خاص بـ«سينماتك»

 

من الرعب سبعة ألوان.. من كل لون سبعة أفلام

[3] الرعب النفسي

بقلم: رايفين فرجاني/ خاص بـ«سينماتك»

 
   
 
 

الرعب النفسي هو الرعب الناتج عن التحولات الملتوية للنفس البشرية والأفكار القاتمة والمشاعر المتوترة داخلها -عادة يحسب البعض خطئا أن هذا النوع مرتبط بالأمراض النفسية فقط والأدق القول أنه مقترن بالحالات النفسية سوية كانت أو مريضة- التي تؤدي بدورها إلى توتر مشاعر المتلقي. وعادة ما يفسد هذا النوع إذا اختلطت بعناصره النفسية عناصر خوارقية واضحة. لأن الرعب النفسي الخالص مبني على مكونات النفس البشرية وما حولها من أشياء عادية دون أي مؤثرات رعبية خارجة عن الواقع. لا وحوش ولا أشباح هنا,والرعب الناتج من كلب في كوجو أو عربة في المبارزة قد يكون أفضل من الناتج عن أنياب مصاص دماء عند النافذة أو مخالب بعبع تحت السرير. إن هذه الشخصيات نفسها (مصاصي الدماء والذئاب والأشباح) تتولد من المخيلة البشرية؛المخيلة التي تعد عنصرا هاما في هذا النوع من الرعب.

أثناء كتابتي لهذه القائمة,وقعت على عدد كبير من الأفلام في ذاكرتي,كلها تستحق مكانها هنا,ولتتضيق النطاق أكثر تعمدت إدراج الأفلام النادرة وتجاوز الأفلام الشهيرة.

 

[1] نفسية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلم الذي يعتلي دوما قمة أفلام الرعب ومن أكثرهم تأثيرا,وأحد أقوى أفلام الرعب النفسي. تحفة هيتشكوك الخالدة وواحد من أعظم الأعمال السينمائية في التاريخ.

تؤدي الظروف المادية لماريون كرين إلى فشل زواجها من حبيبها مما يغريها لأن تختلس مبلغا كبيرا من المال من البنك الذي تعمل به هاربة بالمال إلى خارج المدينة,ولكن تضيق بها الظروف إلى المبيت في فندق لمالكه نورمان بيتس,وأثناء قضاء ليلتها يخامرها الشعور بالذنب وتقرر أن ترجع المال في الصباح,ولكن يمنعها من ذلك الحدث الرئيسي الذي تدور حبكة الفيلم حوله.

السيناريو متماسك ومضبوط على ميزان,وقد برع هيتشكوك في إستخدام عناصر الرعب والتشويق الفنية والتقنية مستفيدا بها في صنع مدرسة سينمائية كان خير من يستخدم أدواتها في التلاعب بالمشاهد عبر عاملى التشويق؛وهما الترقب والمفاجأة لخلق حالة من الإثارة العالية والتوتر العنيف لدى المشاهد,وقد تجلى ذلك في مشهد الحمام الذي تم توظيف أدوات التشويق فيه بعناية تامة من بداية الفيلم إلى لحظات المشهد وحالة الرعب والصدمة التى تجتاح المتلقى أثناء مشاهدته. ذلك المشهد الذي يعد ضمن أعظم 100 مشهد رعب في تاريخ السينما. أبدع المخرج أيضا في تصوير الظروف المحيطة ببطلة الفيلم ما بين قرار سرقة المال الآتي من قلبها وقرار إعادته الآتي من ضميرها. والحق أن جميع مراحل الفيلم متكاملة في التناول الرعبي والإبداع الإخراجي من هيتشكوك. ولو تناولنا مراحل الفيلم كل على حدة لما وسعنا ذلك حتى في مراجعة خاصة للفيلم,ولتناولنا كل مرحلة في مقال منفصل,نذكر أهما بشكل موجز.

-يملك الفيلم واحدة من أقوى الإفتتاحيات في تاريخ السينما وواحدة من أقوى نهايتها,وما بين البداية والنهاية يصطحب المخرج المشاهد في رحلة حدث واحد وتراتباته الدموية ومتضمناته النفسية مخادعا إياه ببراعة بإستخدام أدواته التي نجحت في توظيف القصة, وتحولاته الصادمة في بدايتها ونهايتها والتي أخفاها المخرج للحفاظ على قوتها حتى قبل صدور الفيلم في قاعات السينما بأن قام بشراء جميع نسخ الرواية التي في الأسواق.

-مشهد الحمام الذي يجسد فيها الحالة العارية وهي أضعف وضعية يكون عليها الإنسان وتخوفاتها من التلصص إلى الهشاشة. (في مقال آخر نتناول أهم أفلام التلصص في تاريخ السينما والذي قدم منهما هيتشكوك تحفتين على الأقل سايكو إحداها).

-الفترة بين سرقة المال وقرار إرجاعه وإنتظار سقوط البطلة مع مدير العمل وضابط الشرطة وبائع السيارات على خلفية من حوارات الذاكرة,مع تقديم التحولات العاطفية للشخصية (الفصام بين العاطفة والشعور بالذنب) وللمتابع (التعاطف والصدمة).

إسم الفيلم هو سايكو Psycho وترجمتها هي (نفسية) أو كما العنوان الذي إشتهر به في العالم العربي (نفوس معقدة). وقد كتب السيناريو جوزيف ستيفانو Joseph Stefano عن رواية بذات الإسم لكاتب الرعب روبرت بلوتش Robert Bloch المبنية على جرائم إد جين السفاح الأمريكي الشهير وواحد من أفظع القتلة في التاريخ وأكثرهم دموية,والذي شكلت حياته ثروة أدبية لصناع أفلام الرعب.

كما أن روبرت بلوتش -المتوفي في عام 2017- من رواد أدب الرعب في العصر الحديث من جيل ستيفن كينج Stephen King وتوماس هاريس Thomas Harris.

المخرج هو ألفريد هيتشكوك Alfred Hitchcock الحاصل على لقب التشريف البريطاني سير Sir بمعنى سيد أو فارس. هذا في حياته الإجتماعية أما عن حياته الفنية فهو الحاصل على لقب ملك الرعب وسيد الإثارة في السينما متحولا إلى أيقونة إخراجية في سينما الرعب.

تشكلت الرؤية الإخراجية لألفريد هيتشكوك من عدة عوامل فهو من المخرجين الذين عملوا في بدايتهم بغرفة المونتاج Montage (تتابع اللقطات) التي تعد واحدة من أهم المراحل الإخراجية في صناعة الفيلم السينمائي (انظر مشهد الحمام). ومن رؤيته أيضا أن المخرج له كامل التصرف في توظيف القدرات الأدائية للممثلين والتحكم بها وتوظيف جميع العناصر الفنية الأخرى (يتكون فيلم "نفسية" من طاقم فني أرخص كلفة من طاقمه المعتاد كان معه في عمل تلفزيوني). أيضا قام بإستخدام أساليب تقدم لأول مرة في عصره,وتعد تحفته "نفسية" مع فيلم "طارد الأرواح الشريرة" من الآباء المؤسسين لسينما الرعب في العصر الحديث,خاصة في التناوب بين إسلوبي (الطبل والمزمار) اللذان يعتمدان على التصوير والموسيقى. الأخيرة تلك تحفة متفردة بعيدا عن الفيلم ذاته,الموسيقى الحادة ذات الإيقاع المتواثب والصدى القوي لبيرنارد هيرمان Bernard Herrmann والتي تصنع نوع من القلق الصارخ في هندسة التخويف التي تسكن المتابع. موسيقى هيرمان تعد ضمن أعظم 100 مقطوعة موسيقية لعمل تلفزيوني أو سينمائي. بالرغم من أن عبقرية الفيلم يحملها هيتشكوك ومدرسته إلا أنه يجدر الإشادة بواحدة من أهم الثنائيات التمثيلية في الأعمال الرعبية؛أنتوني بركنز Anthony Perkin في دور المختل نورمان بيتس -مثل باقي عناصر الفيلم تعد هذه الشخصية من أعظم 100 شرير في تاريخ السينما ومن أعظم القتلة المتسلسلين في الخيال-,وجانيت ليه Janet Leigh في دور الرقيقة ماريون كرين والعلاقة بينهما (الصياد والضحية). علاقة أخرى ثرية بالعمل هي العلاقة بين نورمان بيتس Norman Bates وأمه نورما بيتس Norma Bates,وتم تقديم تلك العلاقة تلفزيونيا بشكل أكثر عمقا في مسلسل نُزل بيتس Bates Motel. حيث القاتل هو وأمه. وراء كل قاتل دموي أم مختلة.

 

[2] الشياطين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إتحاد غريب بين امرأتان لقتل رجل وغد,إحداهما زوجته والأخرى عشيقته.

هنري جيمس كلوزو قام بتوظيف رائع لفكرة الجريمة الكاملة وما أنطوي علي ذلك من إثارة وغموض في بناء محكم حتى نهاية الفيلم الصادمة,ليكون أحد أهم كلاسيكيات الرعب النفسي. يتخلل الفيلم تصعيد مريع (مخيف) للشك والإرتياب من قبل المتلقي داخل وخارج الشاشة,لن يتكرر إلا في الفيلم السادس من هذه القائمة.

من الطريف أن فيلم ديابوليك المقابل لفيلم سايكو هو للمخرج الفرنسي العظيم هنري كلوزو المقابل للمخرج الإنجليزي العظيم ألفريد هيتشكوك (يلقب كلوزو بـ هيتشكوك فرنسا) في تلك الفترة التي كانت فاتحة العصر الذهبي للسينما. قدم الإثنان أرقى ما يمكن بلوغه من سينما الرعب,من خلال بث مشاعر نقية من الخوف للمتلقي ورفع تيار التشويق إلى أعلى درجاته بشكل مرهق جدا للمشاهد يصل إلى المستوى الحقيقي لتدمير الأعصاب ووضعية حافة الكرسي. في مزج فريد بين التشويق والرعب. مثل هيتشكوك,يعطي كلوزو للموت قيمته الحقيقية,ولا يقلل من مهابته ومتنقلا من مرحلة المؤامرة إلى مرحلة الجريمة يراعي عرض تفاصيله المختلفة على الشاشة؛التخطيط لعملية القتل,وتنفيذ عملية القتل,وعرض للمشاعر المختلفة للقاتلتان وللقتيل,والمعوقات التي اعترضت عملية القتل,ثم صورة الجثة ومحاولة إخفاءها,والخوف من انفضاح الجريمة,والتحقيق فيها,وصولا إلى النهاية الصادمة. ينتمي هيتشكوك وكلوز إلى نفس المدرسة الرعبية التي صنعت أدوات الإثارة (الرعبية / التشويقية) وأجادت استخدامها. حتى في الأسماء المعبرة كما سايكو,والشياطين هنا هي إدانة صريحة لكل أبطال العمل,القاتل والمقتول. ولازال الاسم الشائع للفيلم هو ديابوليك Les Diaboliques ذات الوقع الفرنسي والمعنى المرادف "الشرّ" الذي يقابل "القتل".

لا يتجاور هذا الفيلم مع سايكو في المرتبة الأولى والثانية لأقوى أفلام الرعب النفسي فحسب,بل قد تظل مكانتهما تلك في قائمة تضم كل ما أخرجته سينما الرعب.

الفيلم الصادر في عام 1955 هو معالجة لرواية المرأة التي لم تعد موجودة The Woman Who Was No More للكاتبان الفرنسيان توماس نارسيجاك وبيري بويلا. ومن بطولة فيرا كلوزو وسيمون سينوري وبول ميوريس Paul Meurisse,وله إعادة أكثر من جيدة في فيلم هوليوودي بنفس الإسم من بطولة شارون ستون وإيزابيل إدجاني و شاز بالمينتري.

 

[3] ماي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معاناة شابة تعاني من الوحدة ومحاولاتها اليائسة للتواصل مع الآخرين. أرادت صديقا, فصنعت واحدا؟

يتتبع الفيلم مراهقة ماي الصعبة التي تتعرض لصدمة في طفولتها,والعزلة في مراهقتها, ومحاولاتها اليائسة بشكل متزايد للتواصل مع الأشخاص المحيطين بها,وفي النهاية وهي منهكة تصب غضبها ويأسها ووحدتها في صنع دمية تكون صديق وهمي لها. قرار تنبثق منها إجراءات صعبة,وترتبات أكثر سوءا.

في واحد من أكثر أفلام الرعب المظلومة,يتلقى المشاهد جرعة من الرعب التي تريه ثقل الضغط النفسي وتأثيره الذي قد يكون أكثر فداحة من المبهرجات الدموية أو الضوضاء الشبحية أو الأسماء الشيطانية. لاكي ماكي في أول ظهور إخراجي له -صدر فيلم ماي May في 2002- صنع فيلم رعب من العيار الثقيل على الصعيد النفسي والدموي. تسير أحداثه علي وتيرة ثقيلة,مليئا بالخيالات والرعب حتى نهايته المفجعة التي تجعله ينتمي مع سايكو ضمن الأفلام ذوات النهايات الأكثر صدمة في تاريخ السينما. هذا غير الأداء الكئيب من أنجيلا بيتيس في دور ماي.

الفيلم بلا شك له مكانة بين أقوي 20 فيلم رعب نفسي في تاريخ السينما,وقد يتجادل البعض في أحقيته بانتسابه إلى هذه القائمة -أقصد هنا بين السبعة أفلام الأوائل- إلا أنني ارتفعت بذكره هنا حرصا على معرفة الفيلم لدى المشاهدين اللذين لا يدرون عنه أو ربما لم يسمعوا به أصلا.

 

[4] حراس النزل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في عطلة الإسبوع يسعى مراهقان لمطاردة الأشباح في نزل The Yankee Pedlar Inn المسكون واللذان يعملان به لرصد وتوثيق هذه الظاهرة من خلال البث الحي بالصوت والصورة متسلحين بكاميرا ومعدات خاصة. ويسلط الفيلم الضوء على مشاعرهما تجاه ما يفعلان,وتجاه الأشباح التي قد لا تتعدى مجرد أفكار في عقولهما. ليعطينا الفيلم في آخره واحدة من أقسى النهايات الصادمة والغير متوقعة في تاريخ السينما,والمتشابهة في رتمها مع نهاية ماي وإن كانت توازيها في الحدة وأكثر منها قسوة. قسوة تستحضر إلى الذهن النهاية البشعة لفيلم هم They.

الأشباح هنا تأتي بمعناها النفسي قبل الخوارقي,أي أن الشبح هو كيان غير مرئي أو غير ملموس ولكنه حاضر في الواقع. حضوره هذا قد يتمثل في ذكرى من الماضي أو صور من المخيلة أو في شيء لا تدري كنه,حتى وإن كان لا وجود له.

ويكفي أن المخرج العظيم ذو الآراء السينمائية الفريدة والذائقة الفنية الراقية مارتن سكورسيزي ذكر هذا العمل ضمن إحدى عشر فيلما رشحهم بصفتهم أفضل أفلام الرعب في التاريخ.

حرّاس النزل The Innkeepers 2011 فيلم من إخراج الشاب تي ويست Ti West الشهير بعمله في أفلام الرعب,وبطولة الجميلة سارة باكستون التي تؤدي أدوارا في العديد من أفلام الرعب هي الأخرى,والفيلم يعد من الأفلام المظلومة التي يشاهدها قلة ولا يتحدث عنه أحد.

 

[5] ماذا حدث للطفلة جين؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الطفلة جين" التي لمع نجمها في طفولتها بهذا الاسم,وعاشت حلم الشهرة السينمائية بصفتها ممثلة,ثم انطمس نجمها أمام ضوء شقيقتها "بلانش هادسون" التي لم تنل حظا من شهرة أختها,ولكن صعد نجمها لما كبرت فغطى عليها. لتنفجر غازات الغضب والحقد المتأججة داخلها لتحرق نفسها وأختها معها في عذاب لا ينتهي.

تقوم جين باحتجاز بلانش في قصرها القديم بهوليوود,بعد أن تسببت لها في حادث جعلها قعيدة مدى الحياة (رغم أنها كانت تنوي قتلها ولكان ذلك أفضل لـ بلانش لو أنها ماتت واستراحت),ولا تكتفي بهذا القدر,لتحتجز شقيقتها في غرفة وتنهال عليها بألوان من العذاب في انعطافة قوية بالفيلم من الدراما إلى الرعب.

فيلم نفسي يقدم لنا شخصيتان مختلفتان,سوية ومعتلة,والعلاقة بين العقدة النفسية لدى الأولى التي كانت سببا في الحالة النفسية لدى الثانية. مريضة نفسية (جين) تأسر شقيقتها في منزلها (منزل الأخيرة) انتقاما منها على أفعال لم ترتكبها,وتفريغا لشرور دفينة من الغضب والحقد والكراهية. إنه الجنون حين يتلبس إنسانا فيحيله شيطانا. حالاتان نفسيتان متقابلتان ما بين الكراهية والعجز مقابل الحب والعطف التي تكنه بلانش لجين,إلا أن الأخيرة لا ترحم وتستغل كل ذلك لتصبه في مصلحتها,وتنويع الإيذاء الموجه لشقيقتها.

والفيلم يتشابه كثيرا مع فيلم بؤس في كونهما يسيران على نفس السياق مع اختلاف الحبكة في كل منهما,في بؤس نشهد قصة الكاتب الذي وقع ضحية ما كتب,ووقع فريسة لشهرته, وعاني شتى الآلام لدرجة جعلت من دخول الحمام مغامرة كابوسية,حتى عنوان الفيلم يدل علي ما يحتويه. الفيلم متقن من إخراج روب راينر وأداء كاتي بيتس وقصة ستيفن كينج. وكان ليحتل مكانته في هذه القائمة لولا أنه شهرته تخطت الفيلم المذكور هنا -جين- مما دعاني إلى تجاوزه وذكر الآخر الذي يعد من كلاسيكيات سينما الرعب. وأوجه التشابه بين العملين تتجلى في كون الكاتب في بؤس يقع ضحية أحد معجبيه بسبب ما حققه من شهره. وهنا تقع الممثلة بلانش ضحية شقيقتها جين بسبب ما حققته من شهرة. والمفارقة في كون كل من (المعجب الأول والأخت الشقيقة) المفترض أن يحبا ضحيتهما لا أن يعذباها. والشيء الأكثر هولا هو ما يقدر إنسان على فعله بإنسان آخر إذا وقع عاجزا بين يديه في غرفة مغلقة عليه.

ماذا حدث للطفلة جين؟ What Ever Happened to Baby Jane? 1962 عنوان العمل يطرح تساؤل هام يتعمق المخرج في تفاصيله حيث يسلط الفيلم تحت مظلة السؤال سهام النقد على الكثير من العناصر الإجتماعية الهامة والفاعلة في تكوين الإنسان؛التربية والعائلة والسينما. العائلة التي أصابها الشقاق,والتربية التي تجلت في عجوز شمطاء لم تستطيع أن تخرج من سجن طفولتها فسجنت شقيقتها,وأخيرا السينما وتأثيرها الذي لا يتطرق إليه بهذا الشكل إلا أفلام قلة,أذكر فيلما مشابها هو جادة الغروب (سانسيت بوليفارد Sunset Boulevard) 1950 بأداء أسطوري من غلوريا سوانسون,والذي يوازي في وقعه وجماله أداء بيت ديفيس في دور جين. ثم بالطبع أداء جوان كراوفورد في دور بلانش.

الفيلم هو تحفة المخرج العظيم روبرت ألدريتش Robert Aldrich اللذي ينتمي إلى نفس مدرسة هيتشكوك وكلوزو في صناعة التشويق.

وهو فيلم آخر مظلوم نقديا,في الوطن العربي على الأقل,حيث لم يتناوله من النقاد إلا إثنين كان لهما السبق في ذكر هذا الفيلم ضمن مراجعاتهما,وأنصح بقراءة مقالهما الرائعين.

 

1-ماذا حصل لـ (بيبي جين)؟ / لاوين ميرخان

2-أفضل 50 فيلم رعب / عبد الرحمن الخوالدة

 

 

[6] الجلسة التاسعة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموعة من العمال يعملون على ترميم مصحة عقلية قديمة وهم في حاجة شديدة للمال المكتسب من هذا العمل,إلا أن مبنى المصحة يكشف لهم على ما لا يتوقعوه كلما أوغلوا في أعماقه أكثر.

أول من لفت إنتباهي إلى هذا الفيلم هو الكاتب الروائي والناقد السينمائي وائل رداد -وقد أعاد تذكيري أيضا بفيلم البوابة التاسعة اللذي صدر قبل فيلم الجلسة التاسعة بعامين- ومثل أغلب الأفلام المذكورة في هذه القائمة لا يسلط عليه الضوء أي من أقلامنا العربية لنقادنا الأفاضل.

يقول وائل رداد أن محمد رضا هو "الناقد العربي الوحيد الذي أتى على ذكر فيلم الرعب المفضل لدي,وبهذا الرأي الجذاب كذلك!". ورأي محمد رضا عن الفيلم هو:-

"فيلم رعب يختلف عن أفلام الرعب الأخرى،كونه .. يرعب فعلا!"

ووائل رداد يعد الفيلم أفضل فيلم رعب في تاريخ السينما,وقد ذكر ذلك في أكثر من مناسبة. حتى أنه يحتفي بكل من يعطي الفيلم قدره في نقده,ويستشهد بتعليق صديق له:-

"هذا الفيلم جعل الشعر يتصلب على جلدي".

ويؤكد وائل رداد على هذا التعليق في قوله مضيفا:-

هذا الفيلم الذي شكل تحديًا حقيقيا لقدراتي الذهنية، وتمكنه من بث مشاعر الهلع ببطء في مسامات جلدي وثنايا عقلي، رغم إن غالبية أحداثه تدور في وضح النهار!

وهذا واحد من التحديات التي ينجح فيها الفيلم ببراعة,أي إخافة المشاهد في ظروف نهارية وهناك عدد من المشاهد الهامة تحدث تحت ضوء الشمس. بينما يستمر في التوغل إلى أعماق المبنى المظلمة,وكذا يتوغل إلى ظلمات العمال أنفسهم وعلى رأسهم مديرهم,وهم واقعون جميعا تحت ظروف صعبة.

-الحاجة الملحة للمال

-وجوب تنفيذ العمل في زمن قصير

-توتر العلاقات بين طاقم العمل في ظل الخلافات التي تبدأ في زرع بذور الشك ونموها تدريجيا

الضغط النفسي الناتج من مبنى قديم قد يكون مسكون بشيء ما,خاصة وهو مصحة حوت بين جدرانها أهوال من الحالات العقلية,هذا غير القصص المخيفة التي تروى عن المكان. والمصحة حقيقية وقائمة في ولاية دنفر الأمريكية منذ سنة 1874,وتسمت Hathorne Hill وقيل أن أغلب القصص حوله وتاريخه حقيقية.

رغم أن الفيلم لم يحدد أن المكان هو السبب -يطرح وائل رداد ثلاث خيارات؛علة نفسية,تلاعب المكان,مس شيطاني- في الكارثة المفجعة التي حدثت في نهايته المخيفة والتي تعد واحدة من أقوى النهايات الصادمة في تاريخ السينما وأكثرها غموضا,والتي تستحضر إلى الذهن نهاية فيلم الميكانيكي The Machinist 2004 لنفس المخرج,وكذا نهاية فيلم مكسور Fractured 2019,وأيضا نهاية فيلم البريق The Shining 1980 الأقرب في كليته إلى أجواء هذه التحفة السينمائية.

وفي الأخير أضيف أنا أن مجرد تذكري -وليس مشاهدته مرة أخرى- لهذا الفيلم يستحضر الرعب الناتج عنه في قلبي,وتزحف أفكاره الكابوسية مرة أخرى إلى عقلي.

 

[7] مذبحة منشار تكساس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانفصام في سايكو والقتل في الشياطين والوحدة في ماي والأشباح في حرّاس النزل والعجز في ماذا حدث للطفلة جين؟ والشك في الجلسة التاسعة وأخيرا شعور أن تؤكل / تذبح حيا في مجزرة منشار تكساس The Texas Chainsaw Massacre 1974. وقد افتتحنا القائمة بفيلم عن قاتل متسلسل وختمناها بفيلم عن قاتل متسلسل آخر. وقد يرد للذهن أول ما نأتي على ذكر قاتل متسلسل مجموعة متنوعة من الشخصيات السينمائية التي تقفز مباشرة إلى الذاكرة. وعلى رأسهم الثلاثي مايكل مايرز وجايسون فورهيز وفريدي كروجر,إلا أنهم ذوي قدرات خارقة لا ينتمون إلى هذا العالم النفسي. وإذا قصدنا قاتلا مخيفا,وحش بشري كما يمكن أن يكون,وأكثر من تتجسد فيه شخصية إد جين المقتبس منها كل هؤلاء السفاحين,تقفز إلى الذهن صورة هانيبال في فيلم صمت الحملان الذي يتوازى مع الآخر حامل المنشار ذو الوجه الجلدي. وبالرغم من أنه لا يقل عنه شهرة أو رعبا,إلا أنه لا يحظى بالتقدير النقدي مثله,لذا تجاوزنا توني هوبكنز في أداءه الأسطوري إلى الممثل غونار هانسن اللذي جسد على الشاشة شخصية توماس هيويت أو باسمه الأشهر الوجه الجلدي Leatherface. وكان بشخصيته تلك فاتحة لسلسلة من الأفلام الدموية التي انعطفت عن المسار النفسي المريع في أول السلسلة,لتتحول من الروع إلى الروعة في عرض أشلاء دامية مبهرجة تدعوا إلى الضحك لا الفزع. وهو نفس الخطأ اللذي وقعت فيه سلسلة المنشار (ساو) وسفاحها الشهير جيغسو لما كان فيلمها الأول واللذي يصنف رعب نفسي من العيار الثقيل,هو بحسب إجماع النقاد أفضل أفلام السلسلة التي استمرت في سقوط مدوي إلى الأسوأ بتحويل الرعب النفس الراقي إلى الرعب الدموي الرخيص. وهو أمر تداركته سلسلة المنشار بشكل أفضل من سلسلة حامل المنشار,حيث حافظة على قدر عظيم من الرعب ولم تنأى إلى أي هزل كما يدعي النقاد,عدا في نواحي قليلة تفجرت بفضيحة سينمائية في فيلمها الأخير الفاشل الذي يشكل الجزء الثامن في السلسلة.

هناك سفاح آخر وفيلم آخر جدير بالذكر هنا, وهو زوج الأم The Stepfather 1987.

 
 

سينماتك في ـ  23 نوفمبر 2020

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004