كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

رؤى نقدية

 
 
 
 
 

مهدي فليفل:

عين الحلوة فيلماً يرويه أبطاله

نديم جرجورة

 

في فيلمه الوثائقي الأخير "عالم ليس لنا" (2012)، يعيد الفلسطيني الشاب مهدي فليفل (مواليد دبي ـ الإمارات العربية المتّحدة، 25 تشرين الأول 1979) رسم ملامح بيئة فلسطينية (مخيم عين الحلوة) لا تزال تفاصيل عديدة منها عالقة في ذاكرته الذاتية، عبر شخصيات ارتبط معها بعلاقات إنسانية، أبرزها صديقه الشاب أبو أياد. علماً أنه جعل الصورة الوثائقية انعكاساً سينمائياً لواقع حال ممتدّ من الحكاية الفردية إلى المشهد الإنساني العام، المرتبط بالقهر والألم والحصار والخيبات والرغبات والأحلام.

رواية قصّة

بهذا المعنى، يُمكن القول إن "عالم ليس لنا" يُشكّل امتداداً سينمائياً لحالة ثقافية/ فنية لا تزال في بداياتها، تتعلّق بمقاربة الموضوع الفلسطيني انطلاقاً من الفرد وحكاياته ومآزقه وآلامه: "استغرق العمل على هذا الفيلم أعواماً عدّة"، كما قال فليفل، الذي أضاف أن"عمليّة إعداده تطوّرت تطوّراً طبيعياً. كان يُفترض به أن يكون فيلماً روائياً في البداية. تدرّبت على الإخراج الروائي في "المدرسة الوطنية للسينما"، وأخرجتُ أفلاماً روائية قصيرة فقط ("شادي في البئر الجميلة" في العام 2003، و"حمّودي وإميل" في العام 2004، و"عرفات وأنا" في العام 2008، و"أربعة أسابيع" في العام 2009). لم تكن نيّتي العمل على فيلم وثائقي على الإطلاق. بعد سبعة أعوام من التصوير، بدا لي أنه بات مستحيلاً على المادة البحثية أن تتحوّل إلى فيلم روائي في عين الحلوة بالطريقة التي أردتُها. المساحة الصغيرة، العشوائية والمكتظّة بالسكّان داخل المخيم، لن تمنعني فقط من الحصول على أي صوت واضح، بل سيكون صعباً أيضاً الحصول على صورة واضحة. لن أكون قادراً على التحكّم بالمكان، ولن تكون لي أية سلطة هناك. هذا ضروريّ عند تصوير فيلم روائي، إلى حدّ ما على الأقلّ. هذا كلّه بالإضافة إلى الشعور بخيبة الأمل التي انتابتني بعد تخرّجي من مدرسة السينما. عندها، توجّهت إلى العمل الحرّ: ذهبتُ إلى عين الحلوة مع عدد قليل من المعدّات، التي من شأنها أن تسمح لي بالاشتغال على الصورة والصوت، بشكل يُتيح لي السيطرة على تنفيذ المشروع، مع قدر قليل من المعدّات. كان التصوير الجزء الأسهل. صوّرتُ في عين الحلوة لمدّة عشرة أعوام. والدي وعمّي صوّرا معي ولي أيضاً من قبل. لهذا، كان العمل سهلاً بالنسبة إلي".

إلى هذا، قال فليفل إن مرحلة ما بعد الإنتاج كانت أصعب في العمل: "كنتُ مُدركاً أني أريد أن أروي قصّة. لم يشجّعني أناس كثيرون على هذه الفكرة. أنا أفهم السبب، إذ هناك شعور بالنرجسية يتسلّل إلى العمل، عندما يريد مخرجٌ أن يكون ظاهراً أكثر من اللزوم. يمكن أن تتداخل هذه النرجسيّة بالتجربة السينمائيّة، وأن تُصبح أحياناً بعيدة عن المُشاهد. لذلك، عرفت أنه لا بُدّ من إيجاد توازن دقيق. لم أكن أريد أن أكون في الصورة، أو أن أظهر أمام الكاميرا، كما يفعل روس ماك إيلوي أو مايكل مور، وهما يفعلان هذا بشكل جيّد للغاية. أردتُ لشخصياتي أن تكون لديها مساحة خاصة بها. لكن، كان يجب علي إعطاءها ثراءها الكامل، وفقط بتوجيه المُشاهد من خلال ماضي الشخصيات، ومن خلال ذكرياتي عن كيف كانوا، وكيف أراهم الآن. تأثّرتُ ببعض المعلّمين الكبار، وبرواة القصص الذين يستخدمون هذه التقنية، كالراوي في مسلسل The Wonder Years (1988 ـ 1993)، أو كوودي ألن في "آني هول" (1977) و"راديو دايز" (1987)، أو حتى في Goodfellas (1990) لمارتن سكورسيزي".

من ناحية أخرى، تحدّث فليفل عن تلك المقولة المبثوثة في فيلمه ومفادها أن الحكايات الفردية البحتة مدخلٌ إلى قراءة العام والتاريخ والذاكرة والراهن، علماً أن سينمائيين شباب يختارون أحد أفراد العائلة/ الأهل (أب، أم، عم، إلخ.) لتفكيك الذاكرة ومحاولة فهم الراهن: "هناك اتجاه لصناعة الأفلام التي يرويها أبطالها. ظهر ذلك جليّاً في منطقتنا العربيّة في الأعوام القليلة الماضية. أحبُّ هذا النوع من القصص، لكن فقط إذا كانت تُروى جيداً بالطبع. إنه عمل صعب. متى يبطل أن يكون الموقف الشخصي موقفاً ذي تبعات عالميّة، وبالتالي لا صلة له بالموضوع؟ متى يصبح الموقف الشخصي عالمياً وضرورياً؟ إنه توازن دقيق. اضطررتُ إلى اتّخاذ بعض القرارات الصعبة أثناء تصوير الفيلم، وساعدني في هذا العمل محرّر رائع لديه علاقة مختلفة بالمادة الموجودة لدى المخرج. تأتي لحظة أحتاجُ فيها إلى التوقّف عن النظر في الموضوعات في فيلمي بصفتي أحد أفراد عائلتي. وأحتاجُ إلى أن أنظر إليهم كأشخاص لديهم صراعات واحتياجات وأحلام. ثم يمكنني أن أبتكر قصة، أملاً في جذب الجمهور بصفتي، راوٍ بدلاً من أن أكون شخصاً أعاني في حياتي الخاصة وحياتي العائلية".

سحر

لكن، على الرغم من ميله الواضح إلى الشقّ الإنساني البحت كمرآة شفّافة لحالات وأناس، إلاّ أن "عالم ليس لنا" بدا كأنه يُصيب السياسة والاجتماع والاقتصاد والسلوك الحياتي أيضاً: العلاقات القائمة بين ناس المخيم، موقعهم في المجتمع اللبناني، ارتباطاتهم/ علاقاتهم مع/ ضد قيادات سياسية فلسطينية، الألم الناتج من الفقر والقهر الناتجين، بدوريهما، من الحصار اللبناني للمخيم وأبنائه، وهو حصار سياسي ـ أمني ـ إنساني أساساً، ومن الفساد السياسي والمالي الفلسطيني، إلخ. أجاب مهدي فليفل: "فيلمي سياسي فقط لأنه يتعامل مع القضية الفلسطينية. أنا شخصياً لست سياسيًا، لكني راوٍ. في الواقع، أنا لا أحب السياسة ولا السياسيين، بل لا أؤمن بأيّ من هذا. لقد توقفتُ عن مشاهدة الأخبار منذ نحو عشرة أعوام، منذ غزو العراق تقريباً. أدركتُ أنه أمر عبثي، وقد سبب لي صداعاً نصفياً، وفي بعض الأحيان حرقة قلب شديدة. لذلك، توقفتُ عن مشاهدتها، وأنا أشعر بتحسّن كبير بسبب هذا الانقطاع".

من ناحية أخرى، هذا هو العمل الوثائقي الأول له: ما الذي دفعه إلى اختيار هذا الشكل السينمائي، علماً أن هناك مفردات سردية حكائية روائية حاضرة في الفيلم؟ أجاب فليفل: "أنا لا أحبّ أن أفرّق بين الشكلين. أعتقد أننا سنصل إلى نقطة في السينما نُدرك فيها أنّه كلما حاولنا التقليل من تعريف هذه الأشياء، يُصبح من الأفضل لنا استكمال عملنا وسرد القصص. الأهم هو العثور على الحقيقة في ما كنتَ تحاول استكشافه وتوضيحه. أحياناً، تُشاهد فيلماً روائياً يحمل حقيقة أكثر من تلك التي يحتويها ما يُسمّى بالفيلم الوثائقي. فيلمي ليس روائيا ولا وثائقياً. إنه قصّة. قصّتي أنا. حاولتُ أن أحكيها كما هي، وبقدر ما أستطيع من الصراحة من دون أن أجعل جمهوري يملّ منها. القصّة الجيّدة يجب أن تجذب الإنتباه، وأن تسلّي (هذا هو السحر الذي أقصده)، كما يجب أن تكون أصلية وصادقة (هذا ما يجعل لها قيمة، وربما يساعد على إعطاء بعض المعنى لوجودنا). إما هذا، أو لا شيء.

السفير اللبنانية في

16.01.2014

 
 

فيلم "إيدا":

الهولوكوست صناعة بولندية!

أمير العمري 

يعيد الفيلم السينمائي البولندي "إيدا" Ida للمخرج بافل باولكوفسكي المقيم في بريطانيا، مجددا- تصوير موضوع درامي إنساني يرتبط بما يعرف بـ"الهولوكوست"، أي إضطهاد النازيين لليهود، وما يقال عن إرسالهم إلى "غرف الغاز" بغرض "الإبادة الجماعية" خلال الحرب العالمية الثانية. هذا الموضوع الذي أنتجت عنه مئات الأفلام الدرامية والتسجيلية والمسلسلات التلفزيونية. وتتفق معظم هذه الأعمال على أن "الهولوكوست" صناعة ألمانية، وأنه مرتبط بالعنصرية النازية تحديدا، التي كانت موجهة - بشكل إستثنائي- ضد اليهود واليهود وحدهم، وهي نظرة تلقى أيضا من يشكك في صحتها وينقدها بل وينفيها بأبحاث وكتابات مضادة في الغرب.
أما فيلم "إيدا" فهو يرد الموضوع إلى طرف آخر، فهو يتهم البولنديين الكاثوليك باستغلال الخطاب النازي الدعائي المعادي لليهود  خلال الحرب العالمية الثانية، والمشاركة في قتل اليهود البولنديين، بغرض الاستيلاء على منازلهم وممتلكاتهم. لكن أهمية الفيلم ونقاط تميزه لا تعود فقط إلى هذا الجانب الذي يجعله مختلفا عن كثير من الأفلام التي سبقته، بل إلى شكل تناوله للموضوع وأسلوبه الفني الخاص والمتميز كثيرا.

يبدو هذا الفيلم للوهلة الأولى، تقليديا في بنائه، إلا أن نظرة متعمقة في أبعاده وتضاريسه الفنية تكشف أننا أمام فيلم "طليعي" بدرجة كبيرة، يتمرد على الجماليات السائدة في مثل هذا النوع من الأفلام، بل ويتلاعب بالشكل تماما، كما يغير من مسار الموضوع ليبعده تماما عما يمكن ان يتوقعه وينتظره المشاهد.

الفيلم يبدو أولا، مخلصا لمنطق الدراما التقليدية (الأرسطية) في حفاظه على وحدتي الزمان والمكان، فالأحداث تدورفي عام 1960 أي بعد خمسة عشر عاما من نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945. وثانيا يخلص سيناريو الفيلم للنصيحة الأولية التي توجه عادة لكتاب السيناريو، مما يجعله يركز على شخصيتين رئيسيتين فقط هما: الفتاة (إيدا) وخالتها "فاندا".

تبريد الدراما ومخاطبة العقل

غير أن الفيلم لا يلجأ إلى الاختيار السهل، أي إلى الدراما التي تتصاعد فيها المشاعر والمبالغات العاطفية المعتادة في مثل هذا النوع من الأفلام التي تلعب عادة على الوتر العاطفي بدلا من مخاطبة العقل،  بل يلجأ مخرجه الموهوب إلى "تبريد" الدراما والسيطرة المحكمة على الشخصيات، سواء في الأداء أو في اختياره أحجام اللقطات والحرص على ترسيخ علاقتها بالمكان في خصوصيته وملامحه المميزة: سواء الديكورات الداخلية (الدير، ومنزل العمة فاندا، والفندق الذي تنزل الإثنتان فيه فيما بعد، ومنزل الأسرة الأصلي القاتم الذي يحمل رائحة الموت..) أو المناظر الخارجية الطبيعية التي توحي بالبرودة والوحدة والضياع في تلك الفراغات الكبيرة الشاسعة للبيئة البولندية الطبيعية في الشتاء

يختار المخرج أيضا التصوير بالأبيض والأسود، وبحجم الكادر التقليدي القديم الذي كان مستخدما في الماضي، للإيحاء بأننا نشاهد فيلما من أفلام الستينيات قبل إنتشار الالوان واتساع الكادر ليتخذ الأبعاد الحالية ذات الشاشة العريضة نسبيا. وهو يحافظ أيضا على مسافة دائمة بين الشخصيتين الرئيسيتين مجسدا من خلال تلك المسافة التي يمكن ان نراها ونشعر بها، التناقض بينهما في السلوك والتكوين والمشاعر والنظرة إلى العالم.. هذا التناقض يتجسد هنا على مستوى الصورة في أبعادها المحددة أي من خلال الفراغ الذي يحافظ عليه دائما بين الشخصيتين، خاصة في النصف الأول من الفيلم، أو على مستوى المشاعر حينما يجعل مشهد اللقاء الأول بينهما رسميا فنرى الإثنتين تتخاطبان من مسافة وفي لقطة بعيدة

تخرج "أنا" التي هي في الحقيقة "إيدا" (وهو إسمها الأصلي كما ستعرف هي فيما بعد من خالتها) من الدير قبل أن تؤدي القسم الذي يجعلها تلتحق نهائيا بحياة الراهبات، وهدف الخروج أن تزور قريبتها الوحيدة الباقية على قيد الحياة (الخالة فاندا) بناء على طلب بل وإلحاح رئيسة الراهبات، والتي لم ترها ربما منذ أن كانت طفلة رضيعة. تكتفي الخالة بتبادل عبارة أو إثنتين مع إيدا قبل ان تتركها وتذهب وتنصحها بالعودة للدير.. لكن الفتاة لا تعود بل تلتحق بها مجددا وتطرح الكثير من التساؤلات عن الماضي، عن والديها وما جرى لهما، وعن نفسها ومن هي وكيف دخلت الدير.

يجسد الفيلم التناقض بين الشخصيتين، (إيدا) ببراءة وجهها وجمالها الهاديء وهدوء نفسها بفضل حسها الديني وإيمانها بالقدر، والخالة (فاندا) وهي نقيض "إيدا" في كل شيء، فهي مستهترة، تحتسي الخمر وتدخن وتهتز مع الموسيقى الراقصة الصاخبة، لكنها تبدو بلامبالاتها الظاهرية وميلها إلى المغالاة في السلوك، وكأنها تنشد الهرب من الماضي وإخفاء أمور أصبحت الآن تلح عليها بعد ظهور إيدا امامها أخيرا بعد كل تلك السنوات.

الراهبة اليهودية

فاندا تقول لإيدا إنها "الراهبة اليهودية" ثم تخبرها أن أمها تركتها عندها لكي ترعاها قبل أن تختفي مع والدها، وأنها أودعتها الدير حماية لها. وتبدي إيدا رغبتها في زيارة موطن أسرتها الأصلي في الريف حيث يوجد قبر والديها اللذين توفيا أثناء الحرب وتركاها طفلة صغيرة. وبعد تردد وممانعة، توافق الخالة "فاندا" على أن تصحبها في رحلة البحث عن قبر والديها. العمة قاضية، تستخدم نفوذها لتجاوز بعض التعقيدات التي تواجههما أثناء الرحلة.. وهناك تصوير جيد لأجواء البيروقراطية التي شابت التجربة الاشتراكية في بولندا، وما كانت تمنحه من سلطات واسعة لرجال الأمن حتى فوق القضاة.

وبعد رحلة طويلة إلى أعماق الريف، تصل الإثنتان إلى حيث يوجد منزل الاسرة القديم فنعرف أنه أصبح في حوزة رجل بولندي وولده الشاب.. وبعد مواجهة مباشرة مع الإبن وتهديد الخالة- القاضية له بأنها ستبلغ السلطات باستيلائهما على المنزل وبالتالي إعادته إلى صاحبته الأصلية "إيدا"، يعترف بأنه إشترك مع والده في قتل والدي إيدا ودفنهما في الغابة القريبة، للاستيلاء على المنزل، وادعي أنهما أرسلا إلى "غرف الغاز"!

إيدا إذن إبنة لأسرة يهودية.. لكنها على وشك أن تصبح الآن راهبة كاثوليكية.. وقد كانت خالتها هي التي سلمتها للدير بعد إختفاء والديها عند نهاية الحرب، لكي "تعفيها" من يهوديتها. وقد أطلقت عليها الإسم المسيحي "آن" بدلا من إسمها الأصلي "إيدا".

تمر "إيدا" الآن بعد أن عرفت الحقيقة بتجربة وحيدة للاستمتاع بملذات الحياة الدنيا، قبل ان تعود مجددا إلى الدير لكي تؤدي قسم الولاء لحياة الرهبنة. أما العمة فبعد ان واجهت الحقيقة التي ظلت طويلا تهرب منها، فإنها تحسم أمرها أخيرا وتقرر مغادرة الحياة.

فيلم آسر، ذو إيقاع بطيء، مشاهده طويلة، حواراته قليلة للغاية، تصويره رصين، موسيقاه الكلاسيكية تعبر عن تلك المشاعر المكتومة. الإضاءة طبيعية مع بعض اللمسات التأثيرية البديعة على الصورة. الاداء التمثيلي في قمته. لا يوجد حشو أو إستطرادات، بل يواصل الفيلم مساره الطبيعي باقتصاد في الزمن والسرد، إلى أن يكتمل في 85 دقيقة.. هي زمن الفيلم كله.

"إيدا" عمل بديع بل ودرس في السينما وفي صنع فيلم قادر رغم موضوعه الذي سبقت معالجته كثيرا في السينما، على أن يدهشك ويثير تفكيرك وتأملك في مغزى العلاقة بين الدنيا والدين، بين الماضي والحاضر، الحقيقة الغائبة وإغتيال الحقيقة، الجريمة والذنب والتكفير حيث تبدو "إيدا" وكأنها "قديسة" تدفع ثمن خطايا الآخرين بعد ان تختار في النهاية أن تودع ذلك العالم الظالم وتختفي بين جنبات الدير.

الجزيرة الوثائقية في

16.01.2014

 
 

رحلة السينما العربية:

من مرسيليا.. إلى طنجة وتطوان

أحمد بوغابة / المغرب 

سبق أن وقَّعنا تغطية سينمائية في موقع الجزيرة الوثائقية، شهر يونيو الماضي (2013)، تناولت أول دورة للملتقى الدولي للسينمات العربية التي احتضنتها المدينة الفرنسية مرسيليا (جنوب فرنسا) ومن تنظيم وتأطير الجمعية الفرنسية "أفلام" (لقد اختارت الجمعية إسما بالعربية وتكتبه بالفرنسية: Aflam لتبقى في روح اهتمامها بالثقافة العربية). تعمل هذه الجمعية منذ أكثر من عقد كامل على ترويج السينمات العربية والتعريف بها في جهة الجنوب الفرنسي بأكملها، والتي راكمت رصيدا فيها حيث أصبحت مرجعا في فرنسا يستأنس به كل من يدق باب هذه السينمات خاصة وأن الجمهور الفرنسي، وغيره من الأوروبيين، لم يكن له إطلاع إلا على بعض الأفلام المغاربية واللبنانية ويعتقد السينما المصرية كلها تدور حول الرقص الشرقي ويجهلون أفلاما من سوريا والعراق والخليج والسودان والأردن.

وبعد هذا التراكم في التجربة الملموسة الميدانية على أرض الواقع في علاقة بجمهورها الذي تزايد مع السنين، كمنخرطين دائمين بالجمعية أو كجمهور الذي يجمع مختلف الجنسيات ومن أصول متعددة، كان من الطبيعي أن ترفع "جمعية أفلام" من سقف عملها ونشاطها بتنظيم تظاهرة كملتقى سنوي يتوج أنشطتها على امتداد السنة (فهي تنشط طيلة السنة بعرض أفلام في عروضها الأولى أو محاور حول أقطار بذاتها أو سينمائي متميز أو موضوع يمثل مختلف الأقطار في اختلافها وتنوعها، ولا تقتصر على نشاط واحد سنوي وكفى شر المؤمنين، إنها تؤمن بالعمل المستمر والدائم والطويل الأمد حتى يستأنس به المحيط العام والخاص والرسمي، ونقصد دائما الفيلم العربي طبعا فهي لا تخرج عن هذا التخصص الواضح في أدبياتها

وفي إطار هذه الرؤية الواضحة والمسؤولة نظمت أول دورة للملتقى في الصيف الماضي (من 28 مايو إلى 2 يونيو 2013) ونجحت في رهانها عند الخطوة الأولى رغم كل المشاكل والعراقيل التي يمكن تصورها. ليس من السهل الاشتغال على سينمات تنتمي ل"عالم" يتكون من "أقطار" متباينة كثيرا في كل المجالات بما فيها السينما. وأن تتم برمجة استثنائية تمس خريطة جغرافية تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي تتباين فيها الرؤى الفنية وتاريخ الإنتاج في فنون السينما.

لم يكن هدف جمعية "أفلام" من تظاهراتها أن تكون رقما إضافيا فقط لباقي المهرجانات أو مناسبة أخرى للمنافسة وتوزيع الجوائز بادعاء الاحتفال بالسينمات العربية والدفاع عنها بقدر ما استغنت عن كل ما هو كلاسيكي في التنظيم السهل لتجعل منها – أي التظاهرة – ملتقى سينمائي حقيقي يركز كل اهتمامه على السينما والأفلام من خلال البحث عن خصوصيات هذه السينمات وأين تتجلى في الملموس البصري والفكري فضلا عن أسئلة أخرى متعددة ساهم فيها الباحثون  المتخصصون إلى جانب السينمائيين المحترفين من أجيال وحساسيات متباينة لإغناء البحث والأجوبة حتى يتم تجاوز ما هو جاهز أو كان مُسَلَّم به سابقا وبمشاركة الجمهور المهتم وكذا الأطفال أيضا. فقد كانت هذه التظاهرة بمثابة ملتقى بالمعنى الصحيح للكلمة حول السينما بانفتاحه وجديته في آن واحد. وقد تجلى ذلك في التوزيع الشامل للعروض والأنشطة التي لم تبق حبيسة القاعات والفضاءات الراقية وإنما ذهبت كذلك إلى الأحياء الشعبية والهامشية أو المُهَمَّشَة، وإلى السجون والمستشفيات، ورحبت بالجمعيات المدنية لتكون فاعلة بمشاركاتها بفضل أعضائها والمنتسبين إليها. وما ذكرته من معطيات إخبارية ليس مبالغة ذاتية أو من وحي الخيال لأنه مسجل بالصوت والصورة والكتابة الصحفية نظرا لما سبق قوله أعلاه وأيضا إلى الأفلام المختارة التي تم برمجتها حيث اكتشف الجمهور جيلا جديدا من السينمائيين العرب الشباب بأفلام روائية طويلة وقصيرة ووثائقية تحمل نظرة عميقة في التناول الجمالي للسينما وبأفكار ناضجة، سينما جميلة بجماليتها وواعية بأفكارها، سينما لا تفصل الشكل عن المضمون ولا تختفي وراء أحدهما لتبرير تعثر البناء، أمثلة كثيرة حضرت في الملتقى الأول نذكر منها فوزي بن السعيدي وهالة العبد الله وجميلة الصحراوي ونوري بوزيد وابراهيم فريطح وأريسا صنصور وبسام شخيص وسهيم خليفة ونواف الجناحي وغيرهم كُثُر، فقد تجاوز عددهم 45 سينمائيا، دون ذكر عدد النقاد الفرنسيين والعرب، الذين حضروا وساهموا وأبدعوا في إنجاح الخطوة الأولى التي ستليها الخطوة الثانية في شهر أبريل المقبل (من 8 إلى 13 أبريل 2014). وهذا التغيير في الزمن هو نتيجة التداول الديمقراطي بين إدارة الجمعية وأعضائها والمنخرطين، وجميع المؤسسات التي يرتبط بها الملتقى، حتى يجد الجميع الزمن المناسب لإنجاح الملتقى نجاحا منتظرا، بدون شك، لكي يكون أفضل من سابقه.

ومن الخطوات المميزة التي سطرها "ملتقى السينمات العربية بمرسيليا"، ولم تسبقه مهرجانات أخرى إليه، هو أنه لم يرض لنفسه أن يكون محصورا في المدينة التي تحتضنه فقط (وهي مرسيليا) ويجمع حوله سنويا بعض الأفلام ومخرجيها ثم ينفض الجمع وهكذا دواليك بل اختار أن يسافر بأفلامه العربية التي يبرمجها في الملتقى نحو الأقطار العربية للقاء بالجمهور العربي في عين البلد صحبة المخرجين حتى يتم التداول الصحي للعلاقة الطبيعة للسينمات العربية مع جماهيرها. لا يريد هذا الملتقى، الذي يديره الزميل الناقد التونسي الطاهر الشيخاوي، أن يستسهل مهمته أو يعتبرها مجرد نشاط بل مهمة ثقافية تتطلب العمل والاجتهاد لتحقيق نتائج إيجابية حتى ولو كانت تبدو بعيدة المنال لكن ينبغي وضع الخطوة الأولى في مسيرة ألف ميل. أن يقتنع جميع المخرجين مع الناقد الطاهر الشيخاوي، المدير الفني للملتقى، ويلتزم معه الكل بالاستعداد المطلق للانتقال بأفلامهم إلى مختلف الأقطار العربية لعرضها والتعريف بها في القاعات السينمائية وليس خارجها، وبموازاة ذلك إيجاد لها منافذ للتسويق في ربوع الأقطار كحق ثقافي للجماهير على امتداد الخريطة العربية وليس الاكتفاء فقط بالمهرجانات ثم قتلها بعد ذلك على القنوات التلفزيونية.وهذه الفكرة تحررت من كونها كذلك بتحويلها إلى واقع بترجمتها حاليا في المغرب من خلال الشراكة التي جمعت الملتقى مع الخزانة السينمائية بطنجة وجمعية أصدقاء السينما بتطوان

وتُعد الخزانة السينمائية بطنجة الفضاء الوحيد والاستثنائي بالمغرب المتميز في مجال فنون الثقافة السينمائية وبدون منازع. إن سكان مدينة طنجة ونواحيها محظوظون بهذا الفضاء الذي يجد فيه الجميع رغباته السينمائية من الأطفال والشباب والكهول والشيوخ بغنى برامجها اليومية المتنوعة وما تتوفر عليه من مراجع وأرشيف لا مثيل له في المغرب إطلاقا. كتبنا، وكتب غيرنا مرارا وكثيرا عن هذه التحفة التي يحج إليها كل عاشق فعلي للسينما

أما جمعية أصدقاء السينما بتطوان فتاريخها يشهد بما قدمته للسينما ليس في المغرب وحده بل أيضا في حوض المتوسط بتنظيمها لواحد من أقدم المهرجانات السينمائية بالمغرب. وتصدر مجلة "وشمة" مع تنظيمها لأنشطة مع الطلبة وخاصة التلاميذ بمدبنة تطوان. وبالتالي، فطبيعي أن تلتقي هذه الإرادات الفعالة والفاعلة للاشتغال معا حول مشروع فكري جماعي يتقاسم الجميع أدبياته وتتبنى بُعده الاستراتيجي في خدمة السينمات العربية.

نقل "ملتقى السينمات العربية بمرسيليا" جزء من برنامجه إلى طنجة وتطوان لترجمة ما سبق ذكره بما أنه وجد أرضية خصبة ومستعدة للالتزام بالدفاع عن الفيلم العربي في الضفة الجنوبية الحاملة لجزء من الخريطة العربية. وبذلك وجد الملتقى عُمقا استراتيجيا طبيعيا ومؤهلا بمؤهلاته الاحترافية ووعيه السينمائي.

نقل الملتقى أفلاما ترسم جزء من الصورة العامة للسينما العربية لتنتقل بين مدينتي تطوان وطنجة خلال خمسة أيام، من 15 إلى 19 يناير الجاري وهي: "مشوار" للمخرج السوري ميار الرومي (2012- 75 دقيقة)، و"ظل البحر" للمخرج الإماراتي نواف الجناحي (2011- 97 دقيقة)، و"أرض البطال" للمخرج العراقي سهيم عمر خليفة (2013- 17 دقيقة)، و"الأعماق" للمخرج التونسي يوسف الشابي (2013، 27 دقيقة)، وأيضا "هُنَّ حاضرات" للمخرج الفرنسي ريجيس سودير (2012- 94 دقيقة) وهو فيلم وثائقي يناقش المهمشين في مستشفى/السجن حيث العرب من الرواد الأساسيين.

وستحتضن مدرسة الفنون الجميلة بتطوان، في إطار هذه التظاهرة، يوم الجمعة 17 يناير في الساعة الخامسة بعد الزوال مائدة مستديرة يحضرها جميع المخرجين المدعوين وبعض الموزعين وأرباب القاعات السينمائية بالمغرب حول موضوع "توزيع الفيلم العربي وترويجه في الأقطار العربية" بينما العروض السينمائية في المعهد الفرنسي للمدينة الذي فتح أبوابه لدعم هذا النشاط السينمائي الغني بمحتواه.

وسينتقل "الملتقى" أيضا في أفق قريب ضمن نفس النفس إلى الجزائر وتونس ومصر ولبنان وربما أقطار أخرى في المستقبل وبذلك يكون "الملتقى" قد حقق مبتغاه قبل سنة واحدة من دورته الثانية.

الجزيرة الوثائقية في

16.01.2014

 
 

وثائقي عن بلد الغريب والغربان والقناة

أمــل الجمل – دبي  

ينتمي فيلم "موج" للسينما الوثائقية الإبداعية التي شهدت طفرة فنية وتطوراً جمالياً كبيراً في السنوات الأخيرة في السينما العالمية والعربية، حتى أن بعض هذه الأفلام الوثائقية لم تعد وثائقية خالصة وإنما يمكن تسميتها بالفيلم العابر للنوعية – على غرار النص العابر للنوعية في الأدب - والسينما اللبنانية الوثائقية تأتي في مقدمة الدول العربية المُوظفة لهذا النوع بشكل متقن ولافت إبداعياً وجمالياً. والمقصود بالفيلم العابر للنوعية هو ذلك الفيلم الذي يجمع بين الوثائقي والروائي/ اللاواقعي/ الخيالي، أو بين الوثائقي والرسوم المتحركة، أي أنه في كلتا الحالتين يجمع بين التوثيق والتخييل، أياً كان شكل هذا التخييل سواء بإعادة تمثيل الوقائع التاريخية، أو الشخصية/ الذاتية، أو محاولة الاشتغال البصري والسمعي بشكل إبداعي للتغلب على إشكاليات ومعوقات فنية وجمالية منها غياب الوثائق أو الأرشيف بأنواعه

يمزج الفيلم الوثائقي الطويل "موج"، 71 دقيقية - للمخرج المصري ابن السويس أحمد نور – بين الفلاش باك والحاضر، بين تاريخه الشخصي منذ مولده في بداية عهد مبارك وبين ابنة أخته "حلا" الطفلة التي ولدت قبل ثورة 25 يناير بشهر واحد فقط. من خلال التوازي أحياناً أو الدمج أحياناً بينه وبين "حلا" يحكي نور قصة مدينة ووضعية بلد بأكمله في فترة من تاريخه الحديث، مما يجعلنا نستعيد من الذاكرة السينمائية تجربة "خمس كاميرات محطمة" للفلسطيني عماد برناط والذي شارك في إخراجه الإسرائيلي جاي دافيدي، حيث اختار المخرجان أسلوباً سردياً يُمكنهما من حكي قصة "برناط" الشخصية وربطها بقضية بلده وصراعها مع المحتل وذلك من خلال الحكي عن ابنه منذ مولده وعبر فترات منتقاة لسنوات نضجه العمري

فيلم "موج" مُقسم إلى خمس عناوين فرعية أو خمس موجات تتوالى بعد المقدمة التمهيدية (الموجة الأولى؛ في العمق – الدوامة - المد – الجزر – الموجة الا أخيرة) ومن خلالها يرصد المخرج - وهو ذاته كاتب السيناريو – ومن خلال مراحل حياته التغيرات التي طرأت علي المدينة وعلى حياة الناس نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية في السويس طوال حكم مبارك والنتائج التي آلت إليها الأحوال بعد الثورة، لكنه يتوقف طويلاً أمام التناقض بين ثراء مدينة السويس التي تضخ أمولاً كثيرة في إجمالي الدخل القومي وبين الفقر المدقع الذي يكتنف أهلها، والأمراض العديدة التي تصيبهم وفي مقدمتها الفشل الكلوي بسبب حرمانهم من المياه النقية التي تم تحويل خطوطها إلي مصانع الرأسمالية وإلى الشاليهات في العين السخنة بينما أهالي السويس يشربوا مياهاً ملوثة، كما أن المصانع في السخنة تجلب الأيدي العاملة من خارج مدينة "الغريب" وترفض تشغيل أهالي السويس، وتمنعهم من الحصول على أي فرصة عمل في السويس سواء في مصانعها أو معاملها أو منشآتها الكبرى، فما السر وراء ذلك؟ هل فقط لأنهم من أبناء السويس؟! هل حقاً يكمن السبب في الإشاعة التي تم ترويجها عن عرافة نظرت في عيني مبارك في مستهل حكمه وحذرته من السويس لأن فيها سيكون نهاية حكمه، كما يدعي الفيلم ومخرجه؟! أم أن السبب يرجع لتلك الفكرة المنتشرة عن أبناء السويس والتي تصفهم بأنهم "يسببون المشاكل، ولا يعملون بجد" وهى الفكرة التي فات على المخرج أن يتحقق من صدقها أو من كونها مجرد شائعة أو أن يعود بها إلى أصلها؟ ولماذا وُصف أبناء السويس بذلك؟ هل بسبب معارضتهم لأصحاب رأس المال ومطالبتهم بحقوقهم أم لأسباب أخرى؟؟

يتميز الفيلم بأنه يناقش تفاصيل كاشفة للظلم والقهر ومعاناة أبناء مدينة السويس لكن تلك المشاكل على خصوصيتها – وهى ميزة إضافية تحسب للفيلم - تنطبق على كثير من مدن مصر مثل اختفاء الشواطئ العامة، والتي أصبحت حكراً على الشركات الرأسمالية الكبرى والأثرياء فقط، كما أن توثيقه للفقر والبطالة أمراً لا يخص أهل السويس وحدهم، لأن معظم أفراد الشعب المصري يعيش في نفس الخندق، فمثلاً دول الصعيد رغم امتلاكها للكثير من الآثار، والتي تصل إلى ثلث آثار العالم في مدينة مثل الأقصر وحدها، لكنها من أفقر محافظات مصر وفق الدراسات والإحصائيات المعلنة.  

نبرة انهزامية

يخلط أحمد نور الأنواع ببعضها في مزيج هارموني متماسك، يدمج بين الرسوم المتحركة/ الأنيميشن، وبين توثيق لقطات حيَّة ولقاءات شخصية مع أبناء وبنات مدينة السويس ومنهم أهالي شهداء الثورة 25 يناير وبعض أبطال المقاومة الوطنية أثناء الاحتلال الإسرائيلي. يجتهد المخرج في إيجاد معادل بصري لفترة تاريخية سابقة من حياته الشخصية ومن تاريخ مدينته التي لم يعد يملك منها صوراً فوتوغرافية أو فيلميه أو حتى لقطات من أرشيف الصحافة، اجتهادات بصرية/ تشكيلية/ لونية، ومؤثرات سمعية محملة بالرمزية المُعبرة بمهارة وصدق أحياناً، وموسومة بالمبالغة والابتذال والتناقض في بعض الأحيان مثل تلك اللقطات للدوامة المطولة جداً والتي لم ينجح نور في ضبط زمنها النفسي، والتي يمكن اختزال نصفها دون أن تضر بالفيلم، بل على العكس سترفع من إيقاعه لأن الإبداع في الأساس هو فن الاختزال، والقدرة على الحذف، سواء تلك اللقطات المطولة للدوامة بمفردها أو تلك التي لجأ فيها المخرج للمزج بين الدوامة وبين أهالي السويس البسطاء في لقطة جماعية ثم في لقطات منفردة، مٌنفرة، شديدة الابتذال والسطحية. وبشكل عام يحتاج الفيلم لإعادة المونتاج لحذف مالا يقل عن ثلث ساعة منه، ومنها مشهد دقات الساعة بأكمله، والذي لم يوفق المخرج في اختيار الأسلوب التعبيري له، فجاء مطرزاً بالمبالغة والنزعة الخطابية التعليمية المفتعلة.

لجأ المخرج لأسلوب الرواي بلغة المتكلم مما منح السرد مزيد من الحميمية، وكان موفقاً في أجزاء ليست قليلة لكنه نحى إلى المبالغة في أجزاء منه. كذلك استخدم الرمزية بشكل يتناقض مع أحاسيسه في بعض المرات، فهو مثلاً في أغلب مشاهد فيلمه يستخدم الغربان سمعياً وبصرياً بالأنيميشن لرسم أجواء المدينة، لكنه يوظفه بشكل يحمل دلالات رمزية توحي بالشر والسوء أحياناً، وهو ما يتناقض مع تعاطفه المعلن مع الغربان في ذلك المشهد الجميل فنياً عن المجزرة التي تعرضت لها الغربان حيث قُتل 100 ألف غراب في سنة 2010 من طرف منتحب الرماية المصري، إذ جاء هذا القتل العمدي كحل نموذجي لتراكم الزبالة بالمدينة. لكن المخرج عندما يتحدث في أحد مشاهده عن أعداء الثورة والطرف الثالث والخيانات والتخلي عن الثوار نجده يختتم المشهد بلقطة تكتسحها الألوان الكابية فالسماء ملبدة بالغيوم وتملؤها الغربان وهى تزعق بصوت منفر يُعيد للأذهان تلك الصورة الذهنية المتشائمة من أصوات الغربان وهيئتها. فالمشهد ومشاهد أخرى تكشف تناقض موقف المخرج بين ما يدعيه من عشق للغربان وبين الموروث المجتمعي الذي يحمله في أعماقه وفي لا وعيه.

ما الذي تغير بعد الثورة؟ لم يتغير شيء. هكذا باختصار مجحف يقدم المخرج إجابة ركيكة انهزامية وغير عادلة، إجابة تعبر عن نظرة شديدة الأحادية، فهذا السؤال بمفرده يمكن أن تُقام من حوله أفلام وثائقية عديدة لطرح إجابات واحتمالات. كما أن الخاتمة المتفائلة بشكل مفاجئ للطفلة "حلا" جاءت مفتعلة بعد موجة طويلة من ظلال الكآبة ونبرة اليأس والنزعة التشاؤمية المسيطرة على أجواء الفيلم بصرياً وسمعياً.   

رغم ما سبق، لا ننكر أهمية الفيلم وإيجابيات، فيُحسب له أنه يوثق للتاريخ الحديث لمدينة السويس الباسلة، بلد "الغريب" والموج والغربان وقناة السويس، وشعلة الثورة المصرية في 25 يناير 2011، ففيها سقط أول شهداء الثورة، وفيها أُسقط أول قسم شرطة. وأثناء ذلك لا يغفل المخرج أن يعرج على الدور التاريخي المشهود للمدينة منذ تعرضت للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، مرورا بحربي 1967، و1973، في محاولة من نور للمقارنة بين جيل الآباء والاجداد وبين جيله، وجيل الثورة

بقي أن نشير إلى أن "موج" كان ضمن 15 فيلم عربي آخرين تتنافس على جائزة المهر العربي الوثائقي في مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته العاشرة في الفترة من 6-14 ديسمبر 2013، وكان بينهم خمسة أفلام مصرية هي؛ "اسمي مصطفى خميس" للمخرج محمد كامل القليوبي، وقد خرج الفيلمين من دون جائزة، بينما حصد "اللي يحب ربنا يرفع إيده" عن الموسيقى الشعبية في مصر، للمخرجة سلمى الطرزي، جائزة أفضل مخرج، وحصل فيلم "ميدان" عن الثورة المصرية للمخرجة جيهان نجيم على جائزة أفضل فيلم. إلى جانب أفلام آخرى ساهمت مصر في إنتاجها بشكل أو بآخر مثل "بيت التوت" للمخرجة الاسكتلندية من أصل يميني سارة إسحق.

الجزيرة الوثائقية في

16.01.2014

 
 

السينما العالمية من منظور ناقد عربي (3/3)

عدنان حسين أحمد

يشكِّل الفصل الثالث من "دليل السينما العربية والعالمية 2013" للناقد محمد رضا القسم الأكبر من الكتاب، إذ يبلغ عدد صفحات هذا الفصل "159" صفحة من أصل "304" صفحات. كما ينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهي الأفلام الروائية العالمية التي تأخذ حصة الأسد من هذا القسم ولا تترك للأفلام الوثائقية سوى سبع صفحات وأقل منها لأفلام التحريك "الأنيميشن". وهذا الأمر يكشف من دون شك ولع الناقد رضا بالأفلام الروائية العالمية كثيراً ويخصها بجزء كبير من اهتمامه، خصوصاً وأن هذا الفصل، يتضمن متابعة نقدية تفصيلية ودقيقة لـ "190" فيلماً روائياً عالميا.

لا يمكن بطبيعة الحال أن نتوقف عند كل هذه الأفلام التي هيمنت على صالات السينما في القارات الخمس، لكننا سنركز على أبرز المحاور والثيمات التي دارت عليها هذه الأفلام الروائية التي أتيح للناقد أن يراها بحكم تواجده في العديد من المهرجانات السينمائية العالمية، كما تعكس نَفَسه الانتقائي في مشاهدة الأفلام الجيدة ولعل أولى هذه الأفلام هو فيلم "حصان تورينو" للمخرج الهنغاري بيلّا تار الذي يلامس جوهر العاطفة الإنسانية. وبحسب توصيف الناقد الذي قال كل شيئ في بضعة جُمل مفادها: "أن نيتشه شاهد رجلاَ يضرب حصانه ضرباً مبرِّحاً فما كان منه إلاّ أن احتضن الحصان وبدأ يبكي وبعدها سقط الفيلسوف مريضاً إلى أن مات". لابد لهذه اللقطة السينمائية المعبِّرة أن تهزّ مشاعر المتلقين وتضعهم وجهاً لوجه أمام الضمير الإنساني الحي الذي يُفترض أن يستيقظ في مثل هذه اللحظات التي تتأجج فيها العاطفة الإنسانية بغض النظر عن الضحية فيما إذا كانت إنساناً أم حيوانا.

الأفلام الشرق أوسطية

ضمن هذا الكم الكبير من الأفلام العالمية وقع اختيار الناقد محمد رضا على باقة من الأفلام الشرق أوسطية التي، ونعني بها على وجه التحديد، الأفلام التركية والإيرانية التي سجلت حضوراً طيباً في المهرجانات السينمائية العالمية ومن بين هذه الأفلام فيلم "ألمانيا: مرحباً بكم في ألمانيا" للمخرجة الألمانية من أصول تركية ياسمين شامديريللي. وهذا الفيلم مصنّف على أنه كوميدي في جانب منه، كما يتمحور على الإسلام من جانب آخر حيث يهاجر حسين إلى ألمانيا ويتزوج بمن يحب ثم يقرر العودة إلى تركيا بعائلته الكبيرة بعد أن طعن في السن. يكشف هذا الفيلم الاختلافات الثقافية بين الأتراك والألمان. وعلى الرغم من النفس الكوميدي لهذا الفيلم إلاّ أن الناقد محمد رضا "يرى أن الضحك في هذا الفيلم هو من أجل الضحك، وليس للإفادة أو النقد".

أما الفيلم الثاني الذي ركز عليه الناقد فهو فيلم "أعراف" للمخرجة التركية يشيم أوسطا أوغلو الذي يتمحور حول ثنائية "الحُب العابر والمقيم"، فزهرة التي تعمل في مطعم على الطريق السريع خارج المدينة يحبها أولغون بصمت، لكنها تنقاد لحب سائق شاحنة يأتي مصادفة ليزرع في رحمها جنيناً تتخلص منه لاحقاً بشق الأنفس. يمسك الناقد بالعصب النابض لهذا الفيلم حينما يصف الجزء السهل من هذا الفيلم "بأن الفتاة محكومة بعادات وتقاليد إسلامية واجتماعية صارمة، لكن الصعب هو تحريك العمل من جموده أكثر من مرة" وهي رؤية نقدية تنفذ إلى أعماق الفيلم.

الفيلم التركي الثالث هو "ذات مرة في أناضوليا" للمخرج نوري بــلـگـه جيلان الذي صنّفه الناقد بأنه درامي وتحقيق جنائي حيث نشاهد سيارتين ومصفحة في طريق برية، وثمة محقق أول اسمه ناشي ومعاونه ورجال بوليس وطبيب ومدعي عام وُمتهمَين بالقتل، كنعان وشقيقه رمضان والبحث جارٍ معهما حول مكان إخفاء الجثة. ليست هناك أية مشكلة في تحليل هذه الأفلام الثلاثة من قبل الناقد المتمكن محمد رضا الذي قد نختلف معه في رؤانا ومقارباتنا النقدية علماً بأن "الاختلاف لا يفسد للود قضية" لكن ما أثار انتباهي هو الوقوع في خطأ التسميات التي تكررت في هذا الأفلام الثلاثة . فاسم المخرجة في الفيلم الأول هو "شامديريللي" وليس "سامديريللي" لأن حرف الـ "?" هو "شين" وليس "سينا" حيث يتكرر هذا الأمر مع "يشيم" اسم المخرجة الثانية وليس "يسيم" كما سمّاها الناقد، أما اسم المخرج الثالث ففيه خطآن، الأول هو "بيلج" والثاني "شيلان" وصحيحهما "بــلـگـه" و "جيلان". لم يسلم بعض العناوين من الأخطاء ففيلم يشيم أوسطا أوغلو هو "أعراف" وليس "عرف" ومعنى الأعراف هنا هو معنى ديني يحيل إلى "الناس الذين لا يرون راحة الجنة ولا عذاب النار لأن حسناتهم قد استوت مع سيئاتهم"، كما أن اسم فيلمها الآخر هو "صندوق باندورا" وليس "صندوق البندورة" كما أورده الزميل رضا، وباندورا هنا هو اسم لامرأة في الميثولوجيا الإغريقية، أما صندوقها فيضم كل الشرور البشرية من جشع وكذب وغرور إضافة إلى الأمل!

لا أقصد النيل أبداً من زميلي الناقد رضا فهو متمكن من النقد السينمائي ومن الترجمة أيضاً لكننا نقترف جميعاً بعض الأخطاء في ترجمة بعض العناوين وتلفِّظ بعض أسماء العلم الأجنبية الصعبة وما إلى ذلك وكاتب هذه السطور ليس منزّها عن ارتكاب مثل هذه الأخطاء! ولكنني كنت أتمنى على صديقي الأحب أن يضع مثل هذه الأسماء الأجنبية المعقدة في القاموس الصوتي للغة التركية ويستمع إلى الألفاظ الصحيحة التي تجنّب المؤمنين شرّ القتال.

تثير الأفلام الإيرانية أيضاً شهية النقاد والمتابعين على حد سواء. ففي فيلم "انفصال نادر وسيمين" للمخرج أصغر فرهادي أسئلة كثيرة قد تخرج عن إطار الدراما الاجتماعية إلى ما نفسي وسياسي ربما. فلو كانت الدولة تعتني بكبار السن وتخصص لهم دوراً نموذجية لما تفجرت في المجتمع الإيراني مشكلات من هذا النوع. وإذا كان الانفصال قد حدث لأسباب شخصية أو سريّة أو غامضة قد لا يبوح بها الطرفان إلاّ لماما لكن الابن يفضِّل العيش مهما من دون انفصال. ثم تتفاقم المشكلة مع وجود الأب المريض، وسقوط الخادمة من السلّم، وموت جنينها. ما يهمنا في هذا المضمار هو رؤية الناقد التحليلية التي يتقصى بواسطتها الإمساك بالعناصر الجمالية والفنية للفيلم حينما بما معناه "ليس في الفيلم دقيقة واحدة مصروفة في غير موضعها، وليس هناك ثرثرة، أو  لقطة زائدة عن الحاجة على الرغم من ساعتيه". وهذا الكلام ينطبق جملة وتفصيلاً على فيلمه السابق "عن إيلي" الذي حظي هو الآخر باهتمام النقاد والمشاهدين.

ربما يكون فيلم "كواحدٍ في الحُب" لعباس كيارستمي فيلماً درامياً جيداً يتوفر على بعض عناصر النجاح الفني، لكن المخرج لم يبرر لنا سبب هذا التغريب والنأي عن معالجة الموضوعات الإيرانية، وما هو السبب الذي دفعه لاختيار موضوع ياباني لقصته السينمائية "من دون وجود سبب ياباني" كما يقول الناقد؟ يا تُرى، هل أراد كيارستمي لفيلمه أن يكون مجرداً من الهوية الثقافية والاجتماعية كما يتساءل الناقد رضا؟ لنمعن النظر في شخصية ريو كاسي التي تعمل عاهرة ليلاً لكي تواصل دراستها نهارا ثم تتجه ذات نهار إلى موعد مع البروفيسور الطاعن في السن تاكاناشي، لكن خطيبها يلتقي به ويعتقد أنه جدها فيبوح له بطبيعة العلاقة القائمة بينهما، وما إن يدرك الحقيقة حتى يهاجم منزل البروفيسور الذي لجأت إليه الطالبة. الفيلم من وجهة نظر الناقد يتوفر على بعض الأخطاء الفنية، ويلمس فيه استعارة محدودة من أجواء ميشيل هاينكة، والأسوأ من ذلك كله أن الفيلم لم يقل شيئاً على الرغم من فضائه العالمي الذي لم تنفع معه عبارة كيارستمي "العالم هو مشغلي" التي يستجبر بها دائما. وعلى الرغم من هذا الخفاق البسيط إلاّ أن هذا الأمر لا يقلل من أهمية المخرج الكبير كيارستمي صاحب "ثلاثية كروكر"، و "طعم الكرز"، و "أين يقع منزل صديقي؟" و "ستحملنا الريح" وغيرها من الأفلام المعروفة التي رسخته في ذاكرة السينما العالمية.

ولكي لا نخرج عن إطار الشرق الأوسط أجد من المناسب أن نتوقف قليلاً عن فيلم "إذا متّ سأقتلك" لهونر سليم الذي يتوزع بين منطقتين جغرافيتين هما شمال العراق تحديداً وفرنسا حيث يستقبل فيليب في منزله فتى كردياً يموت على حين غرّة فيطلب من مؤسسة حرق جثته لأن أحداً لا يعرفه. ثم يبدأ فيليب بالبحث عن سيبا التي قدمت إلى باريس كي تبحث عن خطيبها من دون أن تعرف أنه قد فارق الحياة. قد يبدو سياق القصة السينمائية طبيعياً حتى هذه اللحظة لكن ما إن يأتي والد الفتى طالباً من خطيبته سيبا أن تتزوج من أخيه الأصغر على وفق التقاليد الاجتماعية المعروفة في كردستان حتى ترتبك أوضاع هذه الفتاة التي وقعت في حب فيليب الذي يحاول مساعدتها للخروج من هذا المأزق. لا شك في أن الناقد قد التقط الرسالة الداخلية التي ينطوي عليها الفيلم، كما استغور اللعبة الفنية التي يعتمدها هونر سليم حيث قال: "يمزج هذا الفيلم بين الموضوع الاجتماعي ذي اللفتة الإنسانية وبين الموقف الكوميدي الساخر، وهذا ما يبقى ماثلاً هنا وبفاعلية". ويمكن تلمّس هذه السخرية فيلمه الأخير "بلادي الحلوة، بلادي الحادة" الذي تبّله بنكهة غربية تهدف إلى إثارة النفس الساخر قبل كل شيئ.

ثيمة الإرهاب

تعززت ثيمة الإرهاب في السينما العالمية بعد أحداث 11 سبتمبر وإن كانت موجودة بقدر أو بآخر قبل ذلك التاريخ، لكن هذه الثيمة ارتبطت بالعالمين العربي والإسلامي على وجه التحديد، فثمة حوادث إرهابية متفرقة تحدث هنا وهناك وفي فترات زمنية متباعدة يقوم بها بعض الإرهابيين من ديانات أخرى، لكن الزخم الكبير يلتصق، مع الأسف الشديد، بالمسلمين المتطرفين الذين جعلوا من العلميات الإرهابية "نمطاً إسلامياً" وقد ساهمت السينما الإنكلو- أميركية في ترسيخ هذه الظاهرة بواسطة العشرات أو ربما المئات من الأفلام الروائية والوثائقية على حد سواء. وفي هذا الفصل تحديداً يرصد الناقد محمد رضا عدداً غير قليل من هذه الأفلام من بينها "الأصولي المتمنِّع"  للمخرجة الهندية المقيمة في نيويورك ميرا نير التي اعتمدت كلياً على رواية الكاتب الباكستاني محسن حميد وصنعت منها فيلما درامياً يتمحور حول الإرهاب بشكل خاص، والإسلام بشكل عام. فالمهاجر الباكستاني جنكيز الذي يلهث وراء أحلامه بالعمل والثراء يجد وظيفة في مؤسسة اقتصادية أميركية وينال ثقة رئيسه، ثم يقع في حُب المصورة أريكا بعد أحداث 2001، لكن يتم تفتيشه بطريقة مستفزة بالنسبة إليه فيستقيل من وظيفته ليعود إلى الباكستان ملتحياً. يُدلنا الناقد الحصيف محمد رضا إلى نتيجة مهمة وصلت إليها المخرجة ميرا نير مفادها "بأن الحقد يولّد الحقد" وهذا الأمر هو الذي دفع جنكيز لأن يراجع حساباته التي ستقلب حياته رأساً على عقب.

ثمة أفلام عديدة في هذا الفصل تتناول موضوعات من قبيل الإرهاب، والعرب، والإسلام كما في فيلم "فعل جرأة" لمايك ماكوي وسكوت ووف حيث تقوم وحدة عسكرية بحرية أميركية بالهجوم على أحد أوكار الإرهاب دفاعاً عن الوطن والأمة والديمقراطية، وهي مبادئ من وجهة نظر الناقد، "لا خلاف على نبلها باستثناء أنها باتت تندمج في إبادة الشعوب والزعماء أيضا". لم يرض الناقد عن هذا الفيلم وقد وصفه بأنه "سيئ وغبي وفاشل".

لا يخرج فيلم "أسرى" للفليبيني بريالنت مندوزا عن دائرة الإرهاب الإسلامي إذ يسجل وقائع هجوم على قرية آمنة تشنّه جماعة إسلامية تنتمي إلى منظمة أبي سيّاف ويتم اقتياد مجموعة كبيرة من الأسرى إلى أحد المعسكرات النائية ولا يُخلى سبيلهم إلاّ بعد مضي سنة كاملة من الأسر. يبتغي هذا الفيلم، كما يرى الناقد، الإساءة إلى الإسلام تماماً كما ذهب المخرج نفسه في فيلم "الرحم" إلى التجريح بالإسلام من خلال نحر بقرة بطريقة وحشية تؤذي المتلقي، فالنقد الساخر ليس هدف المخرج، وإنما التجريح وتشويه الصورة هو الهدف الذي يسعى لتحقيقه وترسيخه في ذاكرة المتلقين.  

الخيال العلمي

عوّدنا المخرجون الأميركيون في أفلام الخيال العلمي تحديداً على التصدي للغزاة القادمين من كواكب سماوية أخرى بهدف تدمير الأرض لكننا في فيلم "الساعة الأكثر عتمة" للمخرج الروسي كريس غوراك سيكون المكان روسيا بدلاً من أميركا. هناك مئات الأفلام الأميركية التي يتصدى فيها المارينز للأقوام الغريبة الهابطة علينا من كواكب بعيدة ومجرات نائية جداً مثل "معركة لوس أنجيليس" لجوناثان لايبسمان فحينما يعود الملازم نانتز من العراق يجد نفسه في موجهة مع  مخلوقات فضائية غريبة قادمة لتدمير الأرض. وفي "سفينة حرب" لبيتر بيرغ تلتحم البحرية الأميركية مع البحرية اليابانية لتتصدى لسفن حربية تهاجم الأرض. وإذا تعذّر مجيء هؤلاء الغرباء الذي يبتغون تدمير الكرة الأرضية فإن الكائنات الأرضية الأميركية هي التي تجشّم نفسها عناء غزو الفضاء. ففي فيلم "جون كاتر" لأندرو ستانتون الذي تقع أحداثه في القرن الثامن عشر حيث ينطلق جون كاتر من الأرض إلى المريخ ليجد نفسه منغمساً في نزاع بين شعبين أحدهما خيّر ينضّم إليه، والثاني شرّير يعاديه.

الأرواح الشريرة

قد يتصور بعض الناس أن السحر والشعوذة والأرواح الشريرة هي خزعبلات مقترنة بديانات وشعوب محددة بينما يكشف واقع الحال أن الشعوب المتطورة تمارس ذات المعتقدات المتخلفة التي تمارسها شعوب العالم الثالث مع فوارق نسبية ضئيلة. ففيلم "الشيطان في الداخل" لوليم برنت بيل يتمحور حول طرد الأرواح الشريرة التي تدخل في أبدان الناس وموقف الكنيسة منه. أما في فيلم "وراء الهضاب" لكريستيان مونجيو فهم يحاولون إخراج الشيطان من جسد ألينا التي كانت مرتبطة بصديقتها الحميمة فويشيتا. وهذا الفيلم مستوحى من قصة حقيقية حدثت في مولدافيا عام 2005 أفضت إلى وفاة امرأتين بسبب الطقوس المتبعة في طرد الأرواح الشريرة.
في فيلم "ممتطي الشبح: روح الانتقام" لنيفلدن وتايلور تتمحور فكرة الفيلم حول الشيطان الذي يحاول أن يخرج من جسد رجل كي يتقمص طفلا. أي أن الفيلم لا يخرج عن إطار الأرواح الشريرة.
في فيلم "أضواء حمراء" يؤدي دينيرو شخصية قارئ غيب يدعي العمى حيث يظهر من جديد بعدما اختفى لمدة ثلاثين عاماً لكن ظهوره يجعل الدكتورة مارغريت قلقة غير مرتاحة لأن كل ما يتبدى لها سحراً أو روحاً خفية ما هو إلاّ محض دجل لا غير.

ثمة معتقدات قريبة من الخرافة ففي فيلم "طر مع الكركي" للمخرج الصيني لي رايجون  يتمنى العجوز ماجينغشن أن يُدفن بدلاً من أن يحرق جثمانه لأنه يعتقد أن روحه سوف تطير إلى السماء على جناحي طائر الكركي. وعلى الرغم من المسحة الأسطورية التي تطغى على الفيلم إلا أنه يتناول أيضاً فكرة صراع الأجيال واختلاف قناعاتهم. كما أن الفيلم يذكّر بالعادات والتقاليد القديمة التي تقف في مواجهة منظومة القيم العصرية الجديدة.

أشرنا قبل قليل إلى أن الناقد محمد رضا قد حلل"190" فيلماً روائياً عالمياً في هذا الفصل وهي أفلام تدور حول موضوعات وثيمات متعددة يمكن أن نذكر بعضاً منها مثل العلاقات العاطفية، والخيانة الزوجية، والاغتصاب، وجرائم القتل، والسرقات بأنواعها، والحروب والمعارك، والإرهاب، والمتاجرة بالمخدرات، والإدمان على الكحول، والعمالة، والجاسوسية، والابتزاز، والمشاكل النفسية، والانهيارات العصبية، وفقدان الذاكرة، وتأنيب الضمير، والبحث عن الثراء السريع، واللهاث خلف الأحلام الوهمية، والصراع بين الثقافات والحضارات، والنظرة الإيجابية والسلبية للإسلام والمسلمين، ودور الفن في حياة الإنسان، والعقم، والتبني، والانتحار، أو الشروع بالانتحار، والتهريب، والعصابات، وحوادث الدهس، والهجرة، واللجوء غير الشرعي وما إلى ذلك. وقد كشف الناقد عن قدرته الفاذة في دراسة هذه الأفلام وتحليلها إلى عناصرها الأولية قبل الحكم عليها بطريقة فنية محايدة تعتمد على المعايير النقدية المتبعة في المدارس والتيارات الغربية على وجه التحديد.

الأفلام الوثائقية

انتقى الناقد عشرة أفلام وثائقية ليكتب عنها ويحللها بطريقة نقدية صارمة ومن بين هذه الأفلام نذكر "إمبراطورية أميركية"" لباتراي باتريك التي ترصد فيها المخرجة حفنة من المؤسسات الاميركية التي تهيمن على القرارات المعيشية في العالم وتتاجر بها، ولا شيئ من خيرات العالم تفلت من قبضتها الصارمة.

انتصفت بعض الأفلام الوثائقية للملكة العربية السعودية كما في فيلم "أرابيا 3D" لكرغ ميغلفراي الذي صوّر السعودية بتقاليدها، وتراثها الإسلامي، وثقافتها، وحضارتها، وبيئتها وقدّمها بطريقة إيجابية لم نألفها من قبل، فغالبية المخرجين والمستشرقين يركزون على الجوانب السلبية، لكن ميغلفراي، كما يذهب الناقد، غاص في البحر الأحمر، وطار فوق الصحراء والمدن السعودية بعد أن حمع حصيلة فنية وثقافية تعود إلى ألفي سنة.

ثمة أفلام وثائقية مهمة جداً مثل "كهف الأحلام النسية" لفرنر هرتزوغ الذي منحته السلطات الفرنسية لوحده حق تصوير كهف شوفيه الذي تم اكتشافه قبل سنوات والذي يحتوي على رسوم جدارية تعود إلى نحو "20" ألف سنة. وفضلاً عن أهمية هذا الاكتشاف التاريخي الفريد فإن المخرج يصل إلى خلاصة مفادها "أن الإنسان الأول قد عرف الحكواتي". أما بقية الأفلام فهي تستحق المشاهدة والتأمل ومن بينها "أحلام حياة" لكارول مورلي و"ثلاث شقيقات" لوانغ بينغ. أما أفلام الأنيميشن فقد تناول الناقد ثمانية أفلام بالنقد والدراسة والتحليل ومن بينها "مغامرات تان تان" و "ألـ?ن والسناجب: حطام السفينة" و "أقدام سعيدة 2" و "القراصنة في مغامرة مع العلماء".

ركّز الناقد محمد رضا في الفصل الرابع والأخير على "11" فيلماً تمثل أحد عشر عقداً من تاريخ السينما، وبعضها ليس معروفاً ولم يحتل مكانة لائقة من وجهة نظره لذلك استوجب تسليط الضوء عليها نذكر منها "الهاوية" لأوربان غاد، "مولد أمة" لغريفيث، "مغامرات الأمير أحمد" للوتي راينغير، "هذا المسدس للإيجار" لفرانك تاتل، "الأم الهند" لمحجوب خان، "لورنس العرب" لديفيد لين، "سواق الأوتوبيس" لعاطف الطيب و "القلوب المحترقة" لأحمد معنوني.

جدير ذكره أن الناقد قد عرض أيضاً في الفصل الرابع "28" قرصاً مدمجاً، وتتبع في باب "الوداع الطويل" "27" ممثلاً عربياً فارقت الحياة العام الماضي إضافة "37" ممثلاً عالمياً، بينهم بعض النقاد أو المشتغلين في الحقل السينمائي وهو جهد إضافي يستحق الثناء والتقدير.

وفي الختام لابد من الإقرار بأن "دليل السينما العربية والعالمية" الذي ينجزه الناقد المثابر محمد رضا هو جهد موسوعي يستحق الإشادة والتثمين كما يكشف عن رؤيته النقدية التي تضع الأمور في نصابها الصحيح.

الجزيرة الوثائقية في

16.01.2014

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)