تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

في حــضــرة »كـــوبـــولا« .. السينما اللبنانية في حالة فرح

رسالة بيروت: نعمة الله حسين

لبنان »ست الدنيا«..

بيروت »عروس« المدائن...

البلد.. والمدينة العاصمة انعكاس لجمال »الخلق«.. و»الخلقة«.. الطبيعة.. والإنسان.. هنا لاتري إلا جمالا حولك في كل مكان .. الحياة في بيروت ذات قيمة ومعني كبير.. بعد أن شهدت سنوات طويلة »دمارا.. وخرابا« و»أمواتا« في كل مكان.. لكن هذا الشعب الأصيل الذي لا أدري إلي الآن كيف انقسم إلي قسمين يدمر ويقتل أحدهما الآخر ـ هو أيضا الذي يقوم سريعا من كل كبوة يرمم فيها نفسه قبل بناياته الحديثة، تاركا أشياء صغيرة مازالت آثار الرصاص باقية فيها ليشهد الناس علي »حقبة« مريرة مر بها لبنان. منذ أعوام عديدة مضت رأيت بيروت ووسط المدينة كلها خراب ودمار .. كانت بيروت تلملم جراحها.. علي الأطلال وقف فنانون من كل الوطن العربي يتغنون بالحلم العربي »الدائم«.. والذي يبدو أنه سيظل »حلما« لن يري النور أبدا.. ويصبح حقيقة. بعدها بعامين رأيت نفس المكان وقد تحول إلي منطقة عامرة بأرقي المحلات.. والمقاهي والمطاعم.

واليوم عادت لبنان من جديد منطقة جذب سياحي.. وعلاجي ليس فقط في عمليات التجميل التي اشتهرت بها.. بل في الاستشفاء بين ربوع الجبال وعيون المياه الطبيعية.

بيروت تظل جميلة »شكلا«.. و»عقلا« بها كل جديد في الموضة.. والكتب..والتجارب الفنية السينمائية والمسرحية الحديثة.. بالإضافة طبعا »للطرب«.

في عز جراحها الماضية كانت »حارسة« و»حريصة« علي ثقافتها وفنونها ويعد مهرجانها السينمائي الدولي »باباً« .. وليس نافذة علي سينما العالم.

لقد شهدت مهرجانات سينمائية عديدة في دول عربية كثيرة أكثر ثراء ألف مرة من بيروت.. لكني لم أشاهد هذا العدد من الجمهور الغفير الذي يملأ صالات العرض إلا في هذه المدينة التي أعترف أن قلبي يهفو إليها وإلي ناسها دائما وأن مشكلة الجمهور هي أكثر ما نعاني منه في مهرجان القاهرة رغم أهميته وتاريخه الطويل.. لذلك فإن المخرجين الذين أتوا إلي بيروت في مهرجانها السينمائي الدولي التاسع كانوا بالتأكيد سعداء بهذا الحشد من المشاهدين خاصة من ذهب منهم إلي مهرجانات عربية من قبل.

ولذلك فإن مديرته »كوليت نوفل« تستحق كل التحية والتقدير وقد عرفتها منذ ثلاثة عشر عاما لم تتغير فيها علي الإطلاق.. نفس الإصرار.. والحماس والحب لبلدها وللسينما.. وهي سيدة عنيدة.. شجاعة تجيد فن النحت في الصخر، فهي تنطلق بهذا المهرجان وسط ظروف شديدة الصعوبة، لكن كما قلت لا تعرف المستحيل.. وقد نجحت هذا العام في أن يكون ضيف المهرجان وبلادها المخرج العظيم »فرانسيس فورد كوبولا« الذي جاء بفيلمه الأخير »تيترو« الذي عرض في »أسبوعي المخرجين« بمهرجان كان الأخير.

حضور »كوبولا« حدث في المنطقة العربية، وكم كان جميلا أن يستقبله الرئيس اللبناني »ميشيل سليمان« في لمحة جميلة فيها تكريم للفن والفنانين.. أعتقد أن ذلك كان أكبر هدية تتلقاها »كوليت نوفل« علي المجهود الكبير الذي تبذله لكي يبقي ويستمر هذا المهرجان رغم إمكانياته المادية القليلة والدعم المعنوي الكبير.

سألتها مرة من أين تأتين بهذه القدرة علي التحدي والصمود.. أجابتني بصراحتها المعهودة: منذ كنت طفلة صغيرة.. كان عمري أربع سنوات عندما تطلق والداي.. يومها ورغم هذه السن الصغيرة جدا.. أدركت أن عليَّ أن أواجه كل وأي شيء.. وقد كان.. بعد ست سنوات عاد الأب ليأخذهم معه إلي استراليا.. لكنها عندما بلغت العشرين عادت إلي »بيروتها ولبنانها«.. وعندما قامت الحرب.. وفي كل الأزمات رفضت »كوليت« أن تغادر بيروت.. بقيت فيها تحت القصف.. والدمار.. فقد كانت شديدة الإيمان بأن هذا التخريب لابد أن يتوقف. منذ صغرها كانت عاشقة للسينما وفي سنة 97 انطلقت الفكرة.. لكن لأسباب ما توقفت بعد أن أسست جمعية لمحبي الفن السابع.. وبعد أن تخلي عنها الشريك المادي.. قررت أن تخرج فكرتها وتري النور.. ويكون لبيروت مهرجانها السينمائي.

ثلاثة عشر عاما عرفت فيها »كوليت نوفل« لم أوفها حقها في العمل الذي تقوم به.. لكني أكتب مالم أكتبه عنها من قبل وذلك بعد أن لاحظت ومنذ عامين »هجوما« شخصيا حادا عليها وليس انتقادا للمهرجان في إحدي الصحف اللبنانية... هذا الهجوم الذي أصبح موضة في العالم العربي في التهجم علي فنانينا وكل من يقترب من العمل الفني وكأنها أشياء مدبرة ضد الفن والفنانين.

كوبولا لم تسمح له السلطات اللبنانية أن تحط طائرته الخاصة علي أراضيها فكان أن هبطت في سوريا وأرسلت له إدارة المهرجان سيارة.. علي مائدة العشاء التي جمعتنا قال لي: »إن تلك الرحلة كانت من أمتع الرحلات التي قام بها.. فقد كانت رحلة تحليلية وشهادة عينية لواقع كان يستمع إليه في نشرات الأخبار«.
في قاعة اليونسكو التي شهدت حفل الافتتاح عرض فيلم »تيترو« آخر أعمال »كوبولا« وهو يروي قصة الشاب »برني« الذي يبلغ من العمر سبعة عشر عاما ويذهب إلي »بوينس أيرس« ليبحث عن شقيقه الأكبر الذي هجرهم منذ عشرة أعوام أو أكثر.. وأقسم ألا يعود إليهم وقاطعهم نهائيا خاصة أن والده الموسيقار الكبير استقر في نيويورك وتوفيت والدته علي إثر حادث سيارة اعتقد »تيترو« أنه السبب المباشر فيه حيث كان يشاركها الغناء والرقص ولم ينتبه جيدا للطريق.

في البداية يستقبل »تيترو« شقيقه الأصغر ببرود شديد.. ويسأله عن سر حضوره فيجيبه مذكرا إياه بأنه وعده بأنه سيعود إليه يوما ما.

ويبدأ الفتي »برني« في التسلل إلي قلب أخيه الذي كان يعشق الموسيقي لكنه توقف عنها بسبب أنانية وتسلط والده.. وحتي الكتابة التي كان موهوبا فيها لم تعد تستهويه.. ولذلك عندما يجد »برني« »منسوخات« بخط أخيه يبدأ في تجميعها لتصبح مسرحية وذلك بمساعدة زوجة الأخ التي كانت طبيبته النفسية.. وعندما يعلم تيترو بذلك تثور ثائرته رغم أنها مرشحة لجائزة كبري وعليها اسم الشقيقين.. لتكون المفاجأة أن »برني« هو ابن »تيترو«.. وليس شقيقه وأن والده هو الذي فرق بينهما.

الفيلم يأخذك من أول دقيقة في هذه الرحلة الإنسانية داخل النفس البشرية يغوص.. ويغور فيها محاولا فك طلاسمها حتي يبرر تصرفاتها التي تبدو غريبة يعجز كثيرون عن فهمها بينما لو فتشنا في ماضيها لاستطعنا فك طلاسمها وعلمنا مبرراتها.

وقد رأس لجنة التحكيم المنتج الشهير »توم لودي« الذي أنتج له العديد من الأفلام الشهيرة لكبار المخرجين بالطبع علي رأسهم »كوبولا« و»جورج لوكاس« وآخرون من السينما الأوروبية.. بالإضافة إلي مشاركته في كل من مهرجانات »نيويورك«.. »سان فرانسيسكو« و»تيلوريد« سواء كمؤسس أو مبرمج أو في اللجنة الفنية. كما ضمت لجنة التحكيم الفنان المصري الشاب الذي يعد نموذجا مشرفا للفنان المصري في التزامه.. لم تفارق الابتسامة أبدا وجهه »خالد أبوالنجا« الذي سعت إليه كل صحافة بيروت ربما بسبب ما نشر من شائعات لكنه كان رائعا وشامخا عندما تعالي علي تلك الأحداث »خالد أبوالنجا« ببساطته وتواضعه الشديد أثار الجمهور اللبناني وكل من اقترب وتعامل معه. والحقيقة أن خالد ومنذ بطولته لفيلم »مواطن.. ومخبر.. وحرامي« للمخرج الكبير »داود عبدالسيد« وهو يدقق بشدة في اختيار أفلامه بغض النظر عن حجم الدور لأنه ينظر إلي العمل ككل، وبعد أن انتهت لجنة التحكيم من المشاهدة سافر إلي أبوظبي ليعود من جديد في ليلة الختام.

كما شاركت في لجنة التحكيم كل من المنتجة والمخرجة »چاسمين ديلال« البريطانية الجنسية وإن كانت أصولها ترجع إلي الهند.. والمخرج البريطاني »نيك برومفيلد« الذي كسرت ساقه واعتذر عن الحضور.. بالإضافة للممثل الفرنسي »سليم كيشيواش«.

وقد شارك في المسابقة الرسمية الفيلم المصري »بصرة« للمخرج »أحمد رشوان« وقد تعرض أحمد رشوان في البداية لموقف سخيف عندما لم يستطع الحصول علي تأشيرة دخول الأراضي اللبنانية فأصدر بيانا وزعه علي وكالات الأنباء بأن الفنان لايعامل كالإرهابي خاصة أنه زار لبنان أكثر من مرة آخرها كان سنة ٧٠٠٢.. لكن تم تسوية الأمر بعد ذلك.

ولعل مما يذكر بالخير لأحمد أنه رغم الألم الذي شعر به إلا أنه رفض بشدة أن يسحب فيلمه ذاكرا أن من حق الجمهور اللبناني أن يشاهد الفيلم ولا يحرم منه.. وما تفسده السياسة يصلحه الفن حتي لو كان الخطأ بسبب تشابه الأسماء.. وكان فيلم »بصرة« قد فاز العام الماضي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بجائزة أحسن سيناريو لفيلم عربي مناصفة مع فيلم »ليلي« »لرشيد مشهراوي«.

وقد شاهدت لجنة التحكيم ثمانية أفلام طويلة بالإضافة إلي مجموعتين من الأفلام القصيرة بلغ مجموعها ثلاثة عشر فيلما. وقد حصل الفيلم الفرنسي »أغنية العروسين« علي جائزة أحسن فيلم لمخرجته »كارين إلبو« وقد سبق وعرضناه علي صفحات »آخر ساعة« من قبل وهو يتناول الحياة في تونس سنة ٢٤ والعلاقة بين اليهود والمسلمين في ذلك الوقت من خلال الصداقة التي تربط بين نور.. ومريم.

أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة فقد حصل عليها الفيلم الجزائري »مسخرة« لمخرجه »لياس سالم«.. كما فازت المخرجة »شيرين دعيبس« بجائزة أحسن إخراج عن فيلمها »أمريكا« أما جائزة أحسن سيناريو فقد ذهبت للفيلم العراقي الفرنسي »فجر العالم« لمخرجه عباس فاضل.

أما جوائز الأفلام القصيرة فقد حصل علي الجائزة الأولي »اسمي محمد« وهو تجربة لخمسة من المخرجين الشباب لم يعملوا بالسينما من قبل والجائزة الثانية »شروق وغروب« لمخرجه السعودي »محمد الظاهري« أما الجائزة الثالثة »زمن الكرز« للمخرج »رويل كريمونا«.

وبعيدا عن الجوائز فقد كانت هناك أفلام جميلة أيضا.. وإن كانت من وجهة نظري فإن أجمل أفلام الجوائز هو أمريكا وسوف يكون لنا حديث آخر عنه.. أما بعيدا عن الجوائز فقد كان هناك الفيلم الفرنسي »والد أبنائي« وهو عن قصة المنتج الفرنسي »أمبيربلزان« الذي انتحر منذ ثلاث سنوات.. وهو الذي ساهم بالإنتاج في أفلام يوسف شاهين الأخيرة.. وقد كان »لأمبيربلزان« فضل كبير لكي تري أعمال مخرجين عرب كثيرين النور فقد كان شديد الحماس للسينما العربية والآسيوية.. لكنه وجد نفسه مضطرا لأن يشهر إفلاسه فكان أن أطلق علي نفسه الرصاص ليموت منتحرا وسط ذهول زوجته وابنتيه وأقربائه وكل أصدقائه.. وقد شاءت الظروف أن أكون بصحبة »الراحل يوسف شاهين« في بلجيكا والذي رغم مرضه أصر علي السفر إلي باريس للمشاركة في الجنازة والتي ضمت تقريبا الكثير جدا من نجوم السينما الفرنسية والعالمية.. فلقد كان الرجل صديقا للجميع قبل أن يكون منتجا وممولا للأفلام.. وهكذا هو حال السينما!

آخر ساعة المصرية في

21/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)