حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

                          دراما رمضان التلفزيونية لعام 2012

الفيلسوف الضاحك.. نجيب الريحاني

بقلم: ماهر زهدي

الحلقة ( 3 )

استنى بختك

وجد الشيخ بحر في تلميذه «نجيب» تجاوباً كبيراً على عكس شقيقيه، فكان يسر كثيراً حين يلقي نجيب أمامه ببعض المحفوظات بصوت جهوري، ونبرات تمثيلية وإشارات تفسيرية، وما إلى ذلك مما كان يعتبره الشيخ بحر نبوغاً وعبقرية.

* بسم الله ماشاء الله… لا قوة إلا بالله… ابنك يا معلم إلياس نابغة.

= البركة فيك يا سيدنا.

* هذه بركة ربنا. وأنا على اتفاقي معك يا معلم… لو لم أجد تجاوبا من الولد لتركته على الفور… مثلما فعلت مع أخوته يوسف وجورج. لا تؤاخذني يا معلم لا جدوى من تعليمهم.

= يعني مفيش فايدة من العيال دي؟

* العلم يا معلم إلياس عطية من الله وهبة يمنحها الله لمن يشاء من عباده… ونجيب ربنا موسع عليه في العلم. بيحفظ القصيدة من أول مرة… وكمان بقى بيشرحها ويعربها كأنه خوجة بيعلم تلاميذ. آي والله بعقد الهاء، وياسلام يا معلم لما تشوفه واقف بيلقي قصيدة ولا عرابي باشا في زمانه.

ولمع اسم نجيب أنطون إلياس بين المدرسين والتلامذة كأمهر من يقوم بأداء القصائد الشعرية باللغتين العربية والفرنسية، لدرجة أنه كان يمكن أن يحفظ قصائد تزيد على المائة بيت، ويقولها دون ورق أمامه، لدرجة أنه لم يوجد من بين زملائه بالمدرسة من يمكن أن يجاريه في الحفظ أو الأداء، ما جعل أساتذته يتنبئون له بمستقبل واعد كمحام مفوه أو قاض شهير، غير أن نجيب كان له رأي آخر في مستقبله، وهو ما أسر به للمسيو “الفريد” مدرس اللغة الفرنسية:

* قوللي يا نجيب. أنت عاوز تشتغل إيه لما تكبر؟

• نفسي أبقى زي الشيخ عبدالرازق العتر.

* عبد الرازق العتر… مين ده… وبيشتغل إيه؟

• فيه حد يا مسيو ما يعرفش الشيخ عبد الرازق العتر.

* معلهش يا سيدي… أصل أنا جاهل… مين بقى عبد الرازق العتر ده.

• الشيخ عبد الرازق العتر ده شاعر الربابة اللي بيقعد كل يوم. (خميس) بعد العشا في “قهوة البنا” اللي في ميدان باب الشعرية.

* شاعر ربابة!! بقى أنت بتتعلم كل العلوم دي وعربي وفرنساوي وإنجليزي علشان في الآخر تطلع شاعر ربابة.

• أصل صوته حلو قوي يا مسيو. وكمان بيقول حكايات جميلة… ومعاه أربعة بيشخصوا الحكايات اللي بيقولها.

* حكايات إيه وتشخيص إيه… يا بني أنت بتتعلم ولازم تستفيد بعلمك. يعني بعد ما تاخد الابتدائية وتاخد البكالوريا تدخل مدرسة الطب ولا المهندس خانة ولا الحقانية وتبقى أبوكاتو قد الدنيا… مش تقوللي شاعر ربابة ومشخصاتي. أنت نبيه يا نجيب وواحد زيك خسارة يضيع علمه في التشخيص.

تأثر نجيب بكلام معلمه، وراح يفكر في مستقبله بشكل مختلف، راح يفكر ماذا لو أنه حصل على البكالوريا والتحق بمدرسة الحقانية، فهي الأقرب إلى ميوله الخطابية، فضلاً عن ذلك إن لها مستقبلاً مضموناً، خاصة إن مدرسة الحقانية، كلية الحقوق، يطلق عليها “مدرسة الوزراء” فأغلب الوزراء والوجهاء من خريجيها.

ليلة من ألف ليلة

ظل نجيب مقتنعاً بهذا المبدأ الذي زرعه بداخله أساتذته ومعلميه، حتى كان أحد أيام صيف عام 1901، الذي شاهد فيه واحدة من تلك “العربات الكارو” التي تعمل لدى وكالة المعلم “رزق أبو دومة” لنقل الغلال، غير أنه هذه المرة شاهدها يجرها حصانان، وتحمل العربة عليها بدلا من الغلال مجموعة من “الآلاتية” أو الموسيقيين الذين يعزفون على الآلات النحاسية، وفي المنتصف رجل يرقص على العزف ويأتي ببعض الحركات البهلوانية، وفي نهاية العربة اثنان منهما يمسكان بطرفي لافتة كبيرة مكتوب عليها:

الشيخ سلامة حجازي في أروع التمثيليات العالمية… يقدم رواية “روميو وجولييت” بمصاحبة جوقه الكبير… الليلة وكل ليلة.

استطاع نجيب أن يقرأ اللافتة بسهولة، حيث كانت العربة تسير ببطء، ثم تتوقف في كل شارع بضع دقائق، حتى يتسنى للجمهور رؤيتهم وقراءة اللافتة، وعلى رغم قراءة نجيب لها، إلا أنه لم يفهم ما المقصود بهذه العبارة، ولأنه لم يكن يترك حادثاً مثل ذلك يمر عليه مرور الكرام، فكان لا بد من أن يسأل:

* فرح مين ده يا عم؟

= ده مش فرح يا حبيبي… ده إعلان عن جوق الشيخ سلامة حجازي.

* جوق! يعني إيه؟

= الجوقة دي فرقة مرسحية… بتقدم روايات فيها مغنى ورقص وتشخيص.

* تشخيص!! آه عارفه يعني بيقولوا شعر ويحكوا حكايات؟

= حاجة زي كده… بس بيقولها بالمغنى والرقص. وبعدين أنت هتوجع دماغي ودماغك ليه؟ لو عاوز تتفرج تعالى النهارده يا عم الساعة سبعة وأنا أفرجك.

* ببلاش من غير فلوس.

= زي بعضه يا سيدي خليها المرة دي علينا… بس المرة الجاية تدفع فلوس. خد الورقة دي فيها اسم الرواية والمشخصاتية وكمان فيها العنوان… مش بتعرف تقرا.

* أمال.. أنا في مدرسة الفرير بالخرنفش.

= طب عال قوي… عموماً هو المرسح مش بعيد عن هنا خطوتين… في الأزبكية… لما تيجي اسأل بس عن عمك “فزدق” ألف مين يدلك.

كأنها ليلة من ألف ليلة… ما إن دخل نجيب إلياس من باب “مسرح الأزبكية” حتى شعر بأنه انزلق إلى داخل “بلورة سحرية” كثيراً ما سمع عنها في عالم الحواديت والأساطير، عالم آخر مختلف غير الذي يراه خارج هذه الجدران، رواية من أبطال يتحركون أمامه على خشبة المسرح، ليسوا “بالأراجوز” ولا “خيال الظل” اللذين اعتاد على مشاهدتهما في ميدان باب الشعرية، ولا هم يشبهون الشيخ عبد الرازق العتر شاعر الربابة الذي يجلس يوم (الخميس) من كل أسبوع في “قهوة البنا” في ميدان باب الشعرية، الذي يستعين ببعض المساعدين لتصوير أحداث الحكايات التي يرويها، بل هو عالم سحري يحركه بشر، غير انهم ليسوا بشراً عاديين، كأنهم جاؤوا من عالم آخر، ملابس ومكياج وديكورات ورقص، والأهم الغناء بصوت الشيخ سلامة حجازي عملاق زمانه، وزاد من انبهار نجيب ابن الثالثة عشرة، ذلك التصفيق المدوي الذي يتلقاه هؤلاء الذين يعتلون تلك الخشبة، فما إن ينتهوا من حركاتهم ورقصاتهم أو غنائهم حتى يكافئهم الحضور بتصفيق حاد مدو.

من المؤكد أن نجيب لن ينسى هذه الليلة، ليس فقط بسبب العالم السحري الذي قذفه فيه فجأة “عم فزدق”، بل بسبب العلقة “الساخنة” التي تلقاها من والده، بإيعاز من والدته، بسبب تأخره عن البيت حتى الحادية عشرة مساء… ولم يكن مسموحاً له أو لأي من أشقائه بالتأخر إلى ما بعد الثامنة مساء… حتى ولو عند الجيران، فكيف يكون الحال وقد تجرأ نجيب وذهب لمشاهدة جوق الشيخ سلامة حجازي؟!

* عليه العوض في الولد يا إلياس… الواد ضاع مننا.

• ما تبالغيش يا لطيفة… أنا بس ضربته لأنه ماقالش وراح وأتأخر.

* يعني لو كان قال وراح وجه بدري كنت رضيت عنه؟

• ما تحبيكهاش يا لطيفة… لا ضاع ولا حاجة… كل الحكاية أنه حب يتفرج شوية زي الولاد.. ماهو الحق علينا برضه.. أحنا المفروض من وقت للتاني ناخد الولاد ونخرجهم يشوفوا الدنيا.

* ماهو دا اللي ناقص يا معلم إلياس… نخلي ولادنا يتفرجوا على مغنى ورقص وكلام فاضي… كله من الشيخ بحر.

• وذبنه إيه بس الشيخ بحر؟

* هو اللي كبر الموضوع ده في دماغه لما كان بيطلب منه يقف ويقول شعر ويصقف له ولا الصييته اللي في الأفراح.

• أهو شورتك… أنت اللي شورتي بيه.

* أنا كان غرضي يعلمه عربي… مش يعلمه التشخيص… خلاص من هنا وجاي مفيش الشيخ بحر… كفاية المدرسة… وأهو الولد بقى شاطر في العربي.. ونشكر ربنا لحد كده.

لم تكن هذه الليلة هي نهاية عهد نجيب بالتشخيص بسبب ما ناله من عقاب، بل كانت البداية، فقد ظلت الصورة التي شاهدها داخل جدران مسرح الأزبكية عالقة بذهنه طوال الوقت، وظل التصفيق المدوي يرن في أذنيه كلما خلا بنفسه، فلم يكن نجيب يحب اللعب مع أقرانه سواء في المدرسة أو الشارع، إلا في ما ندر، فقد كان خجله يمنعه من مخالطة الأصدقاء طوال الوقت، كما لم يحب طرقهم في اللعب، ويشعر دائماً بأنه أكبر من أن ينخرط معهم في ألعابهم البسيطة، حتى أصبح عالمه الجديد يملأ عليه خلوته ووحدته، يظل جالساً ساعات يفكر في ما رآه وما كان يحدث فوق هذه الخشبة، فمن المؤكد أن هذا ليس عبثاً، بل مدبر بإحكام.

كان نجيب قد بلغ عامه السادس عشر عندما التحق بوظيفة كاتب حسابات في البنك الزراعي، غير أنه كان لا بد من أن يودع مبكراً حياة الطفولة والصبا، ليأخذ مكانه بين الرجال، فقد بات مسؤولاً عن أسرة قوامها والدة وثلاثة أشقاء، جميعهم يحتاجون إلى الإعالة.

اندمج نجيب في سلك موظفي البنك الزراعي في القاهرة، حتى جاء اليوم الذي التقى فيه أحد زملائه من موظفي البنك أثناء خروجهما بعد انتهاء يوم العمل في نهاية الأسبوع، الذي ينتهي يوم (السبت) في الواحدة ظهراً، تتبعه الإجازة الأسبوعية للبنوك يوم الأحد، ليجد في هذا الصديق ضالته وما يمكن أن يعينه على نسيان ألمه لترك دراسته وحرمانه من ممارسة هوايته في الإلقاء والتمثيل.

* أهلا أهلا… مش أنت برضه نجيب أفندي إلياس الموظف الجديد

• هو بعينه يا فندم. نجيب إلياس بس… من غير أفندي. أحنا لسه مكملناش شهر في الوظيفة.

* يا سيدي… بكره تكمل وتتثبت وتبقى أفندي. ومش بعيد كمان تبقى بيه قد الدنيا.

• مش ممكن. سعادتك ظريف قوي… وكمان خيالك واسع. بيه كده حته واحدة؟

* لا ياسيدي تلات حتت… باء وياء وهاء…

• ظريف والله يا فندم… ظريف.

* الله… إيه حكاية يا فندم وسعادتك. أنت فاكرني مين؟

• والله يا فندم أنا ماتشرفتش بسعادتك… بس أكيد سعادتك من كبار الموظفين هنا في البنك.

* يا راجل… كبار إيه وصغار إيه. أنا أخوك عزيز عيد… موظف معاك في قلم الحسابات بالبنك. كل الحكاية أني مستوظف قبلك بستين شهر بس.

• بس!! لا إن كان على كده… يبقى يا عزيز أفندي. اتفضل سعادتك معايا.

* هاهاها… لا دا أنت ظريف قوي… قوللي أنت هتسهر فين الليلة؟

• لا والله أنا مش متعود أسهر. من البنك للبيت ومن البيت للبنك.

* لا ياراجل وده كلام. النهارده (السبت) وبكره الحد. يعني إجازة… قوللي أنت ساكن فين؟

• في باب الشعرية جنب وابور الطحين.

* عال قوي… يبقى هما خمس دقايق مشي.

• منين لفين؟

* شوف يا سيدي أنت تعرف شارع عبد العزيز.

• نسأل عنه يا فندم… نسأل.

* تاني يا فندم. من غير ما تسأل. شارع عبد العزيز ده اللي لازق على طول في شارع محمد علي في العتبة الخضرا… هتوصل لهناك وتسأل عن مرسح إسكندر فرح.

• مرسح؟!

* أيوه… جنبه على طول قهوة “إسكندر فرح”… هستناك هناك على القهوة النهارده الساعة سبعة.

على مقهى “إسكندر فرح” في شارع عبد العزيز، راح الصديقان الجديدان يفضي كل منهما للآخر بعشقه التمثيل، وإن كان عزيز عيد قد خطا خطوات بعيدة حدا ما نحو عشقه الأول “التمثيل” من خلال تجارب مسرحية عدة سبق أن قدمها مع عدد من الهواة وعشاق فن الدراما، غير أن نجيب لم يجد سوى بعض مشاركاته المدرسية في بعض الروايات العالمية التي قدمها على المسرح المدرسي، لكنه وجد ضالته في صداقته الجديدة، ولم يتردد، بل لو لم يفعل لكان تودد إلى صديقه عزيز عيد ليشاركه تجاربه المسرحية التي يقدمها.

حب التراجيديا

ربما كان العائق الوحيد والمشكلة الحقيقية أن نجيب الريحاني لم يكن يميل إلى اللون الكوميدي الذي يفضله صديقه عزيز عيد، بل كانت هوايته منصبة على التراجيديا دون غيرها، يحفظ عن ظهر قلب قصائد “فيكتور هيغو” وأشعار المتنبي ولزوميات أبي العلاء المعري، وما إن يخلو بنفسه في منزله ليقف أمام المرآة ويقوم بإلقاء هذه القصائد بأداء تمثيلي وصوت جهوري، حتى ضجت والدته وأشقاؤه بما يفعله، بل إنها وصفته بـ “المجنون” غير أن ما كان يصبرها هو انضباطه في وظيفته في البنك الزراعي.

بحكم رابطة الزمالة في البنك والصداقة الجديدة والموهبة المشتركة التي جمعت بين نجيب الريحاني وعزيز عيد، قام الأخير بضمه إلى الفرقة التي كونها من بعض الهواة، وأسند لنجيب أول دور له في رواية تمثيلية بعنوان “الملك يلهو”، التي ترجمها عن الفرنسية الأديب أحمد كمال رياض “بك”.

لم يستطع نجيب أن يصدق ما حلّ به من سعادة بانضمامه إلى فرقة الهواة التي كونها عزيز عيد، فقد تحقق حلمه بالوقوف على خشبة المسرح أمام جمهور، غير أن ما يؤرقه لم يكن حجم الأدوار التي يسندها له عزيز عيد، حيث كان يسند له الأدوار الثانوية، بل ما كان يؤرقه هو نوعية الأعمال التي يقدمها، وهي مسرحيات كوميدية، ذلك النوع من المسرح الذي لم يستهوه، حيث يتوق إلى التراجيديا!

اعتاد نجيب أن يجلس يومياً في مقهى “إسكندر فرح” في شارع عبد العزيز، حيث كان المقهى مكان التجمع الرئيس لعدد كبير من العاملين في الفرق المسرحية، حتى صارت صداقة جديدة تجمع بين نجيب وبين ممثل قديم يدعى علي أفندي يوسف، الذي كان يتخذ أيضاً من المقهى مكاناً ثابتاً يلتقي فيه ببعض أعضاء فرقته، التي كانت بطلتها الفنانة صالحة قاصين.

* أقدم لك يا ستي نجيب أفندي إلياس… مشخصاتي وابن كار.

• أهلا وسهلا.

* ودي بقى الأرتيست الكبيرة صالحة قاصين… البريمادونا في فرقة أخوك علي يوسف.

• أهلا يا فندم… تشرفنا.

= وأنت بقى يا سي نجيب أفندي… بتشخص فين.

• لا أبداً… علي أفندي بيبالغ شويه… دا أنا يا دوب اشتركت في كام رواية كده مع صديقي الأستاذ عزيز عيد… يعني لسه “نونو” في المرسح.

= نونو!! دمك خفيف قوي يا سي نجيب أفندي.

اتخذ علي يوسف من هذه الفتاة عشيقة له، ولم تجد هي غضاضة في أن تبادله أيضاً الحب، ولكن ما إن ظهر على ساحة المقهى نجيب إلياس الريحاني، وبتكرار تردده واللقاءات بين الثلاثي (نجيب وعلي وصالحة) حتى وقعت الفتاة أسيرة حبه… وسرعان ما اكتشف علي يوسف الحب الوليد بين نجيب وصالحة… فقرر أن يقتله في مهده.

(البقية في الحلقة المقبلة)

 

لعبة القدر

تولدت لدى نجيب إلياس هواية التمثيل، بسبب تلك الليلة التي عاشها داخل جدران مسرح الأزبكية، غير أنه لم يعرف كيف يخرج هذا المولود الذي ولد داخله، حتى وجد ضالته في المسرح المدرسي، حين بدأت المدرسة في تكوين فريق للتمثيل لتقديم عدد من الروايات المقررة عليهم في دراستهم، فكان أول من تقدم للمشاركة في هذه الروايات، ووجد ترحيباً كبيراً من أساتذته لما عهدوه فيه من نطق سليم للغة الفرنسية، كما العربية، فضلاً عن صوته الجهوري وأدائه المتزن، فراح يشارك من وقت إلى آخر في تمثيل بعض الروايات، سواء التي تم تقديمها بلغتها الأصلية الفرنسية، أو تلك التي تمت ترجمتها عن الأدب العالمي، الأمر الذي زاد من تعلق نجيب بالمضي في هذا الطريق، حتى لو كان دون علم والديه، فقد بات الأمر حلماً، ولا بد من أن يسعى إلى تحقيقه.

لكن يبدو أن الاقدار كانت تخبئ شيئاً آخر لنجيب في عام 1904، فلم يكن قد بلغ عامه السادس عشر، عندما رحل والده المعلم إلياس فجأة وهو لم يكمل عامه الخمسين بعد، حيث ورث صفة قصر العمر من عائلته، ما ألقى بعبء ثقيل على السيدة لطيفة، وزاد من صعوبة الحمل وثقله، أن كل ما ادخره الأب تركه لابنة شقيقته باعتبار أنها فتاة “يتيمة”، إضافة إلى أن تجارة والده مع عمه توما قد تدهورت بشكل كبير، لدرجة أن توما راح يبحث عن عمل بالأجر لدى الغير ليجد ما يأكله.

لم تستطع الأسرة الاعتماد على توفيق باعتباره كبير العائلة بعد رحيل الأب، فلم ينل حظاً من التعليم يؤهله للعثور على عمل مناسب، كما لم يتعلم شيئاً من تجارة والده بسبب تكاسله، فضلاً عن رفضه العمل في مهنة أخرى إلى جانب بوار تجارة والده، فلم يجد نجيب أمامه سوى أن يترك دراسته، على رغم نبوغه الواضح فيها، للبحث عن عمل يعول به أسرته التي أصبح فجأة هو المسؤول الأول عنها، ويترك دراسته قبل عام فقط من حصوله على “البكالوريا”، ما يعادل الثانوية العامة، وعن طريق أصدقاء ومعارف والده يستطيع العثور على وظيفة “كاتب حسابات” في البنك الزراعي في القاهرة.

الجريدة الكويتية في

22/07/2012

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2012)