تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

درس سينمائى يعلمنا كيف يمكن أن نجمع بين المتعة والرسالة

فيلم «سحب مع توقع سقوط شطائر اللحم».. بساطة الفن فى خدمة الحق والجمال

أحمد يوسف

كلما رأيت فيلما أمريكيا من أفلام التحريك المعاصرة زادت دهشتي، فصناع هذه الأفلام على اختلاف أساليبها وشركاتها المنتجة لا تخلو أعمالهم أبدا من رسالة، برغم أن المفهوم الشائع أنها أفلام موجهة للأطفال وبالتالى فإنها للمتعة فقط، وهذا للأسف مفهوم خاطئ عن الفن، تسمعه من بعض فنانينا الذين يفترض أنهم يصنعون أفلاما للناضحين من المتفرجين، فيزعم الفنانون أنهم لا يبحثون إلا عن المتعة، التى تعنى فى اعتقادهم "الهيافة"، أو قل فى أفضل الأحوال تضييع ساعتين من وقت وعمر المتفرج، بزعم أن الهدف الوحيد هو "الضحك". فى مقابل ذلك تأمل أفلام التحريك الأمريكية فلا تجد هذا الانفصام بين المتعة والرسالة، بل لعلهم يدركون أن الرسالة تصبح أكثر أهمية وخطرا عندما توجهها للأطفال، وهذا هو ماسوف تجده تحت السطح من فيلم "سحب مع توقع سقوط شطائر اللحم". 

لعلك لاحظت أن عنوان الفيلم يشبه على نحو ساخر عبارات النشرة الجوية، وملاحظتك فى محلها، إذ أن الفيلم يحكى عن مدينة تعيش على سمك السردين فى كل طعامها، وهاقد أتت لهم أخيرا من السماء "معجزة" أن تتساقط أنواع الطعام المختلفة فوق رؤوسهم كأنها المطر المنهمر، فماذا ترى سوف يصنع هذا التغيير فى حياتهم؟ ومن تلك "الفرضية" الفنية يصنع الفيلم عالما كاملا يكاد أن يضم بين جنباته الكثير من حقائق الحياة، البسيطة منها والمعقدة على السواء. والفيلم يعتمد على قصة مصورة ظهرت خلال الثمانينات، كتبت سطورها جودى بارنيت، ورسم رسومها رون بارنيت، وكتب سيناريو الفيلم وأخرجه فيل لورد وكريستوفر ميلر. ويكاد الفيلم فى أجزاء عديدة منه أن يحاكى بعض هذه الرسوم، وهو فى ذلك يسير فى طريق سارت فيه السينما الأمريكية منذ أن قررت تحويل شخصيات القصص المصورة إلى أفلام، بدءا من زورو ومرورا بكل الأبطال الخارقين مثل سوبرمان وباتمان وسبايدرمان، ولقد امتدت هذه النزعة حتى إلى قصص أكثر جهامة، مثل "الطريق إلى الهلاك" من إخراج سام مينديز، أو "مدينة الخطيئة" من إخراج روبرت رودريجيز، تلميذ كوينتين تارانتينو النجيب. 

تبدأ الحدوتة فى "سحب مع توقع سقوط شطائر اللحم" مع طفل يدعى فلينت، يحلم أن يصبح مخترعا وإن كانت اختراعاته تنهى عادة بنوع من الكارثة المضحكة. إنه على سبيل المثال يحاول أن يحل للأطفال من أقرانه مشكلتهم فى انحلال أربطة أحذيتهم، بأن يجد توليفة تحكم هذا الرباط، لكنها تتحول إلى لاصق للحذاء نفسه فى القدم، حتى يستحيل خلعه أبدأ! ومرة أخرى "يخترع" فئران طائرة، فإذا بها تهاجم البلدة فى أسراب كثيفة، لذلك فإن بطلنا الصغير فلينت لا يجد من أبيه تيم (صوت الممثل المخضرم جيمس كان) إلا التبكيت، بينما تشجعه أمه فران (صوت لورين جراهام)، التى تهديه معطفا أبيض يعطيه مظهر العالم، إن المعطف فضفاض عليه بشكل مضحك، لكنه سوف يصبح على مقاسه عندما يكبر (صوت بيل هيدر)، ويستمر فى اختراعاته العجيبة، حتى بعد أن توفيت والدته ولم يعد هناك أمامه إلا اللوم الدائم من أبيه الذى يعقد حاجبيه دائما، حتى أن عينيه تختفيان تحت حاجبيه الكثيفين، ذلك لأن الأب يريد من الابن أن يتوقف عن هذه الأحلام، ليساعده فى محل يخدم صناعة صيد السردين. 

فى هذه الخطوط الرئيسية التى يقدمها الفيلم فى دقائقه العشر الأولى جوهر الصراع الدرامي، مع طرح ذكى للرسالة الخاصة بالفيلم، فى مستواها البسيط والمعقد على السواء. تأمل على سبيل المثال هذه الأفكار: هل لأنك صغير فإنه يجب أن تتوقف عن أحلامك، خاصة إذا كانت لا تسير فى التيار السائد الذى يريدونك أن تسير فيه، لكى تكرر مسيرتهم المعتادة؟ هل تستسلم للفشل إذا خابت تجاربك الأولى وسخر منك الآخرون؟ والسؤال الأعقد هنا _ وأرجو أن تتذكر أن الجمهور المستهدف معظمه من الأطفال _ هو إذا ماكان عليك أن تسمع نصيحة الأب لأن المفترض أنه يعرف الواقع أكثر منك؟ وهذا السؤال الأخير على نحو خاص سوف نؤجل البحث عن إجابته حتى يمضى الفيلم فى أحداثه وتطوراته الدرامية.  

فلنمضِ أولا مع الأحداث، ونرسم صورة المدينة التى تعيش فيها شخصيات الفيلم، إتها جزيرة صغيرة لا تننتج إلا الأسماك التى كانت تُصدِّرها إلى أنحاء العالم، لكنه الأمر الذى يعانى الآن من الكساد، حتى أن أهل البلاد لا يعيشون إلا على السردين الذى يصنعون منه كل أنواع مأكولاتهم. يبدو الجميع راضين بهذه الحياة، ولكنه الرضا الذى سوف يتضح أنه ليس صادقا تماما. لقد كبر بطلنا فلينت الآن وأصبح شابا يافعا، ولا يزال يمضى فى اختراعاته الفاشلة التى تثير سخرية الآخرين، وفى تناقض له دلالته نرى أن بطل المدينة المشهور شخص مفتول العضلات، تتجمع حوله الفتيات فى إعجاب بينما لا يستطيع فلينت أن يثير اهتمام إحداهن، كما أن هذا "النجم" يصحب العمدة شيلبورن (صوت بروس كامبيل) فى كل مكان حتى يزيد من الشعبية السياسية للعمدة، الذى يبدو شخصا ضحلا فى تفكيره حول مشروعاته لاجتذاب السائحين إلى الجزيرة. 

سوف يصبح عمدة المدينة فى التطور الدرامى للفيلم هو "الشرير" المضاد للبطل، وإن يكن ذلك بشكل لا يتسم بالعمق، لكنه كان كافيا بالنسبة للجمهور من الأطفال لكى يدركوا كيف يمكن للسياسة أن تصبح نوعا من التلاعب بمصالح الناس بدلا من أن تعمل لصالحهم. وسوف يبدو ذلك واضحا عندما يستكمل البطل فلينت اختراعاته العجيبة، بصنع آلة تصنع مختلف أنواع الطعام من الماء، ولإنه يحتاج لصنعها إلى طاقة كهربية عالية، فخلال احتفال يقيمه العمدة لاجتذاب السياح إلى المدينة، يتسلل فلينت إلى محطة الطاقة، وكعادته فى تصرفاته الخرقاء يطير الاختراع إلى السماء، ويتحول إلى فرن هائل يحول السحب إلى طعام، ويكفى للمرء أن يفكر فى نوع ما من الأطعمة لكى يجده ينهمر من السماء! 

هل هناك حلم "ألذ وأشهي" من ذلك الاختراع؟ لكن مهلا، فالإنجازات العلمية لا تكفى لكى تحقق أحلام الناس كما ينبغى لها أن تكون، ودائما ما يحتاج العلم إلى "الأخلاق" لكى تتوجه الاختراعات الجديدة إلى اتجاهها الصحيح، وتلك رسالة أخرى من رسائل الفيلم. إن اختراع فلينت يبدو للجميع كأن يحقق عالما يشبه الجنة، لكن فى أى شيء يفكر البشر؟ سوف يفكرون فى كل الأطعمة التافهة التى لا تغنى أو تسمن: شطائر "الهامبورجر" أو "البيتزا" أو "الاسباجتي"، تنهمر كأنها المطر فوق رؤوس الجميع فيسرى الابتهاج فى المدينة التى عاشت أعواما طويلة على السردين وحده. 

مرة أخرى تجد بين السطور أفكارا أكثر عمقا مما تبدو فى الظاهر: هناك مجتمعات تعيش حالة من التقشف نتيجة ظروف اقتصادية خاصة، ومن بين هذه الظروف على سبيل المثال تخصيص الجانب الأكبر من الموارد للتصنيع، وعادة ماتشعر هذه الشعوب بالحرمان نتيجة هذه السياسات دون أن تنظر إلى الهدف المستقبلى البعيد، وتتلاعب دول أخرى بمشاعر الحرمان تلك لكى تجعل الشعوب تفقد إيمانها بوطنها، تماما كما حدث خلال الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، وهاهى دول المعسكر الشرقى قد انهارت لأن شعوبها استولى عليها الشعور بافتقاد كل السلع الاستهلاكية التى يتمتع بها أبناء النظم الرأسمالية، فهل بعد أن غزت تلك السلع بلدان الشرق تحقق لها "الرخاء" المأمول؟ إن ذلك يذكرنا بما حدث فى بعض البلدان العربية التى فقدت خطط تصنيعها لكى تتحول إلى الاقتصاد الاستهلاكي، وأنت تعرف جيدا ما آلت إليه هذه البلاد على المستوى الاقتصادى والاجتماعى والسياسي. وربما تساءل القارئ: وهل يمكن لفيلم أمريكى موجه للأطفال أن يحتوى على هذه الأفكار "التقدمية"؟ وأرجو أن يحاول القارئ أن يعيد مشاهدة أفلام التحريك التى صنعتها شركة بيكسار الأمريكية، مثل "شركة الوحوش المتحدة" أو "حياة حشرة" لكى يرى كيف أن هذه الأفكار السياسية التقدمية تسرى فى هذه الأفلام. 

سوف يتحول اختراع فلينت إلى كارثة، حين يتحول انهمار الطعام من السماء إلى فيضانات وموجات من الإعصار، ويمكنك أن تلاحظ فى خلفية الصورة كيف أن نشرات الأخبار التليفزيونية تذيع أنباء عن حرب العراق تارة، وعن إعصار كاترينا تارة أخري، لتدرك أن صناع الفيلم يقصدون هنا مجتمعا تحول إلى الرأسمالية الاستهلاكية تماما، وهو الأمر الذى يتجسد فى العمدة رجل السياسة، الذى لا يتوقف عن التهام الطعام وما يزال يطلب المزيد، إنه يصبح بدينا على نحو لا يصدق، حتى أنه يتحرك على كرسى ذى عجلات، ومع ذلك فإنه يريد من فلينت أن يزاد انهمار الطعام من آلته العجيبة فوق المدينة، بزعم أن ذلك سوف يجعل السائحين يأتون إلى الجزيرة أفواجا، وأرجو أن تتأمل مصير هذا العمدة فى نهاية الفيلم (وهنا أرجوك أن تبقى فى دار العرض لتشاهد بعض اللقطات بعد نزول العناوين الأخيرة)، إن العمدة يسبح فى الفيضان على طوف مصنوع من الطعام، إنه لا يتوقف عن التهامه، لذلك فإن الطوف نفسه يتآكل، ليغرق العمدة نتيجة شراهته التى بلا حدود، بما يذكرك بتعبير "الرأسمالية المتوحشة" التى تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله! 

لن يجد بطلنا فلينت مفرا من أن يطير بنفسه إلى قلب الآلة العجيبة، التى تشبه جحيما حقيقيا، تصحبه فى هذه الرحلة الخطرة صديقته الجميلة سام (أنَّا فاريس)، الصحافية التليفزيونية التى أتت للمدينة لتغطية بعض الأخبار، ونكتشف أنها كانت فى الماضى مذيعة للنشرة الجوية، لكنها تعانى من فقدان الثقة بالنفس، وهى الثقة التى تستعيدها مع فلينت فى الوقت الذى تؤكد له أيضا ثقته فى نفسه. سوف يحاول فلينت أن يوقف الآلة الجهنمية عن إغراق الأرض بالطعام إلى الحد الذى يتحول فيه هذا الطعام إلى أكداس من القمامة، ومن خلال هذه المحاولة سوف يستعين فلينت بأبيه فى مشهد شديد الإثارة، وسوف تلاحظ أن صانعى الفيلم قد نثروا مشاهد الحركة المثيرة خلال الفيلم فى نوع من إبهار المتفرجين من الأطفال، وإن كانت بعض هذه المشاهد تتحول أحيانا إلى نوع من رحلة الملاهى التى تخلو من الدراما وإن لم تكن تخلو من المتعة، مثل المشهد الذى يسبح فيه فلينت وصديقته سام فوق "الجيللي" وبداخله، كأنه حلم مبهر جميل بفقدان الشعور بالجاذبية الأرضية. 

هناك حيلة درامية بارعة ليتنا نتعلم منها فى كتابة سيناريوهات أفلامنا، وهى ما يسمى "زرع" وسائل حل الأزمة الدرامية منذ بداية الفيلم، فإن كنت تذكر اختراعات فلينت الفاشلة فى مستهل الأحداث، مثل لاصق رباط الأحذية، أو الفئران الطائرة، فتلك سوف تكون هى بعض الأدوات التى يستخدمها صناع الفيلم للوصول إلى النهاية السعيدة، ناهيك عن حل الصراع بين الأب والابن فى اختلاف أفكارهما، لقد أدرك الابن فى النهاية أن الأب كان على "بعض" الحق فى ألا ينساق المرء أمام أحلامه دون أن يكون لديه هدف أخلاقي، كما أن الأب سوف يدرك أيضا أن الابن على بعض الحق فى أن يحلم بواقع مختلف عن الواقع السائد، إن الأب قد لا يصرِّح بذلك، لكن فلينت كان قد اخترع آلة تحول الأفكار إلى كلمات منطوقة، وهاهى أفكار الأب يتم الإفصاح عنها فى تدفق لتعرب عن إعجابه بذكاء وشجاعة ابنه، فى مشهد عاطفى مؤثر يحقق التوافق بين مواقف الجيلين التى تبدو فى ظاهرها متعارضة. 

بقدر الإعجاب بأن فيلما للأطفال يحتوى على هذه الأفكار والرسائل الناضجة، فإن المرء يشعر بالأسى تجاه الكثير من أعمالنا الفنية التى تعامل جمهورها من البالغين باعتبارهم أطفالا لا يملكون عقولا! ولقد أدركت الكثير من أفلام التحريك الأمريكية فى الآونة الأخيرة أهمية الرسالة التى يحملها العمل الفني، وهى فى طريقها لتحقيق ذلك تجمع بين المتعة والجدية، ولتتأمل على سبيل المثال كيف أن الفيلم يجعل بطله يفقد أمه التى تموت قبل أن ترى حلمها يتحقق، وكأن الفيلم يزرع فى الطفل بعض حقائق الحياة القاسية، وتأمل أيضا كيف يمكن للأحلام أن تتحول إلى كوابيس إن لم يكبح الإنسان جماحها، من خلال القيم الأخلاقية والإنسانية، لذلك كله نرجو من أعمالنا الفنية أن تتعلم من مثل هذه الأفلام كيف يمكن أن تجمع بين المتعة والرسالة، وأن تتذكر أن الفن، أى فن، ومهما كانت بساطته، يسعى دائما إلى الحق، والخير، والجمال. 

العربي المصرية في

06/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)