حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

                          دراما رمضان التلفزيونية لعام 2012

الفيلسوف الضاحك.. نجيب الريحاني

بقلم: ماهر زهدي

الحلقة ( 13 )

أحلام كشكش بك

كانت فرقة «الكوميدي العربي» تعيش حالة مؤلمة، وهو الأمر الذي ساعد نجيب الريحاني على اتخاذ قراره الشجاع، في ظل تعنت عزيز عيد بعدم الموافقة على كتابة اسمه على إعلان الفرقة في واجهة «التياترو».

في شهر مايو عام 1916، انفصل نجيب الريحاني عن فرقة «الكوميدي العربي» من دون أن يفكر إلى أين سيذهب؟ أو ماذا سيفعل؟ المهم ألا يستمر مع هذا الإجحاف والتعنت في إنكار جهوده وتميزه اللذين يشهد بهما جمهور فرقة «الكوميدي العربي».

ظل نجيب الريحاني لما يزيد على شهر ونصف الشهر يفكر في ما يفعله، بعيداً عما يحدث على الساحة الفنية. وبذهن صاف غير مرتبط بـ «لقمة العيش»، راح يفكر في تقديم أفكار جديدة للمسرح الكوميدي، ويضع تصورات لمشروعات مضمونة النجاح… ينقصها التمويل فحسب، لكن من أين؟!

انفصل الريحاني عن فرقة «الكوميدي العربي» غير أنه لم ينفصل عن «بوفيه تياترو مسرح برنتانيا» الذي تقدم عليه «الكوميدي العربي» عروضها، فأصبح «البوفيه» هو مقر إقامته الدائم منذ الصباح إلى ما بعد انتهاء عرض الفرقة.

كعادته اليومية، جلس الريحاني في «بوفيه» مسرح برنتانيا مفلساً لا يجد ثمن كوب الشاي الذي يطلبه من عامل البوفيه، ولم تكن الفرقة قد انتهت من عرضها بعد. وفي تمام الواحدة من بعد ظهر أول يونيو عام 1916، إذا به يرى شخصاً يهبط عليه في سترة فاخرة وعصا ذهبية المقبض، وخاتم ذهبي يداعب شعاعه الأعين. جلس إلى جواره، ثم أخرج من جيبه علبة سجائر من الفضة، فيها نوع فاخر من السجائر، ومن دون أن يتوقع نجيب، وجد الرجل يناوله سيجارة ويلتفت لإشعالها له، والتفت الريحاني لينظر في وجه هذا الكريم الذي شعر بحاجته إلى هذه السيجارة، من دون أن يعرفه ليشكره، غير أنه لم يصدق ما رأه:

* يا وقعتك اللي زي بعضها… مين؟! ستيفان روستي.

• هو بعينه.

* إيه يا واد اللي نجرك ونضفك كده؟

• الدنيا يا عزيزي!

* ماكنتش أعرف أن الدنيا عندها حساب في البنك الأهلي.

• الدنيا فيها كتير يا سي نجيب.                         

* أيوه بس بدي أعرف سر النعمة اللي حطت على جتتك… والعز ده كله منين؟ بدلة كتان وبرنيطة ولا ولاد الخواجات… وكمان سجاير فخمة في علبة فضة… الله يرحم سجاير ماركة «الحملي» ولا حتى ماركة «الكوز» (أعقاب السجائر التي يتم جمعها في علبة من المعدن)!!

• الدنيا مش على حال واحد ياعم نجيب… المهم أن ربنا فرجها.

* يا سيدي من حكم ومواعظ… إيه اللي عمل فيك كده.

• أقولك… أنا بعد ما سبتكم الدنيا شالت وهبدت فيا… جعت وتشردت، نهايته ربنا وفقني ولقيت شغل في «كباريه» اسمه «ابيه دري روز» هنا ورا تياترو «برنتانيا» على طول.

* كباريه؟ وبتعمل إيه في الكباريه؟

• مش مهم بعمل إيه المهم إن أجرتي في اليوم ستين قرش صاغ… صاغ ينطح صاغ.

* يا نهار أبوك زي الكرمب… ستين قرش حتة واحدة. دي ماهية العبد لله في شهر… لو الحالة رايجة… أيوه بس مقلتليش بتشتغل إيه في الهباب ده؟

• إيه رأيك. أنا عازمك النهارده… تتعشى وتتفرج وتقوللي إيه رأيك. عجبك الشغل… أكلملك الراجل صاحب الكباريه.

* ولا معجبنيش… غايته يعني هشتغل رقاصة؟!

خيال الظل

جلس نجيب الريحاني في أحد أركان الملهى الليلي يتناول ما لذ وطاب على نفقة ستيفان، غير أن أصناف الطعام الفاخرة لم تشغله عما يريد أن يعرفه عن طبيعة عمل ستيفان. وفجأة انطفأت أنوار الملهى، وسلطت الأضواء من خلف ستار أبيض من الشاش، وإذا به يرى من خلف هذا الستار من يؤدي بعض الحركات الهزلية من خلال حكاية شعبية تضج لها ضحكات «السكارى» من رواد الملهى، إنه ستيفان روستي الذي عاد بالفن عشرات السنين إلى الخلف:

* «خيال الظل» يا ستيفان… بتقدم عروض خيال الظل؟

• خيال ظل مش خيال ظل… فن ده ولا مش فن؟

* أيوه ماقلناش حاجة… بس الدنيا بتطلع لقدام مش بترجع بضهرها.

• وإذا كان الناس اللي بتشتغل معاهم والناس اللي دافعين فلوس علشان يشوفوك… عاوزين الدنيا ترجع بضهرها تقول لا؟ هو أكل ولا بحلقة؟

* على رأيك… بس المكان هنا مش أد كده… حاجة كده اللهم أحفظنا. كله ناس سكرانين ولا عارفين رأسهم من رجليهم.

• أنا مالي بيهم. أنا بقدم فقرتي في ربع ساعة من ورا الستارة. لا حد شايفني ولا أنا شايف حد. وأتلايم على الستين صاغ وتصبحوا على خير.

* والله كلام معقول برضه… طب وأخينا ده صاحب الكباريه يرضى يشغلني… هو طبعا مش لازم أوصل للأملة اللي أنت فيها. أنا برضى بقليلي… لو حتى بتمانية صاغ في الليلة مش هقول لأ.

• سيب الموضوع ده عليّ أنا.

انصرف نجيب بعدما وعده ستيفان خيراً وأقرضه مبلغاً من المال يمكنه من العودة إلى منزله، وفي مساء اليوم التالي، وقبل موعد تقديم ستيفان لفقرته، التقاه نجيب أمام باب «ابيه دي روز» حيث قاده لمقابلة الخواجة الإيطالي «روزاتي» صاحب الملهى الذي راح يتحدث الفرنسية كلغة مشتركة بينه وبين نجيب وستيفان.

رأى ستيفان أن يقدم نجيب لصاحب الملهى، ليس بما يليق به كصديق وفنان متميز فحسب، بل بما يجعل صاحب الملهى يكون حريصاً وفخوراً بأن يعمل لديه فنان كنجيب الريحاني:

= نجيب الريحاني ممثل كبير ومشهور. عمل مع جورج أبيض والشيخ سلامة حجازي، وعمل مع عزيز عيد، وكبار الأرتيست في مصر.

- برافو برافو… ممثل كبير. بس للأسف أنا مش عاوز ممثل كبير ومشهور، أنا عاوز ممثل صغير لأن الدور صغير ومش مهم.

يبدو أن ما حاول أن يفعله ستيفان أتى بنتيجة عكسية، وبدلاً من أن يتمسك صاحب الملهى بنجيب اعتذر عن عدم قبوله. هنا كان لا بد من أن يتدخل نجيب في المناقشة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه:

* يا فندم اسمح لي… ستيفان بيبالغ كتير مش شوية. أنا يا أفندم ممثل بسيط على قد الحال. لا أنا مشهور ولا أنا كبير وممكن أعمل أي دور كبير أو صغير… مش فارقة.

- زي ما تحب… في كل الحالات أنا مش رايح أدفع أكثر من أربعين قرشاً.

انتظم نجيب في ملهى «ابيه دي روز»، وراح يشارك ستيفان تقديم حكايات خيال الظل باللغة الفرنسية، غير أن أكثر ما كان يحزنه، ليس تقديمه هذا النوع من الفن القديم الذي لا يشترط موهبة خاصة كموهبة الريحاني وستيفان، ولكن ما يحزنه هو استقبال الجمهور لفنهما، فما إن يبدأ العرض حتى يدير الجمهور ظهره إلى المسرح، ويبدأ في التحدث بصوت عال مع بعضه البعض!

توالت ليالي العرض والجمهور مضمون لا ينقطع عن الملهى، فهو لم يأت ليشاهد هذه العروض، فربما أحد رواد الملهى يظل لأشهر لا يلحظ مشهداً واحداً من مثل هذه العروض، وقد اعتاد نجيب هذا الأمر. فالمهم هو راتبه اليومي الذي كان سبباً في اعتدال أحواله، بل وشجعه للمرة الأولى منذ فترة طويلة على زيارة أسرته، وهو يحمل معه ما ثقل حمله، فقد حرص أن يأخذ معه ما لذ وطاب، وهدايا لوالدته وأشقائه، وراح يقبل أيدي والدته لتقبل هدياه وترضى عنه، فقبلتها بعد إلحاح، فهي لا تريد أن تأخذ شيئاً اشتراه نجيب من «فلوس التشخيص» تلك المشكلة الأزلية فهي ترفض هذا العمل ولا ترضاه لابنها.

عودة للأسرة

فاتحت السيدة لطيفة نجيب في رغبة شقيقه توفيق في الزواج، وأنها اختارت له فتاة من أسرة محافظة لا تخرج إلى الشارع بوجهها مكشوف، وأنها حددت موعداً مع والدتها للذهاب إليهم، ولا بد من أن يحضر هذا اللقاء بشرط ألا يخبر أهل الفتاة التي سيتزوجها شقيقه، بأنه «مشخصاتي».

وافق نجيب على شرط والدته علها ترضى عنه، غير أن الرضا التام كان مشروطاً بالابتعاد عن «التشخيص»، فلن يهدأ لها بال، حتى إذا توفاها الأجل لن تكون راضية ما دام ابنها يمتهن التمثيل.

انتهز نجيب فرصة هذا الجو الأسري الدافئ وعرض عليها أن تأتي وأشقاؤه ليعيشوا معه في منزله الجديد في مصر الجديدة، غير أنها رفضت رفضاً قاطعاً. لكن أمام إلحاح يوسف الذي له مكانة خاصة لدى والدته بسبب إعاقته، وأمام إلحاح توفيق ليكون المنزل الجديد مشرفا لهم أمام أهل عروسه، وأمام تودد جورج، اضطرت الأم إلى أن توافق على طلب نجيب.

اكتمل شمل الأسرة مجدداً في بيت نجيب في ضاحية مصر الجديدة، ليشعر بإحساس جديد غاب عنه لفترة طويلة، وهو دفء الأسرة، خصوصاً عند انتظارهم له لتناول طعام العشاء معه، وغالبا ما كان يتأخر نجيب عليه بسبب عمله في الملهى، فيضطرون إلى تناول العشاء من دونه، باستثناء شقيقه الأصغر جورج الذي كان يصر على انتظار نجيب لتناول العشاء معه.

لم يعد نجيب حريصاً على العودة إلى منزله مبكراً كما اعتاد منذ عودة الأسرة لتقيم معه، غير أن ذلك لم يكن بسبب أسرته أو لحرصه على التسكع بعد تقديم عرضه اليومي، بل لإحساسه بالخوف من المجهول الذي بدأ يلوح في الأفق، وبات ينتظره بين ليلة وأخرى. فقد بدأ يقل تدريجاً رواد ملهى «الابيه دي روز»، ما ينذر بأحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن يضطر صاحب الملهى إلى الاستغناء عنه وعن ستيفان روستي لتوفير أجرهما وإلغاء فقرة «خيال الظل»، خصوصاً أن الجمهور لم يكن يلقي لها بالاً ولن يؤثر غيابها، أو أن يكون الرحيل للجميع، بمعنى أن يغلق الرجل الملهى مع الخسائر المتتالية. وفي الحالتين، ثمة مجهول جديد لا بد من أن يستعد له نجيب.

مولد كشكش

في هذه الليلة، وضع نجيب رأسه على الفراش، غير أنه لم ينم، ظل يتقلب يميناً ويساراً، لم يغمض له جفن، فاعتدل وجلس على الفراش، وراح يستعرض أمام مخيلته كل ما مر به من تجارب، حلوها ومرها، ووقف أمام الكثير منها، استخلص ما تبعها من خير أو شر، فإذا به يجد مواضيع عدة كانت ترجمة واضحة صادقة للمرحلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها… مرحلة مضطربة بكل ما فيها، على رغم أن الحرب الكبرى (العالمية الأولى) أوشكت على الانتهاء.

في فجر هذه الليلة، انتبه نجيب الريحاني لنفسه، غير أنه لم يدر، على أي حال هو في هذه اللحظة، هل هو نائم؟ ويرى فيما يرى النائم، أم أنه مستيقظ وما يراه هو اليقين؟

رأى نجيب الريحاني بعيني رأسه خيالاً كالشبح شاخصاً أمام سريره، رجلاً يرتدي «كاكولا» عبارة عن زي المشايخ أو وجهاء الريف المصري، «الجبة والقفطان وعلى الرأس عمامة» كل شيء واضح، وراح نجيب يسأل نفسه:

* مين ده؟ متهيألي الراجل ده شوفته قبل كده. وإيه اللي جابه هنا دلوقتي؟ أيوه… أيوه… افتكرته… دا الراجل اللي قابلته في المنصورة ليلة ما سهرت أنا وأحمد حافظ. ودفع لنا الحساب. ليلتها رفض إني أرد له المبلغ، أيوه يا نجيب هو… أنا كنت فاكر اسمه لأن اسمه كان غريبا شوية. أيوه كان اسمه كشكي بيه أو كشكش بيه. حاجة زي كده… أيوه هو كشكي بيه «عمدة كفر البد ماص» هو بعينه بلبسه وعمته ودقنه.

طب جاي ليه ياعم كشكش… وعاوز إيه مني؟

انتفض نجيب من سريره ووقف وسط الحجرة، فلم يجد الشبح أمامه، أضاء النور راح يبحث عنه وكأن الشبح كان موجوداً بالفعل، وراح يصيح:

* هو ده… هو ده… هو ده يا نجيب… فهمت الرسالة.

راح نجيب يوقظ شقيقه الأصغر جورج، الأقرب إلى نفسه وعقله ليقص عليه ما رأه وما اهتدى إليه من هذه الرؤيا التي لا يعرف إن كانت رؤيا منام، أم حلم يقظة:

= إيه يا نجيب… مالك؟ مال وشك أصفر كده؟

* لقيته يا جورج لقيته!

= هو مين ده اللي لقيته… اقعد بس واهدى.

* كشكش بيه.

= مين كشكش بيه ده؟

* عمدة «كفر البد ماص».

= عمدة كفر البلاص… هو فيه كفر اسمه البلاص؟

* الله عليك ياواد يا جورج. تصدق كده أحسن وتجيب كوميديا أكتر.

= هو إيه ده؟ أنا مش فاهم حاجة!!

* كشكش بك… عمدة كفر البلاص. دي الشخصية اللي اخترعتها وهقدمها في رواية جديدة.

= ياه عليك يا نجيب يا أخويا. وقعت قلبي… مش تقول كده!

* عندك هنا في الكوميدينو كراسة وقلم… هاتهم واكتب اللي هاقولهولك.

لم يتوان نجيب لحظة… وعقارب الساعة تشير إلى الخامسة صباحًا، راح يملي على شقيقه جورج هيكل الرواية التي صمم على كتابتها وإخراجها، وقوامها أن عمدة من الريف وفد إلى القاهرة، يحمل الكثير من المال ويلتف حوله فريق من الحسان يكن سبباً في ضياع ماله ويتركنه مفلساً، فيعود إلى قريته يعض بنان الندم ويقسم بأغلظ الأيمان أن يثوب إلى رشده، وألا يعود إلى ارتكاب ما فعل.

في الوقت نفسه كان الخواجة الإيطالي «روزاتي» قد اتخذ قراراً سبق وتنبأ به نجيب قبل أيام، ليس بالاستغناء عنه، ولكنه كان الخيار الثاني، وهو غلق الملهى بسبب الخسائر المتتالية، وقد أوشك الرجل على الإفلاس، فراح نجيب يجرب معه آخر أمل لهما معاً:

= وإيه الجديد في كده يا نجيب أفندي

* من جهة الجديد… فيه جديد… وخلينا نجرب.

= نجيب أفندي. أنت مش تحس بحاجة… أنا مفيش فلوس خلاص.

* أنا مستغني عن أجري.

= نجيب أفندي… الخسارة مش أربعين قرش أجرك… الخسارة أكبر كتير… أنا بدفع كهربا يوميا تلاتة وتمانين قرش، وأدفع أجور لك ولغيرك سته جنيه، ومصاريف تانية يعني ممكن أنا بخسر عشرة جنيه كل يوم الملهى مفتوح.

* يا خواجة… بدل ما أنت مقرر تقفل بعد أسبوع خليهم أسبوع ويوم… مش هتفرق كتير.

= خلينا نشوف نجيب أفندي.

* فيه كمان طلب صغير.

= أنت طلباتك بقى كتير نجيب… خير؟

* هنحط إعلان على باب الملهى نقول فيه «ترقبوا ظهور كشكش بك في ملهى «الابيه دي روز».

= مفيش مانع نجيب… مفيش مانع.

وضع نجيب الريحاني أولى روايات «كشكش بك» بعنوان «تعالي يا بطة»، وهي عبارة عن أسكتش فكاهي، يستغرق عشرين دقيقة.

وفي ظهر يوم الافتتاح أجرى نجيب البروفة النهائية على الرواية، وفجأة وبينما هو يؤدي دور «كشكش بك» كما تصوره، يشعر بمدى سخف العمل والشخصية، ما زاد من رعبه وقلقه، فإذا كان هو مخترع الشخصية يشعر بمدى سخافة ما يقدمه، فماذا سيكون رأي الجمهور فيها؟ وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل سيعجل بخراب بيت الخواجة الإيطالي «روزاتي» حيث سيقوم الجمهور بتكسير الملهى على رأسه.

وضع نجيب يده على قلبه… وراح يراجع نفسه ويشاور عقله في التراجع.

(البقية في الحلقة المقبلة)

 

أربعون قرشاً

وافق نجيب فوراً، وهو في دهشة مما سمعه، ونظر إلى ستيفان نظرة استفهام، فلم يكن يحلم بأن يحصل على مرتب أربعين قرشاً، لدرجة أنه راح يستفهم من ستيفان بالعربية حتى لا يفهم صاحب الملهى، هل هذا المبلغ في الشهر أم في الأسبوع، فأكد له ستيفان أنه يومي.

كان أسكتش «خيال الظل» المزمع إخراجه في هذه الليلة يحتاج إلى ظهور خادم بربري إلى جانب الشخصية التي يقدمها ستيفان، فأوكل صاحب الملهى هذه الشخصية إلى نجيب الريحاني.

هنأ ستيفان نجيب بقبوله عضواً في فرقة «خيال الظل»، وفوراً قاده إلى مدير خشبة المسرح ومعاونه مسيو «روزاتي»، وهي فتاة رائعة الجمال الجميع ينادونها: «ليليان الجميلة».

راحت ليليان تشرح لنجيب الفكرة التي سيقدمونها في أسكتش «خيال الظل» الليلة، مشيرة إلى أن إدارة الملهى أعلنت في جميع أنحاء القاهرة عن عرض في ملهى «ابيه دي روز» تشارك فيه فتاة باريسية رائعة الجمال لمدة ثلاثة أيام، وأن ثمة مفاجأة كبرى ستحدث في الملهى في اليوم الرابع الذي هو اليوم، وهذه المفاجأة هي أن السيدة الباريسية ذات الجمال الفاتن والحسن الرائع، ستظهر للجمهور في اليوم الرابع، ليس خلف الستار ولكن أمامه.

نجحت الدعاية عن الفاتنة الباريسية في جلب جماهير غفيرة طيلة الليالي الثلاث، وتضاعف الجمهور في الليلة الرابعة، واستمر العرض الذي شارك فيه نجيب الريحاني في دور «بربري»، وهو يقف ينتظر أيضاً مشاهدة هذه الفاتنة الباريسية.

عندما حان وقت ظهور المفاجأة المدهشة، عرف نجيب من هي، عندما ظهرت للجمهور، فلم تكن سوى ستيفان روستي، الذي خرج على الجمهور من خلف الستار بشعر مستعار وشارب في وجهه، ليكتشف الجمهور اللعبة، فما كان منهم إلا أن انفجروا بالضحك، لدرجة أنهم كانوا يتساقطون على الأرض من فرط الضحك.

الجريدة الكويتية في

01/08/2012

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2012)