كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

خاص بـ«سينماتك»

 

المنجزات السينمائية للعبقريات الإخراجية

كوينتين تارانتينو وصياغة التاريخ

بقلم: رايفين فرجاني/ خاص بـ«سينماتك»

 
 
 
 
 
 

هذا هو المقال الثاني ضمن سلسلة مقالات تحت عنوان (المنجزات السينمائية للعبقريات الإخراجية) وقد جعلته ثانيا لأربطه بإسم المخرج في المقال الأول؛ كريستوفر نولان وتجارب الوعي الذاتي. لأنني أرى أن نولان وتارانتينو متقاربان في المكانة والإسلوب والعمر والرصيد السينمائي بحوالي عشرة أفلام لكل منهما جعلت الواحد (سواء نولان أو تارانتينو) يسجل اسمه ضمن أعظم المخرجين في تاريخ السينما, والأكثر حضورا على الساحة حاليا.

وهنا المنجز السينمائي الذي لم يسبقه أحد إليه هو أن تارانتينو قدم في أعماله صياغة مختلفة للتاريخ أعاد فيها تعريف بعض الأحداث التاريخية من وجهة نظره منتصرا للخيال على الواقع,وجعل الغلبة للسينما على التاريخ,حيث غير الحقائق وخلطها بالزيف وقدمها في صورة سينمائية صدمت المشاهد. ثلاث أحداث كبرى تناولها المخرج من منظور توثيقي ليغير نهاياتها بإلتواءات لا تخرج إلا من عقل مثل عقل تارانتينو.

يجب التنويه أن المشاهد يحتاج إلى مرجعية تاريخية بمتغيرات وأهم الأحداث المنتمية إلى الفترات التي تناولها تارانتينو في أفلامه المذكورة بالمقال,لكي يفهم أغلب نقاط الخطاب السينمائي التي يقدمها المخرج في هذه الأعمال. هذه الأحداث التي يجب الإطلاع عليها هي

 

1-موت أدولف هتلر

وما يتعلق بالحادثة من معلومات عن شغف هتلر بالسينما وعلاقته بوزير دعايته جوبلز والمعروف حول موته.

 

2-مقتل شارون تيت

وعلاقتها بزوجها رومان بولانسكي وظهور جماعة الهيبيز وتورط القاتل تشارلز مانسون في عملية قتلها.

 

3-استعباد بني الأسود

وهي فترة سوداء على ذوي البشرة السوداء,وعلى البشرية جمعاء,وأعتقد أن أغلب القراء عارفين بها كفاية.

 
 
 

[1] أوغاد مجهولون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ظل الاحتلال النازي يقوم القائد هانز لاند Hans Landa الملقب بـ صياد اليهود بمطاردة اليهود في البلاد المحتلة (فرنسا). وفي إحدى عملياته الدموية تنجح فتاة مراهقة (شوسانا Shosanna) بالهروب منه أثناء قضائه على عائلتها,ويتتبع العمل حياة الشابة اليهودية بعد سنوات من فرارها,بالتوازي مع عمليات صيد النازيين التي تقوم بها فرقة أمريكية تسمى الأوغاد The Basterds.

وتتطور الأحداث ليحدث تزامن بين خطة لإغتيال القادة النازيين أثناء تواجدهم في قاعة السينما من قبل الأوغاد,مع الخطة الإنتقامية للفتاة اليهودية ومالكة المسرح الذي يعرض فيلم سينمائي عن النازية.

يمكن القول أن هذا الفيلم هو درة أعمال كوينتين تارانتينو التي تذيلت نهاياتها بنهايات مغايرة للسياق التاريخي الذي يبني عليه المخرج أحداث أفلامه الثلاثة المذكورة في هذا المقال. حيث تتجلى فيه المعالم المميزة للصيغة التارانتينية التي تميز بها تارانتينو والتي تسمت باسمه,وأبرز عناصرها هو النهاية كما هو موضح. النهاية التي لا يكفي لصنعها إعادة سرد التاريخ من وجهة نظر تارانتينو,بل إن عملية السرد نفسها يجب أن تتم بطريقته الغير تقليدية لتتلائم مع نهاية غير تقليدية ومسار سينمائي غير تقليدي,وهو مسار فريد يمكن للمشاهد تتبعه والتعرف عليه بسهولة في أعمال ذلك العظيم. أهم أدوات السرد التارانتينية أداتين؛ السرد الغير خطي,وتقسيم الفيلم إلى فصول. الأولى لم يكن لها حضور كبير في هذا العمل أما الثانية فكان الفيلم على خمسة أقسام,هم

1-حدث ذات مرة في فرنسا .. تحت الاحتلال النازي

2-أوغاد مجهولون

3-ليلة ألمانية في باريس

4-عملية كينو

5-انتقام الوجه الكبير

والفصل الأخير هو النقطة الأساسية في هذا المقال.

 

[1] توثيق التاريخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولى العناصر التي يستند إليها تارانتينو في نسج مادة تاريخية يخلطها لاحقا بعناصره الخيالية هي الشخصيات,حيث تحتل الشخصيات الحقيقية نصف مساحة العمل السينمائي نصا وعرضا تتعامل وتتفاعل مع شخصيات خيالية من نسج خيال المؤلف وليس من نسج التاريخ.

 

1-أدولف هتلر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسس أدولف هتلر Adolf Hitler الحزب النازي وحكم من خلاله ألمانيا وسيطر على العالم الغربي آنذاك, والمتمثل في أوروبا التي غزا وأحتل معظم بلادها,بشكل جزئي لبعض الدول وكلي لدول أخرى. وبواسطة كل هذه الهيمنة,حيث كان هو الرجل الأقوى في العالم والذي أشعل الحرب العالمية الثانية,استخدم نفوذه في البطش بالعرق اليهودي,وإبادتهم واستعبادهم. وكان اليهود أمام هتلر بلا حول ولا قوة,ولولا حصار روسيا وتدخل أمريكا وتحالف الحلفاء ما كان ليسقط العملاق الألماني. ما فعله تارانتينو أنه جعل سقوطه وموته على يد اليهود بالتعاون مع الأمريكيين.

المعروف أن هتلر انتحر لما شعر باليأس والخزى حين أدرك هزيمته,ولم تحترق به قاعة السينما. إن تارانتينو حرق هتلر مثلما حرق هو اليهود,وأصبح معدومي الحيلة قادرين على إغتيال الزعيم الكبير.

 

2-جوزيف جوبلز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جوزيف جوبلز Joseph Goebbels عبقري الإعلام الذي تقلد منصب وزير الدعاية النازية,واحد من أكبر السياسيين النازيين وأحد شركاء هتلر في تأسيس الدولة النازية وأقربهم إلى هتلر وأكثرهم تفانيا للفوهرر وأكثرهم عداوة لليهود.

 

3-هاينريش هيملر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هاينريش هيملر Heinrich Himmler قائد القوات الخاصة الألمانية وفرقة الجيستابو النازية,معروف أنه أقوى رجال هتلر وأكثرهم شراسة ودموية,وهو يأتي في الفيلم متمثلا بصورة رمزية في القائد النازي برتبة كولونيل هانز لاندا الذي يستعين به النازيون كلما أرادوا التأكد تماما من عدم وجود يهود في أي بلد دخله النازيين. وأثناء عرض قصة الفيلم يكون متمركزا في فرنسا التي احتلتها ألمانيا من أجل القضاء على اليهود,وهي المهمة التي تولاها وجرى عرضها في افتتاحية الفيلم الشهيرة.

 

4-ليني ريفنستال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبقرية السينما الألمانية التي أسست مع جوبلز السينما النازية وصنعت تحت اشرافه أعظم أفلام هذه الحركة الفنية التي تمثل معالم فترة تاريخية تعد من أهم أحداث العصر الحديث والتاريخ عموما. ولم تظهر في ليني ريفنستال Leni Riefenstahl في الفيلم ولكن تم الإشارة إليها بواسطة العرض السينمائي الذي كان يشاهده هتلر ورفيقه جوبلز.

 

5-مارلين ديتريش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معروف عنها أنها المرأة التي تحدت هتلر,وقد تمثلت شخصية مارلين ديتريش Marlene Dietrich في شخصية بريدجيت فون هامر سمارك Bridget von Hammersmark التي تعاونت مع الفرقة الأمريكية ضد القوات النازية,وقد قتلت بقسوة خنقا على يد الكولونيل هانز لاندا في نهاية الفيلم. لاحظ تشابه الملامح الكبير بين المرأتان,وهو أمر تكرر مع تارانتينو في اختياره مارجوت روبي لتؤدي دور شارون تيت في فيلم ذات مرة في هوليوود.

الفترة التي يتناولها الفيلم هي فترة الأربعينات وتحديدا من العام 1941 إلى العام 1944,أثناء الغزو النازي لفرنسا.

 

[2] تزييف التاريخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلم هو عرض سينمائي آخر لمعاناة اليهود في عهد الحكم النازي ولكن على طريقة تارانتينو حيث لا يجعل الروس هم منفذي العدالة على هتلر بل يحقق انتقام اليهود على يد اليهود,تحديدا على يد حسناء يهودية. ما لم يحدث عسكريا قام بتنفيذه تارانتينو سينمائيا. إن المخرج قام بتحريف التاريخ من أجل التهويد الإعلامي بحسب المصطلح الذي استخدمه الكاتب خالد أبو الخير(1). أي استخدام الإعلام من أجل بث فكرة أن اليهود قادرين ومقتدرين,وأنهم لا يتركون ثأرهم مهما طال الزمن,وتجلت هذه الفكرة في مشهدين؛الأول هو حرق شوسانا اليهودية لدار السينما,والثاني هو وسم الملازم ألدو رين Aldo Raine الأمريكي للكولونيل الألماني هانز لاندا. وهنا تتضح حقيقة هامة,وهي أنه مثلما يمثل الإسلام العرب, فإن اليهودية تمثل أمريكا (الفرقة المنقذة تتكون من جنود يهوديين أمرييكين). ولذلك تحققت أقوى المشاهد الإنتقامية ضدد النازيين على أيدي ماكرة يهودية ومقاتل أمريكي. مشهد حرق القادة النازيين مثلما حرقوا اليهود,ومشهد ذبح الجنود الألمان وسلخ فرواة رؤوسهم مثلما ذبحوا اليهود.

أمر آخر يتضح هو أن المخرج يساوي في القبح والشرّ بين قائد النازية هتلر ووزير دعايته جوبلز وصياد اليهود هانز,حيث تم اصطيادهم جميعا في حدث واحد,لولا أن الأخير تم تأخير أجله إلى أجل غير بعيد. ذلك الأخير تم النيل منه على يد قائد فرقة الأوغاد,حيث قام بوسم جبهته بشعار النازية الصليب المعكوف باستخدام خنجره بعد أن سلخ فروة رأس الجندي الذي يرافقه. وبرغم أن الأحداث انتهت بأن أعطى القادة الأمريكيون -الذي ينفذ ألدو أوامرهم- الأمان لهانز مقابل المساعدة التي قدمها لهم. إلا أن القائد الأمريكي يلقي بالأوامر في عرض الحائط حفاظا على كرامة اليهود. وكما قال أبو الخير في مقاله المعنون (احذروا انتقام اليهود):-

"الفيلم يقول ببساطة لنا "اقبلوا اليهود: باحتلالهم لنا،بتنكيلهم بالفلسطينيين،وبطمسهم الهُوية العربية والإسلامية،وإلا..!".

على صعيد آخر تحمل النهاية معنى مغاير وأكثر عمقا من فكرة هيمنة اليهود الغير سطحية بالطبع,وهي تسليط الضوء على معاناة اليهود المعنونة باسم محرقة اليهود,والتي تعد واحدة من أبشع الإبادات الجماعية التي جرت في تاريخ البشرية,ربما من أفظع سبعة مما قد نتناوله في مقال آخر. ولهذا أعطاهم المخرج القدير (شرف) قتل هتلر بأنفسهم وهو ما لم يتحقق لهم في الواقع.

هذا المزج بين التاريخ والخيال تعد واحدة من التقنيات التي أدخلها تارانتينو على سينما التاريخ البديل,فهو لا يستخدم التقنيات التقليدية لهذه النوعية السينمائية,التي تعتمد أغلبها على معرفة المشاهد بأن ما يشاهده خيال علمي وليس خيال تاريخي.

 

 

[2] جانغو الحر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مثلما أتى في عنوان الفيلم يصير جانغو Django حرا على يد كينج شالتز King Schultz طبيب الأسنان السابق وصياد الجوائز التي يحصل عليها من قتله للمجرمين أمثال اللذين كانوا يأسرون جانغو ويحدث اتفاق بين الإثنين,جانغو الأسود وشالتز الأبيض لأن يكونا فرقة لاصطياد المجرمين واقتسام الجوائز الموضوعة على رؤوسهم. وهو هدف يتقاطع مع عملية إنقاذ لزوجة جانغو من مزرعة إقطاعي أبيض له سمعة سيئة في تعذيب الزنوج.

إن ثلاثية تارانتينو التي يعيد فيها صياغة التاريخ جمعت بين ثلاثة أفلام من أفضل ما تم تقديمه في تاريخ السينما الأمريكية؛أوغاد مجهولون,ذات مرة في هوليوود,جانغو الحر. الأخير لم يخالف شقيقيه في إنحيازه التام لنصرة المظلوم على الظالم ضد أشرّ القبائح البشرية؛النازية والطائفية والعبودية. الأخيرة هي موضوع فيلم جانغو الحر كما يبدوا من عنوانه,والذي انتصر فيه المخرج للأسود على الأبيض. وللأسف لا يوجد ما يقال عن الفيلم من ناحية صياغة التاريخ إلا أمر واحد فقط. وهو الغلبة الفانتازية للعبد الأسود على قطيع من الرجال من بني الأبيض الأشداء. وبصحبة رجل واحد يموت لينجو هو وزوجته. لم يكن هذا هو التغيير الوحيد الذي أدخله تارانتينو على المسيرة التقليدية لفيلم يتحدث عن العنصرية في فترة استعباد الزنوج بأمريكا,والتي امتدت من القرن السابع عشر وحتى اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية إلى,عنى الفيلم بالشطر الخاص بسنوات ما قبل الحرب,وتحديدا عام 1858 قبل اندلاعها بعامين. وعادة ما تنتهي مغامرات الزنوج بهزيمتهم وتعذيبهم بأبشع ما يكون.

ليس هذا هو التغيير الوحيد بل أنه جعل الأبيض -رفيق جانغو- طيبا مثل لونه,والأسود شريرا مثل لونه (لو لنا أن نشبه الألوان بمنظور أخلاقي مشوه مثل طريقة تفكير أبناء هذه الفترة). وهو أمر غير معتاد في مثل هذه النوعية من الأفلام. فكان لا يتورع عن القتل بقسوة في سبيل تحقيق هدفه الذي بالرغم من نبله إلا أن رفيقه كان أنبل مضحيا بحياته فقط لاشمئزازه من أن يصافح وغدا مثل كالفين كاندي Calvin Candie.

ملاحظة ثالثة هي أن شخصية جانغو السوداء في فيلم ترانتينو مقتبسة من شخصية جانغو البيضاء في فيلم يحمل نفس الاسم لـ كوربوتشي Corbucci.

 

 

[3] ذات مرة في هوليوود

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معاناة ممثل أمريكي -ريك دالتون Rick Dalton- بسبب التغييرات التي حدثت في صناعة السينما بهوليوود في الستينيات وتأثيراتها السلبية على مسيرته الفنية التي تنعكس سلبا على صديقه وشريكه كليف بوث Cliff Booth.

ويصادف به أن يكون منزله مجاورا لمنزل المخرج المتألق رومان بولانسكي Roman Polanski وزوجته الممثلة الصاعدة بقوة شارون تيت Sharon Tate. ويسرد الفيلم خطان متوازيان لريك وشارون وصولا إلى نقطة التلاقي,والمتمثلة في حدث هجوم عائلة مانسون Manson Family.

هذا هو الفيلم ما قبل الأخير للمبدع ترانتينو على حد قوله المشكوك في صدقه,والذي أهداه إلى صناعة السينما,فيلم عن فيلم.

 

[1] توثيق التاريخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ريك وكليف هم ثنائي خيالي وضعهم تارانتينو وسط أحداث حقيقية وشخصيات حقيقية للتعبير عن حدثين مرتبطين وهامين في تاريخ السينما. الأول هو التحول الحادث في هوليوود بفترة الستينات,والثاني هو هجوم عائلة مانسون. وتمثلت الشخصيات الحقيقية في شارون تيت ورومان بولانسكي وستيف ماكوين وتشارلز مانسون وبروس لي. وقد بنى تارانتينو حكايتى الفيلم على هذين الحدثين. بطل الحكاية الأولى هو الممثل الخيالي ريك دالتون,وبطلة الحكاية الثانية هي الممثلة الحقيقية شارون تيت.

 

أولا فترة الستينات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الزمن داخل الفيلم هو عام 1969,أي في نهاية الستينات ومداخل السبعينات وهي فترة صاحبتها العديد من التغييرات على الصعيدين الثقافي والفني. تلك الأخيرة طال فيها التغيير مختلف الفنون,في الموسيقى ظهرت موسيقى الروك والبوب ومهرجان وودستوك Woodstock وميلاد شخصيات تعد رموز موسيقية وثقافية في القرن العشرين مثل إلفيس بريسلي Elvis Presley ومايكل جاكسون Michael Jackson وفريق البيتلز The Beatles. وفي الموضة ظهرت صيحات الشارلستون Charleston والميني جيب Minijupe وأنماط أخرى أنيقة وغريبة. وفي السينما صعود التلفزيون إلى مكانة تنافس السينما,وبدأ ينتهي عصر أفلام رعاة البقر,وظهور علامات مهمة في صناعة السينما والمتمثلة في المخرج رومان بولانسكي وآخرون.

أما على الصعيد الثقافي فطالت المتغيرات الجوانب السياسية (نيكسون - فيتنام),والإجتماعية (تشارلز مانسون),والعلمية (نيل آرمسترونغ Neil Armstrong),والثقافية (الثورة الطلابية في أوروبا). إلا أن تلك الأخيرة يمكن حذفها لأن الفيلم لم يتطرق إلا للتغييرات الأمريكية في المقام الأول.

 

ثانيا عائلة مانسون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هي عصابة إجرامية طائفية أسسها المجرم الشهير والموسيقي تشارلز مانسون Charles Manson في أواخر الستينات حيث قامت طائفته بعدد من جرائم القتل أشهرهم جريمة قتل الممثلة الأمريكية شارون تيت في سنة 1969. وجريمة مقتل شارون تيت معروفة جدا في الذاكرة الأمريكية وهي تماثل جريمة مقتل سعاد حسني المعروفة جدا في الذاكرة المصرية.

ولأن أغلب العصابة من النساء كانوا يعيشيون في مزرعة سبان Spahn Ranch مقابل خدمات جنسية لصاحب المزرعة جورج سبان George Spahn.

 

[2] تزييف التاريخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من النقاط المهمة في حديثنا عن الخطاب هي نهاية الفيلم,حيث قدم تارانتينو في فيلمه التاسع خاتمة تعد من أقوى نهايات الأفلام في تاريخ السينما. كما يمكن تصنيفها كذلك ضمن النهايات الصادمة. تميزت النهاية الصادمة بالفيلم بأربعة سمات.

 

1-نهاية غير متوقعة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيث عكس الكاتب المصير الحتمي المنتظر للملاك المذبوح شارون تيت على يد الشياطين الجزّارة التابعة لتشارلز مانسون.

 

2-نهاية غير مفهومة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أنواع النهايات الصادمة,أن تكون غير متوقعة لدرجة تكاد توقع المشاهد من على كرسيه,أو أن تقدم خاتمة تعيد صياغة جميع الأحداث السابقة من منظور آخر,والثالثة أن تكون غير مفهومة,ولا يدري المشاهد ما يحدث. وتتشارك الأنواع الثلاثة باللاتوقعية أو الصدمة.

 

3-مفهوم جديد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد قام تارانتينو بخلق مفهوم جديد للنهايات الصادمة والمتمثل في تحريف التاريخ وإشعال النار في الذاكرة البشرية / المدونة التاريخية ليعلي الحدث السينمائي على الحدث التاريخي. "إنه لا يقيم وزنا لما حدث بالفعل على أرض الواقع عندما يصفعك برؤيته المتخيلة التي تعلي من شأن السينما فوق الواقع،ضاربا بتوقعاتك المسبقة عرض الحائط"(2). حيث يفاجَئ المشاهد بأن المخرج خدعه ورمى بالحقيقة التي كان ينتظرها ليعطيه تخيلا نجح في نسجه بـ خيوط / أحداث خيالية مخلوطة بوقائع حقيقية. ويتجلى ذلك في أفلامه الثلاثة ذات مرة في هوليوود وأوغاد مجهولون وجانغو الحر.

 

4-الجمع بين نقيضين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أشار الناقد محمود مهدي في مراجعته للفيلم (3) إلى عدد من المتناقضات التي أستطاع تارانتينو أن يجمعها في النهاية العظيمة لفيلمه الخالد,ومنها نذكر.

1-أن المخرج أوضح بصورة رمزية أن الخلاص كان أمام المجرمين ولكن أعينهم أعماها الحقد والكراهية فلا تراه. وكان ذلك في مشهد إحتراق الفتاة القاتلة في حمام السباحة لما كانت النار تلتهم نصف جسدها العلوي حتى ماتت بينما كان بإمكانها أن تغوص في المياه المحيطة بها من كل جهة لتنقذ نفسها.

2-أن النهاية أتت مريحة وأليمة في ذات الوقت. مريحة في كونها إعادة سرد لتلك الليلة السوداء مع إنزال العقاب الدموي على المجرمين وقتلهم بطرق وحشية لا تقل عن ما فعلوه بضحيتهم شارون تيت ورفاقها. وأليمة في كونها ذكرتنا بتلك المأساة وما كان يمكن أن يحدث لو أن هؤلاء المجرمين قد تورطوا مع شخص مثل كليف بوث أو بروس لي.

كما تحمل النهاية عدد كبير من الرمزيات أكثر مما نذكر في المقال,مثل أن صوت شارون تيت يأتي كأنه من عالم آخر ليكون التصوير البصري (منظور عين الإله) والسمعي (صوتها من خلف حاجز) محيطا للمشاهد بالصورة الملائكية لشارون تيت كأنها آتية من عالم آخر,ربما عالم الموت,أو السماء. وفي إشارة أخرى ذكية نجد إرتباطا بينها وبين ريك دالتون بسبب عدة ظروف مما يجعلها طوق نجاة ينقذ الممثل الساقط من الفشل بعد أن أنقذها من الموت. وغير ذلك الكثير من الدلالات والإشارات الذكية.

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــ

 

1-خالد أبو الخير

مقاله المعنون "احذرو انتقام اليهود" والمنشور على موقع البوابة بتاريخ 2013.

 

2-أمير العمري

مقاله على موقع عين على السينما والمنشور في جريدة العرب اللندنية

تارانتينو يستعيد سحر السينما في “ذات مرة في هوليوود”.

 

3-محمود مهدي

مراجعته اليوتيوبية على قناة فيلم جامد

 

 

سينماتك في ـ  23 أكتوبر 2020

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004