تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

السينما البريطانية من لين الى بويل

سنونوة واحدة تكفي أحياناً لصنع الربيع

هوفيك حبشيان

الخبر يستحق التحية: السينما الإنكليزية تجدد شبابها. فيلم واحد او اثنان يكفيان أحياناً للإنطلاق من الصفر. سنونة واحدة تكفي. لهذه السينما تاريخ مجيد القينا نظرة على فصول منه من خلال مشاهدة نحو من 40 فيلماً بريطانياً في الدورة الأخيرة من مهرجان مراكش السينمائي الذي خصص استعادة كبيرة للسينما البريطانية. لكن مشكلة هذه السينما أنها ارتبطت بشكل وثيق بنظيرتها الأميركية. اللغة الناطقة بها فرضت عليها ان تبقى في ركاب هوليوود أحياناً. عدد لا بأس به من السينمائيين الانكليز عملوا في الولايات المتحدة، و"تأمركوا" حدّ أن كثراً نسوا انهم من القارة القديمة.

لطالما تصدرت قضية البيئة والمجتمع والهاجس السوسيولوجي قائمة اهتمامات السينمائيين الانكليز. جراء هذا نتجت سينما مهمومة: "لوّ" لليندساي أندرسون، الخ. في ثمانينات القرن الفائت وتسعيناته برزت طائفة من السينمائيين قامت عليها السينما البريطانية الجديدة، من هؤلاء كين لوتش وستيفن فريرز ومايك لي. على مرّ العقدين الأخيرين، سطع نجم هؤلاء في أهم المهرجانات الدولية. تفاوتت النوعية، صعوداً وهبوطاً، لكن هؤلاء ظلّوا صنّاعاً لسينما مؤلف، بريطانية، قائمة في ذاتها، ولا تحتاج الى اميركا لتكون. الى جانب هؤلاء، كان هناك أيضاً سينمائيون قامت اعمالهم على شيء من الابتكار البريتيش: بيتر غرينواي، تيرينس ديفيس، ريتشارد اير وكينيث برانا، والأخيران تميزا بنقلهما التراث المسرحي البريطاني مقتبسين رمزه الأكبر وليم شكسبير. لهؤلاء أيضاً "أسياد" معلمون قامت السينما البريطانية الكبيرة على أكتافهم: العظيم جون بورمان الذي منح الفن السابع في بلاده على الأقل 3 أو 4 أفلام دخلت التاريخ. وأيضاً كين راسل وبيتر واتكينز وديريك جاكمان.

 واذا كانت هجرة الأدمغة السينمائية تحصل دائماً من انكلترا الى اميركا (شابلن، هيتشكوك...)، فآخرون، من الأميركيين هذه المرة، قرروا إغناء المتحف البريطاني بكنوز سينمائية، لأنهم، في مجمل الأحوال، كانوا مضطرين الى ذلك، مثلما كانت الحال مع جوزف لوزي الذي أدرج اسمه على لائحة المكارثية، أو ستانلي كوبريك الذي اختار الانزواء في منارة في ضواحي لندن، تاركاً الأمجاد الهوليوودية. هناك أميركي ثالث "اعتنق" الثقافة البريتيش هو جيمس أيفوري الذي لا يزال بعضهم يعتقد أنه انكليزيّ، فيما هو في الواقع أميركي.

وكانت لـ"المحطة الرابعة" البريطانية الرائدة يد طولى في دفع أجيال من السينمائيين الانكليز الى الأمام. ساندتهم واقتنعت بموهبتهم وهم لم يخيبوا الأمال التي انعقدت عليهم. وإذا كانت السينما الأميركية قد وهبت حليفها السينمائي الأول في العالم، الكثير الكثير، فأنها ايضاً نهبت منه الكثير الكثير. عدد كبير من الأفلام التي توزعها شركات أميركية كبرى في انحاء العالم هي انكليزية الصنع واميركية الصيت، اذا صح التعبير. بعض من هذه الأفلام يسعفها واقع أنها ناطقة بلكنة انكليزية واضحة، ما يجعل معرفة هويتها أكثر سهولة. لكن هذا لا يشمل كل الأفلام.

أما النجوم الانكليز، فشأنهم شأن سينماهم، ينصهرون كيفما تيسر. ومن هو فارغ البال من الجمهور الذي يريد التأكد من جنسية كيرا نايتلي أو دانيال كريغ؟ فهما بالنسبة الى الجمهور يتكلمان الانكليزية، وهذا يكفي لتصنيفهما ضمن السينما الأميركية. مَن من الانكليز بقي على مسافة من هوليوود، وظل بريتيش حتى العضم، لم توضع في تصرفه التسهيلات التي حظي بها اقرانه، وخصوصاً الشق المتعلق بالتوزيع. ففي لبنان مثلاً، متى شاهدنا للمرة الأخيرة فيلماً لمايك لي أو كين لوتش، وهذا الأخير لولا عشوائية الواقع التوزيعي في بيروت، لما كان عُرض له قط فيلمه ما قبل الأخير "الرياح التي تهز الشعير".

على رغم هذا، فالسينما البريطانية أكدت وجود تشعب كبير في استنباط الواقع مع ميل واضح الى صراع الطبقات، وأزمة الكادحين من الناس، واعتزمت أيضاً ان تكون سينما متنوعة من حيث التحرش بالـ"جانرات" السينمائية، جميعها بلا استثناء، مع ميل واضح هنا أيضاً، الى أفلام الحقبات التاريخية او ما يعرف بـ"الفيلم بالملابس"، والملاحم التي تخصص فيها الانكليز. وأول من يتبادر الى الذهن عندما نذكر هذه الأعمال التي تعود بالزمن الى حقبات سابقة من الاستعمار البريطاني، هو المعلم الكبير ديفيد لين، الذي احتفى العالم السنة الماضية بمئوية ولادته. "لورنس العرب"، "إبنة راين"، "دكتور جيفاغو"، "جسر على نهر الكواي"، كلها محطات كبرى في تاريخ السينما الانكليزية، لكن لين استغل جيداً هويته البريتيش، وكذلك ثقافته والـsavoir faire الخاص به. هذا الإبن للبورجوازية البريطانية، أنجز افلاماً ضخمة لم يستطع احد تقليدها، وإن فعل جاءت النتيجة على شاكلة "أوستراليا" لباز لورمان، جيدة لكن غير صافية، وهجينة. أما طوني ريتشاردسون وريتشارد أتنبورو، فلم ترتقي أفلامهما الملحمية التاريخية الى عظمة لين لأسباب فنية كثيرة.

الحكايات الانكليزية جذبت إهتمام سينمائيين اجانب أيضاً، هذه المرة من أصول آسيوية من مثل الصيني آنغ لي ("عقل وأحاسيس"، أفلمة لرواية جاين اوستن) والعمل التجسيدي الدقيق الذي أتمه المخرج الهندي الأصل والانكليزي الجنسية شيخار كابور عن الملكة اليزابيت.

وظهر في التسعينات مخرج ذو موهبة كبيرة يدعى انطوني مينغيلا ("المريض الانكليزي")،  قادر على ان يحمل شعلة لين، لكنه للأسف رحل مبكراً. علاوة على فريرز، من الجيل الأسبق، والذي يعود ليخترق بين الفينة والفينة "الفيلم بالملابس" (شاهدنا له في برلين "شيري" اقتباس لكوليت)، يبدو جو رايت، صاحب "تكفير"، الأكثر كفاءة على تلميع وجه سينما الحقبة التي تشكل مصدر اعتزاز للانكليز. لبريطانيا ايضاً إرث كبير في مجال الوثائقي، علماً أن بعض الأفلام أسقطت الحدّ الفاصل بين الوثائقي والروائي. ونتج منه عملان كبيران في السنوات الأخيرة، أولها "سبت أسود" لبول غرينغراس، وثانيها رائعة ستيف ماكوين "جوع"، والفيلم ليس الاّ باكورة هذا الفنان التشكيلي الفظيع، على رغم انه لا يبدي تحمساً كبيراً للسينما.

ما هي هذه السنونوة التي تأتي الى السينما البريطانية بالربيع؟ انه "المليونير المتشرد" لداني بويل الذي تحول ظاهرة إجتماعية وبات على كل لسان في الهند، حيث أثار حفيظة البعض، وفي الولايات المتحدة حيث ترشح الى 10 جوائز اوسكار. جان ــ بيار جونيه كان قد "تمرد" على السينما الفرنسية قبل نحو 10 سنين مع "اميلي بولان". اليوم، يأتي بويل، صاحب "تراينسبوتينغ" و"الشاطئ" ليروي قصة فتى الأحياء الفقيرة والبائسة في مومباي الذي يصير بقدرة قادرة مليونيرا بعد مشاركته في النسخة الهندية لبرنامج "من سيربح المليون؟".

يمس الفيلم طبقات مختلفة من المجتمع لأنه صادق وفيه لغة كونية وقدر قليل من المسايرة لكليشيهات هوليوود المعتادة، بل يمكن قراءته كمحاكاة للسينما البوليوودية. وحده من يملك جنون بويل كان في إمكانه ان يفكر فيه. حقق الفيلم أعلى النجاحات البريطانية سواء على شباك التذاكر او في معركة الجوائز والمعمعة المرافقة لها، علماً أن أسلاف بويل، وفي مقدمهم فريرز، كانوا قد وصفوا أوساط المهاجرين من تلك المنطقة. ونتذكر منها "غسالتي الكهربائية الجميلة". لكن أي طقس سينمائي سيهيمن في سماء السينما البريطانية غداة هذه الظاهرة السينمائية؟ هل تذهب، من الآن وصاعداً، كاميرات المخرجين الانكليز الى باكستان وأفغانستان والعراق مأخوذة بتجربة بويل؟ اياً يكن، ثمة فجر جديد أمام السينما البريطانية، وولادة ثانية تلوح في الأفق، لا تزال ملامحها غير واضحة...       

(hauvick.habechian@annahar.com.lb)

 

 

ريدغرايف عائلة بريطانية عريقة تورث السينما والفن

ريدغرايف اسمٌ معروف في المسرح والسينما الانكليزيين. علماً ان هذه السلالة بلغت شهرة عالمية بفضل مايكل ريدغرايف الذي ظهر للمرة الاولى عام 1938، في فيلم "امرأة تختفي" لألفرد هيتشكوك. وكانت زوجته راشيل كامسون ممثلة مسرحية كبيرة، ظهرت ايضاً في عدد من الأفلام. اولادهما فانيسا ولين وكورين تبعوا خطاهما. فجميعهم ناشطون في المسرح ولهم مسيرة سينمائية غنيّة جداً. كان مايكل ريدغرايف ممثلاً ومخرجاً وكاتباً، ظهر في عدد هائل من المسرحيات والافلام. وكان يُختار خصيصاً للادوار المشحونة بالعواطف، والتي تتطلب التركيز الشديد. اشهر ادواره كان في "ليل الاموات" عندما ادّى شخصية متكلّم يبدو صوته المعذّب خارجاً من بطنه. بعدئذٍ، راح يؤدي شخصيات مختلفة بسهولة، في وقت كان معظم مجايليه من النجوم يجرّبون حظّهم. في منتصف اربعينات القرن المنصرم، عبثاً حاول ان ينطلق ممثلاً في هوليوود، لكنه نجح في الظهور في بعض الافلام الاميركية مثل "الاميركي الهادئ" قبل ان يخطفه القدر عام 1985. ابنه كورين ممثل معروف كذلك. اسس عام 1994 مع شقيقته فانيسا فرقة "المسرح الجوال"، وأنتجا أعمالاً قاما بإخراجها والتمثيل فيها. ظهر كورين في افلام عدة اهمها "الحب المعذب" و"اربعة اعراس وجنازة"، وهو ناشط سياسي ضد احتجاز الارهابيين المشتبه فيهم في بريطانيا، وكذلك ضد قاعدة "غوانتانامو" الاميركية في كوبا. اسس مع شقيقته حزباً سياسياً اسمه "سلام وتقدّم" للدفاع عن حقوق الانسان. وتعرّض كورين لنوبة قلبية، في عمر يناهز الـ65، خلال اجتماع عن حقوق المسافرين، او الذين انتقلوا من بلدة الى اخرى في بريطانيا ويعيشون في مخيّمات. اما ابنته جيما فهي كذلك ممثلة.

على خطى والديها وشقيقتها الكبرى، ظهرت لين ريدغرايف في مسرحيات وافلام عدة مثل "جورجي غيرل" و"الله والوحوش". عاشت بضع سنوات في الولايات المتحدة حيث ظهرت في التلفزيون في ادوار كوميدية ومثّلت كذلك في افلام اكثر جدية. بعد تخرجها في "معهد لندن المركزي"، ظهرت على خشبة المسرح في لندن. ثم دعيت للانضمام الى المسرح الوطني للموسم الافتتاحي لمسرح "اولد فيك"، وسنحت لها الفرصة للعمل مع مخرجين كبار مثل غاسكيل وديكستر وزيفيريللي. في تلك الاثناء، اطلت في افلام عدة مثل "طوم جونز" و"الفتاة ذات العينين الخضراوين". لكن فرصتها الكبرى كانت في فيلم "جورجي غيرل"، عام 1996، وقد حازت عنه جائزة "غولدن غلوب" ورُشّحت لجائزة "اوسكار". وادّت فيه دور جورجي، فتاة خرقاء وطيبة القلب، لا تجيد الاهتمام بمظهرها، وتهرّج لكي تغطّي غيرتها من مغامرات رفيقتها في الغرفة. حقق الفيلم نجاحاً عالمياً، اذ عالج للمرة الاولى الثورة الجنسية في الستينات، مصوّراً العلاقات المعقدة بطريقة صريحة وعصرية جداً. وكان من الافلام الاوروبية التي اجتاحت الشاشات الاميركية.

ومع ان لين لم تظهر الا دقائق قليلة في فيلم "كينسي"، اعتبر النقاد ان دورها كان الجزء الاشد تأثيراً. تخبر انها عندما علمت ان المشهد يقع في نهاية الفيلم، شعرت بخيبة أمل، لأنه كان قصيراً جداً. ولكن عندما قرأت السيناريو كاملاً، تغيّرت نظرتها الى الدور واعتبرته شائقاًً. في مشهد مؤثر، في النهاية، تؤدي دور امرأة تتخلّص من شعورها بالذنب بسبب انجذابها الى امرأة اخرى. وقد رُشّحت لجائزة "اوسكار" لدورها الثانوي هذا. حبّها للتمثيل قوي جداً، اذ انها اصيبت عام 2002 بسرطان الثدي، لكنها لم تتوقّف عن العمل. تابعت الظهور على المسرح، طوال مدّة علاجها الكيميائي والاشعاعي. وقالت: "ان تجربتي مع مرض السرطان ساعدتني كثيراً على شتى الصعد. اذكر عندما كنت اقف على المسرح واقول في قرارة نفسي انني اخضع لعلاج من مرض يهدد حياتي، ولكني ما زلت هنا".

تزوّجت فانيسا ريدغرايف من المخرج طوني ريتشاردسون الذي توفي بالسيدا. واليوم، تمضي ابنتاهما ناتاشا وجولي ريتشاردسون في هذا التقليد العائلي، وابنهما كارلو نيرو قد اخرج فيلماً في الولايات المتحدة. هي اشهر افراد العائلة عالمياً ومعروفة بتعدد ادوارها وحضورها الانيق والمتحفظ الى حد ما. وقد ظهرت في مسارح لندن، وحضورها قوي أيضاً في الافلام السينمائية. كانت موضع جدال لدعمها قضايا يسارية متعددة، وبقيت لعقود من بين افضل الممثلات الانكليزيات. لا تزال تحصل على ادوار في السينما والتلفزيون في انحاء العالم، على رغم تقدّمها في السن، مضفية خبرتها الواسعة وثقتها، اللتين تعجز ممثلة شابة عن التحلي بهما. وهي تكرّس نفسها للمسرح والسينما والقضايا الاجتماعية التي ناضلت من اجلها وقتاً طويلاً، نضالاً جعلها، على مثال نظيرتها الاميركية جاين فوندا، اكثر الممثلات اثارةً للجدال في الحقبة الحديثة.

عام 1980، اختيرت لتأدية دور عازفة كمان يهودية يتم إدخالها الى مخيّم نازي وتؤمَر بمساعدة النساء، بموسيقاها، وهن في طريقهن الى غرف الغاز. وقد اعترض الكثيرون، ومنهم فانا فينيلون، مؤلفة الكتاب الذي اقتبست منه قصة الفيلم، على تأديتها دور امرأة يهودية، اذ انها مناهضة للحركة الصهيونية. وعلى رغم اثارتها الجدال في هذا الفيلم، حازت جائزة "ايمي" عن دورها هذا. ثم رُشّحت في السنوات التالية لجائزتي "اوسكار" لفيلمي "البوستونيون" و"نهاية هاورد". في تسعينات القرن المنصرم، استطاعت ان تصل الى هوليوود وظهرت في افلام كثيرة مثل "مهمة: مستحيلة". وكان مؤثراً دورها في "وايلد" بشخصية والدة الشاعر اوسكار وايلد التي كانت ايضاً كاتبة وشاعرة وانتقدت مؤيدي القومية الايرلندية.

عام 1968، لعبت دور البطولة في "ايزادورا"، الذي يروي سيرة حياة الراقصة الرائدة ايزادورا دانكن، حائزةً ترشيحا لجوائز الاوسكار وحاصدة جائزة افضل ممثلة في "مهرجان كانّ". شكل الفيلم اولى محاولات فانيسا في ابتكار شخصية مستقلة وصاحبة ارادة بارزة. خلال السبعينات، تابعت الظهور في افلام متنوعة، على رغم ان شخصياتها كانت تقريباً دائماً معقّدة ومثيرة للجدال. وبفضل ظهورها في الفيلم المأسوي "جوليا" (1977)، حازت جائزة "اوسكار" لافضل ممثلة ثانوية، وولدت الجدال لدى تسلّمها الجائزة، اذ استخدمت الحفل منبراً لحملتها اللامتناهية لتأييد حقوق الفلسطينيين في اسرائيل. ومع انها تابعت الظهور في افلام سياسية ووثائقية، مثل "الفلسطينيون"، عام 1977، فقد كلّفتها مواقفها ادواراً في المسرح والشاشة، واثّرت سلباً في شعبيتها، في الولايات المتحدة خصوصاً. وعندما كانت تصوّر فيلم "جوليا" في باريس، عام 1976، التقت فلسطينيين، اخبروها عن مخيم تل الزعتر في لبنان. فسافرت الى بيروت، واجرت مقابلات مختلفة ابرزها مع مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل ثم اتجهت الى جنوب لبنان. وقد اتُّهمت بأنها ارهابية لتعاطفها مع القضية الفلسطينية، حتى ان محطات التلفزيون التي عملت فيها كانت تتلقى تهديدات.

لا تزال فانيسا ريدغرايف في قمة نجاحها المهني، اذ ظهرت ايضاً في افلام عدة ابرزها "التعهّد" (2001) و"الحمى" (2004). وهي تتابع العمل في المجال الخيري. بنت عام 1973 حضانة للاولاد الفقراء في لندن ولم توقف جهودها في التقدم الاجتماعي. عام 1994، ظهرت في مسرحية في ساراييفو، تدور على الحياة في ظل الحصار. وقد اتّهمت روسيا علناً بأعمالها الوحشية في الشيشان. اظهرت في سيرة حياتها التي اصدرتها عام 1991، ذكاءها وموهبتها. ففيها تناقش مسرحيات شكسبير وابسين وتشيخوف بالعمق نفسه الذي تعالج فيه قضايا الحرب الأهلية في لبنان وحصار ساراييفو. الفن بالوراثة لدى آل ريدغرايف. فابنتا فانيسا، جولي وناتاشا، اللتان انجبتهما من زوجها طوني ريتشاردسون ممثلتان ايضاً. ظهرت جولي في عدد من الافلام مثل "شقيقتي"، الذي بيّنت فيه قدرتها على التطرق الى مواضيع صعبة، عندما ادّت دور خادمة تتورّط في علاقة حب مع شقيقتها، و"هولو ريد" الذي ادّت فيه دور والدة فتى يستغلّه صديقها. اما ناتاشا، فتأثرت بالنجوم والمسارح والملابس التي كانت في طفولتها. تبعت خطى والدتها وبدأت بالتمثيل في المسرح البريطاني، ومثلت في ادوار عدّة في مسارح لندن. ابرز افلامها السينمائية "غوتيك" و"نيل". 

 

خارج الكادر

أومبير بالسان، الرجل المستعجل

كان ذلك قبل أربع سنوات. رحيله المفاجئ الذي تسربت اصداؤه الى مهرجان برلين في 10 شباط 2005، ترك اثراً عميقاً عند اصدقائه الذين على رغم محبتهم له، لم يكونوا قد لاحظوا قط اعراض الاكتئاب التي اصابته منذ بعض الوقت. هذا المنتج كان يمول افلام اصدقائه المخرجين استناداً الى الحاسة والشغف. هاو تحديات مجنونة، قال عنه صديقه الناقد انه كان يهتم بإنتاج ما يتعذر انتاجه، وان اكبر الانجازات كانت تصغر في عينيه. لم تدق ساعة المنتج الفرنسي أومبير بالسان، وهو في الخمسين من العمر، ولم يستسلم للمشيئة العليا في وقت متأخر من عمره، بل ذهب طارقاً باب السماء وهو في الخمسين. بدا مستعجلاً في ان يتخذ من تلقاء نفسه قرار مغادرة هذا العالم الذي موّل تصويره في عدد من الافلام لمخرجين اصبحوا على مر الزمن رفاق دربه. من الراحل مارون بغدادي الى يوسف شاهين الذي دعمه منذ "وداعاً يا بونابرت" الى ايليا سليمان الذي اطلقه عالميا بعد فيلم "يد إلهية" الى رندا الشهال صباغ ويسري نصرالله، الذي بفضل جهوده تجسدت رؤيته للقضية الفلسطينية في "باب الشمس" لالياس خوري. ولد في اركاشون (جيروند) لعائلة ويندل الصناعية الكبرى، اسس بالسان شركة "اونيون بيكتشورز" بعدما سجل اولى خطواته في السينما ممثلاً في فيلم روبير بريسون "لانسلو دو لاك"، وعمل مع المخرج الفرنسي الكبير مساعداً في بضعة افلام ولا سيما "الشيطان على الارجح" الذي صوّر عام 1974، وهذا الدور القصير مهّد له الطريق ليجسد ادواراً تحت ادارة مخرجين كبار مثل موريس بيالا.

كان بالسان خلف تحقيق نحو 60 فيلما روائيا طويلا، الا ان اسمه اقترن على نحو خاص بيوسف شاهين الذي كان بمنزلة رفيق له، وتابع مساره من فيلم الى آخر غير مكترث للنقد السلبي الذي تعرضت له اعمال المعلم المصري في المرحلة الأخيرة من حياته. اللقاء الذي بدأ مع "وداعا بونابرت"، تطور في السنوات اللاحقة مع افلام مثل "اليوم السادس" و"المصير" وصولاً الى "اسكندرية نيويورك". تعامله المتكرر مع مخرجين عرب ودعم المواهب الفتية التي كان يرى فيها احتمال سينما او مشروع مخرج، اعطاه صفة المنتج الهادف والمثقف والخبير في شؤون المنطقة العربية، حتى انه تحمس لتمويل ملحمة يسري نصرالله على رغم ان العمل الجدلي هذا رفضه تجار الطبقة السفلى الذي يعطون انفسهم صفة المنتج عندما تدوس اقدامهم السجاد الاحمر في مهرجان كانّ او برلين.   

فضلاً عن تقديمه المعونة المادية للأميركي جيمس ايفوري في"كوارتيت" وللفرنسية ساندرين فيست من خلال "أستسقط الثلوج في عيد الميلاد؟" الذي نال اقبالاً غير متوقع، تعهد بالسان اعطاء المخرجين فرصتهم الاولى، بصفته نائب رئيس مجلس ادارة السينماتيك الفرنسية، وهذه حال اسماعيل فروخي الذي لجأ الى بالسان كي يمول فيلمه "الرحلة الكبرى" الذي كان حلماً يداعب فروخي منذ خمس سنوات، غير ان الموضوع كان حافلاً بالفخاخ، ما اثار مخاوف شركات الانتاج كافة. لكن بالسان قرر المجازفة، وفي غالب الاحيان تولى فريق التصوير من دون تصريح. وقال فروخي انذاك انه "لم يتصور يوما انه سيذهب الى مكة، ولم يخطر في باله يوماً انه سيصور وسط مليونين من الحجاج". اما عن مشهد النينجا في "يد الهية" الذي ايقظ جدالاً في اوساط النقاد، فيقول مخرجه ايليا سليمان: "باستثناء بالسان، لا احد فهم اصراري على تصوير ذلك المشهد. لكن بالنسبة اليَّ كان ذلك اساسياً، ومن دونه كان الفيلم سيصبح عادياً. وحتى الذين لم يحبوا المشهد، لم يستطيعوا البقاء في حالة لامبالاة تجاهه. المخرج جان ــ لوك غودار قال لبالسان عن ذلك المشهد: أنه استعمال عبقري للمعطيات السينمائية". اما الراحلة رندة الشهال صباغ التي تعاملت معه لانتاج "طيارة من ورق" فتقول عن بالسان: "أومبير صديق مقرب لي منذ زمن طويل. انتج اكثر الافلام التي انجزت في المنطقة العربية. تعرفت اليه قبل 15 سنة ولكن "طيارة من ورق" هو التعاون الاول بيننا. ان بالسان يعرف المنطقة جيدا حتى انك تظنه عربياً. وقع في غرام هذه المنطقة منذ ان تعرف الى مارون بغدادي عام 1982. في تلك الاثناء، كنت في صدد تحقيق فيلمي الوثائقي "حروبنا الطائشة". مع روبي بريدي صوّرت كل ما صادفته خلال الحرب. أهملت دراستي في فرنسا وعدت الى لبنان واعربت لروبي عن رغبتي في تصوير شيء ما عن لبنان. في ذلك الوقت، كنا لا نزال نصوّر بكاميرا 16 ملم، ولم يكن هناك ما يسمّى الفيديو. لم اكن اعرف ما هو الموضوع الذي اريد تصويره. وفيما كنا نتسكع في الشارع، ابلغنا احد الاصدقاء عن وجود المخرج الالماني فولكر شلوندورف في لبنان لتصوير فيلم عن الحرب. وفجأة وجدت نفسي متورطة في تصوير فيلم وثائقي عن عملية تصوير شريط شلوندورف. كنت مهتمة لمعرفة ما يفعله فريق الماني اتى لتصوير فيلم عن الحرب اللبنانية وسط القتل والدمار. هكذا تعرفت الى أومبير". هكذا تعرفنا جميعاً الى أومبير.

هـ. ح.

النهار اللبنانية في

20/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)