حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

الاعلام السوري: ديكور السلطة الفاسد

مصطفى علوش

حرب الإعلام إذاً، لكنها قبل كل شيء حرب الواقع الذي يحصل على الأرض، حتى اللحظة هناك من يعيش في الثمانينيات ولايريد أن يصدق أن العالم تغير، تغير كثيراً، هناك من يعتقد أن الكذب وسيلة مجربة لتحقيق النجاح والضحك على الناس، الكل يرجم في الإعلام.

الكل يتحدث عن الإعلام الصادق والإعلام الكاذب وهناك من يبتكر نظريات إعلامية جديدة، وهناك من يريد أن يقول لنا حبذا لو تشاهدون الشمس من هذه النافذة المغلقة، ورغم كل مايحصل في الواقع اليومي، هناك من يريد أن يلعب دور شيخ القبيلة، أو شيخ العشيرة رغم أنه لايعرف الفرق بين الدال والذال، والجدل مستمر ليلاً نهاراً فقط، والغيم الإعلامي يمطر علينا نحن الذين لم نتعود بعد أن العالم قد انفتح إلى درجة مخيفة.

وبعد لابد قبل كل شيء أن نقول أن الجسم الإعلامي المحلي ليس بخير، كل الإعلام المحلي بخاصه وعامه، فالفساد الذي أصاب الإعلاميين هو جزء من الفساد العام، فهذا الموظف (الصحافي) صار يقبض من رؤساء البلديات رواتب شهرية مقابل سكوته، وذاك صار ينجز تحقيقه ويذهب في آخر المشوار إلى المدير العام ليبيع تحقيقه بكمشة مال، لا يلتقي إعلاميان في سورية إلا ويتحدثان عن فساد الإعلاميين والإعلاميات، وهناك من تحول إلى ناطق رسمي لهذه الوزارة أو تلك خاصة بعد أن أغرق الفم بالمال، وكثر الحراس في الجسم الإعلامي، كأنه لايكفي قانون العقوبات الإعلامي، فرئيس التحرير لايريد أن يزعج رئيس الحكومة، وأمين التحريرلايريد أن يزعج الوزير، ومدير التحرير تعرف البارحة على أحد الوزراء ويريد تأمين وظيفة لابنته، وإذا تركنا الفساد المعلن جانباً هناك من سكت بسبب كثرة المهمات الخارجية فصار همه تأمين سفرات جديدة قبل أن يعود للبلاد ،ويبدو أن هذا النموذج المسافر قد صار عدده كبيراً، وأهم نوع ،ذاك النوع المخادع الذي يقدم لك نصف معلومة، إنه غسيل دماغ في زمن لم يعد غسيل الدماغ وارداً أو ممكناً، وتدور الدائرة كل يوم، ولسان حال الصحفي (شو بدي) مع أن شغله الأساسي هو مع مشاكل الحياة، مع النصف الفارغ الذي ابتلعته السلطات وابتلعت معه الكأس أيضاً، وأخطر أنواع الصحفيين هو ذاك الصحفي المقاول، الصحفي الذي يسهر مع (الشباب) في الليل ويشتم الحكومة في النهار، فقط الحكومة، هذا الصحافي لم يعد يشعر بشوارع الحجر الأسود ولا بشوارع جرمانا، ولم يعد يشعر بقيمة الراتب الشهري لموظف يريد العيش بكرامة، وتربع على الدوائر الإعلامية عدد من الموظفين الذين ينتظرون (تنك) الزيت من المراسلين في المحافظات، وفي المحافظات صار الهم الأكبر لأي مراسل أن يتعرف على المحافظ أو مدير مكتبه.

وأمام هذا الحال الإعلامي ضاعت الحقيقة، مع العلم أن كمية التنظير لدى الشريحة الفاسدة من الإعلاميين لا يمكن لمقياس ريختر أن يقيسها، تنظير غايته الاحتماء الآني وإراحة الضمير الميت من أية محاسبة.

وصارت الحقيقة الواحدة التي يعيشها الناس مجموعة أكاذيب على لسان إعلاميين كل همهم أن يسهروا مع المسؤول الفلاني أو المسؤول الفلاني، إعلاميون وإعلاميات بات همهم الأكبر مقدار الغلة السنوية، وفي هذه الأجواء المسمومة، ماذا يمكن أن يفعل صحفي جريء أمام رئيس تحريره في اجتماع سنوي، ما دام هذا الصحافي يعرف مسبقاً أنه خاسر سلفاً وبالضربة القاضية أمام هذا المسؤول الذي صار رئيس تحرير، من يحمي الصحفي الذي لا ينتمي لأي حزب، ولا ينتمي لأي قبيلة ولايعرف استخدام سلاح الفساد، وطبعاً الصمت ليس حلاً، فالطوفان الإعلامي وصل إلينا ولم يعد ينفعنا الإدعاء بأننا نماك خصوصية.

نسينا أن نتحدث عن مهرجي الصحافة من الذين يكتبون في السياسة، كما يكتبون عن الصرف الصحي، ولا مانع لديهم أن يتحدثوا عن فوائد البصل الأخضر والثوم، وهناك من حجزت له زوايا أبدية في الصفحات الأخيرة فقط لأنه يجيد النفاق على كل الجبهات.

وكارثة الكوارث هي في تلك المطابخ التي تصنع قرارات الإدارات الإعلامية، ترى هل هي مطابخ مفتوحة، أم أنها مطابخ تشبه الحمامات.

وأخطر أنواع الإعلاميين ذاك الصنف المخبر، الذي يبحث عن صيد هنا وصيد هناك، إعلاميون يشتمون الحكومة أمام الجميع ويقبضون من الحكومة ذاتها ثمن شتائمهم، وطبعاً هذه المذيعة هي الأصلح لتكون مراسلة هذه المحطة، لأنها جميلة ومدعومة، وذاك الصحفي يملك موقعاً إعلامياً ويشتغل على القطعة، ومستعد دائماً لشتم وزارة الإعلام لأنه يريد إخافتها دائماً، كما أنه مستعد لشتم أعداء سياسيين من مختلف الأصناف، والغريب أنه يمضي أيامه مسافراً مع وفود رسمية كبيرة.

ترى هل نمضي في تعرية الذات الإعلامية المنخورة؟ أم أن التوقف هو الأسلم حتى لا نوهن عزيمة الأمة؟

هل نختم بالحديث عن ذاك الصنف المصفق الذي يصفق في الليل والنهار، وقد يوصله تصفيقه إلى مواقع متقدمة في الإعلام وغيره، والكارثة أن كل هؤلاء يتحدثون عن حقيقة.

المؤكد أن هناك من يعرف أيضاً أن محرك الإعلام السوري هو السلطة التنفيذية التي تراه جزءاً من ديكورها العام، سلطة تنفيذية تعتقد أنها تصرف عليه من مالها الحلال، لذلك عليه فقط مدحها أو ملاعبتها بنقد سطحي يضحك ولايبكي، وتمر الأيام.

ومازال هذا الإعلام يمشي برجل واحدة، يقفز من حفرة إلى حفرة، من رصيف إلى رصيف، وكل همه النجاة، والإفلات من عقاب السلطات، كل السلطات، والغريب أن بعض الإعلاميين الذين تربوا على الدوام من الثامنة إلى الثانية ظهراً يتحدث عن تحديات إعلامية ـ وقد يسافر من محافظة إلى محافظة حاملاً معه تلك المحاضرة التي تخص التحديات الإعلامية.

مرة قال غاندي: (لست أخاف إلا الذي يخاف) ومتى تحررنا من خوفنا يكون عندنا إعلام.

كاتب سوري

m3alouche@hotmail.com

القدس العربي في

13/04/2011

 

ما يطلبه المعتقلون من برنامج الإصلاح السوري الدموي!

محمد منصور  

بثت قناة (الجزيرة) في إحدى نشراتها الإخبارية أخيراً، تقريرا مفصلا عن المعتقلين السياسيين في سورية، استعرضت فيه سجل هذه الظاهرة المؤلمة الحافل بالأرقام والأسماء في التاريخ السياسي السوري.

في التقرير ظهرت صورة تجمع بين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والدكتور نور الدين الأتاسي، الرئيس السوري الأسبق، الذي كان رئيساً لسورية حتى تشرين الأول (اكتوبر) من العام 1970، حين استقال من منصبه لخلافات داخلية، انتهت بانقلاب عسكري نفذه في السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه وزير الدفاع حافظ الأسد آنذاك، سمي بـ (الحركة التصحيحية المباركة) وبموجب هذه الحركة المباركة، أودع الرئيس الطبيب في زنزانة ضيقة ومن دون محاكمة، وأمضى في السجن اثنين وعشرين عاماً كاملة، أصيب إثرها بمرض السرطان، وبعد أن تفشى المرض في جسده ولم يعد هناك من أمل في شفائه، أطلق سراحه وسمح له بالسفر للعلاج في باريس، ولكن المرض لم يسعفه وتوفي بعد أسبوع من وصوله إلى فرنسا في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) عام 1992 ثم عاد ليدفن في مدينته حمص.

على صفحتها على الفيس بوك، نشرت آية ابنة نور الدين الأتاسي تقرير قناة الجزيرة، وعلقت بالقول: (يمر وجه أبي بين وجوه المعتقلين السياسيين ليذكرني كم هي كثيرة الحكايات التي تشبه حكاياتنا. آباء يختفون في السجون وأطفال يكبرون خارج الزمن... لا نريد لأطفال سورية مستقبلاً يشبه ماضينا).

تهزم هذه الكلمات روح أي كاتب وضع أبجديته في خدمة قضية الحرية... فإذا بي أتضاءل وأنكمش، أمام ألم شخصي عاش في أعماق الابنة عقوداً وقد حرمت من أبيها حياً وميتاً.... ويلح سؤال آية الأتاسي الموجع وهي تخشى على أطفال سورية اليوم مستقبلاً يشبه ذلك الماضي الكابوسي... فما هي ملامح المستقبل اليوم، وآلة القمع والاعتقالات تنشط بهمة لا مثيل لها، كي تضاعف بسرعة قياسية، أعداد معتقلي الرأي من كافة الأجيال في أيام.

كتبت الأسبوع الماضي عن صديقي الصحافي الشاب عامر مطر، الذي اعتقل لنشاطه السلمي في هذا الحراك الاحتجاجي المشروع، كما يؤكد لنا الإعلام السوري، ومر أسبوع آخر وعامر ما زال مجهول المصير، ومازال أبواه ينتظران أي خبر عنه، فيما يخبرنا أصدقاؤه أنهم لا يحصدون في مراجعاتهم لفروع الأمن سوى حفنة من التطمينات عن مواعيد إفراج لا تصدُق... لكن الأيام القليلة التي مضت حملت لي عشرات الرسائل الإلكترونية عن معتقلين آخرين أودعوا السجون قبل عامر وبعده... منهم الشاعر محمد ديبو والشاعر معاذ الهويدي، الذي اعتقل إثر مظاهرة خرجت في مدينة الرقة... وملك الشنواني (26 عاماً) وهي ناشطة اعتقلت من مقر عملها في دمشق، وتمت مصادرة جهاز الكومبيوتر الخاص بها.

الفتاة مروة حسن الغميان، التي ظهرت في الفيديو الشهير وهي تتعرض للاعتقال مع عدد من مرافقيها لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة أمام الجامع الأموي في الخامس عشر من آذار (مارس) الماضي، التي نشطت قنوات التلفزيون السوري وملحقاتها (تلفزيون الدنيا)، لتقول ان هذا الفيديو المفبرك لم يكن إلا تمثيلية سخيفة صورت وتم مونتاجها من أجل الإساءة لسورية، ما زالت معتقلة ومجهولة المصير حتى اليوم، وقد وصلتني رسالة كشفت أسماء الذين اعتقلوا معها وهم: سامي الدريد (41) عاماً، أب لطفلين ويعمل في مجال الديكور المسرحي، وابن اخته عبد العزيز محمد أحمد علي. وقد أفادت رسالة خاصة أخرى وصلتني، بأنه لاحقاً تم اعتقال شقيق آخر لسامي دريد، وشقيق آخر لعبد العزيز، وأن الأم موزعة بين لوعة الحزن على ولديها المعتقلين وشقيقيها المعتقلين.

محمد الدريد الأخ الأكبر لسامي الدريد، كتب على صفحته على الفيسبوك: (أنا محمد دريد الأخ الأكبر لسامي أرجو من الجميع أن يضم صوته لصوتنا في المطالبة بالإفراج عن سامي الذي اعتقل يوم 15/3 في مظاهرة سلمية في سوق الحميدية في دمشق. كما أُدين التهم وفبركة الأفلام التي فبركها ووجهها التلفزيون السوري وتلفزيون الدنيا بحق أخي والمشاركين في المظاهرة معتبرين إياهم خونة وتابعين لجهات خارجية).

تشكل هذه الكلمات صفعة للتلفزيون السوري وقناة الدنيا اللذين ادعيا أن الفيديو مفبرك... فعدا عن تشويه السمعة وإلصاق التهم، هناك مباركة غريبة لحالة الاعتقال، من العار أن تتورط بها مؤسسات إعلامية، فكيف إذا كانت هذه المؤسسات توجه بنادقها إلى صدور مواطنيها، رغم أنها محسوبة عليهم كـ(إعلام وطني).

لا ينتهي حديث الاعتقال الساخن، فحتى ما قبل ساعات قليلة من كتابة هذه الزاوية، تحمل لنا (وعود الإصلاح) أنباء جديدة عن معتقلين جدد... فيعتقل الأستاذ جورج صبرا، الصوت الوطني الحار الذي أطل من على محطات تلفزيونية عدة لينحاز لدماء شهداء وطنه بلا خوف ولا مداورة، ويعتقل الناشط نجاتي طيارة ابن مدينة حمص الأبية، ويعود الناشط السياسي المعتدل والهادئ النبرة الأستاذ فايز سارة إلى سجنه، ولم يكد يمضي على خروجه أكثر من شهرين. هناك سيلتقي فايز بزملاء له ما زالوا قيد الاعتقال: كالناشط علي العبد الله والدكتور كمال اللبواني والمحامي أنور البني.. والسجون ما زالت مفتوحة كالفنادق لاستقبال نزلاء جدد في كل آن ومن كل صنف ولون وجيل.

أتذكر وأنا اكتب هذه الزاوية التي لا بد أن أعرج فيها على ذكر القنوات الفضائية والأرضية، مذيعة التلفزيون السوري المخضرمة السيدة ماريا ديب، التي واظبت لسنوات طويلة على تقديم برنامج (ما يطلبه الجمهور) في التلفزيون. كان وقت البرنامج يضيق عن عرض الأغنيات المطلوبة، بسبب كثرة طلبات الإهداء من وإلى... والآن يمكن أن تتحول هذه الزاوية إلى طلبات شبيهة بذاك البرنامج مع تعديل بسيط في العنوان: (ما يطلبه المعتقلون).

ليست هذه نكتة، بل مفارقة مؤلمة وجارحة... فما الذي سيطلبه المعتقلون في سجنهم سوى الحرية، وما الذي يطلبه الآباء والأمهات والأخوة والأبناء سوى أن يعود إليهم أهلهم؟ وما الذي يطلبه كل السوريين اليوم سوى العيش بكرامة؟

حسناً سأكون متفائلاً... سأبلع كل غصات وقهر عمري الذي مضى وأقول: أنا مع الإصلاح. أنا لست محبطاً من خطاب الرئيس بشار الأسد، لست مشمئزاً من تهريج مجلس الشعب أثناء الخطاب، أنا أصدق كل كلمة قالتها مستشارة الرئيس الإعلامية بثينة شعبان، أنا أصدق كل ما تقوله الإخبارية السورية والفضائية السورية والمحللون الذين يظهرون من دمشق ليسكتوا هؤلاء المعارضين الذين يقبعون في الخارج كي ينظّروا علينا... لكن قولوا لنا: هل من اعتقل هؤلاء هم العصابات المسلحة المندسة؟! هل هم من أودعوهم في السجون والمعتقلات؟! كيف يمكن أن تكون كل هذه الاعتقالات هي طريقنا إلى الإصلاح الموعود؟! قولوا لنا فنحن لم نعد نصدق، ولم نعد نفهم، ولم نعد نعي، ولم نعد نعرف كيف تبنى الثقة بين المواطن ودولته وكيف تهدم... ولا أين تسير بنا أجهزة الأمن، وإلى أين تسير بسورية الجريحة المكلومة؟!

شهيدا جامعة دمشق: اغتيال الأمل!

ومن أسئلة الاعتقالات المريرة، إلى قوافل الشهداء، التي مرت أخيراً بطلاب جامعة دمشق، في احتجاجات يمكن أن نفهم مغزاها العميق، ونذرها الجدية حين تصل إلى هنا... فطلاب الجامعات هم رافعات التغيير حين تدفع المجتمعات إلى حائط مسدود، والصور التلفزيونية التي نقلتها قناة (العربية) لتظاهرة طلاب كلية العلوم في جامعة دمشق، ينبغي أن تقرأ باعتبارها الرسالة الحاسمة التي تقول: ان القمع لن يفيد، لأن القمع مثل الكذب: كرة ثلج تكبر كلما تدحرجت أكثر.

ومع ذلك فقوات الأمن السورية، ذهبت بعيداً في قمع الطلاب المحتجين تضامناً مع أشقائهم في المدينتين الجرحتين: درعا وبانياس... خرج هؤلاء ليهتفوا: (واحد... واحد... واحد... الشعب السوري واحد)، في هتافات يجب أن تطمئن النظام الخائف علينا من الانقسام الطائفي والفتنة... لكن بدل أن يطمئن النظام إلى هذا الهتاف المتحضر المتمرد على (المندسين) الذين يريدون إشعال فتنة طائفية بين الشعب الواحد لا سمح الله... انهالت عليهم العصي ضرباً، وجاء الرد بلغة الرصاص، فسقط في أول تظاهرة لطلاب جامعيين شهيدان: الأول هو (فادي الصعيدي) ابن مدينة جاسم في حوران، والطالب في السنة الرابعة كيمياء في كلية العلوم بدمشق، و(فادي العاسمي) إن لم أخطئ في اسمه الأول، ابن قرية داعل، وطالب الدراسات العليا الذي خلف وراءه ثلاثة أطفال، وهو في العقد الثالث من العمر!

يمضى هؤلاء الشبان إلى ديار الحق تاركين الأهل والوطن... حاملين معهم أحلام الحرية، والتوق إلى العيش بكرامة... وبدل أن تنطفئ الاحتجاجات، يكبر الجرح الوطني مع كل شهيد تصعد روحه إلى السماء... فمتى سيرتوي من يهدرون هذا الكم من دماء إخوانهم السوريين؟ أي ألا يمكن أن يتذوقوه لو كان هؤلاء ـ لا سمح الله- أخوتهم أو أبناءهم في عائلاتهم الصغيرة؟ وهل كتب على السوريين اليوم أن يكفكفوا دمعهم ودمهم و(أن يحرسوا ورد الشهداء) كما قال محمود درويش في إحدى قصائده؟ أم أنهم مجبرون، أن يكتبوا بالدم قصائد من نوع جديد، يعبرون فيها إلى زمن جديد بثمن موجع وباهظ ... باهظ جداً!

ناقد فني من سورية

mansoursham@hotmail.com

القدس العربي في

12/04/2011

 

ليس دفاعا عن 'علبة الكبريت'... الجزيرة

محمد عبد الرحمن محمد فال  

قناة الجزيرة تلك 'الفكرة' الاستثنائية التي لم يتوقع احد ان تنبثق من داخل احد قصور 'المخزن' العربي، إذ لا عهد لنا بهواء داخل تلك القصور تتنفسه أفكار الحرية والعدالة، بل ما عهدناه وألفناه هو محاربتها لمثل تلك الأفكار المشاغبة قبل ولادتها، وتكميم وتقزيم وتقليم ألسنة أصحابها وكسر أقلامهم أينما ثقفوا لكي لا تتسرب عدوى أفكارهم السامة بين المواطنين.

لكن 'فكرة الجزيرة الاستثنائية' ولدت وترعرعت ورشدت في حضن قصر عربي قبل ان تخرج الينا فجأة بازغة كشمس مصيف حارقة، لتملأ الدنيا وتشغل الناس بتمزيقها لتابوهات الصمت العربي ونبشها المسكوت عنه في كواليس الأنظمة والقصور، وفي خفايا الساسة والسياسيين، محدثة حرائق سياسية في كل قطر عربي، وكأن 'علبة الكبريت' هذه كما سماها احد ضحاياها البارزين مازحا أو ساخرا، وهي تتمادى في 'غيها' ضد الأنظمة العربية والاستعمارية، في تماه غريب مع تطلعات شعوب فقدت حتى الأمل في الأمل والتطلع، كأنها بذلك تلعب دور نصير الشعوب المستضعفة المظلومة والمقهورة، تلك الشعوب التي بفضل 'علبة الكبريت' هذه بدأت تستعيد الإحساس والشعور والأمل في الحياة، لتصل أخيرا للوضع السوي لكل شعوب العالم ألا وهو الحق في الحلم والإرادة.

فعلا أخيرا أصبح الشعب العربي 'يريد' وهب إنها لاحدى الكبر لهذه القناة المارقة وملاكها المغردين خارج سرب الأنظمة الرسمية، التي لا تؤمن بكرامة وحقوق الشعوب ولا تعنيها تطورات الأحداث العالمية من حولها، كل ما تؤمن به تلك الأنظمة وسدنتها هو ان قطعان الشعوب هذه يجب ترويضها أناء الليل وأطراف النهار على الطاعة العمياء بكرابيج الشرطة وفتاوى علماء البلاط 'وبتنوير' يومي من فيالق كتاب المخزن عبر 'الثكنات' الإعلامية الرسمية، التي خصصت لممارسة طقوس الدجل والنفاق والتملق، وقد أتقنتها لعمري أيما إتقان.

في عتمة ليل عربي بهيم لا توحي مؤشراته بصبح قريب، كان 'صناع' الفكرة الاستثنائية هذه (الجزيرة) يبصمون عليها باللمسات الأخيرة بعد توفير المستلزمات المادية واللوجستية في استثمار ضخم غير مسبوق في أروع العقول الإعلامية العربية، كل ذلك لضمان حصاد استثنائي، حصاد هم آخر من يستفيد من زرع بذره وينعه.

فها هي الشعوب العربية تقطف ثماره اليانعة شعبا بعد شعب (أو زنقة ... زنقة... على طريقة ملك ملوك افريقيا) في حين تواجه 'علبة الكبريت' وملاكها أشرس الحملات الإعلامية والسياسية التي ترقى لمستوى التصفية الجسدية لطاقم 'العلبة' والتهديد بنسفها على من فيها، فيما تحاك مؤامرات استفزازية ضد ملاكها، ربما تهدد كيان دولتهم 'الصغيرة '(كما حدث سابقا..) تلك الدولة التي تستفز نظيراتها العربيات بلعب دور إقليمي ودولي لا يتناسب مع حجمها الجغرافي، وكأن عطاء ومبادرات الدول أو حضورها في المحافل الدولية يجب ان يتناسب مع اتساع رقعتها الجغرافية وتعدادها السكاني.

استسمج أهل الجزيرة في الكناية عنها 'بعلبة الكبريت' وفاء لنكتة ذلك الرئيس العربي المطرود الذي لا يستحق اليوم على شعبه إلا ولا ذمة ولا وفاء، والغريب حقا هو اكتشاف ذلك الزعيم لخطورة حرائق الجزيرة بدون ان يتوقع ان شرارة تلك الحرائق قد تجد طريقها إلى داخل القصور، ربما يصدق ذلك القول المأثور 'البلاء موكل بالمنطق' لا شك أنها نكتة غير 'مباركة'.

والمفارقة المثيرة حقا هي انه في الوقت الذي تتماهى وتتناغم هذه القناة مع نبض الشارع والأمة، مسخرة إمكانيات مادية هائلة، بل وأكثر من ذلك مسخرة طواقم إعلامية مهنية تحمل أرواحها على اكفها لنقل الحقيقة المحظورة في هذا البلد أو ذاك في هذا الوقت المفصلي تشن حملات دعائية وتبذل جهود خطيرة لتكميم هذه القناة وترويع طواقمها بالطرد والإبعاد والاعتقال وحتى التصفية الجسدية، كما حصل مؤخرا مع الزميل الشهيد حسن الجابر على يد مرتزقة الزعيم الليبي المرعوب من شعبه، ولاستهداف حسن الجابر دلالته المزدوجة بين القناة وملاكها بحكم جنسيته القطرية.

ولا شك ان الجميع تابع التصريحات الرسمية لأكثر من قائد عربي مؤخرا متهما القناة بتهم لا تستحق حتى التوقف عندها، وان كانت تكشف مستوى الرعب والانهيار لدى هؤلاء القادة. لكن المثير للدهشة والاستغراب هو ان تنبري أقلام إعلامية تصف نفسها بالجادة لتقول في قناة الجزيرة ما لم يقل 'مالك في الخمر'، وما استرعى انتباهي لدى كثير من كتاب العروش المرعوبة من غضب الشعوب هو اتفاقهم على اتهامات متناقضة تناقض الليل والنهار. فالجزيرة في نظر هؤلاء قناة غوغائية أسسها القطريون واسامة بن لادن وإسرائيل وصدام حسين والمخابرات الأمريكية والإخوان المسلمون وإيران احمدي نجاد وحسن نصر الله.

ويرى هؤلاء الكتاب ان عجينة الأطراف المتناقضة هذه أنشأت القناة لأغراض خطيرة تستهدف كيان الأمة العربية والإسلامية، وليت شعري أي استهداف للأمة اخطر من قمع وتجويع وترويع وتدجين شعوبها؟

لكن كتابنا المرموقين لم يكلفوا أنفسهم عناء طرح سؤال بديهي هو ماذا يجمع مجلس الإدارة هذا ؟ ولم يكشفوا لنا تاريخ ومكان انعقاد جلساته الدورية والطارئة.

طبعا هذه الاتهامات ولدت مع انطلاقة القناة قبل ما يزيد على عقد من الزمن لكنها اليوم تستفحل بسبب نقل القناة لمشاهد الثورات العربية وفضحها لردة فعل الحكام الدموية على شعوبهم.

ذكرتني هذه الهجمة الشرسة ضد الجزيرة بنقاش إعلامي حضرته قبل سنوات مع لفيف من كبار الإعلاميين العرب ممن كنت اسمع واقرأ لهم في صغري وتمنيت لو احتفظت لهم بصورهم المثالية في خيالي.

لقد انصبت كل مداخلاتهم حول انتقاد الجزيرة وطاقمها ومموليها، وكان تدخلي نشازا في تلك السهرة حيث اكتفيت بطرح سؤال هو 'كيف نوفق ما بين كل هذه الآراء المتباينة والأصوات التي ترتفع من حين لآخر في الغرب مطالبة بإرغام قطر على إغلاق الجزيرة؟ ولأنني لم أتلق من زملائي بل أساتذتي إجابة مقنعة تمنيت عليهم أن نترفع عن مثل هذا الطرح الذي يقدح فينا أكثر من القناة، وإذا لم نحتف ونفتخر بها كبارقة حلم في واقعنا العربي البائس فإننا على الأقل صونا لأنفسنا يجب ألا نقف في وجه التيار. ولان كتاب العروش المكلومة هذه الأيام يكثفون حملات السب والقذف ضد القناة فإنهم في نظري مطالبون بالإجابة على السؤال أعلاه وتفكيك تناقضاته للشعوب العربية لكي تتضامن معهم ضد هذه القناة التي تسقط آخر ورقات التوت عن جسد أنظمتهم المهترئة. فبأي منطق تكون لأمريكا علاقة بهذه القناة، وهي القناة الأكثر إزعاجا وإحراجا للأمريكيين في العراق وأفغانستان، حيث ظلت تلاحق آلة الحرب الأمريكية كاشفة فظائعها وفضائحها وانهزاماتها وإخفاقها الذريع في كل ما وعدت به الشعب الأمريكي في حججها التبريرية التي تسبق كل طبخة موت تحضر لتطعم لشعب عربي أو إسلامي. ودفعت الجزيرة جراء ذلك ضريبة قاسية تمثلت في قصف مكاتبها وتصفية واعتقال مراسليها لكن ذلك لم يزدها إلا إصرارا على مواصلة مهمتها الإعلامية النبيلة. فاضحة ما وراء الكواليس نابشة مكنونات تجاعيد وقسمات الوجوه الجهنمية لرامسفيلد وبوش وشارون ورايس، وطفيلي البلاط توني بلير.

والجزيرة الاسرائيلية، كما يصفها كتاب العروش، هي التي شاهد العالم كله تغطيتها للأحداث اليومية في الأراضي المحتلة وتغطياتها الخاصة للانتفاضات الشعبية المتعددة ولأحداث جنوب لبنان وغيرها، ولا اعتقد أنها خلال تلك الأحداث كانت توزع الزهور على الجيش الإسرائيلي وتبث له الأغاني الحماسية شحذا لمعنوياته العسكرية، كما لم تتوج القناة بأوسمة الشرف الإسرائيلية على تغطيتها لمعاناة الشعب الفلسطيني الأعزل.

اما جزيرة الإخوان المسلمين وصدام وبن لادن ونصر الله فتلك معزوفة أمريكية واسرائيلية يحلوا لبعضنا ترديدها استمتاعا وانبهارا. ولكي نخرج من هذه المهاترات العقيمة أرى انه لا معنى ولا جدوى من الامتناع عن التعاطي مع الحقائق كما هي، فالجزيرة كما هو معلوم للجميع مشروع إعلامي مسجل بماركة قطرية بحتة لا غبار عليها، ودولة قطر كما تتحمل أعباء هذا المشروع المادية الباهظة، تتحمل أيضا ضريبته السياسية الأكثر إحراجا وخطورة، وقد تكون قطر أنشأت هذا المشروع الإعلامي لأجندات خاصة تخصها كدولة ولها الحق كل الحق في ذلك.

لكن ما يهمنا هو مدى استفادتنا كشعوب عربية مدجنة من هذا المشروع؟ هل خدمنا أم اضر بنا؟ وبعبارة أخرى ماذا لو توقعنا ان هذا المشروع الإعلامي لم يوجد أصلا في عالمنا العربي؟ كيف لنا ان نتوقع مستوى الحريات ومستوى الوعي ومستوى التطور الذي حصل في نظرة الحاكم العربي لشعبه؟ ألم تصبح مصدر إزعاج حقيقي لكل الحكام؟ ألم يصبح الحكام 'يفهمون' ألم نراهم يستنجدون شعوبهم لمنحهم شهورا فقط لترتيب الحقائب والأوراق؟ ألم يقسموا بشرفهم على عدم الترشيح والتوريث؟ ألم يصرح 'معمرهم' 'لجرذانه' انه لو كان يملك السلطة لرماهم بها؟ ألم يتفق كل اولئك القادة في هجومهم على الجزيرة دون غيرها؟ اعتقد ان الفضل في كثير من هذا الوعي الشعبي يعود للجزيرة، وان كانت هناك قنوات أخرى ظهرت واسهمت إلى حد ما، لكن الجزيرة كانت سباقة في دغدغة مشاعر الشعوب وزعزعة عروش القادة، وهذا ما تسجله الشعوب العربية في وجدانها للجزيرة وملاكها. وكما يتضح من عنونتي لهذه المقالة لست هنا للدفاع عن الجزيرة لأنها كما يقول المثل الموريتاني 'أكثر من نفسها' فلها كل القدرة على الدفاع ان وجدت نفسها في قفص الاتهام، كما لا أدافع عن القطريين ولا اتملق لهم ولا لغيرهم لانني ببساطة 'لغير رسول الله لا أتملق' كما يقول داعية افريقي عظيم في إحدى روائعه الشعرية.

بل ما اسطر هنا هو الحقيقة كما تبدو لي وقد أكون مخطئا، ولا يعني انحيازي للجزيرة وتنويهي بملاكها رضاي المطلق عن سياستها التحريرية أو عن منهج ملاكها السياسي.

ولكي أكون أكثر أمانة مع نفسي ومع قرائي الكرام أجدني مضطرا للتأكيد على ان هناك أمورا كثيرة تعجبني في القطريين وتستحق مني الإشادة والتقدير، وفي طليعتها طبعا هذا المشروع الإعلامي الرائع وغيره، لكن بكل تأكيد ليس من بينها استضافة قاعدة السيلية الأمريكية، ولا من بينها غياب المؤسسات الديمقراطية في قطر، وان كان لهم رأيهم الخاص في التدرج في بناء المؤسسات الديمقراطية حسبما فهمت من محاضرة حضرتها لرئيس وزرائهم قبل فترة.

أما ما لا يعجبني في الجزيرة فيتمثل في ملاحظات مهنية بحتة لا أرى الظرف مناسبا لبسطها لكنها قد تكون موضوع مقال لاحق.

إعلامي موريتاني

القدس العربي في

12/04/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)