حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

                          دراما رمضان التلفزيونية لعام 2012

الأساتذة.. أهم صناع السينما في العالم

كين لوش.. الريح التي تنعش السينما

بقلم: عبدالستار ناجي

الحلقة ( 9 )

يمثل حضور المخرج البريطاني كين لوش في السينما، كما تلك الريح العذبة التي تنعش الذات فكان حضوره ونتاجاته القادمة من خلفية ثقافية وسياسية بمثابة الريح التي تحمل سينما القضية، وسينما المجتمع وسينما الحرية، عبر نتاج سينمائي سخي بالواقعية شذب بمفردات التميز، عامر بالاستمرارية الرصينة التي تحمل توقيع هذا المخرج الذي سار على نهج الكبار، ليقف الى جوارها ويتجاوز اليوم الكثير منهم كيف لا وفي رصيد المخرج كين لوش كم من التحف التي تذهب في اتجاهات عدة، ويظل الانسان والحرية هما المحاور الاكثر حضورا وهذا ما تلمسه وبكثير من الوضوح مع فيلمه الكبير «الريح التي تهز حقل الشعير» الذي نال عنه جائزة السعفة الذهبية عام 2006.

والآن تعالوا نذهب الى عوالم هذا المبدع، وهذا الاستاذ الرصين الذي يعتبر أحد قلاع الواقعية الجديدة في السينما البريطانية الى جوار عدد آخر من الاسماء ومنها مايك لي.

ولد كين لوش في نانتون واركشير، التحق بمدرسة الملك ادوارد السادس للقواعد بعدها انتقل الى السلاح الجوي الملكي، ومنها الى سان بيتر كوليدج (اكسفورد) حيث أسس أول مجموعة مسرحية له ليقدم عددا من الاعمال المسرحية كممثل، وفي بداية عام 1960 انتقل من عالم المسرح الى التلفزيون ليقدم المسلسل التلفزيوني زد كارز عام 1964.

وفي عام 1966، قدم تلك التجربة التي سلطت عليه الاضواء من خلال الفيلم الوثائقي كاتي عادت الى المنزل الذي تناول خلاله عالم المعدمين الذين يعيشون في الشوارع بلا منازل واثار القيم يومها كثير من الجدل وحظي ايضا بدعم النقاد والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية ولايزال الفيلم يعتبر وثيقة نادرة صورت على أرض الواقع وبين المعدمين.

تلك التجربة، مهدت له الطريق ليقدم عمله السينمائي الاول «البقرة الفقيرة» 1967، ثم فيلم «قبله» عام 1969 عن حياة شاب قلق.

وحتى لا نتأخر في سياق الاحداث والمسيرة، علينا ان نشير هنا الى ان كين لوش حمل الرقم 7 بوصفه أفضل مخرج سينمائي بريطاني بين المئة مخرج الاهم في القرن العشرين.

ولانه يشتغل على أعمال تثير القضايا ولربما تزعج الموزعين وأصحاب دور العرض فان أفلامه في الفترة التي جاءت بين بداية السبعينينات ومطلع الثمانينيات لم تحقق ذلك الاهتمام لانها كانت تعاني من ظروف انتاجية فقيرة، بالاضافة الى انشغاله بموضوعات ذات بعد سياسي قد لا تعجب الشريحة الاكبر من جمهور السينما، وهذا ما نلمسه مع فيلم «احمي الأطفال» 1971.

ومع بداية الثمانينيات وظهور بعض المؤسسات التي تقدم الدعم المادي للمخرجين الذين يقدمون القضايا الفنية والسينمائية المهمة كانت تلك العلاقة المتميزة التي نشأت بين كين لوش والفتاة الرابعة «بي. بي. سي» وأيضا المركز المستقل للتلفزيون، حيث حظي ولايزال يحظى بالاسناد المادي والمعنوي لانتاج أعماله وكانت المحطة الاولى في الثمانينيات مع فيلم «أسئلة عن القيادة»، وهو فيلم من أجزاء عدة يرصد الحركات النقابية العمالية والتحديات التي تواجهها.

وبعدها جاءت تجربة فيلم «في أي جانب أنت؟» الذي حقق جوائز عدة في مهرجان برلين الشمالي، وهو يسير في الاتجاه ذاته، حيث قضايا العمالة والنقابات والعمل السياسي.

ومع تحرك الاحداث السياسية في ايرلندا، شخص كين لوش كأنه شوكة في البلعوم، يذهب الى قضايا ايرلندا وكفاح أهلها من اجل الحرية والاستقلال، وفي الفترة من مطلع الثمانينيات والتسعينينات قدم مجموعة بارزة من الاعمال السينمائية التي حصدت كثيراً من النجاح والانتشار وباتت تمثل المنهج الذي يسير على ركبه هذا المبدع.

من أعمال تلك المرحلة، جاء فيلم «الأجندة السرية»، وهو يقدم تحليلاً للاوضاع السياسية والمشاكل التي تعترض المشتغلين في السياسة والرفض لسياسة المملكة المتحدة ويومها عرض الفيلم في مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي حيث الاحتفاء بسينما المؤلف، ثم جاء فيلم «أغنية كارلار» وقدم ايضا في مهرجان فنيسيا عن حكاية فتاة من نيكاراغوا والظروف التي تعصف بها خلال وجودها في المملكة المتحدة.

ومن أجل الاحتفاء بحرب التحرير في اسبانيا، قدم فيلم «الارض والحرية» (عرض في مهرجان كان) عن حكاية شباب بريطانيين يذهبون للقتال الى جوار اخوتهم في اسبانيا من أجل الحرية ومواجهة التسلط والدكتاتورية.

وبدأ حصاد الجوائز والاشادات وايضا الترسيخ في ذاكرة ووجدان الحرفة، كمخرج وأيضا كمبدع يمتلك الموقف السياسي الواضح والرؤية الابداعية التي يميل الى استخدام لغة سينمائية هي امتداد للواقعية التي اشتهر بها عدد باتوا من المبدعين في ايطاليا على وجه الخصوص.

بعدها قدم فيلم «مطر الحجارة»، وهو دائما يذهب الى الموضوع على خلفية الاحداث في ايرلندا، لترصد حكاية أحد العمال وعلاقته مع ابنته والظروف التي تحيط بكل منهما.

ثم يأتي اليوم واللحظة الاهم في تاريخ هذا المبدع الانكليزي، حيث يوم 26 مايو 2006 ويومها تم اعلان اسمه واسم فيلمه «الريح التي تهز حقل الشعير» للفوز بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي، وأتذكر يومها انني وصلت الى «كان» قبل اليوم الاول للمهرجان وتصادف ان عرض الفيلم في صباح اليوم الثاني، وهو أول أفلام المسابقة، وفي الغالب لا يصل النقاد الى «كان» الا مع اليوم الثاني او الثالث من اجل اللحاق بقية الايام، وفات الكثيرين منهم عرض ذلك الفيلم الذي ظل متصدرا لقوائم الترشيحات للسعفة الذهبية، وكان القلة من النقاد يفتخرون انهم شاهدوا العرض الاول للفيلم، وفي اليوم الذي تلى حفل توزيع الجوائز اضطرت اللجنة المنظمة الى برمجة عرض الفيلم على صالات قصر المهرجانات لاكثر من 5 مرات من اجل تلبية طلبات النقاد والاعلاميين الذين فاتهم ذلك الفيلم التحفة.

فيلم يتحدث عن حرب الاستقلال في ايرلندا ثم الحرب الاهلية في العشرينينات من القرن الماضي، في معالجة سينمائية عالية الجودة ترصد حكاية ابناء أسرة واحدة عملت الحرب الاهلية على تمزيقهم والمواجهة بينهم، كما يرصد الفيلم عذابات الشعب الايرلندي من قبل الاحتلال البريطاني في تلك المرحلة من تاريخ ايرلندا.

في بداية الالفية الجديدة واصل كين لوش نهجه السينمائي من خلال فيلم «خبر وزهور» ثم فيلم «اسمي جو».

في عام 2009 يقدم فيلمه الاكثر نجاحا تجاريا وهو بعنوان «البحث عن ايريك» من بطولة النجم الرياضي الفرنسي ايرك كونتونا، نجم مانشستر يونايتد الذي يظهر في الفيلم من خلال طلب احد الشخصيات التي تعاني المشاكل حيث يسعى للاستعانة به من اجل حل مشاكله، عام 2011 قدم «الطريق الايرلندي».

وكما أسلفنا، كانت أعماله تمتاز بالواقعية وهو يعتمد تطوير علاقة الممثل بالشخصية والاحداث التي تحيط به حتى يجعله ينصهر في الموضوع، وهو كما يقول انه يعشق السينما الواقعية، ويتميز فيلم «سارق الدراجة» لفيتريو فيسكوتي (1948) النموذج للنهج الذي يشتغل عليه، وهكذا الامر مع فيلم جيلو بونتي كورنو في فيلم «حرب الجزائر» 1966، وعبر تلك الافلام نكتشف اننا امام مخرج وجه بوصلته صوب الذهاب الى السينما الواقعية عبر نهج سينمائي يعتمد الطرح السياسي، فالمعركة عنده ليست مجرد صراع وفوز وهزيمة بل موقف وهكذا المغامرة والتحدي والبحث عن الخلاص والمستقبل والحرية.

استعان كين لوش بعدد من النجوم في أعماله وان أكثرهم تميزا النجم البريطاني بيتر مولان الذي فاز بجائزة أفضل ممثل في مهرجان كان عن فيلمه «اسمي جو».

السينما عند كين لوش هي موقف سياسي صريح وواضح، وهي اشتغال على الموضوع كي يتحول الى فعل واقعي معاش ومحسوس عبر اداء نجوم يذوبون في الشخصية والحدث والموضوع حتى نعتقد اننا امام الواقع وليس فعل سينمائي احترافي.

كل شيء في سينما كين لوش له أصول وأبعاد سياسية.

وكل شيء في سينما كين لوش يحمل دلالات انسانية سخية بالالم والارادة والتحدي والرفض والمقدرة على مواجهة الواقع.

ويبقى ان نقول.. كين لوش.. الريح التي تنعش السينما كما تحفة المتميزة.

النهار الكويتية في

30/07/2012

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2012)