لقد كانت الصورة في بعض المشاهد أكثر تعبيرا من الكلام أو الحوار ، ولو قام المخرج بحذف بعض الحوارات لما اثر ذلك في الفيلم خصوصا وان جميع الشخوص الذين شاركوا في الفيلم تحدثوا وتحركوا أمام الكاميرا بطريقة عفوية للغاية . هذه التلقائية ساهمت إلى حد كبير في تخليص الفيلم من الملل والتكرار .

المدى العراقية في

23/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)