خاص بـ«سينماتك»

 

طال الفيضان المُدمر الوعي والفن قبل أن يدمر الأرض

قراءة في الفيلم السوداني الحديث عن الأشجار

بقلم: منار خالد/ خاص بـ«سينماتك»

 
 
 
 
 
 
 
 
 

·      ناقدة فنية مصرية

·      حاصلة على ليسانس آداب من جامعة عين شمس قسم "الدراما والنقد المسرحي"

·      طالبة بمرحلة الماجستير بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون.

·      نشرت العديد من المقالات في أكثر من كيان متخصص:

جريدة مسرحنا، مجلة فنون، مجلة المسرح، مجلة ميريت الثقافية، مجلة عالم الكتاب، مجلة تراث الإماراتية، مجلة البيان الكويتية، نشرات المهرجانات المسرحية -المهرجان الدولي للمسرح التجريبي، المهرجان الأكاديمي بالاسكندرية، مهرجان نقابة المهن التمثيلية، مهرجانات نوادي المسرح- عضو "لجنة نشرة مهرجان" لمدة ٤ سنوات على التوالي للمهرجان القومي للمسرح المصري.

 

منار خالد

ناقدة فنية

     
 
 

في ظل الأجواء المشحونة بالتوتر والقلق بسبب الوباء العالمي كورونا تعرضت دولة السودان الشقيقة لضربة قوية شديدة الخطورة منذ فترة ليست ببعيدة وهي حدوث فيضان بسبب زيادة منسوب النيل أدى إلى تدمير الأرض وما عليها من مباني ومنازل، وذهب فيها عدد ضخم من الوفيات.

وثق ذلك الحدث العديد من الصحف والقنوات عقب وقوعه، ولكن بالتفتيش في ذاكرة السودان نجد إنه قد سبقه فيلم وثائقي، وضع يده على الدمار القائم بالسودان على مستويات عدة، فهو لم يتنبأ بفيضان النيل المُدمر، بينما عرض في حالة توثيقية ممزوجة بالتمثيل حال الشعب السوداني وما به من هموم وما أصابه من كوارث سابقة، لذا يمكن أن يُعتبر الفيلم وما عُرض من خلاله كان تنبؤً بما هو آت وسيحل على السودان وشعبها دون تحديد قاطع لنوع الكارثة القادمة.

 

التوثيق وأهدافه

الفيلم الوثائقي "الحديث عن الأشجار" للمخرج صهيب قسم الباري، عُرض الفيلم في أكثر من دار عرض في مصر، وسبق وتم عرضه ضمن فعاليات مهرجان البانوراما  الأوروبي في دورته الثانية عشرة بقسم (أفلام هنا وهناك أفلام بلا حدود) التي تهدف في مضمونها إلى تعميم القضايا المناقشة في أفلامها، وعدم اقتصار أطروحة الفيلم على بلده المُنتجة أو الزمن الذي يُعرض فيه، كما أن الفيلم مؤخراً قد نال جائزتي الجمهور، وأفضل فيلم وثائقي في قسم بانوراما في الدورة الـ69 لمهرجان برلين السينمائي، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان إسطنبول السينمائي، إضافة حصول مخرجه السوداني صهيب قسم الباري على "جائزة مجلة فارايتي" من قِبل إدارة مهرجان الجونة السينمائي في دورته الثالثة، كما عُرِض في مسابقة الأفلام الوثائقية في مهرجان برلين.

حيث يعرف الفيلم الوثائقي بهذا الاسم نسبة للحالة التوثيقية التي يتبناها على مدار مشاهده, مهما تخللته مشاهد أخرى المُمثلة أو المؤلفة منها على حد سواء أو حتى المأخوذة عن أعمال أخرى، فإنه لا يمكن أن يخلو أبدًا من حقائق مؤكدة يضع يده عليها ليبلورها ويحفظها في ذاكرة متلقيه، حتى يتأتى له فتح باب النقاش على مصرعيه وفقًا لما يستند إليه من وثائق مؤرشفة ومؤكدة، سواء كانت لقطات مرصودة أو تصريحات مُسجلة من قِبل المعنين بالأمر.

 

أحداث الفيلم

تدور أحداث الفيلم حول أربعة مخرجين سودانيين هم: الطيب مهدي، منار الحلو، إبراهيم شداد وسليمان محمد إبراهيم، تربطهم صداقة استمرت نحو 45عاماً. درسوا السينما ببلدان عدة كمصر وألمانيا وروسيا في الستينيات والسبعينيات ثم عادوا لوطنهم الأصل السودان حاملين في مخيلتهم أحلامهم وردية تهدف بنشر ثقافة السينما وصناعة الأفلام، ليؤسسوا جماعة الفيلم السوداني في عام ١٩٨٩. بعد أن تم إغلاق دور العرض بالسودان، ويجتمعون من جديد محاولين إنعاش حلمهم عن طريق إعادة الحياة دار عرض سينمائية مهجورة تحمل اسم سينما الثورة.

 

دِلالات مُستترة

لم تبدأ أحداث الفيلم  ببداية سعي الأربعة أبطال نحو افتتاح السينما، بل يسبق البدء المخرج بلقطة تأسيسية تظهر قبل التيترات يؤسس فيها مهمته الأساسية التي تُعتبر تمهيدًا لما سيراه المتلقي من أحداث. ويقع اختيار المخرج في لقطته على فكرة الظلام، بحادثة إنقطاع الكهرباء ومنها للتصوير في الظلام بالفعل والاعتماد على كشاف النور الخاص بكاميرا تصوير الأفلام القديمة أو ما يطلق عليه السينمائيون "الليد"، ليوضح مجموعة مكثفة من الدِلالات في لقطة لا يتجاوز زمنها الدقيقة ونصف، حيث الظلام الحالك الذي من الممكن ألا يقتصر حد إنقطاع الكهرباء فحسب، فمع متابعة أحداث الفيلم يتبين أن ذلك الإنقطاع مُدلل على انقطاع الفكر وغياب الوعي, وأيضًا لإيضاح حالة الإهمال المُتسيدة من قِبل الدولة بأقل الحقوق الأدمية لبني البشر، ويتخلل تلك الظلمة الحالكة نور تابع لكاميرا السينما، لتنكشف الدِلالة وتظهر في أقصى مراحل بزوغها منذ البداية بأن السينما هي النور الحقيقي لكل ظلام وكل ما تحمله لفظة ظلام من دلالات في جعبتها.

ومن بعدها تُلقى جملة لاسم فيلم يريد هؤلاء تصويره تحت عنوان "البطل الذي مات"، لتكون مؤسس آخر لموت السينما ذاتها, التي أعتبرها هؤلاء بمثابة البطل الثقافي الأول بين أشكال الثقافة المختلفة، وكما أخذتنا العادة أن البطل/ المُمثل، في الفيلم لم يمت، وعند الربط بين السينما وصفة البطولة نستدعي غياب البطل فجأة من الأحداث الدرامية، لنجد أن العمل قد أُصيب بهزة من الممكن أن تودي به إلى الخلل أو الفشل إذا لم يتم تدارك الأمر شكل أسرع.

 

قسوة التصوير

بعد الدخول لأحداث الفيلم وتتبع رحلة أبطاله في سعيهم للبحث عن دار عرض لافتتاحها، توثق الكاميرا كل التفاصيل الخاصة بحال السينمات في دولة السودان التي أصبحت كالخربات المهجورة المليئة بالأتربة وترصد الكاميرا ذلك بلقطات ال Long shots لتوضيح الحالة العامة وإبراز معالم السينمات الميتة، ومن ثم بلقطات قريبة تتوجه بعناية شديدة لترصد شرائط السينما القديمة المُلقاة كالقمامة في الأرض تكسوها الأتربة، وتصادقها الحشرات والفئران لتتغذى عليها، في لقطات قريبة جدًا من الحشرات نقلًا عن القذارة والقبح التي أصبحت عليه أحوال السينمات.

كما اهتمت الكاميرا بلقطات المرحاض وتتبع نقاط المياة القليلة التي تسقط فيه، نسبة للتدني والفراغ الشاسع الذي يحويه ذلك البلد بلا فن وبلا سينما.

ومن تلك اللقطات القريبة لقطات واسعة وعامة مرة أخرى ترصد حال الشوارع والبيوت الفقيرة والقمامة في شوارع السودان التي لا تختلف كثيرًا عن حال القمامة داخل السينمات بل بداخل السينمات تزيد عليها.

ليحدث التوثيق حالة من حالات الربط بين الحالة العامة للبلاد والحالة الخاصة للسينمات، وأن غلق السينمات نتيجة محتومة لذلك الانحدار الحضاري والتأخر التكنولوجي.

وبالطبع ما دام الإنحدار ساد وتوغل في الصور العامة للشوارع والأماكن الثقافية لابد له من أن يصل إلى أفراد الشعب ويسيطر عليه.

 
 
 
 
 
 
 

الشعب السوداني جانٍ أم مجني عليه؟

ينتقل الفيلم برصده من الحالة العامة لحالة أشد خصوصية تصل بلقطات الكاميرا أن تقترب من وجوه الشعب لتبرز خطوط ومعالم وجهّ المخفية وتفاصيلها بين لونها الداكن.

حيث غرس جمل حوارية توضح أن الشعب لم يعد يهتم بالسينما سواء على مستوى الثقافة أو حتى على مستوى الترفيه، ويظهر ذلك من خلال محاولات أبطال الفيلم بدعوة الجمهور المجانية للحضور ليأتي عدد قليل على الرغم من قرب دار العرض لمنزلهم واختيارهم لميعاد مناسب للجميع، مما يوضح عدم الاهتمام بالأمر من الأساس، وأن غياب الوعي لم يتشكل من خلال غياب السينما فقط في آونتها الأخيرة، بل أنه غياب تدريجي سبقته مراحل عدة أدت به إلى هذا الحال المُضمحل.

ويتضح ذلك من خلال اللقطات الأرشيفية الخاصة بتاريخ السودان، ثم بنقل رد فعل الجهات المعنية عندما علمت بتكاتف أفراد الجمعية وسعيهم نحو فتح دور العرض من جديد وعرقلة الأمور التي لا شأن لها بالفن الحر.

ليصبح من يأتي من الشعب إلى السينما هم من تبقى لديهم شئ من الوعي بأن السينما ما هي إلا نوع من الترفيه والضحك والإثارة.

أي أن وعي الجميع قد غاب وفقد مساره الحقيقي وحققت الدولة ما كانت تريده، وأصر الفيلم على أن يُرجع ذلك للسلطات العُليا بمشاهد يتخللها وثائق تليفزيونية يهتف فيها كبار السياسيين والإعلاميين باسم دولة السودان وثقافتها ووعيها وهم على النحو الآخر يبرزون النقيض بكاميرا السينما الخاصة بالفيلم.

وعلى الرغم من ذلك فالإدانة تطول الشعب أيضًا المُقدم كشعب سلبي مُستسلم للأمر الواقع، بعدما كان يقوم بثورات ويعترض على السلطات وقوانينها التي نُقلت كمادة أرشيفية للتوثيق بين مشاهد الفيلم.

 

سينما الثورة

وبالتماس مع اسم السينما التي سعى أبطال الفيلم لافتتاحها طوال الأحداث تحمل اسم "سينما الثورة"، لم يكن الاسم هنا بهدف التحريض على قيام ثورة، بقدر ما كان اسم به إشارة توجيه للمتلقي لفعل شئ، حيث أن الثورة لم تعنِ فقط ذلك الحشد الغفير من الشعب المتمرد على أنظمة حكمه، بل تحمل أيضًا الحث على الفكر وإعمال العقل، الثورة على ذواتنا أولًا قبل الثورة على أنظمة الدولة، البحث عن مناطق الظلمة بهدف التغيير وعودة الوعي.

ولكن لكل ثورة أهداف، فإن كانت الثورة هي فقط التمرد في ذاته ستنقلب لفوضى لذا سبقتها كلمة "سينما" وهي المفتاح الحقيقي للتأني وإعادة هيكلة بناء الوعي الغائب.

ولم يترك الفيلم أي كبيرة أو صغيرة تسببت في تلك الأزمة ولم يناقشها، وذهب إلى فكرة بناء المساجد الكثيرة في مكان واحد على سبيل المثال يزداد عدد المساجد عن 6، بينما على الوجه الآخر لا توجد سينما واحدة.

ليوضح أن هناك يد أخرى كان لها شأن بذلك الغلق، اهتمت بتكريس سلطة الدين على الفكر والثقافة.

 

الحديث عن الأشجار اسم يحمل الكثير من المعاني

أما عن اسم الفيلم "الحديث عن الأشجار" فأي أشجار هي المقصودة إذن؟، فعادة للشجرة جذع قوي ثابت لا يمكن لأحد أن يخلعه بسهولة وبالعودة إلى موضوع الفيلم الرئيسي نجد أنه من المفترض أن يكون للسينما أيضًا جذع وجذور أقوى، نظرًا لأنها محفورة في الوجدان والعقل والثقافة، ولكن في حقيقة الأمر كان هناك من هو قادر على محو ذلك الجذع والجزور من العقول والأذهان، إذن فماذا عن الأشجار؟!

ومن زاوية أخرى كفكرة "الحديث" عن أي شئ حتى وإن كان عن الأشجار، أي إذا حاول هؤلاء مناقشة أحوال الأشجار في فيلم ليعرض في سينماتهم المُرممة حتمًا ستعتبره الدولة جريمة، وتبدأ في التحقيق فيه حتى ينكشف لها كل محاوره ومن ثم تقرر إذا كان مناسباً للعرض أم لا.

نظرًا للاهتمام بمناقشة موضوع كالأشجار والبعد عن القضايا المحورية، ليكون ذلك هو الصمت بعينه، والصمت عن وضع خاطئ، جريمة من أبشع الجرائم التي يرتكبها أي شعب في حق نفسه وفي حق بلاده.

كما يُحيل عنوان الفيلم المتلقي لأفكار أخرى قبل المشاهدة، لا علاقة لها على الإطلاق بالفكرة المطروحة، ويمكن أن ذلك مقصود بالفعل كإشارة لما تريده الجهات المعنية بالثقافة من إحالة في الألفاظ المُستخدمة داخل الأعمال الفنية سواء على مستوى الحوار أو حتى بداية من الاسم كمدخل للفيلم.

ليتحقق هدف الفيلم بكل ما يحمله من دِلالات كونه لم يقتصر على مكان واحد ولا زمان واحد ولا حتى قضية واحدة، فالقضية من الممكن أن تمس أي بلد في أي قارة كانت، والأطروحة لم تقتصر على السينما وحدها فحسب، بل تشمل جميع المحاور الفكرية والثقافية التي إن تصادف وجودها في أي دولة أخرى سيحل عليها ما عُرض عن حال السودان في زمنها ووقتها الحالي.

ولكن إذا أُعيد إخراج الفيلم من جديد في ظل هذه الأحداث، حتمًا سيحتاج الأمر لعناية خاصة ودراسة جديدة لحال الأشجار بعدما ذهبت هي الأخرى ضحية مع من ذهبوا في فيضان السودان المُدمر.

سينماتك في ـ  25 يناير 2021

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004