حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

سوبرمان العائد ينفض غبار الأمس

رجل من فولاذ يسعى لطرح جديد ومؤثرات غير مسبوقة

كان: محمد رُضا 

 

في افتتاحيات المسلسل التلفزيوني المأخوذ عن مجلات الكوميكس تحت عنوان «سوبرمان» هناك عبارة تقول: «أهذا طائر؟ أهذه طائرة… لا… هذا سوبرمان».

واللقطة الأولى هي لذلك الرجل مرتدي البزّة الزرقاء ذات المعطف الأحمر وعلى صدره حرف S كبير وهو يرتفع في السماء أو يسبح في عرضه…. هذا كان الحال آنذاك.

اليوم، لم يعد بالإمكان طرح ذلك السؤال التحفيزي فالجميع بات يطير… سوبرمان، آيرون مان، المنتقمون، ثور وسواهم من الشخصيات التي خرجت أيضا من معطف مجلات الكوميكس منذ أواخر الثلاثينات. وإذا كان لا بد من طرح السؤال فإن العبارة يجب أن تكون «لا… هذا سوبرمان.. أو ربما باتمان… لعله آيرون مان».

نعم على كثرة الشخصيات الكوميكية الطائرة، أصبح طيران سوبرمان خلال العقدين الأخيرين على الأقل، أقل من ميزة. في عام 2006 عندما حاول المخرج برايان سينجر إعادة التقدير لسوبرمان، كما قام ببطولته براندون راوث في «سوبرمان يعود»، اكتشف وشركة «وورنر» أن الناس لا تكترث لهذه العودة كما افترضا. الفيلم تكلّف حينها 209 ملايين دولار وأنجز حول العالم 390 مليون دولار، أي أنه خسر كون الفيلم بحاجة - كقاعدة عامّة - إلى ضعف كلفته لكي يبدأ بتحقيق الأرباح.

«سوبرمان يعود» كان فيلما رديء الصنعة وركيك الصياغة أراد تحريك سوبرمان من جمود تبع فشل فيلم سابق حمل رقم 4 في السلسلة الحديثة. ذلك الفيلم كان «سوبرمان 4: طلب السلام» وكان آخر جولة للممثل الراحل كريستوفر ريف قبل سنوات قليلة من إصابته بشلل في عموده الفقري إثر سقوطه عن حصان. مع فشله توقف الحديث عن سوبرمان ولو أن الاستوديو (أي وورنر) داوم التفكير في الوقت المناسب لإنجاز عودة أقوى ومختلفة.

الآن وبعد سبع سنوات على «سوبرمان يعود»… يعود سوبرمان مرّة جديدة تحت عنوان «رجل من فولاذ» تحت إدارة المخرج زاك سنايدر ومع هنري كافيل في الشخصية الرئيسية. والكلمة المتداولة في هذا الشأن هي أن سوبرمان الجديد سيطير كما لم يطر من قبل وسيكون بطلا حازما وقويّا كما لم يرد في أي من الأجزاء السابقة والشكر في ذلك لمؤثرات الديجيتال قابضة مصائر كل الأبطال المشابهين.

من شرير إلى سوبر هيرو الرحلة لم تكن سريعة. النيّة الفعلية وُلدت سنة 2008 بعد عامين من إعلان «وورنر» أنها في سبيل إطلاق فيلم جديد في السلسلة على الرغم مما ناله «سوبرمان يعود» من نفور. في عام 2010 تم تعيين كاتب السيناريو ديفيد غوير لمعاينة السيناريوهات المتعددة التي توفّرت من قبل مجموعة مختلفة من الكتّاب. في نهاية العام ذاته أعلن عن أن التصوير سيبدأ في ديسمبر (كانون الأول) سنة 2010 لكن البحث عن الكتابة المناسبة والمخرج الملائم والممثل الصحيح أخر كل ذلك حتى الشهر السابع من عام 2011. في مطلع العام الماضي دخل الفيلم مرحلة ما بعد التصوير وفي مطلع هذا العام انتهى العمل عليه وأصبح جاهزا.

خلال كل تلك السنوات تناوب المرشّحون لإخراج هذا الفيلم وكان من بينهم دارن أرونوفسكي («بجعة سوداء») والراحل توني سكوت وجوناثان ليبرمان. بن أفلك كان الوحيد الذي اعتذر من البداية، أما الباقون فمكثوا مع المشروع بعض الوقت قبل انسحابهم منه.

للبطولة في دور هذا الرجل الطائر تم عرض الشخصية على أرمي هامر ومات بومر وزاك أفرون وماثيو غود من بين آخرين قبل أن يفوز به هنري كافيل. والبطولة النسائية توجّهت إلى أكثر من اثنتي عشرة ممثلة من بينهن آن هاذاواي وكرستن ستيوارت وراتشل ماكادامز وكرستين أوليفيا وايلد وميلا كونيس ونتالي بورتمن، لكن الاختيار في نهاية المطاف رسا على آمي أدامز.

سوبرمان الشخصية لها باع طويل في «الميديا» المختلفة. ظهرت أوّل مرّة في الثامن عشر من أبريل (نيسان) سنة 1938 من قبل فنانين هما جيري سيغل وجو شوستر اللذان رسما شخصية سوبرمان كرجل أصلع وشرير ينوي السيطرة على مقدّرات العالم بأسره. لكن سيغل اختار للعدد الثاني بعد سنة نقل سوبرمان إلى شخصية أخرى بطولية تصارع الشر وتنتصر عليه في كل موقعة.

سنلاحظ، إذا ما جرّدنا الشخصية من المتغيّرات والخصائص التي ألصقت بها عبر التاريخ أن لديه مشكلة أبوية. فوالده الحقيقي من سكان كوكب بعيد وهو من أرسل طفله هذا إلى الأرض قبل أن يتم تدميره من قِبل أشرار ذلك الموكب. وصل سوبرمان طفلا صغيرا إلى الأرض فتبنّاه زوجان لم يرزقا بطفل ونشأ بينهما. المرجعية الأبوية مع مشاكل نفسية وعاطفية مماثلة في حدّتها نلحظها في الشخصيات البطولية الأخرى مثل باتمان وسبايدر مان والرجل العملاق (The Hulk) و«العفريت» Daredevil فالأب دائما غائب والبطل محروم من حنانه، كما في «باتمان» و«سبايدرمان».

التلفزيون احتضن نجاح الشخصية على الورق وأطلق سلاسل من «سوبرمان» من مطلع الخمسينات وصاعدا. لكن حتى قبل ذلك، حاولت السينما تقديم هذه الشخصية على الشاشة الكبيرة فكان «سوبرمان» من إخراج سبنسر بانِت الذي أدّى بطولته كيرك أيلين (1948) أما الحلقات التلفزيونية فقام ببطولتها جورج ريفز.

حين فكّرت «وورنر» بإطلاق سوبرمان سينمائي جديد في سنة 1978 دشّنت حلقات جديدة هي أفضل ما تم إنجازه من هذا المسلسل إلى اليوم. الفيلم الأول منها قام بإخراجه رتشارد دونر ليخلفه على الفور البريطاني رتشارد لستر مرّة سنة 1980 ومرّة أخرى سنة 1983 من قبل أن تشتري شركة «كانون» الشخصية لاستخدام وحيد بخلت عليه بالتكلفة حمل، كما ذكرنا، الرقم 4 في السلسلة وأخرجه سيدني ج. فيوري وكان الأردأ حتى من نسخة الأربعينات بالمقارنة.

المحاولة الجديدة ستسعى جاهدة لنفض سوبرمان من غبار فشل الجزأين الرابع والخامس في حكاية تعود إلى البدايات لكنها تفتح فيها نوافذ يُقال: إنها لم تُـفتح من قبل.

* لعنة سوبرمان

* كان الحادث المؤلم الذي أقعد كريستوفر ريف بعد أربع جولات مع الشخصية المذكورة بمثابة إحياء لما أطلق عليه «لعنة سوبرمان» لأن الكثير من الذين لعبوا هذا الدور لاقوا مصائر وخيمة. الأول كان جورج ريف (لا علاقة) الذي يُقال: إنه صدّق شخصيّته فقفز من علو لكنه سقط ميّتا عوض أن يطير. البعض الآخر يؤكد أنه انتحر. لي غويغلي لعب سوبرمان صوتا وهو صغير ومات في سن الرابعة عشرة من العمر. كير ألين الذي لعب مسلسلا سينمائيا في الأربعينات لم يجد عملا بعد ذلك وأصيب بالزهايمر.

المشهد الأول

قبل الغروب والشروق ومنتصف الليل

* الثلاثي رتشارد لينكلتر وإيثان هوك وجولي دلبي يعاودون اللقاء في فيلم ثالث من سلسلة سينمائية تختلف عن مسلسلات «سوبرمان» و«ستار ترك» و«روكي» من حيث إنها ليست أفلاما استهلاكية شعبية وترفيهية على الإطلاق. بل هي في صميم السينما المستقلة التي ارتكبها المخرج لينكلتر منذ عقود ونجح فيها في نطاقها المحدود إنتاجيا وجماهيريا. ففي البداية كان هناك «قبل الشروق» سنة 1995: دراما صغيرة آسرة حول مؤلّـف أميركي في باريس (إيثان هوك) يلتقي بامرأة فرنسية ويمضي بعد الظهر في صحبتها بين المقاهي والحدائق والحوارات الوجدانية المختلفة. انتهى الفيلم.

* كان الإقبال عليه جيّدا (وكلفته تقترب من كلفة تصوير يوم واحد من «آيرون مان») ما دفع الفريق الثلاثي إلى فيلم آخر سُـمّي بـ«قبل الغروب» الذي سار على وتيرة المثل الإنجليزي الذي يقول: «إذا لم يكن مكسورا فلا تصلحه». والتوليفة لم تكن مكسورة بل صالحة للاستخدام مرّة ثانية. هذه المرّة يعود المؤلّف إلى باريس ويلتقي بالمرأة ذاتها ويتناول كل منهما سرد حياته خلال السنوات التسع التي فرّقت بينهما.

* وها هو الجزء الثالث تحت عنوان «قبل منتصف الليل» وهذه المرّة يلتقي بطلا الفيلم في اليونان بعد تسع سنوات أخرى على اللقاء الثاني وثمانية عشر عاما على اللقاء الأول. إلى متى ستستمر هذه السلسلة؟ ربما لحين قريب. ربما بعد تسع سنوات أخرى سيطلق لينكلتر فيلما بعنوان «قبل فوات الأوان» وفيه يسترجع بطلا السلسلة حياتهما طوال الفترة الزمنية السابقة وقد بلغا من العمر عتيّا.

* أسوأ ما قد يصيب فيلما هو أن يعمل المخرج على نحو معيّن فيجد أن الجمهور فهم فيلمه على نحو آخر. والمخرج الدنماركي نيكولاس وندينغ رفن تعرّض لمثل هذه التجربة حين عرض قبل أيام فيلمه الجديد «الله وحده يغفر» فإذا بجمهور مهرجان «كان»، حيث تم ذلك العرض، يطلق ضحكات هنا وهناك كلّما سنحت الفرصة. الضحكات مناوئة تماما للطرح الجاد الذي قصده رفن، فالفيلم ليس كوميديا بل أريد له أن يلعب على عقدة أوديب ويستحضر ماكبث ويقدّم عالما مضرّجا بالدماء… ما الغريب في ذلك؟ الغريب هو كيفية التنفيذ التي دفعت كثيرين، بعد الضحكات الأولى، لمغادرة القاعة وفي بالهم أنهم إذا ما أرادوا ضحكا أفضل وجدوه في أفلام لوريل وهاردي.

صالة لواحد

نبراسكا تنادي الفيلم: Nebraska

إخراج: ألكسندر باين دراما: الولايات المتحدة 2013 تقييم: (3*) (من خمسة).

بعض أفضل أعمال المخرج ألكسندر باين هي أفلام طريق، أي تلك التي تدور في رحى رحلة بالسيارة يقطعها الممثلون بين نقطتين مهمّتين في حياة كل منهم، كتلك الرحلة التي قام بها شميت (كما لعبه جاك نيكولسون) في «حول شميت» (2002) وكما لعبه كل من بول جياماتي وتوماس هايدن تشيرش في «طرق جانبية» (2006). وحتى حين لا يكون الفيلم من أفلام الرحلات عبر الطرق الريفية والبعيدة فإن البحث قائم وحثيث. ريز ويذرسبون تبحث عن مستقبلها السياسي وسط ضباب الحركات الطلابية وأهواء الشباب. جورج كلوني في رحلة ذهنية قاسية محاولا الإجابة على أسئلة وجودية تتجاوز ما إذا كانت زوجته خدعته أم لم تخدعه ومع من وذلك في «أحفاد» (2011).

لكن الرحلة التي يقوم بها أبطال فيلم باين الجديد «نبراسكا» تختلف، فهي مبنية على علاقة بين الأب وابنه: الأول واثق من أنه فاز بجائزة «اللوتو» التي تبلغ قيمتها مليون دولار، وابنه واثق من أن والده صدّق خدعة. الطريقة الوحيدة لتأكيد ذلك هو أن ينطلق الاثنان في رحلة بالسيارة عبر ولايتين للوصول إلى ولاية نبراسكا حيث عنوان الشركة الصغيرة التي تبعث بالبريد لملايين الأميركيين مراسلات تغريهم بشراء اشتراكات لمجلات وصحف في مقابل الدخول في مسابقة قيمتها الكبرى مليون دولار.

مطلع الفيلم معبّر جدّا: بروس ديرن (ذلك الممثل المخضرم الذي طالما لعب أدوارا شريرة تلفزيونية وسينمائية من الستينات) يمشي على الطريق السريع قبل أن يوقفه رجل شرطة. تلك اللحظات هي - كالفيلم كله فيما بعد - كوميدية وجادّة. تتعامل على نحو يُثير الضحك من دون أن يغرق فيها ويعالجه بقدر من الشعور الإنساني المغدق في دلالاته. ابنه ديفيد (ول فورت) يحاول أن يثني والده عن القيام برحلته التي كان مستعدا القيام بها سيرا على الأقدام عبر ولايتين، وحين يجد أنه لن يستطيع إقناعه يأخذه بسيارته. الكثير من الفيلم يتم خلال هذه الرحلة. الكثير من المواقف. والكثير من تبعات شيوع الاعتقاد بأن العجوز ربح المليون في بلدات معدمة. فجأة الأب بات نجما محليّا ولا أحد ينوي تصديق الابن بأن والده لم يربح شيئا.

صوّر المخرج فيلمه هذا بالأبيض والأسود. تفعيل لصالح الفيلم على اعتبار أنه أراد تحقيق فيلم صغير وبسيط. لكن المخرج، ولأنه يعرف كيف يلتزم بشروط الإنتاج المستقل ويمنح المشاهد عملا كبيرا في أبعاده من دون التدخّل في التشكيل الفني أو التخلي عن المعالجة الهادئة والرصينة، يصنع عملا عميقا وبل ربما صعب الإنجاز بالنسبة لمخرجين آخرين. يترك المخرج نفسه خارج لعبة الظهور ويمنح أبطاله وشخصياته والبيئة الاجتماعية التي تقع فيها الأحداث كل ما يلزم من جهده. والنجاح حليفه.

* ألكسندر باين والأوسكار

* فاز المخرج بأوسكار أفضل سيناريو مرّتين. الأولى سنة 2004 عن «طرق جانبية» والثانية في العام الماضي عن «الأحفاد». كما رشّح للغولدن غلوبس ثلاث مرّات ففاز بجائزة أفضل سيناريو عن «طرق جانبية» لكنه أخفق في الحصول على الجائزة ذاتها حين رشّح كأفضل مخرج وأفضل كاتب سيناريو عن فيلمه الأخير «الأحفاد».

سنوات السينما

1934: حدث ذات ليلة

* بالانتقال إلى عام 1934 نجد أن بعض أفضل أفلام العام تمثّلت بدراميات عاطفية أفضلها بكل تأكيد «حدث ذات ليلة» الذي قام بتحقيقه المخرج فرانك كابرا عن قصّة قصيرة في الأصل مسندا بطولته إلى كل من كلوديت كولبرت وكلارك غايبل. هي دلّوعة بالغة الثراء تهرب من قصر العائلة وتلتقي بالصحافي المعدم كلارك غايبل الذي يحاول توجيهها نحو ما هو خير لها فتعارضه، قبل أن تقع في حبّه.

هذا الفيلم كان أول فيلم في تاريخ الأوسكار يفوز بعدّة جوائز. فهو حصد خمسا منها هي جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل ممثل (غايبل) وجائزة أفضل ممثلة (كولبرت) ثم جائزة أفضل مخرج (كابرا) وأخيرا جائزة أفضل سيناريو مقتبس (روبرت ريزكين).

الشرق الأوسط في

24/05/2013

 

تساؤلات حول حياة الشاعر ومراراتها

حوار – عبدالعليم البناء 

يعتبر المخرج جودي الكناني من المخرجين العراقيين، الذين صاغوا تجربتهم في المهجر، هو الذي درس الإخراج الســـينمائي في معهد كارجيالي في بخارست عام 1983، وأخرج سبعة أفلام قصيرة في رومانيا.

في عام 1986 هاجر الى كوبنهاغن حيث عمل في شركة سنتروبا، التي يملكها ويديرها المخرج لارس فون ترير.

وهو أخرج هناك ثم لاحقاً، عدداً من الافلام منها «عندما يغضب الجنرال»، «معرضي الجوال»، «رحلة الى الينابيع»، «الضحية الحي»، «الأخضر بن يوسف»، (وهو عن تجربة الشاعر العراقي المعروف سعدي يوسف)...

بعد هذه الأفلام، عاد الكناني الى بغداد ليتمكن من إخراج فيلم جديد، ضمن أفلام بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013، مكرس لرائد الشعر الحر بدر شاكر السياب، ليضاف الى قائمة الذين تصدوا لتجربة السياب الانسانية والابداعية، المثيرة للجدل بكل تمظهراتها... مع المخرج جودي الكناني الذي بدأ تصوير مشاهد فيلمه، قبل فترة في قرية «جيكور»، مسقط السياب، في محافظة البصرة جنوبي العراق، حيث نهر «بويب»، و «شباك وفيقة»، و «بيت الأقنان»... كان لنا هذا الحوار:

·     تصدى للحديث عن سيرة السياب كثيرون عبر أفلام ومسرحيات ودرامات تلفزيونية، ما الذي دعاك لتناولها اليوم من جديد؟

- أنا منذ مدة طويلة، كنت مهتماً بالسياب، لأنه عالم فيه الكثير من الخصوصية، وأجد فيه الكثير من الإمكانية، للعمل على الصورة الفنية، لأنه يمنحك إمكانية كبيرة لتحريك مخيلتك كمخرج، في بناء الحدث الفيلمي.

ولهذا وجدت إمكانية لتقديم السياب، بعمل فني يحمل رؤيا فنية، ذات مواصفات خاصة.

بعيداً من الوثائق

·        إذا كان الأمر كذلك، فأنت هنا تجمع بين الوثائقي والروائي، فما سبب ذلك؟

- في البداية كنت أفكر بضرورة وجود جوانب وثائقية في الفيلم، لكن وبعد عملي على النسخة الثانية من السيناريو، إرتأيت ان يبقى الفيلم روائياً خالياً من الوثيقة، لأن الوثيقة في فيلم عن السياب، ربما ستخلق إشكالات أنا في غنى عنها، بخاصة ان هناك الكثير من الوثائق التي لم أجد ما يعززها، هذا أولاً، وثانياً لأنني أردت أن أخلق عوالم فنية خاصة من مخيلتي، ولا أريد أن أبقى أسير الوثيقة، فتناول الوثيقة في أي فيلم، يخضع لقوانين اشتراطية، أهمها أن تقدمها بالشكل المجرد، وأما أن تسرد سرداً روائياً مستوحى من نص، تكون العوالم أمامك مفتوحة. وأنا بعد كل شيء فنان أبحث عن حريتي.

·     إذاً، ما المعالجة السينمائية التي اعتمدتها في البناء «الوثائقي» والروائي للفيلم لا سيما أن سيرة السياب كانت وما زالت مثيرة للجدل وتنطوي على الكثير من المواقف الانسانية والابداعية الجريئة؟

- المعالجة الفيلمية هي أيضاً، فيها الكثير من الغرابة والجرأة. فأنا خلقت هنا تداخلاً بين الماضي والماضي، بمعنى أن السياب المتوفى يسرد قصته للسياب الحي، ويرى طفولته، ويحدثنا عن السياب الحي الذي خلقته في الفيلم. الســـياب لديّ يراقب ويرى عملية دفنه، ويقــدم وصاياه للعراقيين... هناك تداخل في الزمن، والواقعية تحولت الى ترميز، بحيث من الصعب التفريق بين المشهد الواقعي، والمشهد المتخيل. السياب لديه الكثير من الرموز في شعره، وأنا أحاول إعادة صياغتها باتجاهات، تخدم عملية السرد.

·        وماذا عن الشخصيات التي ستجسد السياب في مراحله العمرية المختلفة وباقي الشخصيات؟

- منذ البداية وضعت في حساباتي أن أتعامل مع وجوه غير مألوفة للمشاهد، وهذا انطلاقاً من أن تقبّل المشــــاهد لهذه الوجوه، أسهل بكثير من فكرة التعامل مع وجه معروف، بأدوار راسخــة في ذهنه، لذا أسندت دور الســـــياب الى شاب جديد، هو حيدر نجــم، كما ان باقي الممثلين ليسوا في غالبيتهم من المحترفين، لكنني لم أجد صعوبة كبيرة في التعامل معهم، وأعتقد أنهم قدموا كل ما استطاعوا.

بين النصّ والفكرة

·     وهل سيحافظ الفيلم على سير الاحداث بمساراتها المعروفة عبر البيئة الواقعية التي عاشها الشاعر، أم أنك ستلجأ الى بيئة مفترضة ربما تقترب من البيئة الحقيقية للأحداث؟

- قيمة عملي كمخرج، ستكمن في توظيف النص وتطويعه للفكرة، التي أريد إيصالها عبر الصورة السينمائية. في فيلم السياب لا أقدم البيئة في شكل تجريدي، بل أخلق بيئة مستوحاة من جو القصيدة، وفيها الكثير من الدلالات التي ترمز الى عالم السياب.

·     وفقاً لهذا كله، ما الرسالة التي ينطوي عليها الفيلم إذا أخذنا في الاعتبار الحضور الطاغي للسياب في المشهد الثقافي عراقياً وعربياً؟

- هناك أكثر من رسالة أريد إيصالها، وأولها ايصال رؤيتي وقراءتي الخاصة للسياب. فالفيلم، أي فيلم، هو تعبير عن رؤيا فنية ذاتية، تجمع الكثير من الدلالات والرموز والاسئلة، هناك الكثير من التساؤلات التي سيلمس المشاهد وجودها في الفيلم، حول حياة السياب، وسيجد المشاهد إدانات كثيرة على لسان السياب نفسه، حول شكل الحياة التي عاشها.

وأنا كفنان أتمنى ألا تتكرر تجربة السياب الشخصية في الحياة، لأنها كانت مليئة بالمرارات. أما الرسالة الاخرى التي أريد إيصالها للمشاهد العراقي، فهي أن السياب كان من الشعراء العظام، بحيث ان هناك حتى الآن قصائد كثيرة له، لم يتم تجاوزها في المستوى.

أما على الصعيد العربي، فأنا اعتقد أن العرب يعرفون ويقيّمون ما نملك من ثروة أدبية كبيرة في العراق. وأنا في هذا الفيلم أريد إيصال رسالة هي أن السياب، على رغم عمره القصير، ومرضه المميت، انتصر على الموت، وانتصر على الحياة أيضاً.

عن الدعم والسينما

·     يشكل الفيلم هدفاً ثقافياً إبداعياً ضمن مـــشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية، فكيف تنظر الى الدعم الذي قدمته وزارة الثقافة للسينما العراقية في إطار هذا المشروع؟

- أعتقد أن الوزارة قدمت دعماً مالياً مهماً، لإنتاج عدد من الافلام. طبعاً جاء الدعم متفاوتاً، من حيث المبالغ المرصودة لكل فيلم، لكن المهم هو ترسيخ عملية الدعم لصناعة السينما، وجعل بغداد حقاً عاصمة للثقافة العربية، وتحويل هذا الى سياسة ثابتة سنوياً، من أجل الاستمرار في عملية الانتاج، حتى نحصل على خبرة متراكمة تتطور فيها غالبية الاختصاصات الفنية والتقنية.

·        أخيراً، ما الذي تراهن عليه وما الذي تتوقعه من ردود أفعال؟

- أراهن على أنني سأقدم السياب في شكل غير مألوف أبداً، وهذا الشكل سيثير ردود أفعال كثيرة، بعضها معارض، لأنه شكل جديد وغريب، والبعض الآخر سيراه جديداً يمكن تطويره.

·        كلمة أخيرة...

- أنا متفائل بما سيقدم هذا العام من أفلام لدينا هنا في العراق، وأتمنى أن تتحول عملية أنتاج الأفلام، إلى سياسة ثقافية ثابتة، بحيث تتحول السينما والفن بشكل عام إلى ضرورة اجتماعية، وأكثر أهمية في حياة الناس.

عودة البطل من الموت

بيروت - محمد غندور 

يبدو أن جدلية الحياة والموت، باتت تشكل هاجساً للممثل المصري أحمد حلمي، فصار مولعاً بأعمال تناقش هذه الفكرة وما وراءها من تفاصيل. مناقشة فكرة الخوف من الموت، والابتعاد عن الأحبة في إطار كوميدي فانتازي.

في العام 2009، قدّم حلمي فيلمه «1000 مبروك» (اخراج أحمد جلال)، الذي بدا وكأنه يدور من حول أسطوره إغريقيه هي اسطورة «سيزيف». وتدور أحداث الفيلم حول شخص يستيقظ صباح كل يوم، ليمر بمواقف مختلفة عدة، ومن ثم يموت في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً، ويستيقظ صبيحة اليوم التالي، ليجد أنه يعيش اليوم ذاته الذي قضاه بالأمس. ويمر الوقت مجدداً وبأحداث متشابهة، فيجد البطل نفسه محاصراً في يوم واحد فقط من حياته لا يستطيع الفرار منه.

في فيلمه الجديد «على جثتي» (إخراج محمد بكير)، لا يموت البطل يومياً، بل يدخل في غيبوبة بعد تعرضه لحادثة، وتبقى روحه عالقة بين السماء والأرض، فيتحول إلى شبح غير مرئي لا يتذكر اسمه أو أي شيء عن حياته السابقة، ويقابل من طريق الصدفة شخصاً آخر يعاني الحالة ذاتها.

هذا الجو السينمائي الفانتازي واللامعقول له خصوصــيته وأفكاره، لكن الرؤية الإخراجية لفيلم «على جثتي» لم تعكس ذلك، ما سبب ارتباكاً للمشاهد أحياناً إذ ضيّعه بين الواقع والمتـــخيل.

مهما يكن، فإن الفيلم يعكـــس هواجس الانسان ومخاوفه وتساؤلاته عن الحياة الأخرى، وحب الاطلاع على الأسرار، وآراء الناس بالشخص الميت.

يجسد حلمي في الفيلم شخصية مهندس ديكور متسلط على زوجته وابنه وموظفيه. وبدافع الخوف من العقاب، يقبل الموظفون بشروط عمل سيئة، كما تقبل الزوجة بمزاجية زوجها، والإبن بقسوة أبيه. لكن الرجل لدى دخوله في الغيبوبة تتغير أحواله وأحوال المحيطين به، حيث إن الهاجس الذي كان يرعب الجميع، لم يعد موجوداً، فنرى الزوجة ترقص وتطالب بكل الممتلكات، والابن يكسر صورة أبيه انتقاماً لعشر سنوات من القهر، والموظفين في حالة فوضى عارمة. لقد كان الخوف هو الذي يحدّد سلوك الكل، وحين انتهى بدأت الحرية.

على رغم أن كل هذه المشاهد متخيلة، فإنها تبدو في الفيلم شديدة الدلالة في إشارتها الى اننا نحتاج أحياناً صدمة لنعرف كيفية التعامل مع التناقضات. ولا سيما منذ يدرك «الشبح» رؤوف (أحمد حلمي)، أن طريقة تعامله مع من يحيطون به، كانت خطأً، وعليه اعادة النظر في كثير من الأمور أهمها عدم الشك في كل شيء، ومحاولة الثقة أقله في شريكة حياته.

اللافت في العمل، أن حلمي ما زال يقدّم أفكاراً تصدم المشاهد، وتفتح له أفقاً للنقاش. ما كان يؤكد دائماً ان هذا الممثل المصري يتميز عن زملائه من «الهزليين الجدد»، بابتعاده عن الابتذال والرتابة في صوغ الأفكار، والاستعانة برؤية إخراجية عصرية. حيث كان من أهم أسباب نجاح أعمال حلمي، اعتماده الطرف الذكية وسرعة البديهة في التعامل مع المواقف، واختيار نصّ مطعّم بالكوميديا السوداء، لكن من دون طغيانها. لكن هذا لا ينطبق على أحدث أفلامه. فالمواقف الكوميدية التي تميز بها حلمي سابقاً، لم تأت هنا موفقة على قلتها، حيث نراه يكتفي بتعليقات ساخرة مساندة لفكرة الفيلم الأساسية.

كما أن الدور المخصص له طغى على باقي الأدوار ولم يفسح لها أي مجال لإظهار قدراتها، كما حصل مع غادة عادل وحسن حسني. مع انه كثيراً ما كان يستعين في السابق بهذا الأخير لخفّة ظله وذكائه، هذه المرة لم يفسح له حلمي المجال لإظهار ذلك، وقد يكون السبب الخط الدرامي الذي سار به الفيلم، وطبيعة الفكرة الغريبة. والى هذا، يمكن القول ان التشابه الدرامي أحياناً، ما بين فيلمي «1000 مــبروك» و «على جثتي»، وفكرة عودة البــطل الى الحـــياة، أثّرا في الأخير، فبدا كأنه يدور في فـــلك الأول مع بعـــض التجديد والتأنق.

كما أن المخرج لم يحـــسن اختيار مــــشاهد العالم اللامرئي، وهنا كان يجب أن يكون للفانتازيا والمخيلة دور أكبر، خصوصاً أن ثمة الكثير من المواقف الكوميدية التي تفرض نفسها في هذا الاطار، كتغيير الحقائق مثلاً، أو التلاعب بأعصاب الموظفين أو الزوجة أو الإبن، قبل اكتشاف «الراحل» أن عليه تغيير تصرفاته لاحقاً.

ومع هذا كله، يظهر الفيلم، على رغم بعض هفواته، دلالات عدّة عن الحب والخيانة وعدم الثقة والتعلق بالحياة، والغدر والرقابة والألفة وفلسفة الحياة. هي رحلة الى داخل الانسان لإعادة اكتشاف ذاته، علّه يعرف ما سبب كذبه وخداعه وضعفه وقوته.

«الموشومة»:

الصدى السينمائي في درجة التألق

الدار البيضاء - مبارك حسني 

منذ اللقطات الأولى لفيلم «الموشومة»، يبدو واضحاً انه قد اجتمع لإنجازه مبدعون من طينة خاصة، في التزامهم بالعشق الأدبي الفني، في احترامه البالغ للتعبير الإبداعي الرمزي، وفي تلاقيهم الذي أملاه توارد الهدف ذاته وهو إنجاز فيلم لا يثير ولا يستفز سوى الذائقة الفنية. ما حدث بعد ذلك من جدل واسع وأخذ ورد حول ثيمة العري النسوي ليـــس سوى هامـــش على عــمل فني. ومهما كانت درجة النقد الســالب والشتم أو التحبيذ والنقد الإيجابي، فالشريط سينما أُنجزت وعُرضت وأصبحت في الأرشيف وفي السينماتوغرافيا، وفي ذاكرة من شاهدوه، وسيأتي يوم لكي يُستذكر وحينها سيكون التاريخ هو الحكم.

من اجل اطلاق هذا الفيلم، اجتمع فنانان كبيران، المأسوف على رحيله الصديق الكبير محمد سكري، الكاتب المسرحي، الصحافي اللامع، الناقد السينمائي، وأستاذ العلوم السياسية، والعاشق المطلع الحصيف على الحدث وعلى كل إبداع. والفنان الكوريغرافي المغربي والعربي الذي طبقت شهرته الآفاق كراقص وعُرفت ريادته في الميدان منذ عقود طويلة، والذي منحنا أفلاماً قصيرة وفيلماً طويلاً مضمخاً بالموسيقى والصوفية المبتكرة والفن العالي كما يعرف عالمياً.

اجتمعا معاً ونسجا سيناريو شريط لم يشأ ان يسير مع السائد، ولا انحاز الى اليسر الذي لا يجلب صداع رأس. كانا يعرفان ما يفعلان، وقد فعلاه. لقد تناولا، من منطلق ومن استيحاء حياة شاعرة منسية لكن كبيرة، مبدعة، لكن في مجال جغرافي بعيد، من جهة التخوم النائية التي وحدها تجعل الفن يسيل مثل قدر حقيقي. بما أنها كانت فتاة ليل في ظروف قديمة لا خيار حراً فيه للمرأة قد تكون فيه أماً وسيدة وقد تكون فتاة ليل، وبما أنها كانت تنتمي إلى جبال الأطلس الشامخة، وبما أنها كانت شاعرة أمازيغية أمية، تنشد بالسليقة على طريقة شعراء الزمن الأول، إغريقياً مثلاً في الغرب، وجاهلياً عند العرب، كان لا بد من ان تمتلئ حياتها بأبعاد درامية. هذه الشاعرة هي مريريدة نايت عتيق، التي لا تزال روحها تسكن حية ضفاف وادي تساوت كما اكتشفها ذات زمن الفرنسي، (كالكثير من اكتشافاتنا التاريخية والأدبية الدفينة هنا في جنوب المتوسط...).

والحقيقة انه يمكن القول منذ البداية إن مجرد الإحالة الى هذه الشخصية، كتعريف وكتوظيف، هو في حد ذاته نجاح للشريط.

واقع متخيل

طبعاً السينما لها اشتراطاتها، والشريط قراءة مستندة إلى واقع حياة تلك المرأة من جهة وإلى واقع متخيل من جهة ثانية. السينما حكي قبل أي شيء، نوع إبداعي تحترم آلياته وقوانين تجلّيه. ومن هنا استطاع السيناريو تركيب حكاية مثيرة وجذابة ومتفردة في الكثير من مكوناتها على رغم بعض الاستعارات المألوفة المأخوذة من الريبرتوار الدراسي الفيلمي كتشويق بما أننا في صدد قضية ترتدي شكل التحري البوليسي المتشعب. وهذا الشكل يستند إلى حكاية عالم أنثروبولوجيا اسمه نعيم اتهم بقتل بغيّة اسمها عدجو، لكنه سيُحكم بالبراءة، ما يفتح المجال على آفاق أخرى، فالعالم كان بصدد البحث عن الشاعرة حين التقى تلك الأخيرة، وهي التي ستجسد الغائبة/الحاضرة. وبالتالي ها هو الواقع يتعدد، يقارب العجائبي تارة وينزل إلى أرض الواقع الراهن تارة أخرى، وهذا الانتقال الذي لا ينتهي، يضع الشريط في مصاف المتخيل الذي يحبل بكل الإمكانات في «زمن» جغرافي محمّل بكل الاستيهامات والتخيلات والتراكيب المتراكمة.

وهنا لا بد من إيضاح أمر: جبل الأطلس مكاننا المغربي المنسي، وفي نسيانه والابتعاد عنه، تم نسيان مكون هوياتي قوي وعظيم، وحين يلتقيه فنان أو أديب تحدث الصدمة. وهو عين ما حدث للمرحوم سكري والمخرج الكوريغراف، ومن ثم يأتي العمل متأثراً بالراهن الصادم، لأن المشكل يتبدى في كيفية إيصاله إلى المتلقي المشاهد نابضاً بالحياة والبراءة والإبداع خارج كل كليشيه وكل سطحية وكل مبالغة... اللباس واللغة والرقص والسلوك العام متغيرات تفرض وجودها الصارخ، لكن الشريط أنقذ نفسه في جل هذا باتخاذه «الوشم» على اعتبار انه الرمز الأسمى والأقوى والمعبر الأمين. الوشم الذي يُعد كتابة معترف بها بعد أن بوّأه العالم الكبير عبدالكبير الخطيبي مكانة اللغة المغربية الأولى المستمرة التي لم ننطقها ولكن عبّرنا بها عن ذواتنا كمغاربة، علامة على الكينونة في باحات القبائل الشاسعة.

جسد المرأة هنا في الشريط لوح كتبت فيه الحياة وأنشدت فيها حبها، في الألم وفي السعادة، في الكد وفي الراحة... حيث لا يسعى العالم سوى إلى إدراك السر المثير عميقاً. أما المخرج فحاول تتبع ذلك من دون تهيب في علاقة المرأة بالرجل عاطفياً وجسدياً، ليس حين تمنح فقط، بل حين تعبّر أيضاً. مريردة نايت عتيق لا تحضر حقاً إلا كوجود في الظل الكبير، لأن الشريط وظفها لا غير، لكنها هي التي كانت المنطلق، وهي ما يسيّر الكل.

وحين ينحاز الشريط جهة قصته، بالضرورة المفروضة بما أنه موجه الى جمهور أساساً، فهو ينحاز كلية قبل أن يدرك أن عليه ديناً لها، هي الشاعرة «المومس» العظيمة في أقصى درجة انحدار بشري، لكنه ليس انحداراً مدينياً فرضته ظروف الاستهلاك والحداثة المعطوبة، بل أتى كنتيجة لوضع مجتمعي خارج عن المواصفات الحضرية الحالية. هو ابن زمن سابق على زمن التدجين، حين كانت الوظائف مقسمة بوضوح في ثنايا البيئة القبلية الجبلية...

لا اعتبارات «أخلاقوية» هنا، والجسد المعطى المباع للهوى العابر واقع سابق على الواقع. لا يُفرح ولا يُحزن، هو شيء منبوذ داخلياً، مفروض خارجياً. وشخوص الفيلم في تيهها حول الجسد الخارج عن كل وصف وكل تقدير من زمننا الحالي تفرض إيحاء خاصاً وقوة أخرى. ومن قتلوا المرأة حاولوا قتل الوشم الدال المعبر، تلك الكتابة الأزلية التي يودون محوها لفرض كتابة اخرى غير منبتة أصلاً.

في شكل عام، تبدو الفكرة صائبة وقوية وفي صميم المعارك الثقافية، لكن نجاحها سينمائياً يظل رهين المنطلق المعتمد والتلقي معاً.

لا نرى حرجاً في إعادة الطقوس وتبيانها والاحتفاء بها صورياً، فذلك ما يجعلها حية ودائمة ودرساً لكل الأجيال، لكننا في المقابل نروم فعل ذلك من داخل المعايشة اللصيقة، حتى يبدو الأمر عفوياً وصارخاً بعفويته وأصالته... الوشم كان لغة وكان مهوى السر الدفين... صورته يجب أن تتهيب من الانتقال به خارج صور السرّ... فلقد تناولته الفنون التشكيلية المغربية منذ زمن وجعلته معطى غرائبياً فولكلورياً لجلب عين المشترين الغربيين... وفي السينما بما تفرضه من انطباع الواقع، يجب أن نتجنب الوقوع في فخّ كهذا... ومن الواضح ان الحسن زينون ذا الأصول الأمازيغية من جهة الأم تذكر هذا فكان عمله من صميم الذكرى والوفاء... لوشم الأصل، أصلنا جميعاً... المرأة مكتوبة أصلاً، كما يقول العنوان الفرنسي للشريط.

الحياة اللندنية في

24/05/2013

 

ضمن ورشة حاضر فيها النويري

نادي السينما يستضيف مهرجان «تروب فست»

شريف صالح 

انطلقت الدورة الثالثة لمهرجان «تروب فست أرابيا» في العديد من العواصم والمدن العربية منها دبي وأبوظبي والقاهرة والإسكندرية وعمان وكذلك الكويت، حيث أقيمت في نادي الكويت للسينما ورشة عمل لصناعة الفيلم القصير للتمهيد للراغبين في المشاركة في هذا المهرجان العالمي الكبير، بحضور نخبة من السينمائيين والمهتمين وحاضر في الورشة الناقد السينمائي ومدير نادي الكويت للسينما عماد النويري.

في البداية ألقى النويري الضوء على تاريخ المهرجان الذي يعود تأسيسه إلى العام 1993 على يد المخرج الاسترالي جون بولسون وأشار إلى التطور المتسارع للمهرجان في مدن العالم المختلفة إلى أن أصبح واحدا من أهم مهرجانات السينما القصيرة في العالم يتابعه أكثر من 150 ألف متفرج.

كما تطرق إلى عملية تنفيذ الفيلم القصير باعتباره عملاً إبداعياً له سماته الجمالية وليس مجرد بروفة أو تدريب لتنفيذ فيلم روائي طويل، وقال إن أول خطوة هي اختيار «فكرة» لها جاذبيتها إما من الخيال أو من نص مكتوب كالقصة القصير والرواية والمسرحية.

وعن معالجة السيناريو قال النويري هناك اتجاهان أساسيان إما أن تعالج الفكرة وفق القالب الكلاسيكي الأرسطي المتعارف عليه: بداية، وسط، ونهاية.. وإما تعالج بطريقة حداثية تميل إلى التجريب وتنظر إلى الفيلم كومضة أو حالة إبداعية.

وأوضح النويري أن الخطوة التالية هي تنفيذ السيناريو بطريقة تنم عن الإلمام بكافة العناصر والأدوات السينمائية مثل الإضاءة والمونتاج والموسيقى والتمثيل. موضحاً أن الفيلم سواء القصير أو الطويل هو متوالية بصرية ومتوالية صوتية تعدان وفق بناء درامي معين وفي حيز مناسب بلغة جمالية ممتعة.

وركز على ثلاثة شروط لضمان جودة الفيلم القصير وهي زاوية الرؤية أو وجهة النظر، فقد تكون الفكرة معروفة لكنها تعالج بطريقة إبداعية، مشيراً إلى أن السينما لا تعكس الواقع بل تعيد تشكيله وفق رؤية مخرج، والشرط الثاني إجادة العناصر الفيلمية جميعها، أما الثالث فهو الاستجابة لحساسية الواقع المعيش بما يضمن تفاعل الجمهور معه.

وفي الجزء الثاني من المحاضرة التي استمرت من السابعة إلى التاسعة مساء أجاب النويري عن كل ما يتعلق بشروط وكيفية المشاركة في المهرجان، وقال إن بعض الأفلام المشاركة صورت عن طريق فيديو كاميرا الهاتف المتحرك أو بتكلفة ضئيلة جداً. وأن المهرجان يضع ضمن أولوياته احتضان بيئة صناعة الأفلام القصيرة بالمنطقة والتي تشهد نمواً ملحوظاً، عن طريق تأمين منصة مهمة لإظهار أفلامهم أمام المجتمع ونخبة من هذا القطاع. وستجري فعاليات الدورة الثالثة في أبو ظبى خلال أكتوبر المقبل.

ومن أهم شروط المشاركة ألا يزيد الفيلم عن سبع دقائق وأن يعد خصيصاً للمهرجان ويتضمن «رمز» هذه الدورة، وكذلك تنازل جميع المشاركين فيه عن حقوقهم، وألا يتم عرضه في أي مهرجان آخر إلا بعد إعلان النتيجة، على أن تسلم الأفلام بالنسبة إلى الكويت في نادي السينما.

Sherifsaleh2000@gmail.com

النهار الكويتية في

24/05/2013

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2012)