حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

                          دراما رمضان التلفزيونية لعام 2012

أيقونة التمرد.. تحية كاريوكا

بقلم: ماهر زهدي

الحلقة ( 8 )

المرأة كل شيء

في الموعد المحدد كانت تحية في «كبارية كيت كات» استقبلها صاحب الملهى استقبال الأمراء، دخلت غرفتها، بدلت ملابسها، وما إن جاء موعد فقرتها حتى صعدت إلى خشبة المسرح وراحت ترقص من دون تركيز، عيناها تبحثان في كل الموجودين فلم تلحظ وجود الملك، كما لم تلحظ شيئاً غير عادي، فبدأت نفسها تهدأ وواصلت رقصها.

فجأة أطفئت أنوار «الكباريه» وخيم الظلام وتوقفت الموسيقى وعمّ السكون المكان كله لثوان عدة، ثم أضيئت بعدها الأنوار ليدخل الملك فاروق يصاحبه إعلان في الميكروفون: مولانا جلالة الملك المعظم… فاروق الأول… ملك مصر والسودان.

وقف الحضور يصفقون بحرارة، حيا الملك الحضور ثم أشار إليهم بالجلوس، واتجه ليجلس في مقصورة خاصة به في نهاية الصالة، حيث يسمح برؤية جميع من في «الكباريه» ولا يراه أحد، وفي الوقت نفسه لا يجرؤ أي من الحضور على الالتفات خلفه.

عاد القلق والتوتر يسيطران على تحية، غير أنها تماسكت وأكملت رقصتها، وعلى غير عادتها أشارت إلى الفرقة الموسيقية لتبدأ العزف مجدداً لتقدم رقصة أخرى، تعمدت أن تطيل فيها، وما إن انتهت منها حتى غادرت خشبة المسرح بسرعة متجهة إلى غرفتها، تعمدت أن تضع «روبا» فوق ملابس الرقص كي لا تتأخر في تبديل ملابسها لتغادر الكباريه فوراً، وما إن فتحت باب حجرتها لتخرج حتى وجدت أمامها صاحب التياترو: تحية هانم… جلالة الملك في انتظارك في المقصورة بتاعته.

أسقط في يدها، أيقنت أنها لن تستطيع الهرب، وحتماً ستواجه مصيرها، هنا فقط تذكرت ما قاله لها سليمان نجيب: «خليك على طبيعتك… فهماني… على طبيعتك».

أدركت تحية ماذا قصد سليمان نجيب بهذه الجملة، فاهتدت إلى الطريقة التي ستتعامل بها مع الملك، فربما أتت بالنتيجة التي ترتضيها.

خطة سليمان

استقبلها الملك فاروق استقبال الأميرات، وقف غير أنه لم ينحن، سلم عليها وقبل يدها، ثم سمح لها بالجلوس:

= أهلا تحية هانم.

* دا شرف عظيم إني أكون في كرم ضيافة جلالتك.

= الشرف لينا تحية هانم خصوصاً بعد ما أمتعتينا برقصك البديع.

* دا عطف أنا ماستحقهوش جلالتك.

= بس أنا عندي مشكلة مش عارف اتخلص منها. أكيد هالاقي حلها عندك.

* مفيش مشكلة تقف قدام عظمتك.

= أنا برضه بقول كدا خصوصاً إنها مشكلة بسيطة وهي إني ما بحبش حد يشاركني في أي حاجة تخصني ولا حتى بالنظر.

* اعذرني جلالتك مش فاهمة.

= إيه يا بوللي كلامي مش مفهوم للدرجة دي؟

ـ مفهوم… مفهوم جداً يا مولاي.

* معلش جلالتك يمكن أنا مرتبكة شوية من الموقف.

= أنا هاوفر عليك الفهم. يعني لازم ترقصي ليا أنا لوحدى وكمان علشان ناخد راحتنا… وتقدري تحبي مليكك على راحتك من غير العيون ما تبقى بصالك. ولا انت ما تعرفيش الحب؟

* سامحني يا مولاي. أنا… أنا ست فلاحة مصرية وعندنا في الفلاحين مانعرفش يعني إيه حب… نعرف بس الجواز.

= مع إنك رقاصة! قصدي يعني منفتحة على الدنيا.

* رقاصة عايشة بشرف… لأني واحدة من رعايا جلالة فاروق ملك مصر والسودان.

= أنا سمعت أنك كنت متجوزة من محمد سلطان باشا وحصل طلاق… خسارة.

* وشهور العدة انتهت يامولاي!

= حلو… حلو خبث الفلاحين دا تحية.

قال الملك الجملة وانصرف، فقد فهم ما ترمي إليه تحية وسخر مما تقصده، وهو ما دلها إليه سليمان نجيب من دون أن يوضح، فضحكت طويلاً وخبطت يداً بيد.

فهم سليمان نجيب شخصية تحية كاريوكا جيداً، وعرف أن مثلها لن تقع في مثل هذا الفخ الذي تعود فاروق أن ينصبه ليصطاد به فريسته، والتي غالباً ما تذهب إليه طواعية.

انتشر ما فعلته تحية كاريوكا مع الملك فاروق كالنار في الهشيم، ليس داخل وسط الملاهي الليلية والوسط الفني فحسب، بل راحت الألسن تتناقل خبراً مفاده أن الراقصة تحية كاريوكا استطاعت أن تقول «لا» للملك، لدرجة أن الكلام وصل إلى الملكة فريدة زوجته، ما زادها إعجاباً بهذه الراقصة وجعلها تشير على الأميرة شويكار (الزوجة السابقة للملك فؤاد والد فاروق) بأن تشارك كاريوكا في إحياء حفلة اعتادت شويكار إقامتها في قصرها باسم الخير، تجمع فيها التبرعات لصالح «الجمعيات الخيرية».

انقسمت الحفلة إلى قسمين، قسم بالطابق الأرضي وسط ديكورات شرقية، ومطبخ شرقي، ورقص وغناء شرقيين، وقسم بالطابق العلوي من القصر كان كل ما فيه من فن وديكور وطعام ينتمي إلى الذوق الأوروبي على الطريقة الأوروبية.

ملكة واحدة لمصر

جلست الملكة نازلي (أم الملك فاروق) في الطابق العلوي مع المزاج الأوروبي، عندما علمت أن الملكة فريدة (زوجة فاروق) ستجلس في الطابق السفلي، فكلتاهما لا تطيق الأخرى، خصوصاً نازلي فهي تعلم مدى حب وتعلق الشعب المصري بفريدة التي اشتهرت برقتها ودماثة خلقها، وحبها الشعب وقربها منه.

دخلت كاريوكا وقدمت تحيتها إلى الملكة فريدة، ثم بدأت رقصتها الشرقية، وما إن انتهت منها حتى ذهبت إلى الملكة فريدة التي استقبلتها بترحاب شديد، بل وقفت معها تتبادل أطراف الحديث:

= انت فنانة موهوبة أوي يا ست تحية.

* دا من عطف جلالتك… مولاتي الملكة.

= ومش بس موهوبة… لكن كمان شجاعة وعندك أخلاق كريمة زي كل المصريين.

* احنا بنستمد دا من أخلاق مولاتي الملكة اللي بنعتبرها كلنا مثلنا الأعلى.

فيما تتحدث تحية وفريدة، جاء مندوب من القصر واقترب من تحية وقال لها:

ـ مولاتي جلالة الملكة نازلي بتطلب منك تطلعي الطابق العلوي علشان ترقصي فوق.

* أنا رقصت قدام ملكة مصر… وخلصت ومش هارقص تاني!

قالت ذلك ثم التفتت إلى الملكة فريدة التي وجدتها تبتسم لها وعلى وجهها نظرة إعجاب من شجاعة تحية وحسن تقديرها الأمور:

* جلالة الملكة تأذن لي بالانصراف لأني حاسة بتعب في جسمي…

= لنا لقاءات تانية تحية.

* أطمع في ده يا جلالة الملكة.

انصرفت تحية تاركة وراءها الملكة الأم تغلي بالثورة والحنق، خصوصاً أن موقف كاريوكا حدث أمام فريدة.

شعرت تحية بأن ما يمر بها من أحداث كان الهدف منه كسرها، لكنها كانت تزيدها صلابة وشجاعة، فلم تعد مجرد راقصة عادية مثل المئات اللائي تمتلئ بهن ملاهي شارع عماد الدين أو «كلوت بك» أو شارع محمد علي، بل فنانة لها خصوصية، والأهم أن لها دوراً وواجباً تجاه وطنها الذي تسعى مع الساعين إلى أن ينال استقلاله، خصوصاً بعدما علمت بما يقوم به أخوتها في الإسماعيلية من محاولات لمقاومة الاحتلال، وهو ما كان مدخلاً لمحاولتها الثانية للتقرب منهم، وطي صفحة الماضي، فكان أن استجابوا هذه المرة باتفاق غير معلن على ألا يكون هناك خصام، مع ترك الباب مفتوحاً للزمن ليذيب أي خلاف، وإن كانت علاقتها بشقيقتها مريم تزداد قوة يوماً تلو آخر، بل وتعمل على مساعدتها مادياً من دون علم زوجها، وفي الوقت نفسه أيضاً حرصت على تقوية علاقتها بأختها فاطمة، من والدتها.

أنور السادات جاسوساً

عادت حكمت فهمي إلى مصر من رحلتها في أوروبا، لكن يبدو أنها عادت في مهام استخباراتية، فقد استطاعت أن تستقطب أحد الشباب من ضباط الجيش المصري، له خبرة في أجهزة الإرسال والإشارة، والأهم أنه أحد المتحمسين لمساندة الألمان لطرد الإنكليز من مصر وإسقاط نظام الحكم الفاسد.

ما إن علمت تحية كاريوكا بعودة حكمت وانتظامها في العمل في ملهى «كيت كات» حتى سارعت إلى زيارتها وتهنئتها بالعودة، خصوصاً أنها على علم بموقف حكمت من الإنكليز ومن القصر. دخلت عليها فوجدتها بصحبة شاب أسمر نحيل يجلس معها على الطاولة:

= توحة حبيبة قلبي وحشاني أوي… كنت دايماً بعرف أخبارك. وبالمناسبة أنا عرفت بمجرد ما رجعت بالموقف الشجاع اللي عملتيه مع الراجل الكبير (تقصد الملك).

* صدقيني يا حكمت أنا نفسي لحد دلوقت ما عرفش عملت كدا إزاي؟

= اللي حصل دا ماتعملوش غير تحية كاريوكا… صحيح أنا نسيت أعرفكم على بعض. دا اليوزباشي محمد أنور السادات ودي الفنانة تحـ…

ـ غنية عن التعريف… الفنانة تحية كاريوكا طبعاً.

* أهلاً وسهلاً. حضرتك مصري؟

ـ طبعاً. أنا ظابط في الجيش المصري في سلاح الإشارة.

* ماتآخذنيش يعني… هو فيه جيش مصري في الظروف اللي احنا فيها دلوقت؟

ـ أيوه يا ست تحية… فيه جيش مصري، ومليان بالوطنيين وبيقوموا بدور وطني محترم. يمكن دورهم مش ظاهر دلوقت بسبب الخونة لكن مؤكد هايجي وقت ويظهر.

* أنا أتشرفت بمعرفتك يا حضرة اليوزباشي.

ـ تعرفي أنا من صغري وأنا غاوي فن وكان نفسي أبقى ممثل بس فشلت.

* ممكن يكون الفن خسر فنان، لكن مؤكد جيشنا كسب ظابط وطني.

في مايو من عام 1942 طلب الجنرال روميل من أحد معاونيه زرع جاسوس ألماني يدعى أبلر في القاهرة، ونقله عبر الصحراء الغربية. بوصول الجاسوس إلى القاهرة بدأ البحث عن مكان آمن لسكنه يتيح له في الوقت ذاته تشكيل شبكة جواسيس وبعث رسائله السرية والمشفرة إلى روميل من دون رقابة. كان لا بد من استشارة أحد المصريين المتحمسين لطرد البريطانيين المحتلين، حتى وإن كان الثمن هو التعاون مع «النازي» وكان في مقدمة قائمة المرشحين الراقصة حكمت فهمي. ما إن تم الاتصال بها حتى أبدت حماسة للفكرة، واقترحت تأجير عوامة على النيل لإيواء أبلر وأشارت عليهم بتأجير عوامة مجاورة للعوامة التي كانت تملكها وتستضيف فيها الضباط الإنكليز، خصوصاً أن العوامات تؤخذ أحياناً للسهر والسمر ولا تثير شكوك رجال الخدمة السرية.

عادت حكمت فهمي لترقص في ملهى «كيت كات» بينما عوامتها في الجهة المقابلة في الزمالك، وبدأت نشاطها بمدّ الجاسوس الألماني جون أبلر بالمعلومات التي تحصل عليها من الضباط الإنكليز ليرسلها بدوره إلى الجنرال روميل الذي كان قد وصل إلى مرسى مطروح على حدود مصر الغربية، ويخوض معارك ضارية مع الإنكليز.

قررت حكمت الاستعانة بمحمد أنور السادات في إصلاح جهاز الإرسال الخاص بالجاسوس أبلر ليتمكن من إرسال رسالة عاجلة إلى مركز القيادة في الصحراء الغربية وهي معلومات حيوية قد تغير من مسار المعركة بكاملها لمصلحة ألمانيا وطرد الإنكليز، فأصلح أنور السادات الجهاز وأرسل أبلر الرسالة.

انصرف أنور السادات، ولم تبت حكمت فهمي ليلتها في «العوامة» حيث اتجهت إلى الإسكندرية لإحياء فرح في اليوم التالي، لابنة أحد كبار تجار الإسكندرية، وفي الصباح كانت المخابرات البريطانية قد توصلت إلى مكان «العوامة» وتم إلقاء القبض على «أبلر» وبصحبته صديق له يعمل معه بالتجسس.

عادت حكمت بعد منتصف الليل إلى القاهرة، وما كادت تصل إلى العوامة حتى تم إلقاء القبض عليها، كما ألقي القبض على اليوزباشي «محمد أنور السادات» وبمحاكمة سريعة، صدر حكم على حكمت بالسجن لمدة عامين، وعلى اليوزباشي محمد أنور السادات بالسجن خمس سنوات، ليصدر بعدها الحكم الملكي بالاستغناء عن خدمات اليوزباشي محمد أنور السادات من الجيش المصري، وتجريده من رتبته العسكرية وطرده من الجيش.

دعوة مفتوحة

شعرت تحية كاريوكا بالقلق بعد القبض على حكمت فهمي وأنور السادات، فضلاً عن ترحيل أسمهان من مصر، خصوصاً أن علاقتها قوية بالفنانتين، فضلاً عن أنها سبق والتقت أنور السادات بحضور حكمت فهمي، ومن المؤكد أن أعين السلطات ترصد كل تحركاتهم، خاصة أن هناك مواقف واضحة من الملك وأمه الملكة نازلي تجاهها، ولا تستبعد رد فعل انتقامي، فاتصلت بمنقذها، الفنان سليمان نجيب، لمشاورته في الأمر، فطلب منها مقابلته في أستوديو مصر.

وصلت تحية إلى أستوديو مصر فوجدت سليمان نجيب أمام الكاميرات يقوم بتصوير دوره في أحد الأفلام التي يشارك بها، وبينما هي تخرج في هدوء من البلاتوه وجدت الفنان أحمد سالم، مدير أستوديو مصر، في وجهها، فاستقبلها استقبال الفاتحين، وراح يثني على ما فعلته بفاروق وأمه نازلي، ما زاد من قلق تحية وتوترها:

= اللي انت عملتيه دا مافيش حد قدر يعمله قبلك.

* أرجوك يا أحمد أنا أصلاً متوترة… ومش ناقصة.

= انت خايفه من إيه؟ ولا يقدر يعملك أي حاجة… لا هو ولا غيره.

* انت عارفه اكتر مني وعارف بيفكر إزاي وممكن يعمل إيه.

= سيبك منه. قوللي انت ليه لحد دلوقت ما عملتيش فيلم لأستوديو مصر… ولا انت مش عايزه تشجعي الصناعة الوطنية؟

* أنا على استعداد أعمل فيلم لأستوديو مصر من غير أجر.

= لا ياستي احنا هانديلك أعلى أجر… بس انتي توافقي.

تعود أحمد سالم، منذ أن كان طيارا بالجيش المصري، وحتى بعد خروجه واتجاهه للفن، وتوليه إدارة «أستوديو مصر» تعود على العديد من المواقف الصدامية مع الملك فاروق، بسبب النساء، واللعب معا لعبة «القط والفأر» دون تصريح أو الإعلان عن ذلك، فقط يحاول كل منهما خطف الجميلات من الفنانات، أو حتى من سيدات المجتمع، فبمجرد أن تظهر فاتنة في حياة الآخر يحاول أي منهما خطفها، الأول باستخدام نفوذه وسلطانه والثاني باستخدام رومانسيته ووسامته. فقرر أحمد سالم أن تكون تحية كاريوكا هي التحدي الجديد، بعدما فشل الملك في استقطابها، غير أن أحمد من الذكاء وعرف أن تحية لا يمكن الوصول إليها إلا عبر طريق واحد فقط… هو الزواج.

عرض أحمد سالم على تحية ضرورة تقديم فيلم سينمائي من إنتاج أستوديو مصر، مع تأكيده على أهمية أن يلتقيا يومياً لبحث تفاصيل الفيلم والتحضير له، والبحث عن القصة المناسبة لتقديمها، ومن يكتب السيناريو والحوار والمخرج، ومن يشارك معها في بطولة الفيلم.

البقية في الحلقة المقبلة

عودة أسمهان

سادت الاضطرابات الوسط الفني، كما سادت الأجواء السياسية، ووسط هذه الاضطرابات عادت المطربة أسمهان، شقيقة المطرب فريد الأطرش، إلى مصر في صحبة زوجها الأمير الدرزي حسن الأطرش… عادت وفي يدها جواز سفر ديبلوماسي أعطتها إياه سلطة الانتداب الفرنسي في سورية بصفتها زوجة زعيم درزي كبير، أمير له جاهه ونفوذه ومقامه الرسمي. غير أن هذه الزيارة لم تكن مجرد زيارة عابرة، فقد كانت أسمهان تخطط لشيء ما، وقررت ألا تعود مع زوجها إلى جبل الدروز بعدما سبق وأجبرها على مغادرة مصر إلى الجبل.

كانت المفاجأة التي لم يتوقعها حسن الأطرش أن تطلب منه أسمهان أن يطلقها، فرفض ولم يكن أمامها إلا أن تفعل ما فعلته مراراً سابقاً: محاولة الانتحار. تناولت عدداً كبيراً من أقراص الأسبرين ولم يجد الأمير بداً من أن يلبي طلبها ويطلقها، ويتركها في القاهرة عائداً وحده إلى بلاده.

لم تفطن أسمهان أن زوجها كان «حصانة» لها عند سلطات الأمن العام وإدارة الجوازات في مصر، فما إن طلقها حتى سقطت عنها هذه «الحصانة» التي كانت تعطيها جواز سفر ديبلوماسيًا باعتبارها زوجة أمير وزعيم درزي.

كانت صدمة أسمهان الكبرى بصدور أمر من إدارة الجوازات بخروجها من مصر، باعتبار أنها لا تحمل إقامة، حاولت أسمهان بكل الطرق، أن تبقى في مصر التي تحبها، ولا تعود إلى جبل الدروز، لكن من دون جدوى!

باعتبارها تتعاون مع المخابرات البريطانية، كما تتعاون مع المخابرات الفرنسية، اتصلت أسمهان بالمستر نابير، نائب مدير قسم الدعاية والنشر في السفارة البريطانية، وشرحت له الموقف وطلبت منه أن يساعدها، وأن تتدخل السفارة البريطانية كي تبقى.

وعدها نابير ببحث الأمر مع المسؤولين في السفارة، واتصل بالجنرال تايدر، قائد الطيران البريطاني المكلف بإدارة معارك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والذي يشغل في الوقت نفسه رئاسة جهاز المخابرات الحربية البريطانية في المنطقة ويتخذ من فندق «الكونتننتال» في القاهرة مقراً لإقامته. غير أنه بعد لقائه أسمهان، طلب منها أن تنفذ القرار وتغادر مصر:

* يعني مافيش فايدة؟ معقول المخابرات البريطانية كلها مش قادرة تخليني استنى في مصر.

= شوفي أسمهان الحكاية مش نقدر ولا لأ… لكن إحنا شايفين أنه من مصلحتك ومصلحة الحلفاء أنك تنفذي قرار المغادرة وأوعدك مش هاتستني كتير.

استمرت أسمهان في محاولاتها غير أنها باءت بالفشل، ولم تجد بداً من مغادرة مصر، خصوصاً أن صديقها الوحيد الكاتب الصحافي محمد التابعي، والذي كان ليساعدها غير موجود في مصر.. كذلك لم تفلح محاولات شقيقها فريد الأطرش وبعض الأصدقاء، فاضطرت إلى مغادرة مصر إلى فلسطين.

الجريدة الكويتية في

27/07/2012

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2012)